رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

قبل أن تلهث وراء المفقود

زيارة سريعة لعدد من المرضى في أي مستشفى، ستدفعك دفعاً وأنت خارج عنهم أن تشكره سبحانه في كل دقيقة وثانية.. تشكره على نعمة العافية التي لا يمكن لأحد أن يساوم عليها بملايين الدراهم والريالات أو الدولارات. هي واحدة من نعم الله علينا وعليك. ألا تلاحظ معي أن الناس في لحظات معينة من حياتهم صارت تدفع ما تملك، لتسترد ما كانت تملك من صحة وعافية؟ نعمةٌ لا نشعر بها إلا حين تغيب ولو للحظات. عايشت هذه المعاني خلال شهر كامل مع الوالد - رحمه الله – حين أصابه التهاب رئوي كان يتطور ويعاند أقوى المضادات الحيوية، حتى تم نقله اضطرارياً إلى العناية المركزة بمركز الرعاية الطبية، لكن لم تطل مدة إقامته فيها أكثر من أسبوع حيث فاضت روحه إلى البارئ قبل أسبوعين من الآن، بعد أن عانى ما عانى فيها، من اضطرابات في التنفس وعمل القلب وانتهى الأمر بفشل الكلى، رغم كل أنواع الرعاية والأدوية.. فهكذا كانت الأقدار. بعد وفاته بأيام، وفي جلسة فردية منعزلة هادئة، تأمّلت قوله تعالى ( وإن تعـدوا نعمة الله لا تحصوها ) فوجدتها كما لو أنني أسمعها حديثاً، فآمنت أكثر فأكثر بأهمية شكر الواهب دوماً وأبداً، وأن نكون عباداً لله ممتنين شاكرين لأنعمه، لا يجب أن نرهق أنفسنا في البحث عن نعم مفقودة نسعى خلفها كثيراً وطويلاً، وهي ربما معطّلة عنا لحكم ربانية لا ندري ما هي، وأنه بدلاً من ذلك اللهاث حول المفقود من النعم، لم لا نشكر الواهب ونتأمل النعم الكثيرة الموجودة حولنا فعلياً، لكنها صارت غير محسوسة بفعل أمر الاعتياد عليها ! نعمٌ كثيرة لا تُعد ولا تُحصى تستحق أن نسجد بسببها للخالق طويلاً وكثيرا.. لا أريد أن أعدّد النعم، فكلنا أدرى بها، لكن واحدة فقط من باب الذكرى التي تنفع المؤمنين، هي نعمة تنفُّس أكسجين الهواء برئة سليمة، وإخراج ثاني أكسيد الكربون، ضمن عملية تنفس متناغمة طبيعية، دون أي حاجة لأجهزة تنفس في غرف الطوارئ بالمستشفيات، أو العنايات المركزة لا قدّر الله !! صدق من قال: بالشكر تدوم النعم، أو هكذا تقول التجارب البشرية. إنها التجارب ذاتها التي تؤكد كذلك أن كفران النعم، سبب لزوالها. إنّ أغلبنا يلهث وراء المفقود من النعم وإن كانت قليلة نادرة، لكنه لا يشعر بالموجود منها، وهي كثيرة وافرة ! ومن هنا يعاتب الله الناس أن أكثرهم غير شاكرين، غير حامدين، بل لنعمائه جاحدون!. يقول ابن قيم الجوزية: "إظهار النعمة والتحدُّث بها من صفات المؤمنين الشاكرين، وأما أن يكتم المرء النعمة، ويُظهر أنه فاقد لها؛ إما بلسان الحال أو المقال، فهو كفرٌ لها، وهو من صفات الكافرين الجاحدين، وإنما سُمي الكافرُ كافراً؛ لأنه يغطي نعمة الله التي أسبغها عليه، ويجحدها ولا يقرُّ بها". يروى عن أحد الصالحين أن الرجل إذا سلم على الرجل، وسأله كيف أصبحت، فقال له الآخر: أحمدُ الله إليك. يقول المَلَك الذي عن يساره للذي عن يمينه: كيف تكتبها؟ قال: أكتبه من الحامدين. وروي أن رجلين من الأنصار التقيا، فقال أحدهما لصاحبه: كيف أصبحت؟ فقال: الحمد لله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قولوا هكذا. فاللهم اجعلنا لك ذكّارين، لك شكّارين، إليك أوّاهين منيبين.. آمين يا رب العالمين.

456

| 07 مايو 2026

مرارة فقد الوالدين

قبل أيام مضت، عشت مرارة الفقد للمرة الثانية بعد أعوام سبعة ماضية، كنت قد عشت خلالها مرارة فقد الأم، وها قد جاء بعدها الأب، ولكليهما منزلة خاصة عند المرء. فلا يقدر أحدنا القول بأن فقد الأم أعظم من الأب، أو العكس، وخاصة إن بلغا من الكبر عتيا. ويكفي حتى تعرف قدرهما وقيمتهما، أنهما وفق الشرع الكريم، بابان لدخول الجنة عبر الإحسان إليهما والبر بهما، فور أن يبلغ أحدنا سن الرشد والعقل والفهم والوعي. عشت مرارة فقد الأب بعد الأم، مهما يبلغ أحدنا من العمر.. وقد زادت مرارة الفقد في الأيام الأخيرة له وهو في معاناة وآلام لا يعلم مداها وكيفيتها وقوتها إلا الله. عاش وسط أنابيب وأسلاك وأجهزة طبية متنوعة، وأدوية مختلفة الأشكال والأنواع، وقد زادت وتعقدت بعد دخوله غرفة العناية الفائقة.. شعرت وأنا أراقب الوضع الصحي لأبي وهو يتدهور سريعاً، أنه كما لو صار محطة لتجارب الأطباء، وذلك عبر استخدامهم لكل أنواع الأدوية، من مسكنات ومضادات وغيرهما، فلعل أحدها تثمر وتوقف التدهور في صحته بشكل عام، أو هكذا كان تفكير الأطباء. لكن بدأت الكلى تتدهور وظائفها تدريجياً، حتى بات كل سائل يدخل الجسد لا يعرف كيف يخرج منه، ثم بدأ الضغط ينتقل إلى القلب، الذي ظل صامداً يعمل بصمت لعقود ثمانية هي عمر الوالد، رحمه الله، وخاصة مع استمرار الالتهابات بالرئة. حيث دخل الجسم في تحد جديد بعد مضاعفة مدرات البول - أعزكم الله - فلعلها تعين الكلى، وهو ما أدى إلى زيادة نسبة السوائل دون تصريف مناسب، ما أدى إلى هبوط ضغط الدم تدريجياً، رغم حقن الجسم بأدوية تمنع هبوطه. الجسم امتلأ بالأدوية والسوائل، وزادت الضغوط ولم تعد أدوية منع هبوط الضغط تفيد. فهكذا كنا نراه - رحمه الله - كما لو أنه يريد القول بأنه لا فائدة ترجى الآن، فقد فات الأوان، وإنّ قدرة الطب لها حدود، حيث بدأ الجسم القوي الذي عاش في نشاط وحركة وجهد طوال سبعة عقود، حتى ضعف في العقد الثامن تماماً، بدأ ينهار سريعاً أمام أعيننا، وبدأ نبض القلب ينخفض خلال ساعة من الزمن حتى وصل الرقم صفر، أو لا نبض ! كنا من ذي قبل قد اتفقنا مع الأطباء ألا يكون للعنف والقسوة مكان على جسد الوالد، باستخدام الصدمات الكهربائية لو توقف القلب، لأنه ألم فوق ألم، وتعذيب شديد لرجل ثمانيني منهك يحتضر، فما فائدة دقائق أخرى يعمل خلالها القلب طالما ليس صاحبه في وعيه، وهو أقرب إلى الآخرة من الدنيا ؟ تم التأكد من كهرباء القلب عبر جهاز التخطيط، وتبين للطبيب، وانا أشاهد معه التخطيط الذي ظهر خطاً مستقيما لا يرتفع ولا ينخفض، أن القلب فعلياً توقف، والمخ سيعمل دقائق أخرى، لكنه سيتوقف أيضاً، لأن مصدر حياته توقف عن ضخ سائل الحياة إليه كما كان لسنوات طوال. لقد قُضي الأمر. وحانت ساعة الأجل، التي تمت كتابتها في صحيفة الوالد - رحمه الله - وهو في بطن أمه، مثله مثل أي إنسان يأتي إلى هذه العاجلة. الشاهد من الموضوع، أن الوالدين كنز ثمين لا يعرف قيمته الأبناء سريعاً إلا بعد حين من الدهر طويل، بل ربما البعض يدرك ذلك فجأة وهو يرى أحدهما أو كلاهما وقد غادر الدنيا. ولات حين مناص !! ومن هنا يتبين أنّ البر بهما والاحسان إليهما، وبذل الغالي والنفيس من أجلهما، هو أقل ما يمكن أن يقوم به الأبناء تجاه والديهم. فاللهم ارحم موتانا وموتاكم، واغفر لآبائنا وآبائكم، وأمهاتنا وأمهاتكم. إنك سميع عليم مجيب الدعوات.

252

| 29 أبريل 2026

إنّا من المجرمين منتقمون

الإجرام في اللغة هو القيام بفعل ذنب عظيم يقع المرء عليه عن قصد. أما من الناحية القانونية، فإن استخدام مصطلح الجريمة، يأتي لوصف فعل مدان قانونياً. ويُستخدم مصطلح مجرم لوصف شخص مرتبط بجريمة. فحين يتورط أشخاص مثلاً في جريمة ما، أو يرتبطون بها، يُشار إليهم بأنهم مجرمون. ولست هناك للحديث عن مسألة قانونية، فهذا مجال له أهله وناسه، لكنها مقدمة مقتضبة رأيت ضرورة البدء بها قبل أن ندخل صلب الموضوع. فعل الإجرام الذي لا يزال يُرتكب في عالم البشر منذ قديم الزمن، قد يتم ارتكابه في حقّ الله تعالى، مثلما في حق البشر أيضاً. فأما المرتكبُ في حق الله تعالى، يأتي الشرك به سبحانه كأبرز الأمثلة، بل هو أعظم درجات الجريمة في هذه الحياة الدنيا. ويمكن في السياق نفسه اعتبار ترك المأمورات، أو الفرائض الأساسية في ديننا كالصلاة والزكاة وغيرها من الفرائض عن قصد وتعمّد، جريمة في حق الله تعالى. أما الجرائم في حقّ الناس فهي كثيرة ومتنوعة، أعظمها جريمة قتل الأنفس بدون وجه حق، ثم غيرها من جرائم في حقوق العباد والبلاد، كالسرقات والإفساد في الأرض بأشكاله المتنوعة.. الشاهد من هذا الحديث، أنّ البشرية ابتُليت منذ جريمة ابني آدم، قابيل وهابيل حتى يوم الناس هذا، ببدعة أو جريمة الشرك بالله وبطرق متنوعة. كانت قديماً على شكل التقرب إلى أصنام وأوثان وأجرام سماوية وعبادتها، وأدنى تلك الأشكال كان اتباع الشيطان وخطواته. أما اليوم فإنّ فعل الشرك مستمر عند نسبة كبيرة من البشر، وإنْ بطرق مختلفة وأساليب متنوعة، دون أدنى اتعاظ وتفكر لما جرى للمشركين على مدار التاريخ.. منها شرك أكبر يُخرج من الملة، كعبادة القبور، والاستغاثة بالأموات، وتحكيم القوانين الوضعية، وشركٌ أصغر قد يؤدي الاستمرار عليه إلى الشرك الأكبر، كالرياء، والحلف بغير الله، وتعليق التمائم وغيرها كثير، بالإضافة إلى شرك المحبة والغلو في تعظيم وتقديس الناس، بالإضافة إلى الإلحاد والعلمانية التي تقصي الدين عن الحياة وإدارة شؤونها تماماً. يمكن القول إذن بأنّ الجريمة الأشد في عالم جرائم البشر، هي الشرك بالله دون أدنى ريب، والذي لا يوجد أي مبرر، أو حجة لإنسان ما تمنحه حق ارتكاب مثل هذا الفعل الشنيع. وجزء منه، التعرض للناصحين والواعظين بسوء، بل وربما ارتكاب جرائم بحقهم كالاعتداء البدني الذي يصل إلى حد القتل. إضافة إلى قيام المشرك بممارسة فعل اللامبالاة، أو فعل العناد ضد كل النصائح والارشادات التي تبين له سوء فعله، وعدم الاتعاظ مما يحل به من ابتلاءات ومحن وشدائد آنية في حياته الدنيوية، التي تأتي ربما كنوع من عقوبة تحذيرية عاجلة، أو أن المشرك لا يبالي بما يسمى بالاستدراج الإلهي له، عبر سعادة دنيوية يجدها ويعيشها بتفاصيلها، من مال وبنين، وقناطير مقنطرة من الذهب والفضة والأنعام والحرث، إلى غير ذلك من متع الدنيا الفانية، حتى يعتقد المشرك بعد حين من الدهر، وهو على تلكم الحالة، أنه مَرْضيٌ عنه عند الخالق جل وعلا، وإلا فما معنى كل هذه السعادة التي يعيشها ؟! لا أحد أظلم وأزيد تعدياً - كما جاء في تفسير القرآن لابن سعدي - ممن ذُكّر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته وتكميل نعمته على أيدي رسله. تأمره وتذكره بمصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها، ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال (إنّا من المجرمين منتقمون). فاللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

369

| 23 أبريل 2026

قبل أن يختنق العالم

العالم دخل حالة من الترقب والقلق بعد انسحاب الأمريكان من محادثات إسلام آباد، التي قيل أنها كانت تسير بشكل مثمر إيجابي، لكن وبحسب روايات متنوعة، تغيرت الأمور فجأة بعد مكالمة تلقاها رئيس الوفد الأمريكي، ليقوم بعدها ويوقف المحادثات إلى أجل غير مسمى، وإن بدأت بعض المصادر منذ الأمس الأول بالحديث عن بدء جولة جديدة من المفاوضات اليوم الخميس! بعد توقف المحادثات، تساءل كثيرون إن كان التوقف خطوة تكتيكية أمريكية من أجل زيادة الضغط على إيران، أم أن هناك أموراً أخرى خافية ؟ الأرجح أن التوقف هو تكتيك أمريكي قديم تستخدمه حكومات الولايات المتحدة في التفاوض مع المخالفين لها، والتي ترغب في إخضاعهم لشروطها عبر تطبيق ما يسمى بسياسة الضغط الأقصى عليهم، ويتم ذلك بطرق عدة، منها مثلاً، تعليق أو إبطاء المفاوضات، أو إرسال إشارات للمخالف بأنه غير مستعجل في الأمر، كي يخلق حالة من عدم اليقين عنده، وغيرها من طرق وأساليب. إذن وبناء على ذلكم التكتيك، ربما كان إذن الهدف من إنهاء المفاوضات هو دفع إيران لتقديم تنازلات أكبر في ملفات البرنامج النووي والنفوذ الإقليمي وكذلك العقوبات الاقتصادية. وربما استخدام ترامب التاجر مثل هذه السياسة لها علاقة بأسواق النفط والمال، وانعكاسها مباشرة على أسعار النفط، وكذلك الأسهم في الأسواق المالية. ولك أن تبحث عن شركاته ومصالحه ومصالح آخرين من حوله في أسواق المال والنفط وغيرها، لتدرك خطوات ترامب التاجر ! لكن لماذا التوقف الآن رغم أن الهدنة لم تنته؟ التوقف قد يعني فعلاً وجود خلافات حقيقية لم تُحل، أو محاولة كسب وقت لإعادة ترتيب الأوراق، وربما اختبار ردود الفعل الدولية خاصة من أوروبا والصين، بل لم لا تكون أيضاً رسالة من كل طرف لجمهوره الداخلي بأنه متماسك عنيد ولا يتنازل بسهولة ! منذ توقف المحادثات والتحليلات السياسية تزداد يومياً تبحث عن الأسباب. لكن كما هو معروف عن ترامب ومزاجه المتقلب، وفيما العالم ينتظر أي خبر عن موعد آخر للمحادثات لتكملة ما بقي من موضوعات، يقوم بحركة مفاجئة ويعلن عن حصار الموانئ الإيرانية، في خطوة زادت الأزمة تعقيداً، حتى قال البعض بأن ما قام به ترامب هو قرصنة على الهواء مباشرة، مثلما هذا البعض يرى في الوقت نفسه، أن الفعل الإيراني مع المضيق أيضاً فعل قرصنة وتهديد للملاحة الدولية، وضغط جيوسياسي. لكن فريقاً آخر رأى بأن كلا الطرفين تجاوزا القوانين الدولية بشكل غير مقبول ومبرر، إلى غير ذلكم من تحليلات وتقييمات. لكن بشكل واضح ومختصر يمكن القول إن التوتر الناتج في الخليج بسبب سياسات ترامب تجاه إيران، وتحركات طهران في مضيق هرمز، لا يمكن تبسيطه بوصف " قرصنة " لأن أفعال الدولتين قانونياً ليست كذلك، ولكن يمكن تبسيط المسألة أكثر والقول بأن ما يجري هو نموذج لما يمكن تسميته بصراع نفوذ وضغط اقتصادي وأمني متبادل. لكن الإشكالية هاهنا أن من يدفع ثمن عدم الاستقرار هذا، هو منطقة الخليج أولاً ثم بقية العالم المستفيد من استقرارها وعدم توتر الأوضاع فيها. ما الحل وهكذا الحال؟ الحل بالطبع لا يكون بتصعيد حالة التوتر، والتي دون شك صار المستفيد الأكبر من استمرارها وإلتهابها هو نتنياهو وعصابته. الحل يكمن في عملية طويلة من التهدئة والتفاهمات التدريجية، من خلال الطرق الدبلوماسية، وضمان حرية الملاحة، ترافقها إعادة عملية بناء الثقة عبر وساطات دولية تقودها جهات مثل الأمم المتحدة مثلاً، وذلك من خلال تكليف أطراف ذات مصداقية دولية في عمليات الوساطة مثل قطر وعُمان، بشرط تأمين وضمان الحماية الكاملة لهما، باعتبار ما أصابهما من أذى إيراني غير مبرر خلال حرب الأربعين يوماً المتوقفة مؤقتاً ! خلاصة القول استمرار حالة التوتر الحالية في الخليج ليس مكسباً حقيقياً لأي طرف، لا الأمريكان ولا إيران ولا أحد من الخليج وخارجه، فإنّ تعطّل الإمدادات عبر مضيق هرمز، ما لم يتم فتحه وتأمينه كاملاً اليوم قبل الغد، فإنه سيضغط بعد قليل من الوقت على الاقتصاد العالمي، وسيرفع المخاطر الأمنية، ويعمّق فجوة الثقة. نعم، قد توجد مكاسب قصيرة الأمد قد يزعمها ترامب، أو حتى الجانب الإيراني، لكنها مكاسب هشة مؤقتة في نهاية الأمر، لأن الاستنزاف سيطال الجميع.. والحل كما أسلفنا، يبقى كامناً في التهدئة والدبلوماسية، لأنّ الحالة المتوترة بالمنطقة تحتاج بكل تأكيد إلى أصوات العقل والحكمة والدراية، حيث لم تعـد المنطقة تتحمل " فهلوة " من هذا أو ذاك، أو استعراض عضلات من هذه الدولة أو تلك، لأنها كلها سلوكيات ربما تؤدي إلى نوع من سباق تسلح متسرع غير مجد ونافع، واستنزاف هائل للموارد، أو حدوث نوع من الاحتكاك العسكري بقصد أو دون قصد، التي قد تجلب كوارث وأزمات، لا أظن العالم يتطلع إليها أو يحتاجها !

528

| 15 أبريل 2026

المشهد الخليجي.. حتى لا ننجرف مع التفاصيل

أكثر من شهر والخليج يعيش كما المرة الأولى التي عاشها عام 90 وأحداث غزو الكويت، حيث وجد نفسه هذه المرة فجأة بين مطرقة الأمريكان والصهاينة، وسندان إيران، رغم كل المحاولات التي بذلتها أطراف خليجية منها قطر وعمان، للحيلولة دون نشوب حرب في المنطقة. ما أن بدأت العمليات العسكرية هنا وهناك، حتى أدرك الخليج أن هناك محاولات حثيثة لسحبه وجره إلى الميدان. لكنه سيطر على الأوضاع ودخل في حالة دفاعية شهراً كاملاً دون مزيد تفكير في الرد بأي صورة من الصور، حتى وصل المشهد الخليجي كما عايشناه قبل يومين، حيث هدنة مؤقتة لإتاحة المجال للعمل الدبلوماسي. يُحسب للخليج أنه مارس ما يمكن تسميته بالصبر الاستراتيجي، مكتفياً بالدفاع عن مقدراته وثرواته بالإمكانات الدفاعية المتطورة التي يملكها، دون تفكير في الاندفاع والتهور والانخراط في حرب ناسفة ناشفة، رغم أصوات «انتهازية» من هنا وهناك كانت تحث وتدعو للانخراط في العمليات العسكرية، وهي تؤكد الوقوف معه قلباً وقالباً، إن تطورت الأمور أكثر وأكثر، لكن ولله الحمد لم يقع الخليج في الفخ. عدم الوقوع بالفخ، أو الرد على الاعتداءات الإيرانية، لم يكن يعني عدم القدرة. بمعنى آخر، الرد المؤثر ليس شرطاً أن يكون مماثلاً في النوعية، باعتبار أنّ هناك مجالات كثيرة يمكن أن تتأذى إيران كثيراً لو أراد الخليج ذلك كنوع من الرد، لكن ليس هذا ما يسعى إليه الخليج، بل لن يسعى إليه أبداً، لاعتبارات دينية وقيمية وجغرافية وتاريخية واجتماعية، دون الدخول في كثير شروحات وتفصيلات. من جانب آخر، وكنوع من النقد الذاتي، أقول إن الخليج لا يجب أن يلوم الآخرين كثيراً على الاضطراب الحاصل بالمنطقة. فالخليج أو مجلس التعاون ككيان سياسي جاوز عمره الأربعين عاماً، يتحمل جزءاً كبيراً مما يحدث للمنطقة حالياً، لأنه لم يستفد من تجربة حرب العراق وإيران في الثمانينيات، ولا تجربة غزو الكويت وتوابعها، فيتجه نحو بناء منظومة عسكرية مرهوبة الجانب، ترهب القريب والبعيد كما ينبغي، بحيث تغني دول التعاون عن طلب عون هذا وذاك، وإنما اتجه بشكل عميق متسارع مطلع التسعينيات نحو البناء والتعمير وتنشيط الاقتصاد وتعزيزه، كل دولة بطريقتها وحسب رؤيتها - ولا عيب في ذلك التوجه مطلقاً - لكن العيب هاهنا أن كل هذا الزخم من النشاط النهضوي كان يحدث بعيداً عن أي خطط ورؤى جماعية تعاونية أخرى غاية في الأهمية، هي المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية لدول المجلس. إنّ أربعة وأربعين عاماً، هي عمر مجلس التعاون الخليجي، لم تكن بالمدة القصيرة أو غير الكافية لإنشاء مثل تلك المنظومة الدفاعية المشتركة، على رغم أنّ القدرات العسكرية لدول المجلس تطورت وتنوعت وأصبحت ذات كفاءة عالية، إلا أنّ كل دولة عملت في ذلك الجهد على انفراد. ثرواتنا ومنجزاتنا بحاجة لحماية جماعية صلبة، ونحن من يجب أن يقوم عليها، لا أن نطلبها من غيرنا، لأنّ طلب الحماية من القريب أو البعيد ذو كلفة عالية، وتبعات مالية باهظة، إلى جانب تبعات أخرى سياسية، والتي من الممكن أن تتعمق وتصل إلى مس السيادة بصورة وأخرى، بل ربما تتحول تلك الحماية بعد حين من الدهر لا يطول، إلى أعذار ومبررات وأهداف لأي أزمة عسكرية بين طامعين، كما اليوم نعايشه ونعاصره.. فهل إلى مردّ من سبيل ؟ أقصد: هل من الممكن أن نعود سريعاً لترتيب أوضاعنا بالخليج بعد حين من الدهر قصير، أو بعد خروجنا من هذه الأزمة، التي لن تطول بأي صورة من الصور، أم سنعود إلى أدراجنا، دون الاستفادة من هذه التجربة الثالثة المؤلمة؟ شواهد الأمور تفيد بأننا لن نكرر الأخطاء لمرة ثالثة بإذن الله. ذلك أنّ الأصل كما في تراثنا الديني ألا يُلدغ المؤمن من الجحر نفسه مرتين، وخاصة إذا وضعنا نصب أعيننا، الحديث الشريف (ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام الصلاة في الجماعة، إلا استحوذ عليهم الشيطان، فإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية) أي أن الخطر أساساً يحل بالذي يترك الجماعة، وينفرد بنفسه، فيكون بالتالي خطر الشيطان عليه حينها أكثر وأكبر. والشياطين يزداد عددهم! فهل من مدّكر؟

384

| 09 أبريل 2026

القلوب وقت الفتن

الأحداث تتوالى علينا وتتعاظم، وبسببها تتعقد وتتشابك الرؤى والمفاهيم والقناعات، حتى تجد كثيرين وقد وقعوا في حالة من الالتباس شديدة. قد يرى أحدنا في لحظة ما، الباطل حقاً والحق باطلاً، وما ذلك إلا نتيجة طبيعية لمدى تأثير البيئة التي يكون أحدنا فيها، وتنوع المؤثرات من حوله. ما نراه أمامنا من مشاهد ومواقف متنوعة متقلبة للبشر مثلاً، تجعل أحدنا يقف مشدوهاً حذراً مما يسمع ويشاهد، حتى تجدنا وقد بدأنا تلقائياً نردد دعاء تثبيت القلوب، ليس لشيء إلا لأن المشاهد الواقعة والفتن الحاصلة - كما هي الآن - صادمة وشديدة الوقع على النفس، تجعل الحليم حيران. ومن هنا تأتي أهمية ترديد دعاء تثبيت القلب كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم (اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك). وقد جاء عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يُكثر من قول (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك) فقالَتْ له عائشة: «إنك تُكثر أن تقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك وطاعتك، فقال عليه الصلاة والسلام:» وما يُؤمّنّي ؟ (بمعنى أيُّ شيء يجعلني لا أخاف ويُعطيني الأمان) وإنما قلوب العباد بين إصبعي الرحمن، إذا أراد أنْ يَقلبَ قلب عبد قَلَبَه. الثبات على الحق ليس بذاك الأمر الهين. التنظير فيه والحديث حوله كتابة أو شفاهة، يختلف كثيراً كثيراً عن فعل الثبات والبقاء على الحق والتمسك به. نعم، ربما في حالات الهدوء والسكينة والاستقرار، تتساءل عن السر في كثرة تعظيم البعض منا لأمر الثبات على الحق، وأهمية التمسك به، وخصوصاً أن الأمور واضحات لا تدعو للخشية من التحول عن الحق، فتتساءل عن هذا الإلحاح والاستمرار في دعاء تثبيت القلب، وهل هناك فعلاً فتن ومواقف يمكنها خلع القلب عن مكانه؟ مع تكاثر الأحداث اليومية المرتبطة بخلافات ومشكلات بين الأفراد مثلاً، وصولاً إلى الدول، وتنوع المواقف تجاهها، والفتن الصادرة عنها، ما ظهر منها وما بطن، ستدرك من فورك أهمية الارتباط بالله واللجوء إليه في مثل هذه الأحوال والظروف، وعدم الركون إلى علمنا ومالنا وحسبنا ونسبنا في مسألة الثبات على الحق. ذلك أن شواهد التاريخ حول هذه المسألة أكثر مما يمكن كتابتها ها هنا. إنّ من تحولوا عن الحق إلى الباطل في فترة ما من حياتهم، سواء استمروا أم عادوا إلى رشدهم، كانوا على علم وفهم كبيرين، أو من علية الأقوام، أو أصحاب جاه ومال، وكانوا مع الحق قلباً وقالباً أينما كانوا وحلوا، يدافعون عنه ويدعون إليه في كل مناسبة.. لكن بفعل ظروف حياتية معينة طارئة لهم أو حولهم، وجدت قلوبهم تتغير تدريجياً خطوة بعد أخرى، حتى كفروا بما كانوا عليه، بل وربما وجدت بعضهم وقد انقلب على أعقابه خاسراً والعياذ بالله!. الأمر ليس بدعة ولا هزلاً، وهو كذلك ليس بالأمر الجديد في تاريخ البشر. بمعنى أنّ وقت الفتن والأزمات الكبرى، وتحول من كان مع الحق ليكون ضده، أو العكس من ذلك، حدث كثيراً عبر تاريخ البشر، بل وما زال يحدث حتى يوم الناس هذا، وسيتواصل هذا الأمر إلى ما شاء الله له أن يكون. بالتالي وكخاتمة لهذا الحديث الموجز، أجد أنّ اغترار أحدنا بعلمه وفهمه، بل حتى إيمانه، أو علم وفهم الآخرين بخصوص ما يحدث حوله من مستجدات وأحداث وتطورات، خاصة في أوقات الفتن والأزمات كالتي نعيشها، وكثرة الأخبار وتتابعها، وتنوع التحليلات والآراء بشأنها من هذا وذاك وتلك، قد يغرقنا في بحر متلاطم الأمواج ﴿ أَو كظُلُماتٍ في بحر لُجّيّ يغْشاهُ موجٌ من فوقه موجٌ من فوْقه سحابٌ ظُلُماتٌ بعضُها فوق بعض إِذا أَخرجَ يدهُ لم يكد يراها ومن لم يَجعلِ الله لهُ نوراً فما له من نور﴾. هذا النور هو المطلوب في مثل تلكم الأوقات، ليرى بنور الله وهو يفسر ويفكك الأحداث من حوله. ولن يتأتّى للإنسان مثل هذا النور إلا إذا ارتبط بالله ولجأ إليه، لأن هذا الارتباط، أو هذا اللجوء، هو كذلك حبل النجاة والثبات على الحق، لا غيره من الأحبال، وهي غالباً أحبال شيطانية.. فاللهم ثبتنا على دينك وطاعتك، وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.. والله كفيل بكل جميل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.

321

| 02 أبريل 2026

ويسبح الرعـد بحمده

كل شيء في هذا الكون الواسع الممتد يُسبّح بحمد الله دون أن نفقه تسبيحهم ومنطقهم، أو اللغة التي بها يسبّحون بها الله تعالى. ومن تلك الأشياء الرعـد، الذي يأتي بعد البرق بلحظات قليلة، فتهتز القلوب خيفة ورهبة من صوته، لاسيما إن كان بليل شديد الظلمة، شديد المطر.. قبل الدخول في تفاصيل الرعد، لابد أن أحدنا تساءل يوماً عن تلك الصيحة التي هبطت على قوم ثمود فأهلكتهم عن بكرة أبيهم (فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (*) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (*) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ) وهل كانت الرجفة أو الصيحة صوت رعد شديد إلى درجة لم تتحمل آذانهم وأعضاؤهم الداخلية ضغط الصوت فهلكوا بسببه جميعاً؟ لم لا يكون فعلاً ذلك العذاب الذي نزل عليهم عبارة عن صوت رعد شديد لا يتحمله الجسم البشري، باعتبار أن الصوت الذي يتحمله جسم الإنسان تكون شدته ما بين 120 إلى 130 ديسيبل، أو الوحدة العلمية لشدة الصوت، ومثال ذلك صوت طائرة نفاثة. لكن إن وصلت الشدة إلى 150 ديسيبل مثلاً، فهذا مستوى تتمزق عنده طبلة الأذن، فتخيل كيف يكون وضع الإنسان إن تعرض لصوت شدته أكثر من ذلك؟ وبالتالي ليس مستبعداً أن نزل على قوم ثمود صوت رعد بلغت شدته ما بين 180 إلى 200 ديسيبل، لأن هذه الشدة تمزق الرئة، بالإضافة إلى المعدة والأمعاء، أو تتسبب في حدوث صدمة عنيفة للجهاز العصبي قد تؤدي إلى توقف القلب. ما هو الرعـد؟ نعود إلى موضوعنا الرئيسي وهو الرعد، لنقرأ معاً قوله تعالى (وَيُسَبّحُ الرّعْدُ بِحَمْدِهِ والملائكة من خيفته) فتشعر أن هذا الرعـد كأنما هو كائن، أو مخلوق من مخلوقات الله يسبّح بحمد الله، ولكن التسبيح بصوت جهوري تسمعه الخلائق جميعاً فترتعب. يقول عبد الله بن الزبير رضي الله عنه: إنه كان إذا سمع صوت الرعد ترك الحديث، وقال: سبحان الذي يسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته. ويقول: إنّ هذا لوعيد لأهل الأرض شديد. وقد قال أكثر المفسرين - كما في معالم التنزيل للبغوي - إن الرعد اسمُ مَلَك من الملائكة يسوق السحاب، وأنّ الصوت المسموع منه، هو صوت تسبيحه. وجاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الرعد مَلَكٌ موكل بالسحاب يصرفه إلى حيث يؤمر، وأن بحور الماء في نقرة إبهامه، وأنه يسبح الله تعالى، فإذا سبّح لا يبقى مَلَكٌ في السماء إلا رفع صوته بالتسبيح، فعندها ينزل المطر. وعنه أيضاً قال: جاءت اليهود وسألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الرعد ما هو؟ فقال: ملك من الملائكة، موكل بالسحاب، معه مخاريق من نار يسوق بها السحاب حيث شاء الله. قالوا: فما الصوت الذي نسمع؟ فقال: زجره السحاب. إن هذا الصوت المقرقع المدوي، كما جاء في ظلال القرآن، أثرٌ من آثار الناموس الكوني، الذي صنعه الله - أياً كانت طبيعته وأسبابه - فهو رجع صنع الله في هذا الكون، فهو حمدٌ وتسبيحٌ بالقدرة التي صاغت هذا النظام. كما أن كل مصنوع جميل متقن يسبح ويعلن عن حمد الصانع والثناء عليه بما يحمله من آثار صنعته من جمال وإتقان. وقد يكون المدلول المباشر للفظ يسبح هو المقصود فعلاً، ويكون الرعـدُ (يُسبّح) فعلاً بحمد الله. فهذا الغيب الذي زواه الله عن البشر، لا بد أن يتلقاه البشر بالتصديق والتسليم وهم لا يعلمون من أمر هذا الكون ولا من أمر أنفسهم إلا القليل ! البرق والرعـد علمياً علمياً، الرعد ظاهرة صوتية ناتجة عن تفريغ كهربائي هائل، أو ما يُعرف بالبرق، الذي تصل حرارته إلى 30,000 درجة مئوية، أو ما يعادل خمسة أضعاف حرارة سطح الشمس.. وهذا التفريغ الكهربائي يؤدي إلى تسخين هائل جداً للهواء المحيط بسرعة فائقة يسبب تمدداً مفاجئاً وانضغاطاً في الهواء، وهذا التمدد أو الانضغاط الحاصل في الهواء يولّد موجات صوتية مسموعة تنتشر في الغلاف الجوي، وتُعرف باسم الرعد، أو الهزيم، الذي يأتي فوراً بعد وميض البرق. من الجميل أن تتفاعل وتتعايش لحظات العواصف الرعدية الماطرة، حيث يمكنك بعد تسبيح الله والاستغفار والدعاء، معرفة المسافة التي تفصلك عن العاصفة الرعدية، وذلك عبر حساب عدد الثواني بين لحظة وميض البرق حتى سماعك لصوت الرعد الذي يتبعه، ثم اقسم عدد الثواني على ثلاثة، فيكون الناتج هو المسافة بينك وبين العاصفة الرعدية، أو عدد الكيلومترات التي تفصلك عنها. معلومة أخرى حول خطورة البرق كما في الآية الكريمة (يكاد البرق يخطف أبصارهم) حيث يقول الشيخ عبدالمجيد الزنداني رحمه الله، بأن أهم أخطار البرق هو الذهاب بالبصر. والعجيب أن هذا هو عين ما يعانيه الطيارون من أخطار في حالات العواصف الرعدية، والومضات البرقية، خصوصاً في المناطق الحارة، حيث تبلغ ومضات البرق في الدقيقة الواحدة أربعين ومضة، أو شرارة هائلة، وبالتالي كثرة النظر إليها قد تفقد البصر، حيث لا يقوى الطيار على الاستمرار في قيادة طائرته. الأهم من كل هذه التفصيلات، وهو لبّ هذا الحديث والمغزى النهائي منه، أن كل شيء في هذا الكون الرحب الواسع يسبّح بحمد الله، دون أن نفقه الكيفية، لكن الإيمان بها واجب. وهو ما يدعونا أن نردد دوماً وأبداً، حين نتأمل الآيات الكونية العظيمة المتعددة قوله تعالى (رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).

426

| 26 مارس 2026

فمن زحزح عن النار

أن يبعد الله النار عن وجهك هو غاية كل إنسان، وليس دخول الجنة. لماذا؟ لأن من يزحزحه الله عن النار فإنه يعني دخوله تحت ظل رحمته. تلك الرحمة التي وسعت كل شيء. وبالتالي الزحزحة لا أفهم تفسيراً لها، سوى أنها مقدمة لدخول الجنة بإذن الله. الزحزحة في اللغة هي الجذب بقوة وسرعة. وحين تقول الآية ( فمن زُحزح عن النار ) أي من يتم جذبه وإبعاده عن النار بسرعة، فذلك يعني فوزاً غالياً لا يُقدر بثمن. الزحزحة عن النار تعني الفوز كل الفوز كما يقول ابن كثير. ليس بعد ذلك الإبعاد عن النار والعياذ بالله، إلا دخول الجنة، لتكتمل فرحة الداخل إليها، ويكتمل الفوز كما في الآية ( فمن زحزح عن النار وأُدخل الجنة فقد فاز ). وهل هناك غاية أو هدف آخر من وجودنا في هذه الحياة، سوى النجاة من النار ودخول الجنة؟ ألسنا نصلي لله تعالى في اليوم والليلة، ونصوم رمضان ونؤتي الزكاة المفروضة في أموالنا ونحج البيت ولا نشرك بالله شيئاً وبقية العبادات الأخرى، إلا من أجل هذه اللحظة الحاسمة، لحظة الزحزحة عن النار ودخول الجنة؟ أليس كل هذا الشقاء والعناء، والتعب والنصب الذي يعيشه بنو آدم من المؤمنين في الحياة الدنيا، إلا من أجل كسب رضا الله تعالى لينالوا بعدها مكافأتهم المنتظرة وهي الزحزحة عن النار ودخول الجنة؟ إنّ بعض التأمل في لحظات جوعك وعطشك وتعبك في نهار رمضان، وصبرك على ذلك وأن العاقبة هي تلك الزحزحة بعيداً عن النار، ستجعلك تسجد لله شكراً أن رزقك بلوغ مثل هذا الشهر الذي نعيش يومه الأخير، ورزقك تمامه، وأمنيتك وخالص دعواتك الليلة أن تُقبل منك أعمالك في هذا الشهر، لتُضاف إلى أعمال أخريات سابقات تساهم كلها بعد رضا الله، في أن تبعدك عن النار وتدخلك الجنة برحمته سبحانه.. من هنا نجد أن تلك النجاة من النار وذلك الفوز بالجنة، يتطلبان منك أيها المؤمن أموراً كثيرة غير العبادات المفروضة، والتي لا يجب أن تغفل عنها، لا في رمضان أو غيره، كما في الحديث الصحيح ( فمَن أحَب أن يُزحزَح عن النار ويدخل الجنة، فلتأتِه منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه). الحديث يفتح لك أبواباً أخرى غير العبادات المفروضة، والتي من شأنها أن تساهم في الوصول إلى هدف الابتعاد عن النار وان تكون ضمن من يتم زحزحتهم عن النار.. من تلك الأمور هي التعامل مع الناس. فالحديث هاهنا يدعو إلى أن نتعامل مع الناس كما يحب أحدنا أن يعامله الناس. عامل الآخرين بالصدق والعدل والأمانة والأخلاق الكريمة الراقية، فهي كلها منجاة من النار، ودافعة بك نحو جنة عرضها السموات والأرض. سائلاً الله عز وجل أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، وكل عام وأنتم بخير.

204

| 19 مارس 2026

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم

تأمل قوله تعالى في سورة فصّلت (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ). تكاد تشعر بالغل الذي في قلوب الذين خدعهم الشيطان في حياتهم الدنيا، واتبعوه وأولياءه من الإنس.. مشاعر غل وغضب لا يمكن وصفها، بعد أن وجدوا أنفسهم في حالة بائسة بالآخرة، دفعتهم أن يسألوا الله في ذلكم الموقف العصيب أن يجمعهم بمن كانوا سبباً في وضعهم الحالي. يريدون أن يجعلوهم تحت أقدامهم، يفرغون ما بنفوسهم بالضرب والدوس بالأقدام !! ولكن هيهات هيهات. هكذا حال الذين كانوا يُعْرضون عن الهداية في دنياهم، واتبعوا أهواءهم وأمزجة من يريدون الدوس عليهم الآن يوم القيامة، الذين مارسوا عليهم الإضلال، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان - كما جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي - يريدون الانتقام منهم بأن «ندوسهم بأقدامنا احتقاراً لهم، وغضباً عليهم، ليكونوا بذلك في أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثره سعيرا. لتتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب». هكذا حالهم في النار وهم يتلاومون. لكن المشهد الذي يستحق الكثير من التأمل حين يتفاجأ أتباع إبليس من الإنس، الذين اتبعوا خطواته لحظة بلحظة، ظناً واعتقاداً منهم في صلاحها وفائدتها، أنه صار أول من يتبرأ منهم ومن أعمالهم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). الشيطان الذي هو أصل كل الشرور في الدنيا، يبحث بنفسه عن ذرة رحمة تنقذه مما فيه يومئذ، فيما أتباعه من الإنس على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم، يلومونه على ما هم فيه بسببه، لكنه يكون صريحاً واضحاً معهم يومئذ أن الخير الحقيقي هو الذي حمله الأنبياء والمرسلون ومن سار على دربهم، واستطاع هو أن يغويهم وينحرف بهم ووجد قبولاً منهم، فيما الشر الحقيقي هو الذي زيَّنه لهم وأغواهم حتى اتبعوه دون أي ضغط أو سلطان له عليهم. يلومهم ويذكّرهم بأن الإشكالية كانت فيهم وفي عقولهم. إذ بدلاً من قبول دعوة أولئك الخيّرين، جاءوا برغبة منهم إليه، وهم يعلمون تحذير خالقهم لهم بعدم اتباع خطواته، ومع ذلك ساروا على الدرب الشيطاني، حتى آلت أمورهم إلى ما هم عليه الآن.. (فلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).

378

| 12 مارس 2026

إني مهاجر إلى ربي

حاول خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وبكل الطرق والوسائل، دعوة قومه إلى عبادة الله وترك الشرك وعبادة الأوثان وغيرها، وجادلهم وحاورهم بالتي هي أحسن، لكن رغم كل ذلك لم يؤمن به أحد، بل حتى يوم المعجزة التي عايشوها لحظة بلحظة، في مشهد إلقاء إبراهيم في نار عظيمة اشترك الجميع في جمع الحطب والوقود اللازم لتلك النار، ثم يرون إبراهيم يخرج منها دون أن يصيبه أذى!. حتى هذه المعجزة غير المسبوقة في التاريخ، لم تحرك قلوبهم وعقولهم قيد أنملة عما هم عليه من شرك وضلال!. لكن وعلى رغم أن الأجواء في قومه تبعث على اليأس، إلا أن الله أيّده بأن آمن له لوط عليه السلام وهو ابن أخيه، وآمنت معه سارة، التي تزوجها بعد ذلك. ثم قرر خليل الرحمن بعد كل هذه السنوات من الدعوة دون نتيجة تُذكر، أن يهاجر وطنه، وقال (إني مهاجر إلى ربي). يقول الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: «لما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي، حيث رأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم مفسدة، لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع به، والسكوت عن دعوتهم دليل الرضا، فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه، وجبت المهاجرة «. يُفهم من الآية إذن عدم البقاء في أرض قد يُفتتن الإنسان في دينه، وبالتالي هي دعـوة لكل مؤمن يخشى على دينه أن يتحرر ويهاجر، كي لا يتعرض إلى الذل، أو الاستضعاف، وتأكيد على أن أرض الله واسعة، وبالتالي لا عذر بالبقاء في مكان يُفتن فيه المرء في دينه، وغالب الأنبياء كانوا كذلك. أرض الله واسعة لذلك حين تجد قول الله تعالى (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) ستدرك أنها دعوة من رب رحيم، عليم بالنفوس المؤمنة المخلصة. دعوة لتلك النفوس المؤمنة لكنها المضطهدة، أو غير المستقرة والقلقة على دينها، ألا تمكث لحظة واحدة في أرض لا يأمن أحدهم على دينه، حيث الفتن من كل حدب وصوب. يدعوهم ربهم الرحيم. أنتم عبادي، وهذه أرضي واسعة رحبة. اذهبوا حيث شئتم ووجدتم الأمان. اذهبوا هناك واعبدوني في أمن وأمان، وسلامة وإسلام. يقول الإمام البغوي في معالم التنزيل:» نزلت الآية في ضعفاء مسلمي مكة. يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة (إن أرضي ) يعني المدينة واسعة آمنة. وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة. ورأى العلماء أن من كان في بلد يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك، وخشي من الفتنة، أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة. وقيل بأن هذه الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية، ولم يعذرهم بترك الخروج. إنّ هاجس الأسى لمفارقة الوطن، كما يقول صاحب الظلال، هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تُدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين، بالنداء الحبيب القريب: ( يا عبادي) وبالسعة في الأرض (إنّ أرضي واسعة) وما دامت كلها أرض الله، فأحب بقعة منها إذن، هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه. نسأل الله لنا ولكم الأمن والأمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.

267

| 26 فبراير 2026

إضاعة الفرصة غصة

حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق. الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه. إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً ! وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر. لصوص وفيلة رمضان إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك ! قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه «عاقل أهل الأندلس» بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة. وضوح الهدف المغزى من القصة كما يحلو لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف. استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل فيه الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار. إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ختام الحديث من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:» الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولا تبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب». وكل عام وأنتم بخير.

264

| 19 فبراير 2026

أئمة يدعـون إلى النار

حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب. تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ). أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له. إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن. فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ. لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير. دعاة على أبواب جهنم حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. هل الاعتزال هو الحل؟ إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟! أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك ! هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لا شك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد ! لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم.. لكن الإشكالية كما قال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله.. فهل الحل هو الاعتزال؟ سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. وخير ما نختم به هذا الحديث، أن نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه. إنّه سميع عليم مجيب الدعوات.

516

| 12 فبراير 2026

alsharq
من المسؤول؟ (3)

بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا...

4557

| 06 مايو 2026

alsharq
حرية الصحافة بهامش الأمان.. لا بعدد ما يُنشر

في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر...

4224

| 07 مايو 2026

alsharq
مبروك صرت مشهور

ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة...

1488

| 12 مايو 2026

alsharq
اختراعات ليست في محلها

من المواضيع المهمة التي لطالما تكلمنا عنها مراراً...

981

| 11 مايو 2026

alsharq
وقف سرديات الفرقة

تُعد وسائل التواصل الاجتماعي فضاءات رقمية ذات حدين...

786

| 07 مايو 2026

alsharq
حديث غزة!!

شاهدت منذ أسابيع معرضا رائعا للفنان عبد الرازق...

768

| 07 مايو 2026

alsharq
اكتب وصيتك قبل أن يأتي أجلك

منذ أن خلق الله الإنسان وهو يعيش بين...

738

| 08 مايو 2026

alsharq
الأزمات.. المخاض الذي تُولد منه أعظم القرارات

اشتدي أزمةُ تنفرجي.. قد آذن ليلكِ بالبلج وظلامُ...

615

| 09 مايو 2026

alsharq
كيفية قراءة السياسة الأمريكية

منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في...

576

| 07 مايو 2026

alsharq
شفرة النفط.. كيف تُصنع الثروات قبل نقطة التحول؟

بينما يراقب المستثمرون شاشات التداول بانتظار تحركات الأسهم...

546

| 12 مايو 2026

alsharq
القيم الإسلامية والتنمية المستدامة

أصبحت الحروب والأزمات والكوارث الطبيعية، إلى جانب التهديد...

492

| 11 مايو 2026

alsharq
قطر تكثف جهود الوساطة لخفض التصعيد

في إطار دعم دولة قطر الكامل للمساعي الرامية...

489

| 11 مايو 2026

أخبار محلية