رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تقارير وحوارات

575

المتقاعدون: ثروة وطنية .. بحاجة إلى إعادة استثمار

22 ديسمبر 2015 , 07:59م
الشرق
بيان مصطفى

التقاعد.. مرحلة جديدة يبدأها الانسان، بعد ترك عمله، الذي كان يستحوذ على كل وقته، بل وقد يمنعه من ممارسة هواياته، بسبب انشغاله، ليجد نفسه بعدها، بحاجة إلى اعادة هيكلة برامجه ليملأ الحيز الكبير الذي ظهر جديدا في حياته، لينهي فصلا ويبدأ آخر، ما يميز هذه المرحلة أن المتقاعد قد تشبع بالمعرفة والخبرات، وأنهى غالبا مهامه الشخصية، المتمثلة في تربية أبنائه، مما يخلق منه ثروة قومية، استثمارها بالشكل الأمثل يعد واجباً وطنياً، ولكن الذي يحدث عادة في دولنا العربية تنحية العقول والخبرات جانبا بمجرد ان تصل إلى سن التقاعد، ليشعر أن مهمته في الحياة قد انتهت وهو في أزهى قدراته على العطاء.

ويعتبر استثمار الطاقة البشرية من خلال استقطاب تلك الكوادر التي أكسبتها مدرسة الحياة تجارب ومعارف ثرية، وأعطاها التقاعد كنز الوقت، مما يمكنها من استكمال مسيرتها من خلال بدايات جديدة هي تكليل لتلك المراحل السابقة، في ظل افتقار بعض المجالات إلى رواد بأفكار خلاقة، تتطلب تلك الخبرات التي لا زال لديها القدرة على العطاء بشكل يفوق فترة وجودها على رأس عملها.

وطبقا لقانون التقاعد والمعاشات رقم 24 لسنة 2002 فإن المواطنين القطريين ممن قضوا في العمل الحكومي 15 عاماً من المساهمات، يحصلون على معاش تقاعدي من الدولة عند بلوغهم سن الستين أو الخامسة والخمسين. وحرية اختيار التقاعد المبكر عند سن الأربعين متاحة، ولكن بعد قضاء 15 عاماً من المساهمات.

"الشرق" تفتح ملف الطاقات المبددة مستعرضة أهم الاقتراحات، مسلطة الضوء على تجربة ريادية بدأت مشوارها الاستثماري بعد التقاعد.

نظام للاستفادة

في هذا الصدد، يقول الدكتور سيف الحجري، رئيس رابطة خريجي جامعة قطر: كثير من الموظفين يتقاعدون قبل بلوغهم مرحلة متقدمة من العمر، مما يتطلب وجود نظام للاستفادة من خبراتهم التي يمكن أن تثري مختلف القطاعات، ويرى د.الحجري ضرورة مراعاة الجانب النفسي في هذه القضية، حيث إن الفرد يشعر بأن دوره انتهى، في حالة عدم استمرار عطائه، مما يدخله في متاهة المشاكل النفسية، ومن ثم تنعكس على صحته، لأن هذا الفرد المعطاء قد يحس في لحظة من اللحظات أنه اصبح عبئا على مسيرة التنمية، بدلا من مساهمته بشكل فعال في دفع عجلتها، مؤكدا أهمية مواصلة انخراط تلك الكوادر في معترك مسيرة العطاء، نظرا لتمتعهم بخبرات ناضجة، والتي يجب الاستفادة منها لمردودها على القطاعات الحكومية والخاصة.

ويتابع د. الحجري: تلك العقول قادرة على تقديم استشارات لشركائها في نفس المجال من الأجيال الأقل خبرة، بالإضافة إلى تدريبهم لتمتد معارفهم إلى الكوادر الشابة فتصبح حلقة وصل متكاملة، بما يضمن وصول معارفهم التي اكتنزوها عبر سنوات عملهم وكونت لديهم ثروة يصعب على الشباب اكتسابها في بداية حياتهم، لافتا إلى عدة مجالات يستطيع المتقاعدون من خلالها إفادة مجتمعهم أهمها التدريب، ودخول مجالات أدبية كالكتابة، وإلقاء المحاضرات، والمبادرة إلى الأعمال التطوعية.

ويقترح د. الحجرى إنشاء "بيت خبرة" لضمان وصول خبرات المتقاعدين إلى المجتمع، مطالبا بضرورة وجود مؤسسة تضمن هذه الاستفادة، داعيا جميع الكوادر للقيام بدورها من خلال رابطة الخريجين بجامعة قطر، لافتا إلى الحاجة إلى وجود دراسات فعالة لانخراط المتقاعدين في أعمال، ويمكن فتح باب جديد إذا أغلق الآخر، فدور الانسان في العطاء لا ينتهي، والمجتمع في أمس الحاجة لجميع مواطنيه، في ظل تقاعد البعض في أعمار مبكرة، مما يحتم إيجاد آلية للاستفادة من قدراتهم.

القدرة على العطاء

وترى السيدة روان فارس، ريادية أعمال، ومديرة تطوير الأعمال في حاضنة قطر سابقا، أن هناك حاجة ملحة للبحث عن المشاريع التي يستطيع المتقاعد الاستثمار بها، وذلك يتطلب معرفة أهم المجالات التي تتطلب تلك الخبرات التي لا زال لديها القدرة على العطاء، لتمكينهم من الاستمرار في خدمة وطنهم من خلال التخصصات التي مارسوها طوال سنوات وجودهم على رأس عملهم، مما جعلهم يمتلكون نقاط قوة لا يستطيع نظراؤهم من الأقل أعمارا امتلاكها، إلا بمرور سنوات طويلة مشيرة إلى وجود أهمية في تعزيز أدوار المتقاعدين في بعض المجالات، إلى جانب إمكانية الاستعانة بهم للتمكن من الاستغناء عن الاستيراد، والتركيز على الاستفادة من هذه العقول في الجانب الصناعي، وذلك من خلال إقامة ورش عمل تجمع بين أصحاب التخصصات المشتركة، وترعاها جهات حكومية، يتم خلالها بحث احتياجات الأسواق القطرية، ومواطن النقص فيها، ثم تغطية هذه الاحتياجات، وتستطرد فارس: بالرغم من جمع المتقاعد للمعرفة، والخبرة، التي حصدها في سنوات عطائه، إلا أنه يحتاج للدعم لتحويل أفكاره إلى مشاريع واقعية، وهو ما يتطلب إيجاد برامج تسعى إلى خلق ريادين أعمال، حيث إن لديهم الوقت والخبرة والمعرفة، ورؤوس الأموال التي من شأنها رفع معدل التنمية في القطاعات المختلفة.

مرحلة بعد التقاعد

السيدة فاطمة الحمادي، رئيس قسم التجارة الخارجية في وزارة التنمية والإحصاء سابقا، بدأت تفكر في مشروعها لسد وقت فراغها بعد التقاعد، ويصبح مصدر دخل لها، في ظل امتلاكها لموهبة صناعة تصاميم الشوكولاتة، ولكن وقتها لم يسعفها لممارسة هذه المهارة، بسبب وظيفتها ومسؤولياتها المنزلية، وتقول الحمادي: بدأت الفكرة في البداية من منطلق حبي للتصميم، فكنت أقوم بعمل التجهيزات اليدوية بتصاميم من ابتكاري، في أوقات فراغي وبشكل موسمي، بالإضافة إلى الروتين الذي تتطلبه الخطوات الأولى للبدء في المشروع، بسبب الإجراءات منذ تقديم الطلب وحتى الحصول على رخصة، مضيفة أنها تحتاج فترة زمنية من ستة أشهر، وقد تصل إلى سنة بحسب معرفة الفرد، لافتة إلى أنها اكملت كل التجهيزات في ثمانية أشهر، وذلك لأن الروتين يمثل عائقا للمقدمين على هذه الخطوة، فلا يمكن إنهاء الإجراءات للبدء في المشروع إلا بعد تجاوز فترة قد تصل إلى ستة أشهر، وذلك لمن لديه خبرة بهذه المعاملات.

لمسة وفاء

وعن أهمية الاستفادة من تلك العقول المهدرة، تشير السيدة فاطمة إلى أن المتقاعد قد يشعر بالانعزال، بعد انتهاء فترة عمله المقررة، إلا أن اتجاهه للمشاريع الاستثمارية، وتسهيل كل وسائل الدعم، تعد بمثابة لمسة وفاء له، ليعرف أن المجتمع لا زال ينتظر منه المزيد، لافتة إلى أن البعض يختارون أن يمارسوا هواياتهم، ويكتفون براتبهم التقاعدي، لكن هناك فئة تحتاج إلى الدعم لاستكمال مسيرة عطائها، مشيدة بدور حاضنة قطر للأعمال لاهتمامها بتوجيه المبتدئين في مشاريعهم بجميع السبل المادية والمعنوية، وتزويدهم بكل متطلبات اجتياز المرحلة الأولى، ومن ثم الانطلاق لريادة الأعمال، معربة عن شكرها لكل من وقف معها في إزالة جميع العقبات، وفي إنهاء متطلبات فتح المصنع، الذي اختارته ليكون الأول من نوعه في صناعة الشوكولاتة.

حاضنة قطر للأعمال

وفي إشارة إلى دور الحاضنة، تستطرد الحمادي: كان دورها بمثابة الدعم الأكبر لتحقيق حلمي، فقد تابعوني في كل خطواتي، ليرشدوني إلى الإجراء الصحيح لتسهيل قبول طلبي، حتى شارف على أن يكون واقعا بعد الانتهاء من استيراد أجهزة المصنع، وعن مجالات العمل الأخرى التي يجب أن تستفيد بخبرات المتقاعدين، تتابع: وجود المتقاعدين، اصحاب الخبرة، ليكونوا قائمين على المكاتب الاستشارية، لإعطاء خبراتهم العملية في مجالاتهم، لتتحول هذه الاستشارات إلى خلاصة تجارب وحصيلة خبرات ميدانية، ولا ينحصر ما تقدمه على مجرد دراسات، ومعلومات أكاديمية، يمكن الحصول عليها من خلال الانترنت، فرواد هذه المكاتب يحتاجون إلى خطوات عملية ترشدهم إلى الطريق الصحيح، حتى يتلافوا أخطاء من سبقوهم في نفس المجال وأصبحوا خبراء في المجال المعني، مؤكدة أن الأفكار متوفرة وتحتاج من يفعِّلها ويختار من بينها مايناسب قدراته واحتياجاته المرحلية.

ويري بعض الخبراء أن أحد الحلول للاستفادة من هذه الكوادر هو وجود برنامج وطني لتدريب المتقاعدين القادرين على العمل في القطاعين العام والخاص، وهو أن يتم تدريب الشخص الذي سيحال للتقاعد لمدة عام في برامج مهنية ليشغل وظيفة، أو العمل على تدريب المتقاعدين لمناصب استشارية ليعملوا في مركز استشاري وطني مركزي مربوط بكل الدوائر الحكومية لتبادل الخبرات ونقل المعرفة وتقديم الاستشارات للقطاعين العام والخاص والبحث في مواضيع التعاقدات وتقييم المستشارين. ويكون المركز جهة إصدار شهادات مطابقة لكل من يعمل في الاستشارات. ويمكن تأسيس مركز تدريب وبحوث وطني لتأهيل العاملين في القطاع الحكومي يعمل به المتقاعدون بعد تدريبهم وتأهيلهم وفق أرقى المستويات العالمية. كما يمكن استحداث صناديق استثمارية لإقامة مشروعات استثمارية يعمل بها المتقاعدون القادرون على العمل والعطاء.

مساحة إعلانية