رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أحدنا قد يقرأ آية من القرآن مرات ومرات. يفهم الآية في المرة الأولى بمعنى معين، ثم يأتي أخرى ليجد الفهم عنده إما تغير أو تعمق أكثر. وهكذا الحال مع قارئ القرآن ومتدبر آياته الكريمة. ذلك أن الفهم الصحيح - كما يقول المفسرون - واستشعار معنى الآية، لا يكون إلا إن عاش المرء منا جو الآية كما عاشها الصحابة، أو الأحداث التي كانت سبباً في نزول آية أو عدة آيات.
هذه إحدى خلاصات هذا المقال.
لكن لا يمنع المتابعة لنستخلص أخريات.
لا يفهم النصوص القرآنية حق الفهم – كما يقول صاحب ظلال القرآن: « إلا من يواجه مثل الظروف التي واجهتها أول مرة. هنا تتفتح النصوص عن رصيدها المذخور، وتتفتح القلوب لإدراك مضامينها الكاملة. وهنا تتحول النصوص من كلمات وسطور إلى قوة وطاقات، وتنتفض الأحداث والوقائع المصورة فيها. تنتفض خلائق حية، موحية، دافعة، دافقة، تعمل في واقع الحياة، وتدفع بها إلى حركة حقيقية في عالم الواقع وعالم الضمير.. فالقرآن ليس كتاباً للتلاوة ولا للثقافة وكفى، إنما هو رصيد من الحيوية الدافعة، ونصوصه مهيأة للعمل في كل لحظة، متى وجد القلب الذي يتعاطف معه ويتجاوب..».
سورة الأحزاب نموذجا
سورة الأحزاب هي من أفضل النماذج التي يمكن الحديث عنها الآن والاستشهاد بها، ونحن نعيش الأجواء التي نزلت خلالها بعض آياتها. لقد فهم وتفاعل الذي عاش الظروف في المدينة المنورة وهي محاصرة بقوى الوثنية واليهودية والصليبية، بعد أن كانت تتنزل الآيات غضة طرية، توضح الأمور وتكشف الحقائق وخفايا الأمور والنفوس، وبالتالي كان التفاعل ايجابياً، وفهم الآيات أسهل وأيسر.
نرى اليوم أحداث غزة وكأنها مشاهد مكررة لحصار الأحزاب للمدينة. فالقوى ذاتها، الوثنية والصهيونية والصليبية، التي جاءت قديماً لاستئصال الإسلام في عقر داره، هي نفسها اليوم تريد تحقيق الهدف ذاته، عبر استئصال المقاومة المسلمة في غزة. وحين نبدأ نتأمل الآيات الكريمة في سورة الأحزاب، ترانا نفهمها بشكل أكثر وضوحاً وواقعية عما كنا عليه قبل فترة من الزمن ماضية..
لنتأمل بعض آيات السورة التي تتحدث عن معركة الخندق أو الأحزاب، وندرس المشاهد الدرامية التي وقعت، مثل وقوف قوى الشر المعادية للإسلام متحدين، على رغم اختلافاتهم العقدية ومصالحهم المتنوعة، لكن جهودهم توحدت في هدف واحد هو القضاء على الإسلام، وهو نفس الهدف الذي تراه اليوم في غزة - كما أسلفنا - وقد اجتمعت قوى الشرق والغرب المعادية للإسلام الصحيح، تنشد القضاء عليه في غزة الأبية.
المشاهد وهي تتكرر
كنا نقرأ آيات السورة ونندهش ونتساءل عن بعض المشاهد ونستغربها، مثل مشاهد الذين طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأذن لهم بالانصراف إلى أهاليهم لأنهم بلا حماية ! فنتساءل: وماذا عن بقية عائلات الصحابة أو المرابطين؟ لماذا هؤلاء فقط يريدون الخروج من الرباط بقصد حماية أهاليهم وبيوتهم، كما يقول عن ذلك القرآن ( ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة ) فتنزل الآية واضحة صريحة لتكشف كذبهم ( وما هي بعورة، إن يريدون إلا فرارا ).
حماية البيوت كانت عذراً للهروب والفرار، كما يفعل البعض اليوم مع غزة. لا يريدون التورط في مشاكل مع الصهاينة - أو هكذا الزعم والفهم - فرفعوا بذلك أيديهم عن نصرتها، لأن بلدانهم ( بيوتهم ) بحاجة لحماية من إمكانية اعتداء الصهاينة عليها، تماماً كما سأل أولئك القوم رسول الله، لا فرق بين الفريقين.
موقف آخر للمنافقين الذين انكشف نفاقهم تماماً في تلك الأحداث، بعد أن جاء الأحزاب من كل الأطراف، وتجمعت قوى الشر في مشهد غير مألوف عند العرب، فأصابهم الهلع والقلق والجزع، فلم يكتفوا بإظهار الجزع وكفى، بل قاموا بدور أخبث من النفاق، وهو التخذيل وبث اليأس في النفوس ( وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض، ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا ) كما يفعل منافقو اليوم، سواء في داخل غزة أو خارجها، وترديد عبارات التخذيل والتخوين، وأنه لو لم تقم حماس بمهاجمة الصهاينة، ما كان قد حدث الذي يحدث، وغيرها من تفاهات وترهات. إنهم هم أنفسهم عبر الزمان والمكان لا يختلفون. ذات العقلية وذات النفسية المريضة.
مطلوب فهم أحداث غزة
لكي نفهم بعض أحداث وتفاصيل ما يجري الآن في غزة منذ أكثر من مائة وعشرة أيام، إنما نحتاج لإعادة قراءة سورة الأحزاب من جديد، واسقاط بعض آياتها على المشاهد المتنوعة التي نراها في غزة يوميا. فالسورة التي نزلت آياتها على الصحابة الكرام وهم في ظروف لا تختلف عن ظروف غزة، إنما صالحة لكل زمان ومكان تتكرر فيها الأحداث نفسها. حصار، وتكاتف قوى الشر، وخيانات بني قريظة، وتخذيل المنافقين وغيرها من مشاهد.
فهم الصحابة الكرام يومها الآيات فور نزولها لأنهم عايشوها. واليوم يمكننا كذلك أن نفهم تلك الآيات لأننا نعيش ونرى ونسمع ما يجري في غزة على الهواء مباشرة، ولحظة بلحظة، كما لو كنا أيام حصار المدينة المنورة. فاليوم نرى المنافقين مثلاً هنا وهناك يقومون بما كان يقوم به أسلافهم في المدينة. ونرى كذلك معنى الخوف والجوع وفقدان الأمن في غزة، كما كان في المدينة. ونرى أيضاً في الوقت نفسه قلق العدو واختلاف أحزابه مع بعضهم البعض، كما اختلفت قريش مع غطفان ويهود وبقية الوثنيين. ونرى أخيراً المعنى الحقيقي للصمود والرباط والإيمان العميق بالله وحُسن التوكل عليه والأخذ بالأسباب، كما كان الصحابة الكرام يوم الخندق.
الآن يمكننا تدبر سورة الأحزاب من جديد، ونقرأ آياتها كما لو أننا وقت نزولها. اليوم، وعلى رغم أننا بعيدون عن أجواء غزة مادياً، إلا أننا نعيش هم أهلها وشعورهم وظروفهم كما لو أننا واقعياً معهم، وهذا ما يجعلنا ونحن نقرأ السورة الكريمة مرة أخرى، نتفاءل بأن سير الأحداث تجري كما يوم الأحزاب.
المشاهد هي نفسها تتكرر بصورة وأخرى، الواحد بعد الآخر، ليبقى المشهد الأخير المنتظر، مشهد هبوب الريح، ونزول السند السماوي لتفرق كلمة الأحزاب وتشتت شملهم، وينصر الله غزة نصراً عزيزاً مؤزراً مبينا. وما ذلك على الله بعزيز ( ويقولون متى هو، قل عسى أن يكون قريبا ).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
ربما كان الجيل الذي سبق غزو الرقمنة ومواقع التواصل الاجتماعي هو الأكثر إدراكًا لحجم التباين بين الزمنين فيما يتعلق بالسلام النفسي، بين زمن كان الإنسان يقترب من حقيقة نفسه بلا زينة مصطنعة، وزمن تصطاد هذه الشبكة روحه ووقته وسكينته وتبعده عن ذاته كما بين المشرقين. على الرغم من محاسنها التي لا يستطيع أحد إنكارها، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي عالمًا بديلًا للإنسان، فالحياة فيها، والرضا من خلالها، والتعاسة أيضًا، والإشباع الروحي يتحقق بعلامات الإعجاب ويُستجدى بتعليقات المتابعين. لقد أصبحت صفحات المرء وعدد متابعيه هي هويته المعبرة عنه، بطاقته التعريفية بصرف النظر عن تقييم المحتوى الذي يقدمه، فانقلب تعريف الإنسان من جوهره إلى ظاهره. مواقع التواصل آخر عهده بالليل، وأول عهده بالصباح، وبينهما نوم قد يعرض له انعكاساتها على نفسه التعسة، تتدفق فيه الأسئلة: كيف أبدو أمامهم، كيف أرضي أذواقهم، كيف أزيد من الإعجابات والتعليقات، كيف أبرز نفسي وألمعها، كيف أتخطى بأعداد المتابعين فلانًا وفلانًا، بل ويجعل تفاعل الجماهير هي الميزان الذي يزن بها نفسه، فإن قل اضطرب قلبه وتوهم النقص في قيمته وأنه خسر شيئًا من ذاته. أصبح هناك ولع غير مبرر بعرض التفاصيل اليومية من المطبخ، وبيئة العمل، والمواصلات، وأماكن التنزه والسفر، واللحظات الرومانسية بين الأزواج كأنهم يقومون بتمثيل عمل درامي، وقد يكون بينهما من الأزمات ما الله به عليم. غدت تلك الصفحات سوقًا للمتاجرة بالأحزان والأزمات، وأضحت ميدانًا للنقاشات والجدل العقيم الذي لا يراد من خلاله إلا إثبات الذات. مواقع التواصل الاجتماعي خلقت للإنسان بيئة صورية يصنع مفرداتها كما يحب، على حساب الانسحاب من بيئته في الواقع، فأصبح تواصله محصورًا مع عناصر هذه البيئة الجديدة، في الوقت الذي ينقطع عن أهل وذويه في البيت الواحد. وإن من المشاهد المضحكة المبكية، أن ترى أفراد الأسرة كل منهم يجلس على هاتفه دون أن يشعر بالآخر على مدى ساعات، بينما تجده غارقا في عالمه الافتراضي يتفاعل مع المتابعين بعلامات الإعجاب والتعليقات. ومن أشد مثالبها استلاب الرضا من القلوب، فعندما يعرض الناس أجمل لحظاتهم وألوان النعم التي يعيشون فيها وأحسن ما في حياتهم، يرى الناظر هذه الصورة البراقة، فيحسب أن الناس جميعا سعداء إلا هو، وأنهم بلغوا القمم بينما لا يزال هو قابعًا في السفح، فتولد لديه هذه المقارنة شعورًا بالمرارة ومنها ينبت الحسد أو اليأس، وكلاهما نار تأكل السلام النفسي أكلًا. مواقع التواصل عودت النفس على العجلة، فالإيقاع سريع، وكل شيء فيها يجري جريًا، الخبر، الصورة، والرأي، لا تدع للإنسان فرصة للتأمل الذي يستلزم حضوره السكون، فالسلام النفسي لا يولد في الضجيج والصخب والزحام، بل ينشأ في لحظات الصمت عندما يجلس المرء مع نفسه للمصارحة والمكاشفة. لقد جعلت هذه المواقع الإنسان في حال دائم من التمثيل والتصنع والتكلف، يختار كلماته وصوره وأطروحاته ليس على أساس الصدق والفائدة المرجوة، بل على أساس تحقيق القبول لدى الناس، فيطول عليه الأمد فينسى وجهه الأول، ويعيش بشخصيتين إحداهما على الشاشة والأخرى في الخفاء، وهذا الانشطار لا شك يصيبه بالاضطراب. الرضا لا ينال بالتصفيق ولا يشترى بعدد المتابعين، لكنه ثمرة معرفة الإنسان لنفسه وقبوله بعيوبها ومحاسنها، وسعيه إلى إصلاحها لا تجميل صورتها. وأنا ها هنا لا أرمي إلى إظهار مواقع التواصل كآلة آثمة، لأن العيب في اليد التي تسيء استخدامها، فهي كالسيف يكون أداة عدل أو أداة ظلم، بحسب من يحمله. وحتى يسترد المرء سلامه النفسي في زمن الشاشات، فعليه أولًا أن يدرك أن ما يراه ليس كل الحقيقة، وأن الحياة أوسع بكثير من هذه الصورة، وأعمق من سطر في منشور. عليه أن يفتش عن قيمته الحقيقية في إنجازه الحقيقي لا في حضوره الافتراضي. عليه أن يدرك أنها مجال لا حياة، حيّز للزيارة لا للإقامة، فمن ثم يضع لها حدًا معلومًا من وقته، فلا يتركها تأكل يومه، ويقتل لهفته تجاه التعرف على الإعجابات والتعليقات الجديدة كل دقيقة، فيجدر به أن يدرب نفسه على الفصام الجزئي مع هذه المواقع، ويصغي إلى نفسه حتى لا تذوب في أصوات الخارج.
5364
| 15 فبراير 2026
راقب المشهد في أي مجمع تجاري في عطلة نهاية الأسبوع. ستري عائلة خليجية صغيرة تتمشى. الأب والأم يمشيان في الأمام بكامل أناقتهما، وخلفهما بمسافة مترين تمشي «المربية» وهي تحمل الطفل، وتدفع العربة، وتحمل حقيبة الحفاضات. وإذا بكى الطفل، لمن يمد يده؟ إلى المربية. وإذا نطق كلماته الأولى، بأي لغة (أو لهجة مكسرة) يتحدث؟ بلغة المربية. هذا المشهد، رغم تكراره حتى أصبح مألوفاً، هو «جرح» غائر في كرامة الأسرة الخليجية. نحن، وبدافع الحاجة والرفاهية وانشغالنا في وظائفنا، لم نستقدم عمالة لتساعدنا في «أعمال المنزل» فحسب، بل ارتكبنا خطأً استراتيجياً فادحاً: لقد قمنا بـ «تعهيد» (Outsourcing) مهمة التربية. لقد سلمنا «مفاتيح» عقول وقلوب أطفالنا لأشخاص غرباء. المشكلة ليست في وجود المساعدة، فالدين والواقع يبيحان ذلك. المشكلة تكمن في «تداخل الأدوار»..... «الدريول» (السائق) لم يعد مجرد سائق يوصل الأبناء، بل أصبح هو «الأب البديل» في السيارة، يسمع أحاديثهم، ويختار موسيقاهم، وربما يغطّي على أخطائهم. و»المربية» لم تعد منظفة، بل أصبحت «الأم البديلة» التي تطعم، وتناغي، وتمسح الدمعة، وتلقن القيم (أو غيابها). نحن نشتكي اليوم من أن أبناءنا «تغيروا»، وأن لغتهم العربية ركيكة، وأن «السنع» عندهم ضعيف. ولكن، كيف نلومهم ومعلمهم الأول في سنوات التأسيس (من 0 إلى 7 سنوات) لا يملك أياً من هذه القيم؟ كيف نطلب من طفل أن يكون «ابن قبيلة» أو «ابن عائلة» وهو يتربى على يد ثقافة مختلفة تماماً في الدين واللغة والعادات؟ إن «السيادة» لا تكون فقط على الحدود الجغرافية للدولة، بل تبدأ من «السيادة على المنزل». هناك مناطق «محرمة» لا يجب أن يدخلها الغريب مهما كنا مشغولين. أن تروي قصة قبل النوم، هذا «مفتاح» لا يُسلم للمربية. أن توصل ابنتك المراهقة وتستمع لثرثرتها في السيارة، هذه «فرصة ذهبية» لا تتركها للسائق. وإذا كنا نتفق جميعاً على أن القيم هي أول الهرم التربوي، فلا خلاف على أن القرآن الكريم يتربع على قمة هذا الهرم بلا منازع. وهنا، يجب أن نتوقف للمصارحة: هل يكفي أن نوكل مهمة ربط أبنائنا بكتاب الله إلى «المحفّظ» أو «المحفّظة» فقط؟ نحن لا ندعو -بالتأكيد- لترك حلقات التحفيظ، ولكن العقد لا يكتمل في صدور أبنائنا إلا إذا وضعنا نحن لمساته. كيف تهون علينا أنفسنا أن يسبقنا غريبٌ إلى تعليم فلذة أكبادنا «سورة الفاتحة»؟ هذه السورة هي «أم الكتاب»، وهي الأساس في حياة كل مسلم، ولا تجوز الصلاة إلا بها. ألا تطمع أن يكون لك أنت «أجر» كل مرة يقرأها ابنك طوال حياته؟ ألا تغار أن يكون هذا الحبل السري الروحي موصولاً بغيرك؟ لن يكتمل «عقد القرآن» في صدور أبنائنا ما لم نضع نحن، الآباء والأمهات، لبناته الأولى. فلتكن أصواتنا هي أول ما يتردد في آذانهم بآيات الله، ليكبروا وهم يحملون «القرآن» في صدورهم، و»صوت الوالدين» في ذاكرتهم. الرفاهية الحقيقية ليست في أن يخدمك الناس، بل في أن تملك الوقت والجهد لتخدم أهل بيتك، وتصنع ذكرياتهم. الطفل لن يتذكر نظافة الأرضية التي مسحتها الخادمة، لكنه سيتذكر طوال عمره «لمسة يدك» وأنت تمسح على رأسه، وصوتك وأنت تعلمه «المرجلة» أو «الحياء» أو «الفاتحة». دعونا نستعيد «مفاتيح» بيوتنا. لتبقَ المساعدة للمساعدة في «شؤون البيت» (التنظيف، الغسيل)، أما «شؤون القلب» و»شؤون العقل» و»شؤون الروح»، فهذه مملكتكم الخاصة التي لا تقبل الشراكة. لا تجعلوا أطفالكم «أيتاماً» والوالدان على قيد الحياة.
1959
| 12 فبراير 2026
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء المجتمع، وهي الحضن الذي تتشكّل فيه القيم الأولى للإنسان. داخلها يتعلم الفرد معنى المودة والاحترام وتحمل المسؤولية، ومنها ينطلق إلى محيطه الاجتماعي أكثر توازنًا وقدرة على العطاء. وكلما كانت الأسرة متماسكة، انعكس ذلك استقرارًا على المجتمع، وكلما أصابها التفكك، ظهرت آثاره في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية. إن ظاهرة الطلاق أصبحت من الموضوعات التي تستحق التوقف والتأمل، لا من باب اللوم أو الإدانة، وإنما من منطلق الحرص على الأسرة بوصفها كيانًا إنسانيًا واجتماعيًا بالغ الأهمية. فالطلاق تشريع أباحه الله عند تعذر الاستمرار، لكنه يظل خطوة لها آثار عميقة تتجاوز الزوجين لتصل إلى الأبناء، ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله. لم يعد الطلاق في بعض الحالات حدثًا نادرًا كما كان في السابق، بل أصبح حاضرًا في حياة كثير من الأسر، أحيانًا لأسباب كان يمكن تجاوزها بالحوار والتفاهم. ومع تسارع إيقاع الحياة وتزايد الضغوط المعيشية والنفسية، باتت الخلافات الزوجية تظهر بشكل أسرع، وأصبحت قرارات مصيرية تُتخذ في لحظات توتر، دون منح العلاقة الزوجية ما تستحقه من صبر ومراجعة وتقدير للعواقب. بين الأمس واليوم في الماضي، كان الخلاف الأسري يُنظر إليه على أنه جزء طبيعي من الحياة الزوجية، يُعالج بالحكمة والتدرج. وكان للأسرة الممتدة دور مهم في احتواء الخلاف، من خلال النصح والتقريب وتهدئة النفوس، بعيدًا عن التصعيد. كما كان اللجوء إلى القضاء يُعد خطوة أخيرة بعد استنفاد وسائل الإصلاح، وكان الهدف الأول هو الحفاظ على الأسرة واستقرارها قدر الإمكان. أما اليوم، فقد تغيّر المشهد الاجتماعي في جوانب متعددة. تراجع دور الحوار داخل بعض البيوت، وضعف حضور النصيحة الهادئة، وأصبحت الخلافات في بعض الأحيان تنتقل سريعًا إلى المسار القانوني. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية، إلا أن ثقافة التروي والصبر لم تعد حاضرة بالقدر الكافي في بعض الحالات. ومن المهم التأكيد أن الحديث لا ينصرف إلى الحالات التي يكون فيها الطلاق ضرورة إنسانية أو شرعية بسبب استحالة العشرة أو وجود أذى حقيقي، فلكل حالة ظروفها الخاصة، وإنما المقصود هو تلك الخلافات التي كان يمكن تجاوزها لو أُحسن التعامل معها في بدايتها. الأبناء… الأثر الأعمق يظل الأبناء هم الطرف الأكثر تأثرًا بانفصال الوالدين، فهم لا يشاركون في اتخاذ القرار، لكنهم يتحملون نتائجه. وقد يترك الطلاق في نفوسهم آثارًا نفسية وسلوكية تمتد لسنوات، وتنعكس على تحصيلهم الدراسي، واستقرارهم العاطفي، ونظرتهم إلى مفهوم الأسرة في المستقبل. لذلك، فإن مراعاة مصلحة الأبناء يجب أن تكون حاضرة عند معالجة أي خلاف أسري. دور الدولة والمؤسسات وانطلاقًا من إدراك خطورة التفكك الأسري، عملت الدولة على تعزيز الأطر القانونية والاجتماعية التي تُعنى بشؤون الأسرة، فأنشأت محكمة الأسرة لتكون جهة متخصصة تجمع بين الفصل القانوني والدعم الاجتماعي والنفسي. ويعكس ذلك وعيًا بأهمية الحفاظ على كيان الأسرة، والسعي إلى معالجة الخلافات بروح إنسانية متوازنة. ما نحتاجه اليوم نحن بحاجة إلى إعادة ترسيخ ثقافة الحوار داخل الأسرة، وتعزيز مفهوم الزواج بوصفه ميثاقًا قائمًا على المودة والرحمة، لا مجرد التزام قانوني. كما نحتاج إلى نشر الوعي بأهمية اللجوء إلى الإصلاح قبل اتخاذ القرارات المصيرية، ودعم المبادرات التي تُعزز الاستقرار الأسري. فالطلاق، رغم مشروعيته، يظل تجربة مؤلمة تترك أثرًا عميقًا في جسد الأسرة. وقد يكون أحيانًا الحل الأخير، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى الخيار الأول. إن حماية الأسرة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي الزوجين، وتمتد إلى المجتمع ومؤسساته، حفاظًا على جيل أكثر استقرارًا ومستقبل أكثر تماسكًا.
921
| 12 فبراير 2026