رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

ثقافة وفنون

3917

سعاد السالم تستعيد مباهج الماضي

05 يناير 2014 , 09:40ص
alsharq
عبدالله الحامدي

لوحتها بابٌ مفتوح على جنة الماضي، وحضور الباب بالذات في مساحة كبرى من أعمالها لم يأت محض مصادفة.. فالأبواب بنقوشها الشرقية وزخارفها الإسلامية وخطوطها المتعرجة ومنمنماتها المتوارية بين غيوم اللون ودروب الحكايا ومتون التراث العربي وهوامشه المثيرة ما هي سوى مداخل وإشارات مقتضبة إلى عالم آخر جاءت منه الفنانة، أو جاءت بأجزاء منه، مبشرة بأعياده وأنواره ومباهجه الغامضة، عالم لا تكف الفنانة عن الحنين إليه والطواف عليه، بعد أن اكتشفت بعض أسراره، وامتلكت بعض مفاتيحه.

ربما لذاك لا تدعي سعاد السالم امتلاك المشهد البصري كاملاً، وهذا أهم ما في تجربتها الفنية، بالمقارنة مع التجارب التشكيلية القطرية المعاصرة، فهي تلتقط ملمحاً جزئياً ما ولا تتكىء عليه، تضعه في سياقه الجمالي وتطير إلى غيره، وهكذا .. فيبدو المشهد تماماً مثل الحلم الذي يتبخر لحظة محاولة الاستحواذ عليه مادياً، ذلك أن سعاد، رغم ارتباط كل عناصر لوحتها بالحس والعاطفة، في أشد حالات توهجهما، لا تأبه تالياً بالمستوى الواقعي المدرك، وقد تجاوزته إلى ما وراء الحجاب المرئي، مأخوذة باللامرئي وتجلياته الروحانية الهائلة، وغياباته الأكثر حضوراً.

قد نشاهد في اللوحة ضوءاً يتخلل باباً عتيقاً، أو ظلاً على نافذة، أو خربشة على جدار، أو طيفاً لباقة ورد منعكساً ومندغماً بألوانه الشفيفة في تفاصيل مقطع مجتزأ من غابة ذكريات وقراءات معرفية وجمالية لا تنتهي، دليل لا نهائيتها حاضرٌ على سطح اللوحة، مثل الجزء الظاهر من جبل الجليد المغمور في الماء.

إن مركز ثقل لوحة سعاد السالم غير موجود في الجانب المرئي منها، بل فيما وراءه، وكلما غاص المُشاهِد من السطح باتجاه العمق، بدت اللوحة أشد وضوحاً وأبلغ مغزى وأكثر ثراء.

إنك لا تستطيع تحديد موضوع واحد في لوحتها، على الأرجح، ليس ثمة موضوع، بل ثمة ثيمة (صورة معنوية كلية تؤلفها شبكة من الجزئيات المترابطة)، بهذا المعنى تشتغل سعاد السالم في منطقة التجريد لا التجسيد، وفي منطقة التلميح لا التصريح بالأشياء، الأمر الذي يقرّبها جداً من فضاء الشعر، بما يختزنه من طاقات وأدوات تعبيرية تزداد حيوية وإيحاء بوجود الطرف الآخر الذي يتلقف الرؤية (بالتاء المربوطة) ويستضيء بها في مدارات الرؤيا (بالألف الممدودة) ومآلاتها .. فتظل اللوحة بعيدة المنال، ذاهبة بالخيال، إلى أقصى ما يأمله متلقيها، لا مبدعتها فحسب.

سعاد السالم، إذا جاز التعبير، فنانة "رومانسية" في سياق التعريف المدرسي الجمالي، والرومانسية بعد مرور عقود وقرون من الزمان على نشأتها كتيار إبداعي، انتقلت بدورها إلى أدراج "الكلاسيكية"، التي تأنف الفنانة الانضواء تحتها، بيد أنها لاتزال متمسكة بمآثر الرومانسية من عاطفة ذاتية متأججة وخيال شاعري محلق، حتى وهي تمارس لعبتها التشكيلية الموغلة في الهواجس والاتجاهات المعاصرة بمغامراتها واغتراباتها، فتمخض من كل هذه المواءمة الحسية – التجريدية نصٌ بصري جديد، يرتكز على تكوينات أليفة وألوان فطرية، شفافة وأنيقة، ذات علاقة مع الذائقة العربية والإسلامية والشرقية عموماً، مثل الأخضر الفاتح واللازوردي والأصفر والأحمر القاني بدرجاته واشتقاقاته المتضافرة، ولعل في اختيار الفنانة تقنية "الأكرليك" على الورق أو الكرتون، دون غيره من الخامات (قماش، خشب، مواد مختلفة)، ما يفسر العلاقة الودية الحميمة بين سعاد وأدواتها التي تنصاع للمهارة في حركة الخطوط والأشكال بالتوازي مع مخيلتها الخصبة، كما تبدو براعتها جلية في "الرسوم المرافقة" للنصوص الشعرية والنثرية، أو في تصميم أغلفة الكتب، وهو ما يتوافق مع أسلوبها الموحي، المتعدد الدلالات والتأويلات، مع إمكانية اشتغالها على موضوع بعينه.

في مرحلتها الأخيرة استطاعت الفنانة أن تحدث تحولاً يكاد يكون جذرياً في أسلوبها، بالانتقال من التجريدية الصوفية، مروراً بالواقعية التبسيطية، وصولاً إلى التعبيرية الرمزية، عبر تناولها المبدع لحكاية "الفسيجرة" التراثية الخليجية، والشبيهة بحكاية "سندريلا" المعروفة في التراث الإنساني العالمي، لتحيي هذه الأسطورة الشعبية بأسلوبها الجميل، الأمر الذي استدعى منها إدخال بعض العناصر والموتيفات الجديدة في بناء لوحتها، مثل البشر (حمدة والأمير وزوجة الأب والجنود) ومثل الحيوانات (السمكة والديك).

سعاد السالم فنانة تشكيلية قطرية مجددة، وهي مستشارة الفن بالمجلس الأعلى للتعليم حالياً، ومنسقة وطنية لخطة تطوير التعليم بالمرصد العربي "الكسو" بالجامعة العربية، اختيرت لرسم "عقلاء المجانين" للنيسابوري بمشروع "كتاب في جريدة" بالتعاون مع منظمة اليونسكو، العدد 140، كما رسمت للعديد من الدواوين والمؤلفات لشعراء وكتاب عرب.

مساحة إعلانية