أقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، مأدبة إفطار بمناسبة شهر رمضان المبارك، لأصحاب الفضيلة العلماء والقضاة...
رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الكتاب: "في وداع الأعلام"
المؤلف: الشيخ د. يوسف القرضاوي
الحلقة : الثامنة عشرة
إن أخطر شيء على حياة الأمة المعنوية، أن يذهب العلماء، ويبقى الجهال، الذين يلبسون لبوس العلماء، ويحملون ألقاب العلماء، وهم لا يستندون إلى علم ولا هدى ولا كتاب منير. فهم إذا أفتوا لا يفتون بعلم، وإذا قضوا لا يقضون بحق، وإذا دعوا لا يدعون على بصيرة، وهو الذي حذر منه الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن عمرو "إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من صدور الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يُبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" (متفق عليه).
ولعل هذا الشعور هو الذي دفعني في السنوات الأخيرة إلى أن أمسك بالقلم لأودع العلماء الكبار بكلمات رثاء، أبين فيها فضلهم، وأنوّه بمكانتهم، والفجيعة فيهم، حتى يترحم الناس عليهم، ويدعوا لهم، ويجتهدوا أن يهيئوا من الأجيال الصاعدة من يملأ فراغهم، وإلا كانت الكارثة.
إن مما يؤسف له حقّاً أن يموت العالم الفقيه، أو العالم الداعية، أو العالم المفكر، فلا يكاد يشعر بموته أحد، على حين تهتز أجهزة الإعلام، وتمتلئ أنهار الصحف، وتهتم الإذاعات والتلفازات بموت ممثل أو ممثلة، أو مطرب أو مطربة أو لاعب كرة أو غير هؤلاء، ممن أمسوا (نجوم المجتمع)!.
وأسف آخر أن العلمانيين والماركسيين وأشباههم إذا فقد واحد منهم، أثاروا ضجة بموته، وصنعوا له هالات مزورة، وتفننوا في الحديث عنه، واختراع الأمجاد له، وهكذا نراهم يزين بعضهم بعضاً، ويضخم بعضهم شأن بعض. على حين لا نرى الإسلاميين يفعلون ذلك مع أحيائهم ولا أمواتهم، وهذا ما شكا منه الأدباء والشعراء الأصلاء من قديم.
وفي هذه الحلقة يتحدث الشيخ القرضاوي الأستاذ حسن الهضيبي المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين:
الأستاذ حسن الهضيبي
المرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين
(1309 - 1393هـ = 1891 - 1973م) ( 1 - 2 )
مصري ولد في (عرب الصوالحة) سنة 1309هـ، قبيلته عربية عريقة في عروبتها ودينها، ودرس في كلية الحقوق، وتخرج فيها سنة 1335هـ، واشتغل بالمحاماة، ثم عُين في القضاء، ومستشار في محكمة النقض، سعادته خير قدوة لرجال القانون؛ فقد عُرف في جميع مراحل حياته باللباقة وسمو الخلق، والغيرة على الإسلام والدعوة إليه، وهو يحفظ القرآن، وذو رأي مسدَّد في كل ما يتصل باللغة والإسلام، كما أن لسعادته دراسات واسعة في القانون المقارن والتشريع الإسلامي، واطلاع واسع على كتبه وموسوعاته) هكذا عرف الإمام البنا في (مجلة الشهاب) المستشار حسن الهضيبي، وقد نُشرت صورته في (سجل التعارف الإسلامي) في العدد الأول، وكأن هذا التعريف الشامل المركز من الأستاذ البنا، كان يحمل ترشيحًا لصاحبه، ليقود سفينة الجماعة من بعد مرشدها الأول، رحمهما الله جميعًا.
كان الأستاذ الهضيبي على صلة قديمة بالإخوان، وبالأستاذ حسن البنا، ولكن منصبه القضائي جعله يبتعد عن الظهور العلني في الإخوان.
اختير الأستاذ الهضيبي مرشدًا عاما لجماعة الإخوان المسلمين بعد استشهاد مرشدها الأول الإمام حسن البنا، وقد حل هذا الاختيار عقدة اختيار المرشد من رجال الصف الأول البارزين: صالح عشماوي وكيل الإخوان، وعبد الرحمن البنا عضو مكتب الإرشاد وشقيق المرشد الأول، وعبد الحكيم عابدين السكرتير العام للجماعة وزوج أخت الأستاذ، والشيخ أحمد الباقوري أحد قدامى الإخوان، وغيرهم من المتطلعين إلى منصب المرشد العام، وكل يزعُم- أو يُزْعَم له- أنه أحق به من غيره، وقد تنازعوا فيما بينهم: أيهم يقود الجماعة، ولم يتفقوا على واحد منهم؛ فكان اختيار الأستاذ الهضيبي من خارج المجموعة كلها حلًّا للإشكال، فحسم اختياره النزاع، ووحد الوجهة، ووجدت السفينة ربانًا يقودها باسم الله مجراها ومرساها، وإن بقي في بعض النفوس ما بقي، مما لا يسلم منه البشر.
وكان الإخوان قد اختاروا مقرا مؤقتا في حي "الظاهر" بالقاهرة، يلتقون فيه حتى يكسبوا قضيتهم، وتعود إليهم ممتلكاتهم، ومنها المركز العام بالحلمية الجديدة.
وكان أول لقاء عام بالإخوان للأستاذ الهضيبي في هذا المقر المؤقت، وقد أوصى الإخوان بتقوى الله عز وجل، والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وطلب منهم أن يُقِلُّوا الحديث عما أصابهم من بلاء في سبيل الدعوة؛ فهذا أول الطريق، وكأنه يستشف ما يُكنُّه ضمير التاريخ من محن كبيرة مخبَّأة للإخوان.
وبعد جهود واتصالات ومظاهرة أمام مجلس النواب، وضغط على حكومة الوفد أُلغي قرار حل الإخوان، وعادوا رسميًّا ليمارسوا نشاطهم تحت سمع القانون وبصره، وتسلَّموا مركزهم العام، ليقيموا فيه (أحاديث الثلاثاء)، التي أمسى يتعاقب عليها عدد من دعاة الإخوان، ولكن أين من يملأ مكان حسن البنا؟
الهضيبي والملك فاروق
وفي هذا الوقت طُلب من الأستاذ الهضيبي أن يزور الملك فاروق، وحدد موعد الزيارة، وكأن الملك أراد بذلك أن يقيم صلة، أو يعقد هدنة مع الإخوان، بعد أن اغتيل مرشدهم الأول لحسابه، وذهب الأستاذ الهضيبي للقاء الملك، وجرى بينهما حديث عن الله ثم الملك، ثم الشعب، فعقب الهضيبي قائلا: بل الله، ثم الشعب، ثم الملك.
وبعد خروج الأستاذ الهضيبي من الزيارة الملكية، سأله الصحفيون عن مضمون هذه الزيارة، فقال: لقد كانت زيارة كريمة لملك كريم.
واستغلها خصوم الدعوة؛ ليشوشوا على الإخوان، وعلى مرشدهم الجديد، وليجعلوا منها مقدمة لدوران الإخوان في فلك القصر، وأن الهضيبي إنما جاء ليؤدي هذا الدور، وكل هذه أوهام وأباطيل، وإنما قالها الرجل على سجيته جملة يريد بها المجاملة، لا أكثر من ذلك، وما غيَّر الإخوان من أهدافهم، ولا من مناهجهم، قِيدَ شعرة، كما يعرف ذلك كل مراقب للإخوان، مُطَّلِع على مسيرة الإخوان.
وقد ذكر الأستاذ محمود عبد الحليم في الجزء الأول من كتابه (الإخوان المسلمون.. أحداث صنعت التاريخ) بعض التفاصيل عن هذه الزيارة، منها: أنهم بعثوا إلى الأستاذ الهضيبي من القصر حلة خاصة لا يقابَل الملك إلا بمثلها، يسمونها (الردنجوت)، فرفض الهضيبي أن يلبسها، وأصر على أن يلقى الملك بحلته المعتادة، وقبلوا بذلك لأول مرة.
ومنها: أن الملك ظل يتحدث نحو الساعة، معتذرًا عمَّا أصاب الإخوان، وأنه من عمل حزب السعديين وحكومتهم، وأنه هو الذي أقال حكومة إبراهيم عبد الهادي، وأمر بالإفراج عن الإخوان… إلخ، والأستاذ ساكت.
ومنها: أن الملك أرسل إلى الهضيبي صورة فاخرة له موقعة بخطه، وكان ينتظر أن يعلقها في مكتبه، فلم يفعل، ولكنه أخذها إلى بيته، ووضعها على الأرض في مكان لا يراه أحد.
الهضيبي والنظام الخاص
حينما اختير الأستاذ الهضيبي مرشدا للجماعة، وعرف بقصة النظام الخاص وتاريخه ونفوذ قادته باستقلالهم عن الجماعة، أحس بأن هذا خطر يجب أن يقاوم، فأعلن أول الأمر أن لا سرية في الإسلام.
ثم يبدو أن بعض الإخوان أقنعوه أن الدعوة لا سرية فيها، ولكن بعض التنظيمات تقضي الضرورات التي تعيشها بلادنا أن تكون سرًّا، ولا سيما مع وجود الاحتلال الإنجليزي، والحكومات الموالية له، وفساد القصر، وتهديد الدولة الصهيونية على حدود مصر… إلخ، فوافق المرشد على بقائه، على أن يحدث فيه بعض التغيير، وخصوصا في القيادة.
ويظهر أن النظام شعر بذلك، فبدأ يقاوم ذلك؛ وهو ما أدى إلى فصل أربعة من كبار أعضائه وقادته، وهم: رئيس النظام عبد الرحمن السندي، ومحمود الصباغ، وأحمد زكي حسن، وأحمد عادل كمال.
وكان ذلك على إثر حادثة غير مسبوقة ولا ملحوقة في تاريخ الإخوان، تمثل جريمة من الجرائم الكبرى التي لا تبرر بحال من الأحوال، وهي قتل أحد الإخوة المخلصين والمهمين الناقمين على قادة النظام، وهو المهندس (السيد فايز)، الذي كان موضع الرضا والقبول من المرشد العام، ومن كل من عرفه؛ لما تميَّز به من حسن الفهم، وحسن الخلق، والبذل والإخلاص للدعوة.
وكان قتله بطريقة بشعة؛ إذ أرسلت له علبة حلوى بمناسبة المولد النبوي، وكان غائبًا عن المنزل؛ فلمَّا عاد وفتح العلبة انفجرت فيه، فأودت بحياته، وحياة شقيقه الصغير، وكانت أصابع الاتهام كلها تشير إلى النظام، وإن كان التحقيق الرسمي لم يسفر عن شيء.
وكانت هذه الجريمة النكراء سبب استياء عارم، وسخط عام في صفوف الإخوان؛ فكيف يستحل الأخ دم أخيه، وإن اختلف معه في الرأي؟ وبأي ذنب قُتلت هذه النفس التي حرّم الله، والتي جعل القرآن وكُتبُ السماء من قتلها فكأنما قتل الناس جميعا؟ ومن أفتى هؤلاء بإباحة هذا الدم الحرام؟ أم أنهم جعلوا من أنفسهم المفتي والقاضي والمنفِّذ؟
ومع هذا لم يكتفِ رجال النظام بما اقترفوا، بل أرادوا أن يقاوموا قرار فصل الأربعة الذي صدر من مكتب الإرشاد العام صاحب السلطة التنفيذية العليا في الجماعة، والذي من حقه أن يفصل الأعضاء بناء على اعتبارات يراها، وليس من الضروري أن يعلن الأسباب، ولا سيما إذا كان ذلك يضر بالجماعة.
أراد رئيس النظام ومن عاونه من شباب النظام أن يحدثوا انقلابًا غير دستوري في الإخوان بأن يحتلوا المركز العام بالقوة، وأن يذهب فريق منهم إلى منزل المرشد العام، ويرغموه على الاستقالة، وأن يتولى فريق من كبار الإخوان المركز العام ويديروه حتى يختار الإخوان لهم مرشدًا جديدًا.
وبالفعل احتلوا المركز العام، وذهب خمسون منهم إلى بيت المرشد، مقتحمين بغير استئناس ولا استئذان، كما هو أدب الإسلام، وطلبوا منه الاستقالة فرفض، وبهذا أخفقوا في هذا البند.
وقد تجاوب معهم من الكبار الأستاذ: صالح عشماوي، والشيخ محمد الغزالي، والدكتور محمد أحمد سليمان، والأستاذ أحمد عبد العزيز جلال، والشيخ سيد سابق، الذي قيل: إنهم اختاروه مرشدًا بدل الهضيبي!
وقام الأخ الأستاذ عبد العزيز كامل بدور مهم في محاولة فضّ هذا الأمر، وإقناع الشباب بالانصراف، وقد استجابوا له بالفعل، فلم يأتِ الفجرُ حتى كانوا قد رحلوا.
وسرعان ما شعر الكثير منهم بجسامة ما اقترفوا، وسارع بعضهم إلى التوبة والاعتذار، ومنهم الأخوان الكريمان: علي صديق، وفتحي البوز.
وفي المساء امتلأ المركز العام بالإخوان، وتحدث عدد من دعاة الإخوان: عبد الحكيم عابدين، وسيد قطب، وسعيد رمضان، وعز الدين إبراهيم، وخُتم اللقاء بكلمة المرشد العام.
واعتذر د. سليمان، وأعلن ثقته بالمرشد العام، واكتفى منه بذلك، وأحيل الثلاثة الآخرون (عشماوي والغزالي وجلال) إلى (لجنة العضوية) بالهيئة التأسيسية بصفتهم أعضاء بها، لتنظر في أمرهم، وانتهى الأمر بفصلهم، وهي نهاية مؤسفة، ولكن لم يكن بد وكما قال الشاعر:
إذا لم يكن إلا الأسنَّةُ مركبٌ فما حيلة المضطر إلا ركوبها!
الهضيبي والضباط الأحرار
كان كل شيء في مصر يبشر بأن تغييرًا لا بد أن يقع، فكان التغيير هو قيام (ثورة 23 يوليو 1952م) التي سميت أول الأمر (حركة الجيش المباركة)، ثم أطلق عليها (الانقلاب)، ثم استقرت على اسم (الثورة).
لقد استبشر الشعب بانقلاب هؤلاء الضباط الذين قالوا عنهم (حَمَلَة المصاحف) كما قالوا عنهم: إنهم من تلاميذ الشيخ محمد الأودن. كما قيل: إن منهم عددًا من الإخوان.
وقد طُلب منا نحن الإخوان أن نحرس المنشآت الأجنبية من احتمال تحرك أي أيد مخربة، تحاول أن تصطاد في الماء العكر، والوضع حساس لا يحتمل وقوع أي حادث يكدر صفو الأمن، ويظهر وجود معارضة للانقلاب.
كان رجال الجيش يعتبرون الإخوان هم سندهم الشعبي، فلا غرو أن اعتمدوا عليهم في حراسة المنشآت ومراقبة أي تحرك مريب.
ولكن من الأيام الأولى بدأ لون من الحساسية يظهر عند رجال الانقلاب، حتى صدر بيان يعلن أن حركة الجيش حرة مستقلة عن الجماعات والأحزاب، وليس لأي منها سلطان عليها، وكان البيان يعني الإخوان خاصة.
ويبدو أن الأستاذ الهضيبي منذ أول لقاء معهم لم يسترح لهم، كما لم يستريحوا له، وهذا الشعور بعدم الارتياح المتبادل من الطرفين كان له أثره فيما بعد.
وحين كان عبد الناصر يزور بعض المناطق كان الإخوان يستقبلونه على طريقتهم بالتهليل والتكبير، وخصوصا أن الكثيرين من عوام الإخوان كانوا يحسبون أن حركة الجيش حركة إخوانية، أو على الأقل موالية ومساندة للإخوان، وقد سمعت بأذني في مدينة الحوامدية، حين كبر الإخوان وعبد الناصر يتكلم ما قاله وهو غاضب ثائر: إلى متى تظلون كالببغاوات، تهتفون وتصرخون ولا تدرون ما تقولون؟
ساءت العلاقة بين الإخوان والثورة، واقتيد الإخوان إلى السجون، ومما عرفناه ونحن في السجن الحربي: أن الأستاذ الهضيبي بعث برسالة إلى الرئيس محمد نجيب، تتضمن بعض النصائح، ويطالبه فيها بإعادة الحريات والحياة النيابية إلى الشعب، ومما أذكره مما جاء في هذه الرسالة قوله: إنكم عبتم على الأحزاب والزعماء قبل الثورة: أنهم لم يقولوا للملك وبطانته: لا، حيث يجب أن تقال. وأنتم بموقفكم من الإخوان تمنعونهم أن يقولوا لكم: لا، حيث يجب أن تقال.
ثم وقعت أحداث فبراير عام 1954 التي بدأت داخل الجيش وسلاح الفرسان بقيادة خالد محيي الدين، بعد إعلان قبول استقالة محمد نجيب.. خرجت المظاهرات تطالب نجيبا بالبقاء. وكان من المعروف أنها من تدبير الإخوان المسلمين.. وشهدت القاهرة أعنف المظاهرات، واضطر عبد الناصر إلى إعادة نجيب.
وفي يوم 28 فبراير خرجت المظاهرات من جامعة القاهرة والأزهر، ومن أبناء الشعب، فأصيب عدد من المواطنين، منهم الطالب ثروت يونس العطافي الطالب بكلية الهندسة، واستشهد أحد طلاب الإخوان، وهو الطالب توفيق عجينة، وحمل المتظاهرون قمصان المصابين ملوثة بدمائهم وتوجهوا إلى قصر عابدين.. وخرج إليهم محمد نجيب محاولا دفعهم للانصراف.. ولكنهم لم يتحركوا.. ولمح بينهم الأستاذ عبد القادر عودة، فدعاه إلى الشرفة لإلقاء خطاب لفض المتظاهرين- وصعد بالفعل، ووقف بجوار محمد نجيب الذي أعلن أنه سينشئ الجمعية التأسيسية وسيعيد الحياة النيابية.. وانصرفت المظاهرات. وجاء في خطاب نجيب ما يلي:
إننا قررنا أن تكون الجمهورية جمهورية برلمانية على أساس، هو أن نبدأ فورًا بتأليف جمعية تأسيسية تمثل كافة هيئات الشعب المختلفة، لتؤدي وظيفة البرلمان مؤقتًا، وتراجع نصوص الدستور بعد أن يتم وضعها. وبعد ذلك تعود الحياة النيابية إلى البلاد في مدة أقصاها نهاية فترة الانتقال. وهذا أمر متفق عليه.. ونحن عند وعدنا الذي قطعناه على أنفسنا من أننا لم نقم إلا لإعادة الدستور على أساس سليم في نهاية فترة الانتقال). واختتم نجيب كلمته قائلا: (نحمد الله سبحانه تعالى مرة أخرى على أننا اجتزنا هذا الامتحان القاسي بنجاح.. وأؤكد لكم مرة أخرى أني لا أطمع في حكم أو سلطة أو جاه، وإنما أطمع فقط في أن أؤدي واجبي، وأن تزهق روحي في سبيل بلادي وتحريرها، وفي سبيل اتحاد أبنائها. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته)
وكانت تلك الكلمة سببًا في انصراف المتظاهرين.
وفي نفس الوقت ثارت ثائرة عبد الناصر ضد الإخوان المسلمين، فقد همس معاونوه أن الذي أوحى لنجيب بهذا الكلام هو عبد القادر عودة، أحد أقطاب الإخوان، الذي كان يقف إلى جوار نجيب في شرفة قصر عابدين.
ومرت ثلاثة أيام، وفي يوم 2 مارس قامت سلطات البوليس الحربي باعتقال 118 شخصًا بينهم 45 من الإخوان، و20 من الاشتراكيين، و5 من الوفديين، و4 شيوعيين، بادعاء أنهم كانوا يدبرون لإحداث فتنة في البلاد، مستغلين فرحة الشعب بعودة نجيب.. وكان في مقدمة المقبوض عليهم: حسن الهضيبي وعبد القادر عودة وصالح أبو رقيق وأحمد حسين زعيم الاشتراكيين. ثم بعدها بقليل أفرج عن المعتقلين، وخرج الأستاذ الهضيبي، وكان له مؤتمر حاشد ليلة خروجه في المركز العام للجماعة، أوصى الأستاذ في كلمته في المؤتمر الإخوان: ألا يكثروا الحديث عما أصابهم من المحن في سبيل الله، فإنهم لا يدرون ما ينتظرهم مما يخبئه الغد. وكأنما كان ينظر إلى الغيب من وراء ستر رقيق.
مجلس الثورة
في يوم 25 مارس هذا الذي تقرر فيه الإفراج عن آخر دفعة من المعتقلين هو نفس اليوم الذي اجتمع فيه مجلس الثورة اجتماعا استمر خمس ساعات بحث خلالها الموقف الداخلي. وبعد انتهاء الاجتماع خرج الصاغ كمال الدين حسين إلى الصحفيين وأذاع عليهم القرار التاريخي وهذا نصه:
قرر مجلس الثورة بجلسته اليوم25/3/1954:
أولا: يسمح بقيام أحزاب.
ثانيا: المجلس لا يؤلف حزبا.
ثالثا: لا حرمان من الحقوق السياسية حتى لا يكون هناك تأثير على الانتخابات.
رابعا: تنتخب الجمعية التأسيسية انتخابا حرا مباشرا بدون أن يعين أي فرد وتكون لها السيادة الكاملة والسلطة الكاملة، وتكون لها سلطة البرلمان كاملة، وتكون الانتخابات حرة.
خامسا: حل مجلس الثورة في 24 يوليو المقبل باعتبار الثورة قد انتهت وتسلم البلاد لممثلي الأمة.
سادسا: تنتخب الجمعية التأسيسية رئيس الجمهورية بمجرد انعقادها.
وبعد أن نشرت الصحف هذه القرارات، نشرت ما يأتي:
(تم الإفراج أمس عن الأستاذ حسن الهضيبي من السجن الحربي، كما أفرج عن باقي أعضاء جماعة الإخوان المعتقلين. وقد تم اتصال أمس بين المسؤولين وبين السيد حسن الهضيبي المرشد العام قبل الإفراج عنه بشأن عودة جماعة الإخوان المسلمين إلى نشاطها السابق).
وقد تم الاتفاق معهم على ثلاث نقط:
أولا: أن تعود الجماعة إلى سابق نشاطها وكيانها بدون أي حد من حرياتها، وإعادة أموالها المصادرة وشعبها ومركزها العام.
ثانيا: الإفراج فورًا عن جميع الإخوان مدنيين أو عسكريين مع إعادة من فصل منهم إلى الخدمة العسكرية.
ثالثا: أن يصدر مجلس الثورة بيانا يوضح فيه حقيقة الأسباب التي اعتبرها داعية إلى حل الإخوان. ويكون هذا البيان بمثابة الختام في هذه المسألة المؤسفة.
وقد صرح السيد حسن الهضيبي للمسؤولين بأن الإخوان سيكونون بعد عودتهم عونا للحكومة على طرد الإنجليز من منطقة قناة السويس، ورد اعتداءاتهم الوحشية. وفي منتصف ليلة أمس توجه البكباشي جمال عبد الناصر إلى منزل الأستاذ الهضيبي حيث اجتمع به في منزله.
وبدأت جماعة الإخوان المسلمين تستأنف نشاطها من يوم 26 مارس.. واعتقد الجميع أن الحياة النيابية ستعود.. وفي نفس اليوم بدأ عبد الناصر تنفيذ خطته.. وفوجئت القاهرة بتوقف جميع وسائل النقل بها في الساعة الواحدة ظهرا ما عدا الترام، بعد أن استطاع عبد الناصر أن يستميل إليه الصاوي أحمد الصاوي رئيس اتحاد نقابات عمال النقل، بعد أن دفع له أربعة آلاف جنيه، ليعلن إضرابا شاملا لمطالب خاصة، ثم بدأت الإذاعة تذيع إضراب العمال بسبب قرارات عودة الحياة النيابية للبلاد، ورغبتهم في الإبقاء على مجلس الثورة.
وبدأت المظاهرات تشتد.. وهي المظاهرات التي كان يدبرها البوليس الحربي، وكانت تطالب بعدم عودة الحياة النيابية.. وتهتف بسقوط المثقفين! وذهبت إلى مجلس الدولة، فاعتدت على رئيسه القانوني الكبير د.عبد الرزاق السنهوري!
أنا والهضيبي
أنا لم أختلط بالأستاذ الهضيبي كثيرًا، فقد كنت طالبًا في كلية أصول الدين وفي تخصص التدريس، أيام ولايته، ولكني لقيته عدة مرات من قريب، ووجدته رجلًا سهلًا سمحًا، قريبًا، على غير ما يُظَنُّ به.
أول ما لقيته كان في مدينة المحلة الكبرى، وقد أقام الإخوان له حفلًا كبيرًا، كنت من المتحدثين فيه، وكنت شابًّا متحمِّسًا، فكانت كلمتي معبرة عني، وعن شخصيتي في ذلك الوقت.
وعندما تحدث هو بعد خطباء الحفل قال: أنا لا أحسن الخطب الحماسية مثل الشيخ القرضاوي، ولكني أنصحكم بكذا وكذا أو بكذا. فكانت كلماته أشبه بتعليمات محددة.
ودعاه رجل المحلة الأول — رجل البر والخير — عبد الحي باشا خليل في بيته، فذهبنا معه، وكان موضع التجلة والاحترام من هؤلاء الأعيان.
وكذلك ذهبنا معه في اليوم التالي لزيارة مصنع المحلة، فكان الجميع يحترمونه ويقدرونه.
وزارنا في المحلة مرة أخرى، ومعه سيد قطب، وعبد الحكيم عابدين، فتعرفت به أكثر.
وذهبت معه مرتين قبل الثورة إلى مدينين من مدن مصر: مرة في مدينة كفر الشيخ، ومرة في مدينة السويس. وكان معه في كلتا الزيارتين: الشيخ أحمد حسن الباقوري، فقد كان قريبا منه. وكان الإخوة في قسم نشر الدعوة يريدون أن أحضر مع المرشد والباقوري لأكملهما، فكلاهما يحدث الخاصة، ولا يخاطب الجماهير. وكأن الأستاذ المرشد استراح إلى ذلك، فكان يرحب بوجودي.
وفي عودتنا من رحلة السويس، كنتُ رفيقَهما في السيارة التي حملتهما، وهنا اقتربت أكثر من الأستاذ الهضيبي، واستمعت إلى بعض نكاته، ومنها نكات يعدها بعض الناس خارجة! ويبدو أن الأستاذ الهضيبي — من خلال هاتين المرتين — كوَّن عنِّي فكرة حسنة.
ففي أوائل الثورة في شهر أغسطس: أُبْلِغْتُ بأن الأستاذ المرشد يريدني أن أذهب لزيارة الإخوة في سورية والأردن، أنا والأخ محمد علي سليم من إخوان الشرقية. وبعد عودتي كتبت له تقريرا عن الرحلة، ولما لقيته في مناسبة بعدها، قال لي: لقد قرأت تقريرك عن رحلتك إلى بلاد الشام، واهتممت به، وخصوصا ما كتبته عن (حزب التحرير).
وعندما أنشأ عبد الناصر (هيئة التحرير) لتكون سنده الشعبي، بدلًا من الإخوان، وبدأت تحدث تحديات وصدامات في بعض البلدان، أرسلني الأستاذ المرشد لأجوب مدن الصعيد كلها من الفيوم إلى أسوان، لألقى الإخوان، وأحثهم على أن يتمسكوا بدعوتهم، ولا يذوبوا في أي جماعة أخرى، ولا يصطدموا بأحد يريد أن يجرهم إلى الصدام بوسيلة وأخرى.
وفعلا قمت بهذه الرحلة، وكانت من أخصب الرحلات، وأكثرها بركة.
وعندما اعتقلنا في المرة الأولى في عهد الثورة في يناير 1954م، وأخذنا إلى العامرية، ثم نقلونا — أنا وخمسة من الإخوان — إلى السجن الحربي: أنزلونا في سجن رقم 4، وكان فيه الأستاذ الهضيبي وكبار الإخوان، وكانوا يغلقون الزنازين في أول الأمر علينا، ثم فتحوها لنا. فكنا نصلي جماعة. وهنا أمرني الأستاذ أن أؤم الإخوان، وقد أطلت في بعض الصلوات الجهرية، فنصحني أن لا أطيل، مراعاة للكبير والمريض وذي الحاجة.
ثم نُقِل الأستاذ وكبار الإخوان إلى عنبر الإدارة، وكان هذا آخر عهدي به، حتى إني لم أحضر اللقاء الكبير الذي أقيم في المركز العام يوم خروج الإخوان من السجن الحربي، بعد أن اصطلحوا مع عبد الناصر، فقد كنتُ المعتقلَ الوحيد الذي تأخر الإفراج عنه يومًا واحدًا، كما حكيت في الجزء الثاني من هذه المذكرات.
حتى إني حين اعتقلت في المرة الثانية بعد حادث المنشية: بقيت فترة في حجز مباحث المحلة الكبرى، التي تولَّت التحقيق معي، فلم أصل إلى السجن الحربي، إلا يوم خروج الأستاذ الهضيبي منه بعد أن صدر الحكم عليه وعلى ستة معه بالإعدام!
ولما حدث الخلاف الذي حدث بين الأستاذ الهضيبي وجماعة من الإخوان القدامى، على رأسهم الأستاذ البهي الخولي، والمشايخ: الغزالي وعبد المعز عبد الستار وسيد سابق ومحمد جودة وآخرون. وأني كنت أنا وأخي العسال والدمرداش وآخرون أقرب إلى صف المشايخ. فلما وقعت الواقعة، انضممنا إلى ركب الجماعة، وحوكمنا مع من حوكموا، وعُذِّبْنا مع من عذبوا، ونرجو أن يكون ذلك في ذات الله تعالى، وأن لا نحرم أجره عند الله.
لا يختلف اثنان من الإخوان — حتى من المعارضين — في أن الأستاذ الهضيبي مسلم عظيم، وأنه من الذين أخلصوا دينهم لله، فليس من المتاجرين بالدين ولا بالدعوة، ولا يريد من وراء عمله للإسلام جزاء ولا شكورًا، وأنه رجل نظيف لا يماري أحدا في نظافته، وأنه لم يسعَ إلى قيادة الإخوان، ولكن الإخوان هم الذين سعوا إليه، وأنه لم يستفد لنفسه ولا لأسرته من وراء الدعوة شيئًا ماديًّا قط، إلا ما أصابه من لأواء في سبيل الله، وأنه رجل صلب لا يداهن في دينه، ولا يجامل أحدًا في أمر الدين، وهو يقول الحق ولا يخشى فيه لومة لائم، وأنه أوذي في الله — مع كبر سنه — فما وهن ولا ضعف ولا استكان، ولا طأطأ رأسه لمخلوق، وأنه كان يعامل عبد الناصر ورجال الثورة بعزة واستعلاء، معاملة الند للند، والسيد للسيد، اعتزازًا منه بأنه يمثل دعوة الإسلام.
ولعل هذه النقطة الأخيرة هي التي جعلت بعض الإخوان يقولون: إن موقف الأستاذ الهضيبي من رجال الثورة عامة، ومن عبد الناصر خاصة، ومعاملتهم باستعلاء وربما بازدراء! هي التي ولَّدت هذه الجفوة بين الطرفين، التي انتهت إلى خصومة، ثم انتهت إلى صراع بين الطرفين. ويقولون: لو كان حسن البنا في موقف حسن الهضيبي لكان له موقف آخر، ولاستطاع برفقه وتلطفه ولين طبعه: أن يجذبهم إلى ساحته، وأن يأخذهم بالتي هي أحسن، وأن يهتدي بقول الله تعالى: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} [آل عمران:159].
ولكنه نفر منهم، ونفروا منه، وأغلظ عليهم، وأغلظوا له، وساء ظنه بهم، فساءت ظنونهم بالجماعة.
هكذا رأيت بعض الإخوان يفكرون، وسمعتهم يتكلمون، فهل هذا المنطق مسلَّم؟ وأن موقف الأستاذ الهضيبي هو السبب الأول فيما جرى؟! ومن يدري ماذا كان سيفعل حسن البنا لو كان حيًّا، فهذا علمه عند الله، ولا يملك أحد أن يقوّل غيره في ذلك ما لم يقل.
على أن الذي يبدو لي من تسلسل الأحداث، ومما أظهره عبد الناصر من أفكار وتوجهات: أن الرجل لم يكن يريد لأحد — لا الإخوان ولا غيرهم — أن يشاركه في الحكم، ولو بالمشورة والتسديد. وقد أعلن في الأيام الأولى للثورة: أنها مستقلة ولا وصاية لأحد عليها.. وقال بصراحة للإخوان: إنه يريد أن يضغط على زر فتتحرك مصر من الإسكندرية إلى أسوان، ويضغط على زر آخر، فتتوقف مصر من الإسكندرية إلى أسوان!
كان في إهاب عبد الناصر (دكتاتور) يريد أن يستبد بالأمر، ولا يكون لأحد معه رأي ولا قول، إلا ما كان يسير في ركبه، ويدور في فلكه. ومثل هذا الطاغية المتجبر في الأرض: لا يمكن أن ينسجم مع أي رجل ينصح له، أو يقول له كلمة حق، أو يأمره بمعروف، أو ينهاه عن منكر، سواء أكان حسن البنا أم حسن الهضيبي.
الأستاذ الهضيبي والحفاظ على الخط الفكري للجماعة
ذاق الإخوان في سجون عبد الناصر الويلات، وألهبت ظهورهم السياط، وظهرت ظاهرة جديدة ليست من أدبيات الإخوان ولا فكرهم ألا وهي (الغلو في التكفير)، والتفاف طائفة — جلهم من الشباب الحديث السن الحديث العهد بالدعوة — حول هذا الفكر المتطرف، إلى حد جعلهم يرفضون الصلاة مع إخوانهم في العقيدة والفكرة، وشركائهم في الاضطهاد والمحنة، وأساتذتهم في الدعوة والحركة.
ولا يصعب على الدارس أن يلمس سبب هذا التطرف، فهو يكمن في المعاملة الوحشية التي عومل بها السجناء، والمعتقلون، والتي لا تتفق مع دين ولا خلق ولا قانون ولا إنسانية.
لقد اقتيد هؤلاء الشباب البرآء من بيوتهم إلى ساحات التعذيب، وصب عليهم من ألوان القهر والإذلال والتنكيل ما لا يكاد يتحمله بشر، لقد تفننوا في إيذاء الأبدان، وإهانة الأنفس، والاستخفاف بالعقول، وتحطيم الشخصية، والاستهانة بالآدمية، إلى حد يعجز القلم عن تصويره، ويتوقف العقل في تصوره.
ولم هذا كله؟ إنهم — في نظر أنفسهم على الأقل — لم يقترفوا ذنبا؛ إلا أن يقولوا: ربنا الله! لم يقترفوا في حق أحد جرمًا، ولم يفكروا في شر، ولم يجتمعوا على معصية وفجور. كل ما فعلوه أنهم آمنوا بالإسلام نظام حياة، التزموا به فكرًا وسلوكًا، واعتبروا الدعوة إليه وإلى تطبيق شرعه واجبًا يأثمون بتركه، والتقصير فيه، فلماذا يشردون ويعذبون، وينكل بهم أشد التنكيل؟
وزاد الطين هنا بلة جملة أمور:
أن الفسقة والفجار والملاحدة واللادينيين طلقاء أحرار، لا يحاسبهم أحد، ولا يعاقبهم أحد، بل وثبوا على أجهزة الإعلام والتوجيه وغيرها يوجهونها كما يشاءون إلى الكفر والفسوق والعصيان.
وأن الذين يعذبونهم وينكلون بهم لا دين لهم ولا تقوى، بل كان منهم من يسخرون من تدينهم، ومنهم من ظهر على لسانه من الكلمات ما يصل به إلى الكفر البواح، حتى قال واحد منهم: هاتوا ربكم وأنا أحطه في زنزانة! تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا.
وأن بعض الكتب الإسلامية الحديثة التي كتبت في هذه الظروف نفسها: كانت تحمل بذور هذا التفكير، وتدفع إليه دفعا، بما تتسم به من قوة التعبير، وحرارة التأثير.
وهكذا احتضنت هذه الفئة هذا الفكر المطبوع بطابع الغلو والعنف، والذي ينظر إلى الناس — أفرادا ومجتمعات — من وراء منظار أسود قاتم.
وكان السؤال الأول الذي طرح نفسه: ما حكم هؤلاء الناس الذين يعذبوننا بقسوة وجرأة؟ أو على الأصح: ما حكم من وراءهم من الحكام الذين يأمرونهم بتعذيبنا إلى حد الموت، لا لشيء إلا لأننا ندعوهم إلى الحكم بما أنزل الله؟
وكان الجواب عندهم جاهزا: أخذوه من ظاهر بعض النصوص: من آيات القرآن مثل آية المائدة: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} [المائدة:44]. ومن أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، كالأحاديث التي أطلقت الكفر على بعض المعاصي. ولم يقف الأمر عند هذا الحد: فإن الذين لم يوافقوهم على هذا الفهم للنصوص التي استدلوا بها، وقالوا: إنها مؤوَّلة عند أهل السنة والجماعة لاصطدامها بأدلة وقواعد أخرى أقوى منها، وأظهر في الدلالة — هؤلاء الذين لم يوافقوهم اتهموهم أيضا بالكفر وقالوا: من لم يكفر هؤلاء الحكام ومن والاهم فهو كافر؛ لأن الشك في كفر الكفار يُعدّ كفرا، كمن شك في كفر المشركين واليهود والنصارى والمجوس وأمثالهم.
ومن هنا بدأ نطاق التكفير يتسع، لا ليشمل من وَالى الحكام أو رضى بحكمهم فقط، بل من سكت عن تكفيرهم، وهذا يعم جمهور الناس.
وقد اصطدم فكر هذه الفئة القليلة بفكر الجمهرة العظمى للمعتقلين أو المسجونين من الإخوان المسلمين، وبخاصة القدامى منهم، الذين تتلمذوا على حسن البنا مؤسس الحركة، وواضع دعائمها الفكرية والتنظيمية الأولى، وقد كان منهجه يتميز بالاعتدال والرفق، وعلى هذا ربى أنصاره وأعوانه.
وكان مما أخذه على بعض الجماعات الدينية في مصر سوء رأي بعضها في بعض، إلى حد قد يصل إلى التكفير في بعض الأحيان. لهذا نص في الأصول العشرين من رسالة التعاليم — وهي الأصول التي يجب أن يفهم الإسلام في حدودها — على هذا الأصل بهذه العبارات الواضحة: (لا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما برأي أو معصية، إلا إذا أنكر معلومًا من الدين بالضرورة، أو كذب صريح القرآن، أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب العربية بحال، أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر).
وقد بلغت القضية مرشد الاخوان المسلمين الثاني، الرجل الصابر الفقيه الأستاذ حسن الهضيبي رحمه الله، وهو في سجنه، فأنكر هذا الاتجاه، وأعلن مجافاته لخط الجماعة وفكرتها، وبين في وضوح أن مذهب الإخوان في هذه القضية وغيرها هو مذهب أهل السنة والجماعة، كما قال كلمته الحكيمة المعبرة: نحن دعاة لا قضاة.
وهذه الكلمة الوجيزة التي أصبحت بعد ذلك عنوانا لكتاب كامل في هذا الموضوع، إنما هي تعبير عن منهج إيجابي عملي، يجب أن يتضح للعاملين للإسلام الغيورين عليه: أنهم دعاة لا قضاة.
وفرق كبير بين القاضي والداعي: القاضي يجب أن يبحث عن حقيقة الناس حتى يحكم لهم أو عليهم، ولا بد له من أن يصفهم ويعرف مواقفهم ليقضي لهم بالبراءة أو العقوبة، ثم أن موقف القضاء يجعلنا ننظر للناس على أنهم متهمون، والأصل أنهم برآء.
أما الداعي فهو يدعو الجميع، ويبلغ الجميع، ويعلّم الجميع، إنه يصدع بكلمة الإسلام يدعو إليها كل الناس، من كان ضالا فليهتد، ومن كان عاصيا فليتب، ومن كان جاهلا فليتعلم، وحتى من كان كافرا فليسلم.
والداعي لا يعمل على عقوبة المخطيء، بل يعمل على هدايته، ولا يتعقب المرتد ليقتله، بل يتتبعه ليعلّمه وليرده إلى حظيرة الإسلام.
وكان لموقف الإخوان ومرشدهم أثره في تقليص دائرة المنتمين إلى التطرف أو التكفير، وانفضاض الكثيرين من حولهم، وإن بقي عدد منهم ممن لم ترسخ أقدامهم في الدعوة، ولم تتأصل جذورهم فيها، بل يعدون جددًا عليها، فمعظمهم من الجيل الذي يسمونه (جيل الثورة).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، مأدبة إفطار بمناسبة شهر رمضان المبارك، لأصحاب الفضيلة العلماء والقضاة...
29522
| 23 فبراير 2026
يوفر الموقع الرسمي لمكتبة قطر الوطنية، إمكانية التقديم على الوظائف الشاغرة بالإضافة إلى العمل التطوعي داخل المكتبة، حيث يقوم المتقدم باستيفاء الشروط المطلوبة...
12644
| 24 فبراير 2026
أعلنت السفارة البريطانية أنه اعتبارًا من 25 فبراير 2026، سيُطلب من المواطنين القطريين الحصول على تصريح سفر إلكتروني (ETA) قبل السفر إلى المملكة...
4190
| 23 فبراير 2026
أقام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، مأدبة إفطار بمناسبة شهر رمضان المبارك لأصحاب السعادة قادة وكبار...
4138
| 24 فبراير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ترأس سعادة الدكتور أحمد بن محمد السيد وزير الدولة لشؤون التجارة الخارجية بوزارة التجارة والصناعة، وسعادة السيدة أمبارو سينوفيلا وزير الدولة للتجارة بوزارة...
58
| 26 فبراير 2026
حققت مجموعة إزدان القابضة صافي ربح بلغ 113 مليونا و624 ألف ريال العام الماضي، مقارنة بـ104 ملايين و991 ألف ريال في العام 2024،...
62
| 26 فبراير 2026
عقد سعادة الشيخ فيصل بن ثاني بن فيصل آل ثاني وزير التجارة والصناعة، اليوم الأربعاء، اجتماعاً مع ممثلي القطاع الخاص من غرفة تجارة...
112
| 25 فبراير 2026
ثبّتت وكالة التصنيف الائتماني ستاندرد آند بورز جلوبال التصنيف الائتماني طويل الأجل للديون الممتازة المضمونة لشركة ناقلات إنك، التابعة لشركة قطر لنقل الغاز...
82
| 25 فبراير 2026
مساحة إعلانية
تابع الأخبار المحلية والعالمية من خلال تطبيقات الجوال المتاحة على متجر جوجل ومتجر آبل




تنطلق الأربعاء في تمام الساعة 9:00 مساءً بتوقيت الدوحة مبيعات التذاكر لمهرجان قطر لكرة القدم، بما في ذلك مباراة كأس الفيناليسما ™️2026، وذلك...
2984
| 24 فبراير 2026
أعلنت جامعة قطر عن فتح باب التقديم الإلكتروني للقبول المشروط والمبكر للفصل الدراسي خريف 2026 في الفترة من 1 إلى 25 مارس المقبل...
2668
| 24 فبراير 2026
أعلنت جامعة الدوحة للعلوم والتكنولوجيا عن فتح باب القبول في برامج الماجستير والبكالوريوس و الدبلوم للفصل الدراسي خريف 2026، وذلك من خلال الموقع...
2418
| 23 فبراير 2026