رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تأمل قوله تعالى في سورة فصّلت (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ). تكاد تشعر بالغل الذي في قلوب الذين خدعهم الشيطان في حياتهم الدنيا، واتبعوه وأولياءه من الإنس.. مشاعر غل وغضب لا يمكن وصفها، بعد أن وجدوا أنفسهم في حالة بائسة بالآخرة، دفعتهم أن يسألوا الله في ذلكم الموقف العصيب أن يجمعهم بمن كانوا سبباً في وضعهم الحالي. يريدون أن يجعلوهم تحت أقدامهم، يفرغون ما بنفوسهم بالضرب والدوس بالأقدام !! ولكن هيهات هيهات. هكذا حال الذين كانوا يُعْرضون عن الهداية في دنياهم، واتبعوا أهواءهم وأمزجة من يريدون الدوس عليهم الآن يوم القيامة، الذين مارسوا عليهم الإضلال، وزينوا لهم الكفر والفسوق والعصيان - كما جاء في تفسير الوسيط للطنطاوي - يريدون الانتقام منهم بأن «ندوسهم بأقدامنا احتقاراً لهم، وغضباً عليهم، ليكونوا بذلك في أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثره سعيرا. لتتحول الصداقة التي كانت بين الزعماء والأتباع في الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق يحتقر صاحبه، ويتمنى له أسوأ العذاب». هكذا حالهم في النار وهم يتلاومون. لكن المشهد الذي يستحق الكثير من التأمل حين يتفاجأ أتباع إبليس من الإنس، الذين اتبعوا خطواته لحظة بلحظة، ظناً واعتقاداً منهم في صلاحها وفائدتها، أنه صار أول من يتبرأ منهم ومن أعمالهم (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي). الشيطان الذي هو أصل كل الشرور في الدنيا، يبحث بنفسه عن ذرة رحمة تنقذه مما فيه يومئذ، فيما أتباعه من الإنس على اختلاف مذاهبهم وأديانهم ومعتقداتهم، يلومونه على ما هم فيه بسببه، لكنه يكون صريحاً واضحاً معهم يومئذ أن الخير الحقيقي هو الذي حمله الأنبياء والمرسلون ومن سار على دربهم، واستطاع هو أن يغويهم وينحرف بهم ووجد قبولاً منهم، فيما الشر الحقيقي هو الذي زيَّنه لهم وأغواهم حتى اتبعوه دون أي ضغط أو سلطان له عليهم. يلومهم ويذكّرهم بأن الإشكالية كانت فيهم وفي عقولهم. إذ بدلاً من قبول دعوة أولئك الخيّرين، جاءوا برغبة منهم إليه، وهم يعلمون تحذير خالقهم لهم بعدم اتباع خطواته، ومع ذلك ساروا على الدرب الشيطاني، حتى آلت أمورهم إلى ما هم عليه الآن.. (فلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم).
231
| 12 مارس 2026
حاول خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، وبكل الطرق والوسائل، دعوة قومه إلى عبادة الله وترك الشرك وعبادة الأوثان وغيرها، وجادلهم وحاورهم بالتي هي أحسن، لكن رغم كل ذلك لم يؤمن به أحد، بل حتى يوم المعجزة التي عايشوها لحظة بلحظة، في مشهد إلقاء إبراهيم في نار عظيمة اشترك الجميع في جمع الحطب والوقود اللازم لتلك النار، ثم يرون إبراهيم يخرج منها دون أن يصيبه أذى!. حتى هذه المعجزة غير المسبوقة في التاريخ، لم تحرك قلوبهم وعقولهم قيد أنملة عما هم عليه من شرك وضلال!. لكن وعلى رغم أن الأجواء في قومه تبعث على اليأس، إلا أن الله أيّده بأن آمن له لوط عليه السلام وهو ابن أخيه، وآمنت معه سارة، التي تزوجها بعد ذلك. ثم قرر خليل الرحمن بعد كل هذه السنوات من الدعوة دون نتيجة تُذكر، أن يهاجر وطنه، وقال (إني مهاجر إلى ربي). يقول الفخر الرازي في تفسيره مفاتيح الغيب: «لما بالغ إبراهيم في الإرشاد ولم يهتد قومه، وحصل اليأس الكلي، حيث رأى القوم الآية الكبرى ولم يؤمنوا، وجبت المهاجرة، لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا، فبقاؤه فيهم مفسدة، لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالاً بما لا ينتفع به، والسكوت عن دعوتهم دليل الرضا، فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه، وجبت المهاجرة «. يُفهم من الآية إذن عدم البقاء في أرض قد يُفتتن الإنسان في دينه، وبالتالي هي دعـوة لكل مؤمن يخشى على دينه أن يتحرر ويهاجر، كي لا يتعرض إلى الذل، أو الاستضعاف، وتأكيد على أن أرض الله واسعة، وبالتالي لا عذر بالبقاء في مكان يُفتن فيه المرء في دينه، وغالب الأنبياء كانوا كذلك. أرض الله واسعة لذلك حين تجد قول الله تعالى (يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون) ستدرك أنها دعوة من رب رحيم، عليم بالنفوس المؤمنة المخلصة. دعوة لتلك النفوس المؤمنة لكنها المضطهدة، أو غير المستقرة والقلقة على دينها، ألا تمكث لحظة واحدة في أرض لا يأمن أحدهم على دينه، حيث الفتن من كل حدب وصوب. يدعوهم ربهم الرحيم. أنتم عبادي، وهذه أرضي واسعة رحبة. اذهبوا حيث شئتم ووجدتم الأمان. اذهبوا هناك واعبدوني في أمن وأمان، وسلامة وإسلام. يقول الإمام البغوي في معالم التنزيل:» نزلت الآية في ضعفاء مسلمي مكة. يقول: إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها إلى أرض المدينة (إن أرضي ) يعني المدينة واسعة آمنة. وقال سعيد بن جبير: إذا عُمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها، فإن أرضي واسعة. وقال عطاء: إذا أمرتم بالمعاصي فاهربوا، فإن أرضي واسعة. ورأى العلماء أن من كان في بلد يُعمل فيها بالمعاصي، ولا يمكنه تغيير ذلك، وخشي من الفتنة، أن يهاجر إلى حيث يتهيأ له العبادة. وقيل بأن هذه الآية نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة، وقالوا: نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة، فأنزل الله هذه الآية، ولم يعذرهم بترك الخروج. إنّ هاجس الأسى لمفارقة الوطن، كما يقول صاحب الظلال، هو الهاجس الأول الذي يتحرك في النفس التي تُدعى للهجرة. ومن هنا يمس قلوبهم بهاتين اللمستين، بالنداء الحبيب القريب: ( يا عبادي) وبالسعة في الأرض (إنّ أرضي واسعة) وما دامت كلها أرض الله، فأحب بقعة منها إذن، هي التي يجدون فيها السعة لعبادة الله وحده دون سواه. نسأل الله لنا ولكم الأمن والأمان، والسلامة والإسلام، والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه.
180
| 26 فبراير 2026
حين يُقال لك في مواقف معينة، استثمر الفرصة ما إن تظهر أمامك، فلأنه ربما لا تأتيك مثل هذه الفرصة تارة أخرى، فالحياة مجموعة محطات تلوح فرص خلالها في أوقات معينة، وبها وعبرها تتقدم أو تتأخر. تعلو بها أو تهبط. تنجح أو تخفق. الفرصة قد تلوح لك اليوم بكيفية معينة، فإن لم تعض عليها بالنواجذ وتستثمرها خير استثمار في الوقت المناسب، فقد لا تلوح لك تارة أخرى بنفس الكيفية والظروف التي أتتك في المرة الأولى. وبموجب هذا المنطق، يوصي المجربون والحكماء بانتهاز الفرصة فور أن تلوح لك في الأفق، واستثمارها أفضل استثمار.. وطالما تحدثنا عن الفرص، فمن الطبيعي أن حديث اليوم لن يخرج عن أعظم الفرص، أو الهبات الربانية والمتمثلة في الشهر الكريم، الذي أكرمنا الله وإياكم ببلوغه. إنّه أحد الفرص، أو المنح الربانية التي يُكرم الله بها عباده. وإنّ الحكيم الحصيف، والذكي الفطن، هو من يستثمر فرصة صحته وقوته العقلية والبدنية حالما يرزقه الله بلوغ رمضان، خير استثمار. ذلك أن العافية ليست دائمة، والعمر لا يدري أحدنا كم سيكون، أو كم سيعيش. رمضان الخير، أيامه معدودات، فما إن يبدأ حتى يشتغل عـدّاد الرحيل. إن انتهى اليوم الأول منه فلن يرجع إلا بعد عام كامل، وهذا أمر بدهي معروف لا يحتاج لكثير شرح وتعليم، لكن يحتاج لكثير تنويه وتذكير بأنه لا أحد يضمن لك الحياة، أو الصحة والعافية لأن تلتقي باليوم الأول من رمضان العام القادم بعد أكثر من ثلاثمئة وستين يوماً ! وبما أنك تقرأ هذا المقال، ونحن في بداية الشهر الكريم، وحتى لا تعيش شعور غصة الفقد والتفويت بعد حين من الدهر قصير، فاعلم أولاً أنك من المحظوظين الذين أكرمهم الله ببلوغ الشهر الفضيل، ثم اعلم ثانياً أن بلوغك الشهر هو فرصة لاحت لك مرة أخرى، لاستثمار كل لحظاته ودقائقه وثوانيه بما يعود عليك بالخير والنفع، والصلاح الدنيوي والأخروي، بعد أن تطلب العون والثبات من الله عز وجل.. وبعبارة أخرى: رمضان فرصة إن لم تستثمرها فقد لا تتكرر. لصوص وفيلة رمضان إذن وبعد الدعاء وطلب التثبيت والعون من الله، يأتي دورك الآن في العمل. ذلك أن الدعاء فقط دون سعي أو بذل جهد، أمران لا يلتقيان. فكيف تطلب العون من الله وأنت لا تترك شاردة، أو واردة من الملهيات والمشتتات في رمضان إلا وتبعتها، كأولئك الذين كانوا حول الإمام مالك في المدينة في درس علم ذات يوم، وإذ بمناد ينادي أن هلموا إلى رؤية فيل.. ومعلوم أن المدينة المنورة لم يكن بها فيلة، فما كان من طلاب العلم حول الإمام مالك إلا أن خرج كلهم لرؤية هذا الفيل، إلا واحداً من الطلاب هو ما سيكون بعد ذلك، الإمام والفقيه الأندلسي يحيى الليثي، الذي جلس ساكناً مع الإمام مالك ! قال له الإمام: ما لك لم تخرج فترى الفيل، لأنه لا يكون بالأندلس ؟ فقال له يحيى: إنما جئتُ من بلدي لأنظر إليك، وأتعلم من هديك وعلمك، ولم أجئ لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك وسماه «عاقل أهل الأندلس» بل صار من يثق به الإمام للرواية عنه، فكانت رواية الإمام يحيى الليثي عن مالك هي المعتمدة للموطأ. وعرفه التاريخ بأنه شيخ المالكية بالأندلس، وهو من نشر المذهب المالكي بتلك الحاضرة الراقية من حواضر الإسلام في تلكم الفترة. وضوح الهدف المغزى من القصة كما يحلو لكثيرين ممن يستشهدون بها في حديثهم عن وضوح الرؤية والهدف، هو أن المرء منا كلما كان هدفه واضحاً وقابلاً للقياس والتقييم والتقويم، كلما سهلت خطواته في الوصول لذلك الهدف. استشهادنا بهذه القصة في معرض الحديث عن رمضان، إنما لبيان حقيقة مهمة هي أن المرء منا، ما إن يبلغه الله رمضان، إلا والمفترض أن تكون أهدافه واضحة جلية محددة لاستثمار أوقاته أيما استثمار، والحذر كل الحذر من الفيلة، أو لصوص الوقت الذين يزداد عددهم وظهورهم خلال الشهر الكريم، وبشكل فيه الكثير من البراعة والإبهار في تشتيت الانتباه، ولفت الأنظار. إنّ لصوص الوقت، أو الفيلة الشاردة في رمضان كثيرة. منها المسلسلات التلفزيونية، ومنها الولائم الليلية المستمرة، ومنها الفعاليات الفنية والرياضية وغيرها، ومنها بدعة الخيم الرمضانية، وسهرات السحور بالمطاعم والفنادق، بالإضافة إلى اللص الأكبر، أو الفيل الأضخم وهو الهاتف الجوال، وما فيه من وسائل التواصل المختلفة.. كلها لصوص وقت، تسرق الأوقات بشكل سلس مستمر، ولا نتنبه إليها إلا وقد انقضى رمضان بإعلان لجنة التحري عن رؤية هلال شوال، وقد فاز حينذاك من فاز، وخسر من خسر، وأرجو الله ألا نعيش تلك الغصة، بل نسأله سبحانه أن نكون جميعاً من الفائزين لا الخاسرين، فإنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل. ختام الحديث من جميل ما جاء عن ابن الجوزي في وصف هذا الشهر الفضيل في كتابه بستان الواعظين ورياض السامعين. قال:» الشهور الاثنى عشر، كمثل أولاد يعقوب عليه وعليهم السلام، وشهر رمضان بين الشهور كيوسف بين أخوته، فكما أن يوسف أحب الأولاد إلى يعقوب، كذلك رمضان أحب الشهور إلى علام الغيوب. فلا تقتلوه، ولا تلقوه في غيابة الجُب، ولا تبيعـوه بثمن بخس، بل أكرموا مثواه، فعسى أن ينفعنا، أو نتخذه شفيعاً يوم الحساب». وكل عام وأنتم بخير.
213
| 19 فبراير 2026
حين استكبر فرعون وجنوده على موسى وهارون - عليهما السلام - ولم ينصتوا، أو يستجيبوا إليهما بالحسنى، وما آتاهما الله من الآيات والدلائل على صدق دعوتهما، لم يتركوا الناس على حالهم وما يعتقدون، بل كانوا إلى ترهيب كل أحد يستمع وينصت إلى موسى وأخيه أقرب. تعمقوا أكثر من ذلك، فأخذوا يناصرون الضلال أينما ظهر، ويبثونه بين الناس وتزيينه لهم، وكانوا قولاً وفعلاً قادة وزعماء وأئمة، يدعون إلى النار كما في قوله تعالى (وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ). أي جعلنا فرعون وجنوده أئمة للضلالة المفضية إلى النار، كما جاء في تفسير التحرير والتنوير لابن عاشور، فكأنهم بأعمالهم تلك يدعون إلى النار.. فكلٌ يدعو بما تصل إليه يده؛ فدعوة فرعون أمره، ودعوة كهنته باختراع قواعد الضلالة وأوهامها، ودعوة جنوده بتنفيذ ذلك والانتصار له. إذن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده، أئمة وقادة في الضلالة، يدعون الناس إليها رغبة ورهبة. ومعلوم بالضرورة أنّ الدعوة إلى أي نوع من الضلالة والشرك بالله، أو تزيين الفسوق والعصيان، هي أعمال تفضي بأصحابها إلى النار لا محالة، وبصريح القرآن. فرعون ومن معه قاموا على هذا الأمر بشكل واضح صريح، بل ومتعمّد، استكباراً في الأرض. كانت العاقبة أنهم استحقوا الوصف القرآني الدقيق لهم بأنهم أئمة يدعون إلى النار، فيحملون تبعاً لذلك أوزارهم وأوزار من استمع لهم واتبعهم، حتى إذا جاءوا جميعاً يوم القيامة، لا تجد أحدهم يناصر الآخر، أو أحداً غيرهم يناصرهم وينقذهم مما هم فيه يومئذ. لقد خذلهم الله في الدنيا بسبب كفرهم وعصيانهم، فكانوا جديرين بالخذلان أيضاً يوم القيامة. إنها إذن هزيمة في الدنيا، وهي تارة أخرى هزيمة في الآخرة، جزاء البغي والاستطالة، كما جاء في ظلال القرآن. إنهم يوم القيامة أضعف من أن يدفعوا عن أنفسهم العذاب، أو أن يدفعوا عن غيرهم، فليس لهم من دون اللّه يومئذ، من ولي ولا نصير. دعاة على أبواب جهنم حديث الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان، كاتم أسرار النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، يحتاج منا كثير تأمل وتدبر هذه الأيام، فقد جاء عنه أنه قال: كان الناس يسألون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الخير وكنت أسأله عن الشر، مخافة أن يدركني. قلت يا رسول الله: إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: نعم، قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: نعم، وفيه دخن، قلت: وما دخنه؟ قال: قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر. قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: نعم، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها. قلت: يا رسول الله: صفهم لنا، فقال: هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا. قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم. قلت: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض بأصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك. هل الاعتزال هو الحل؟ إن كان فرعون وكهنته ووزراؤه وجنوده أئمة يدعون إلى النار، وهم على الكفر الصريح يومئذ، فماذا نقول اليوم عن مسلمين موحدين من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، كما جاء في الحديث، صاروا لا يختلفون عن فرعون ومن كان معه في الفعل، وإن اختلفوا في المظهر والمسمى؟! أولئك المجرمون كانوا يدعون إلى الضلال وهم معروفون للناس يومئذ، لكن الأمر تغير اليوم، ولم يعد كالسابق واضحاً، كفر وإيمان. أما اليوم، فيأتي أناس على شكل علماء ومصلحين ودعاة، أو ما يسمون أنفسهم بمفكرين ومثرثرين تحت مسمى مؤثرين، يشوشون على الناس دينهم. يدعون إلى بدع من القول والفعل ما أنزل الله بها من سلطان، بعد أن يتم تزيين وتدليس أقوالهم بآيات وأحاديث، تُفسد على الناس مفاهيمهم عن الدين والدنيا كذلك ! هؤلاء الدعاة الواقفون على أبواب جهنم، لا شك أنهم المقصودون في حديث حذيفة. خطرهم أكبر من خطر فرعون وجنوده وما كانوا يفعلون. إنهم اليوم في كل مكان، تناديهم مؤسسات الإعلام المختلفة، ومعها منصات التواصل المتنوعة، فيدخلون عالم ما يسمون بالمشاهير، حيث الأضواء والشهرة والأموال، تدفعهم وتحميهم أياد خفية، وما هي عن عالم الجاسوسية والسياسة ببعيد ! لقد التبس على الناس دينهم بفعل هؤلاء الدعاة على أبواب جهنم، والشبهات زادت وكثرت، فيما دعاة الحق تزدحم بهم السجون والمعتقلات، أو يتم حجبهم عن العامة بكل الوسائل والطرق، حتى صار الوضع على ما نحن عليه اليوم، من قلق وتوتر وفوضى فكرية ومفاهيمية، حتى يكاد يقول المرء: نفسي نفسي، ما يشير إلى أننا ربما وصلنا إلى الزمن الذي تحدث عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - زمن دعاة على أبواب جهنم، ما يستدعي بالتالي من كل أحد غيور على دينه ودين أهله ومحبيه، أن يلتزم جماعة المسلمين وإمامهم كما نصحنا بذلك الرسول الكريم.. لكن الإشكالية كما قال حذيفة: فإن لم يكن لهم جماعة ولا إمام ؟ وهذا هو الأقرب للواقع اليوم. إذ لا تجد جماعة مؤمنة تدعو إلى الله إلا وهي مضطهدة مُطاردة، ولا في الوقت نفسه تجد إماماً راشداً مؤمناً يهتدي الناس به ويحتمون بظله بعد الله.. فهل الحل هو الاعتزال؟ سؤال يحتاج إلى شيء من البحث والنقاش في كل بيت ومسجد ومصلى، بل في كل ناد وتجمّع ومنتدى، لأنّ الحق أحق أن يُتّبع.. وخير ما نختم به هذا الحديث، أن نسأل الله لنا ولكم أن يرينا الحق حقاً، ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلاً، ويرزقنا اجتنابه. إنّه سميع عليم مجيب الدعوات.
432
| 12 فبراير 2026
انشغل العالم خلال الأيام الفائتة بواجهة من واجهات منظومة فساد عميقة في الولايات المتحدة، والمتشابكة مع منظومات أخرى حول العالم في كثير من المجالات. تمثلت في شخص يدعى ابستين، الذي صار الاسم الأول في العالم المقترن بفساد واسع عميق وخبيث، رغم وجود من هو أفسد وأخبث منه.. قيل إنه انتحر في سجنه بعد اعتقاله رغم كثير شكوك في الرواية، والأرجح أنه تمت تصفيته ليختفي مع أسراره، فهكذا هي قواعد منظومات الفساد حين ينكشف عضو منها، أو أحد واجهاتها. البتر والتصفية كأنجع الوسائل في وقف مزيد من الانكشاف، إلى حين ترتيب الأوضاع والمسائل الداخلية في المنظومة ! الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، خاصة حين تتشابك فيها المصالح، وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره.. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، تستخدم طرقاً متعددة وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها والفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، ومروراً بتشهير سيف الابتزاز وانتهاء بعمليات التصفية والتحييد، فهكذا هو عالم الفساد، أو إن أردت مزيد دقة، عالم الإجرام. ما هو الفساد ؟ الفساد في تعريف مختصر هو إساءة استخدام السلطة، أو النفوذ، أو الوظيفة العامة من أجل تحقيق مكاسب شخصية، أو مآرب أخرى على حساب المصلحة العامة. قد يكون الفاسد على شكل فرد. وقد يكون على هيئة شبكة من الأفراد بينهم مصالح متنوعة. الفساد لا يكبر ولا ينتشر إلا حين يجد البيئة المناسبة، حيث ينتشر الفاسدون المتنفذون، تحميهم أنظمة وقوانين، وقضاة ومحامون، وقبل ذلك كله تسعى منظومة الفساد أو الفاسد نفسه، إلى درع يحتمي به، وغالباً ما يكون هذا الدرع على شكل أفراد من أصحاب القرار والنفوذ والصلاحيات ! قصة الأمريكي الفاسد أبستين، وجرائمه المتنوعة التي لم تكن حديثة عهد، نموذج على ما نتحدث عنه. فهذا الفاسد كان يمرح ويسرح، ويفسد في الأرض والبحر والجو سنوات عديدة، يسيطر على هذا وذاك وتلك، تحميه قوانين وأنظمة، ومرتشون فاسدون من جميع الدرجات. قضاة ومحامون، رجال أعمال وأثرياء، نواب ووزراء، كلٌ يستفيد منه بالعمل معه بصورة وأخرى وبحسب موقعه ووظيفته، وعلى قدر ما يجنيه من مكاسب وأرباح !! وهكذا استمر في الفساد والإفساد سنوات عدة، ينتفع من هنا وهناك ومعه كثيرون، بعيدين عن الأعين، إلا تلك التي كانت تحمي منظومتهم الفاسدة ! وفي التاريخ لنا عـبرة قصص القرآن عن الفساد كثيرة، وما ذكرها الله إلا للعظة والعبرة. فمن أشهر قصص الفساد والمفسدين، بعد قصة نبي الله شعيب وقوم مدين، قصة قارون الذي كان من قوم موسى. أي كان إسرائيلياً لكنه يعمل ضمن فريق المستبد الأعظم حينذاك فرعون. وتفيد السياقات القرآنية والتاريخية أن قارون هذا ما كان يتعمق في الفساد ويتعملق لو لم يكن مدعوماً من منظومة فرعون الاستبدادية، التي استغلت ثروته الطائلة في تكريس معاني البغي والفساد. كان المشترك بين قارون مع فرعون وملئه، هو المصالح المتنوعة، كالشراكات المالية التي توسعت وتعمقت من أجل تعزيز نفوذهم ضد بني إسرائيل، ما يؤكد أن فرعون كان حامياً غير مباشر لفساده، من أجل تحقيق أهداف مشتركة لهما في السلطة والمال. كان قارون ركيزة مادية داخل منظومة فرعون السياسية، حيث وفر فرعون الحماية والبيئة المناسبة له ليمارس فساده، في مقابل استغلال فرعـون لثروة قارون في تنفيذ خططه وسياساته، لاسيما تلك التي كانت ضد بني إسرائيل، وكيفية تثبيت أركان حكمه، وهذا ما كان وحكاه القرآن في تفاصيل عديدة. وهذا المشهد هو ما يحدث ويتكرر في كل زمان وكل مكان، وإنْ بصور وآليات مختلفة. الدروع الحامية للفساد لابد أن يجد الفاسد درعاً صلباً يحميه، كي يتكفل بتحقيق أهداف هذا الدرع ومصالحه، إلى جانب أهداف ومصالح الفاسد نفسه، أو أهداف ومصالح منظومة الفساد بكاملها. ولقد أثبتت التجارب على مدار التاريخ، أن الفساد لا ينتشر ولا يقوى إلا حين يكون صاحب الكلمة الأولى في النظام الحاكم، أو من لهم صلة به، هم بمثابة ذلك الدرع الصلب الذي يحمي الفساد والمفسدين، سواء بشكل مباشر عبر أوامر وتعليمات منه، أو منهم، أو عبر مؤسساتهم الفاسدة ذات النفوذ والصلاحيات ! لكن رغم كل ذلك، وكخلاصة لحديثنا، لا يحيق المكرُ السيئ إلا بأهله دوماً وأبدا، وأنّ الباطل مهما علا وتجبر، فإنّه زاهق لا محالة، وإن عاش زمنا. فهذا قارون، وليس هناك يومئذ من هو أعظم ثروة ونفوذاً وصلاحيات في مملكة فرعون الاستبدادية منه، يخسف الله به وبداره الأرض، لتنتهي ثروته وفساده في غمضة عين، وينكشف هو ومن معه أكثر فأكثر (فما كان له من فئة ينصرونه من دون الله وما كان من المنتصرين).. هكذا هي نهاية كل فاسد، ومآل كل منظومة فساد، مهما طال الزمن بهم، لأنّ (الله لا يُصلحُ عمل المفسدين).
342
| 05 فبراير 2026
ندم موسى عليه السلام أشد الندم على فعلته مع قبطي دخل في شجار مع إسرائيلي، حيث وكزه بقبضة يده نحو صدره فمات من فوره، نظراً للقوة العضلية التي كان موسى يتمتع بها، لكن لم يكن يدركها إلا بعد تلكم الواقعة، فشعر أنه ارتكب جرماً وذنباً كبيراً. لكن المشهد تكرر تارة أخرى بالغد، إذ رأى قبطياً آخر مع نفس الإسرائيلي، فأراد التدخل لمنع الشجار، لكن انتهى المشهد بافتضاح ما صدر عنه بالأمس، وأنه هو من قتل القبطي، ووصل الأمر لجهاز الأمن بالدولة، وبدأ البحث عنه، فاختفى موسى عليه السلام من المشهد، وصار يتحرك بحذر. مع التحركات الحذرة لموسى عليه السلام، لم ينس فعلته. فقد شعر بالذنب، وعلى إثر ذلك تاب من فوره واستغفر ربه (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له). وحين شعر أن الله استجاب دعوته، عاهد الله وكنوع من الوفاء بشكر النعمة التي أنعمها عليه ربه، ألا يقف يوماً مع المجرمين فقال: (رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيراً للمجرمين). فهو عهدٌ مطلق، كما يقول صاحب الظلال، ألا يقف في صف المجرمين ظهيراً ومعينا، وهو براءة من الجريمة وأهلها في كل صورة من صورها، حتى ولو كانت اندفاعاً تحت تأثير الغيظ، ومرارة الظلم والبغي. ذلك بحق نعمة الله عليه في قبول دعائه؛ ثم نعمته في القوة والحكمة والعلم التي آتاه الله من قبل. الظهير والمجرم إن أردنا بعض التأمل في القصة، فإنه يجدر بنا أولاً التعرف على الظهير في اللغة، وهو المعاون أو السند. ثم بعد ذلك التعرف على المجرم لغوياً، وهو الآثم المذنب، أو مرتكب جناية ما، ومنه قيل: أجرم الرجل، أي جنى جناية، فقطع بها صلة الأمان بمن حوله. ومن هنا حين تاب موسى عليه السلام من فعلته مع القبطي، أخذ عهداً على نفسه أمام ربه أولاً، وكنوع من الشكر على النعم التي أنعمها عليه منذ أن كان وليداً، ألا يكون من تلكم اللحظة معيناً وسنداً لأي مرتكب ذنب، أو جريمة، أو جناية، كائناً من كان، سواء من أهله وأقاربه ومن هم على ملته، أو آخرين من غير الأهل والأصحاب وخارج الملة والمذهب والدين.. إنّ الوقوف مع الظلم والظالمين عبر مساندتهم قولاً وفعلاً، كالإشادة والتمجيد والتطبيل، إنما كلها نوع من المظاهرة والمعاونة المذمومة. ومثل ذلك، تأييد أي فكر باطل منحرف، ورأي شاذ مخالف للدين والعرف، والتستر على اللصوص وسارقي المال العام، وتجميل قبائح المتنفذين على أنها حريات شخصية، وغيرها من مظاهر هدامة، كلها تدخل ضمن نطاق مظاهرة ومساندة المجرمين غير الجائزة لا شرعاً ولا عُرفاً ولا قانونا. عدم الوقوف في صف الباطل والإجرام والظلم، إضافة إلى أنه مسألة مبدئية للمؤمن، فهو أيضاً نوع من أنواع شكر النعمة، كما ذكرنا ذلك آنفا. فكيف تساند وتعاون أهل الظلم والإجرام، فيما أنت ترتع في نعم الله الكثيرة التي لا تُعد ولا تُحصى؟ أليس ذلك من العقوق ونكران جميل الخالق عليك؟! خلاصة الحديث إنّ دفع الظلم وتحقيق العدل، أصلٌ أصيل، ومقصد رئيسي في شرعنا، حيث حرم الله الظلم على نفسه، وجعله محرماً بين العباد. فالأصل إذن في شرعنا دفع الظلم وزجر الظالم، كما في الحديث الصحيح (انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً، فقال: رجل يا رسول الله، أنصره إذ كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال: تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره) وعلى هذا ندير حياتنا، ونبني لآخرتنا. إنّ الآية الكريمة (رب بما أنعمت عليّ فلن أكون ظهيراً للمجرمين) رسالة لكل مؤمن، ألا يكون أو يُرى يوماً من الأيام في معسكر الباطل والظلم والإجرام، وبأي صورة من صور الإعانة، أو الدفاع، أو التمجيد، أو الحماية، أو غيرها من صور، فإنها كلها كما أسلفنا، تدخل في حكم مظاهرة ومعاونة المجرمين، ولو كانوا أولي قربى، والحقُ أحق أن يُتّبع.
327
| 29 يناير 2026
هل هناك ما هو أروع وأجمل من أن تجد طلبك، أو حاجتك تتحقق فوراً دون أي تأجيل، أو وعود، أو تسويف؟ لا شك أن المسألة لن تكون محسوسة لمن لم يمر بالتجربة، أو الموقف الذي أتحدث عنه. لكن من خاضها، أو مر بها في حياته، سيدرك تماماً ما أتساءل بشأنه وحوله. وحتى لا أطيل في المقدمة، لنتأمل الموقف التالي.. حين كان النبي الكريم موسى عليه السلام في حضرة ربه تبارك وتعالى بالوادي المقدس طوى، تلقى أمراً للقيام بمهمة ليست كأي مهمة.. (اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ) ولكن لماذا فرعون فقط، مع أنه نبي مرسل للكل؟ السبب أنه طغى وخرج عن الحد. فقد ادعى الألوهية وتكبر وكان متبوعاً، فكان ذكره أولى، كما يقول الفخر الرازي في تفسيره. يقول التابعي الجليل وهب بن منبّه في هذه الجزئية: «قال الله تعالى لموسى عليه السلام: «اسمع كلامي واحفظ وصيتي وانطلق برسالتي، فإنك بعيني وسمعي، وإنّ معك يدي وبصري، وإني ألبستك جنة من سلطاني لتستكمل بها القوة في أمري. أبعثك إلى خلق ضعيف من خلقي، بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا حتى جحد حقي وأنكر ربوبيتي، وإني أقسم بعزتي لولا الحجة والعذر الذي وضعت بيني وبين خلقي، لبطشت به بطشة جبار، ولكن هان عليَّ وسقط من عيني، فبلغه عني رسالتي، وادعه إلى عبادتي وحذره نقمتي (فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا). لا يغترن بلباس الدنيا فإن ناصيته بيدي، لا يطرف ولا يتنفس إلا بعلمي... وبقية كلام طويل. قال: «فسكت موسى سبعة أيام لا يتكلم. ثم جاءه ملكٌ فقال: أجب ربك فيما أمرك بعبده». المهمة الصعبة إذن المهمة ليست سهلة. إنه فرعون الطاغية الذي عاش في قصره منذ أن كان وليداً حتى شب وترعرع. ثم فر من المدينة بعد أن ارتكب ذنباً كبيراً بقتل أحد أتباع فرعون، فهو اليوم مطلوب دون شك، ويخشى إن عرف القوم بأمره أن يقتلوه. أضف إلى كل ذلك، صار هذا الفرعون يدّعي الألوهية، والناس تطيعه وتتبعه، وليس من السهل أن يستمع إلى شخص مثلي، يعرف كل تفاصيلي.. هكذا كان لسان حال موسى عليه السلام.. لكن يتنبه موسى عليه السلام أنه بحضرة ملك الملوك، جبار السموات والأرض، الذي إن أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون.. وبالتالي لم هذه الخشية، بل بدلاً من ذلك، لم لا يطلب منه سبحانه ما يعينه على أداء المهمة بالشكل المطلوب؟ ها هنا تبدأ طلبات وحاجيات موسى عليه السلام تنهال، بل ولم لا تنهال ويعرضها، وهو في حضرة أكرم الأكرمين؟ بدأ بالحاجات الشخصية، فكانت الأولى (رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي) ثم أتبعها بالثانية (وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي) والثالثة (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِّن لِّسَانِي يَفْقَهُوا قَوْلِي). ثم بدأ بالطلبات الخاصة جداً، فكان الطلب الأول غير العادي، الذي لم ولن يطلبه أحد (وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ أَهْلِي هَارُونَ أَخِي). إنه بعد أن سأل الله أن يسهل له حاجاته الشخصية التي وجدها ضرورية للسير إلى الفرعون الطاغية، رأى أهمية وضرورة وجود شخص ما يتكامل معه في أداء المهمة، فلم يجد خيراً من أخيه هارون، فصار نبياً. وقد قيل حول هذا الطلب أن السيدة أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، خرجت فيما كانت تعتمر، فنزلت ببعض الأعراب، فسمعت رجلاً يقول: أيّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه؟ قالوا: ما ندري. قال: والله أنا أدري. قالت: فقلتُ في نفسي: في حلفه لا يستثني، إنه ليعلم أي أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه. قال: موسى حين سأل لأخيه النبوة. فقلتُ: صدق والله. وتقول العامة حول القصة نفسها، بأن أقوى واسطة وتزكية من إنسان لآخر في هذه الدنيا، كانت واسطة، أو تزكية موسى لأخيه هارون عليهما السلام، ليكون وزيراً ونبياً، فكان كما أراد عليه السلام، نعم العضيد والوزير. اللحظة المدهشة ها هو ذا الكريم المنَّان لا يُخجل ضيفه، كما يقول صاحب الظلال، ولا يرد سائله، ولا يبطئ عليه بالإجابة الكاملة (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ). هكذا مرة واحدة، في كلمة واحدة. فيها إجمال يُغني عن التفصيل. وفيها إنجاز، لا وعد ولا تأجيل.. كل ما سألته أعطيته. أعطيته فعلاً. وفيها مع الإنجاز، عطف وتكريم وإيناس بندائه باسمه (يا موسى) وأيُّ تكريم أكبر من أن يذكر الكبير المتعال، اسم عبد من العباد؟ هكذا هو شأن الدعاء حين تكون في حضرة الكريم المنان. سل تعطه، كما جاء في حديث صحيح رواه الإمام أحمد، أنه صلى الله عليه وسلم مر مع صاحبيه أبي بكر وعمر على عبد الله بن مسعود، وكان قائماً يصلي، فوقف النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليستمع إلى قراءته، فلما انتهى، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من أحب أن يقرأ القرآن غضّاً كما أنزل فليقرأ قراءة ابن أم عبد». ثم جلس ابن مسعود يدعو الله، فأثنى على ربه وحمده، فأحسن في حمده على ربه، ثم سأله فأجمل المسألة، وسأله كأحسن مسألة سألها عبد ربه، ثم قال: «اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لا ينفد، ومرافقة محمد صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين في جنانك جنان الخلد». فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سل تعطه، سل تعطه». فقال عمر: فقلت في نفسي: والله لأغدون إلى عبد الله ولأبشرنه بتأمين رسول الله على دعائه.. فذهبت إليه فوجدتُ أبا بكر رضي الله عنه قد سبقني بالبشرى. فقلت له: يا أبا بكر، والله إنك لسبَّاق في الخير دائماً. فاللهم اجعلنا لك ذكَّارين، لك شكَّارين، إليك أوَّاهين منيبين، تقبَّل يا رب توبتنا، واغسل حوبتنا، وأجب دعواتنا، وثبِّت حجتنا، واسلل سخائم صدورنا، وعافنا واعف عنا. اللهم آمين.
324
| 22 يناير 2026
هناك من يعبد الله على غير الطريقة التي جاء بها المرسلون وآخرهم سيد الخلق محمد، صلى الله عليه وسلم، يحسبونها طريقة صحيحة ترضي الله، وأن أعمالهم تلك مقبولة عنده سبحانه. ومن الناس من يشرك بالله ويظن أنه على شيء وهو لا شيء، وأمثال هؤلاء كثير إلى يوم الناس هذا، بل إلى ما شاء الله لهذه الحياة أن تدوم. يعتقدون صلاح أعمالهم، وهي عند الله غير ذلك، وهم في الآخرة من الأخسرين، وقد اختلف المفسرون حولهم. يقول الإمام الماوردي في قوله تعالى ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا ) أن فيهم خمسة أقاويل: أحدها أنهم القسيسون والرهبان، قاله علي بن أبي طالب. الثاني أنهم الكتابيون اليهود والنصارى، قاله سعد بن أبي وقاص. أما الثالث فهم أهل حروراء من الخوارج، وهذا مروي عن علي رضي الله عنه. الرابع هم أهل الأهواء، والخامس من يصطنع المعروف ويمنّ عليه.. ويحتمل سادساً أنهم المنافقون بأعمالهم، المخالفون باعتقادهم، ويحتمل سابعاً أنهم طالبو الدنيا وتاركو الآخرة. يظن ويتوهم كل أولئك أنهم يحسنون صنعاً في الحياة الدنيا، وأن أعمالهم الطيبة لا شك عندهم أنها مقبولة عند الله، والله سبحانه عنى بقوله ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالاً ) كلّ عامل عملاً يحسبه فيه مصيبا، كما يقول الإمام الطبري، وأنه لله بفعله ذلك مطيع مُرض، وهو بفعله ذلك الله مسخط، وعن طريق أهل الإيمان به جائر، كالرهابنة والشمامسة وأمثالهم من أهل الاجتهاد في ضلالتهم، وهم مع ذلك من فعلهم واجتهادهم بالله، كفرة ومن أهل أيّ دين كانوا. من شروط قبول الأعمال، الإخلاص والصواب. أما الأول وهو الإخلاص، فيعني أن تقوم العمل لا تقوم به إلا لوجه الله وابتغاء مرضاته، لا لأحد سواه، ولا تبتغي مرضاة أحد غير رضا الله. بمعنى آخر، لا رياء أو تتحرى الحصول على إعجاب الآخرين وثناءاتهم. أن تقوم بعمل صالح وتخفيه عن الناس جميعاً، هو من الأعمال غير اليسيرة في حقيقة الأمر، والشيطان لا يسره قيام أحدنا بعمل صالح يخفيه عن الآخرين، باعتبار أن ذلك مسلك الصالحين أعداء الشيطان، الذي لا يمل ولا يكل من دفع أولئك الصالحين لإظهار أعمالهم الخفية الصالحة ولو بنسبة ضئيلة بادئ الأمر، كي يتسلل إلى نفوسهم بعد حين من الدهر طال أم قصر بعض الرياء، على اعتبار أن أي إنسان منا وبحكم فطرته البشرية، يحب المديح والشكر والإطراء، ويسعده إن قام بعمل صالح، أن يشيد به الناس ويشكرونه.. هكذا هي النفس البشرية، ومن هذه الثغرة الضعيفة بالنفس، يتسلل الشيطان إلى القلب ليدفع بصاحبه إلى تحويل عمله الصالح الخفي إلى ظاهر بيّن.. إذ مع الأيام والتكرار، سيستمر هذا الإنسان في أعماله الصالحة الظاهرة، وخاصة بعد أن يبدأ يتذوق حلاوة الثناء والإشادة من الآخرين، حتى تجده بعد حين من الدهر وقد وقع في فتنة العُجب واستحسان العمل، فتقل نسبة الإخلاص تدريجياً عنده ليتحول - أي العمل الصالح - إلى أشبه ما يكون بأي عمل إعلامي يتحرى صاحبه شوقاً لعبارات المديح والثناء، من بعد الظهور في الأضواء بالطبع، ومن بعد أن يكون الشيطان قد خلط عليه مفاهيم العمل الصالح وفوائد الإعلان عنها، إلى غير ذلك من مفاهيم. ضمن هذا السياق، نجد الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم يوصينا بقوله:» من استطاع منكم أن يكون له خبء من عمل صالح فليفعل «.. وأحسبُ أن العمل الصالح يستحق جداً أن نخفيه عن الناس مثلما نفعل مع العمل السيئ، كما قال الزبير بن العوام رضي الله عنه:» اجعلوا لكم خبيئة من العمل الصالح، كما أن لكم خبيئة من العمل السيئ «.. لكن هل يكفي هذا الإخلاص لقبول العمل ؟ بالطبع لا يكفي، لأن الركن الثاني لقبول العمل بعد الأول وهو الإخلاص كما أسلفنا، أن يكون العمل صحيحاً سليماً لا يخالف شرع الله. فما فائدة عمل خالص لله، والنيات طيبة بريئة، لكنه غير صحيح، أو مخالف لسنة الله ورسوله؟ من هنا تأتي أهمية دور العلم، وضرورة أن يتعلم الإنسان دينه قبل أن يقوم بالعبادات والشعائر، أو يقوم بالنوافل والسنن والأعمال الصالحة الأخرى، لكي يكون على بيّنة من أمره، فلا يميل إلى تأويل فاسد، أو فهم سيئ ربما يدفعه من حيث لا يدري، إلى زمرة الأخسرين أعمالا والعياذ بالله.. أسأل الله لي ولكم أن يجعلنا من عباده الصالحين المصلحين، الهادين المهديين، وأن يجعلنا من الراشدين.
348
| 15 يناير 2026
الركون في اللغة هو الميل أو السكون إلى الشيء بعد القبول والرضا به. لكن بعيداً عن اللغة، نجد أن القرآن ينهى عن فعل الركون إن كان مع الظلم وأهله، أو الكفر وأهله، لكن لا شيء أن تركن إلى جهة ما لا ظلم يصدر عنها أو أعمال كفر، بدليل نبي الله لوط عليه السلام حين شعر بضعفه في مواجهة مطالب الناس في قريته، وهو يحاول الدفاع عن ضيوفه، قال (لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد) أي تمنى لو يجد من عنده القوة والبأس والسلطة ليركن إليه، ويستقوي به أمام من يستضعفونه، فرداً كان أم قبيلة أم ما شابه، وهذا يعني أن الركون إلى الحق وأهله، فعل محمود مطلوب، وعلى هذا يمكن قياس الأمور. عودة إلى موضوعنا مدار البحث وهو الركون إلى الظلم وأهله، نجد الآية صريحة في النهي عن ذلك. لا يجب بأي حال من الأحوال اللجوء إلى الظلم والظلمة، والباطل وأهله، بحجة الاستقواء على فعل خير، أو بحثاً عن حماية، أوغير ذلك من معان شبيهة قد تطرأ على البال في هذا السياق. الباطل بشكل عام قد يكون صاحب سطوة وبأس وقوة، وعنده من المغريات الكثير الكثير تجعل الآخر يتطلع إلى مسألة اللجوء إليه حال ضعفه، أو حالما يشعر بدنو مشكلات وأزمات بالطريق قادمة إليه، فتجده تبعاً لذلك يبحث في مسألة الركون والميل إليه، بعد أن يكون الباطل، أو الظالم قد استخدم وسائل ومؤثرات متنوعة يزين بها أعماله أمام الآخرين، وتجعل المفاهيم في الوقت نفسه تختلط عليهم، وبالتالي لا يجدون بأساً أو حرجاً من اللجوء والركون إليه بحجج وتبريرات هشة واهية. متى يحدث الركون؟ الركون إلى الظالمين والكافرين عادة لا يحدث إلا في حالات من الضعف والشعور باليأس والإحباط، أو بدافع من نية حسنة يأمل من ورائها صاحب تلكم النية أمراً محموداً، وأحياناً أخرى يقع الركون كنوع من سذاجة أو حماقة في التفكير. النوع الأول لا يحتاج لكثير شروحات، فاليائس المحبط، أو المهزوم داخلياً عادة يكون ضعيف إيمان ويقين بالله، فتجده لا يتردد من أجل تحقيق مراده وتطلعاته، إلى الركون إلى أي شيطان، وليس ظالماً وفاسداً فحسب. أما الذي تدفعه نياته الطيبة إلى اللجوء وملاطفة الظلمة والفاسدين، أو مداهنتهم ومجاملتهم رغبة في إصلاحهم التدريجي الذي ربما يأتي بخير كثير على الآخرين، فهذا رغم مقصده الطيب الحسن، إلا أن استراتيجيته خطرة غير مقبولة، وقد تؤدي إلى عواقب غير محمودة، أقلها احتمالية استشعار الظالم أنه صاحب الرأي الأوحد، الذي يتجمع تحت رايته الصالحون قبل الطالحين. أبرز نموذج للنوع الثاني هو نبينا الكريم، صلى الله عليه وسلم، وهو يتودد إلى عظماء ووجهاء قريش، رغبة في إسلامهم الذي به ستتعزز قوة الدعوة، او هكذا كانت نيته عليه الصلاة والسلام، حتى وإن كان توجهه الطيب ذاك على حساب التقليل من وقته صلى الله عليه وسلم نحو دعوة الضعفاء والمساكين وأشباههم. ولقد حاول المشركون استدراج النبي الكريم إليهم، وعرضوا عليه الكثير من المغـريات مقابل استجابتهم لدعوته الكريمة. منها كما جاء في تفسير تأويلات أهل السنة للإمام الماتريدي، أنهم أرادوا منه أن يجعل لهم مجلساً على حدة ليسلموا، فهمّ أن يفعل ذلك لحرصه على إسلامهم وإشفاقاً عليهم. فمثل هذا يجوز الفعل، إلا أن الرسل لا يجوز لهم أن يفعلوا شيئاً وإن صَغُر إلا بإذن الله. فماذا كان التوجيه الإلهي له؟ يذكر الله هاهنا نعمته على نبيه الكريم، أن حفظه من استدراج الكفار الظلمة له، وجنّبه مغرياتهم المتنوعة في قوله تعالى (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئاً قليلا). لقد كان النبي الكريم قاب قوسين أو أدنى ان يحقق للكفار مآربهم، رغبة في إسلامهم، لكن الله حفظه وثبّت قلبه، وكشف له سوء نياتهم، فما ركن إليهم أو مال نحوهم بعد ذلك قيد أنملة. ومن هنا يأتي حرص أصحاب الدعوات على حفظ وصون أنفسهم ومن معهم، من خطورة مغريات أهل الظلم والفساد ذات التأثير الفاعل القوي. الركون يعـني التنازل يقول صاحب الظلال: «المحاولات التي عصم الله منها رسوله، هي محاولات أصحاب السلطان مع أصحاب الدعوات دائماً. محاولة إغرائهم لينحرفوا - ولو قليلاً - عن استقامة الدعوة وصلابتها، ويرضوا بالحلول الوسط التي يغزونهم بها في مقابل مغانم كثيرة. ومن حملة الدعوات من يفتن بهذا عن دعوته لأنه يرى الأمر هيناً، فأصحاب السلطان لا يطلبون إليه أن يترك دعوته كلية، إنما هم يطلبون تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان في منتصف الطريق! وقد يدخل الشيطان على حامل الدعوة من هذه الثغرة، فيتصور أن خير الدعوة في كسب أصحاب السلطان إليها ولو بالتنازل عن جانب منها! ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهاية الطريق». ويضيف صاحب ظلال القرآن: «إن صاحب الدعوة الذي يقبل التسليم في جزء منها ولو يسير، وفي إغفال طرف منها ولو ضئيل، لا يملك أن يقف عند ما سلم به أول مرة، لأن استعداده للتسليم يتزايد كلما رجع خطوة إلى الوراء. وأصحاب السلطان يستدرجون أصحاب الدعوات، فإذا سلموا في الجزء، فقدوا هيبتهم وحصانتهم، وعرف المتسلطون أن استمرار المساومة، وارتفاع السعـر ينتهيان إلى تسليم الصفقة كلها». خلاصة الحديث الظالم بأشكاله المتنوعة، فرداً كان، أم كياناً في أي صورة من الصور، هيئة أم مؤسسة أم منظمة أم اتفاقية أم دولة، ليس محبذاً أن تركن إليه وتميل نحوه، أو ترضى بعمله، وإن كانت نيتك صافية طيبة تأمل منه أمراً محموداً. وسبب ذلك أن مجرد البدء بالركون إليه والميل نحوه، تكون أنت قد بدأت في رحلة التنازلات. لماذا؟ لأنها رحلة لا تتوقف عادة كسهولة البدء بها، خاصة أن ما عند معسكر الظلم من مغريات، وما تميل إليه النفس البشرية من مباهج وزينة الحياة الدنيا، الكثير الكثير، ما يجعل الأمر صعباً وشاقاً. والوقاية خير من العلاج، ومن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعِـرْضِه. السلف الصالح كان أحدهم يتجنب مجرد التفكير في مثل هذه النوعية من الركون، أو الميل نحو هذا أو ذاك من أهل الباطل والظلم والكفر. سفيان الثوري رحمه الله، كان يقول: من دعا لظالم بالبقاء فقد أحب أن يُعصى الله. إنّه يحذر من مجرد الدعاء لظالم، فما بالك بالركون إليه والرضا بعمله؟ قيل بأن أحد الصالحين صلى خلف إمام قرأ (ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار) فغُشي عليه، فلما أفاق قيل له، فقال: «هذا فيمن ركن إلى من ظلم، فكيف بالظالم؟!». المسألة كانت واضحة عندهم لا غبار عليها البتة. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. وأرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه. اللهم آمين.
474
| 08 يناير 2026
تكررت آيات شبيهة المعنى بالآية أعلاه التي اتخذناها عنواناً لحديث اليوم، وكل الآيات الشبيهة تستنكر التصاق الأبناء بإرث الآباء، وبالطبع ليس كل الإرث، وإنما ذاك المعاكس للحق. هذا إرث باطل يجب تصحيحه، وإلا فمحاربته أولى. هكذا كانت دعوات الأنبياء والمرسلين. يأتي النبي يدعو قومه إلى خير الدنيا والآخرة. يدعوهم إلى نبذ الشرك وعبادة غير الله، فيأتي القوم يتغنون بإرث أسلافهم وأجدادهم، وأنهم على دربهم سائرون. هكذا كان غالبية القدماء.. وهكذا كانت عقلياتهم التي لوثها الشيطان أيما لوثة. المسألة لم تكن كامنة في العقول والألباب فحسب، بل في أعماق القلوب التي في الصدور. عناد وتحجر وتصلب بلا حدود. إن أي عقل بشري سوي، حين يرى الحق والباطل واضحاً أمامه، فإن فطرته تدفعه تلقائياً نحو الحق، وتبعده عن الباطل، إلا إذا اختار هو بنفسه فعل المكابرة والمعاندة، فهكذا كان الأولون مع أنبيائهم. روي عن ابن عباس قال: «دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليهود إلى الإسلام، فقالوا: بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، أي ما وجدنا عليه آباءنا. فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). وقيل: الآية نازلة في مشركي العرب وكفار قريش، الذين اقتفوا خطوات الشيطان، وقالوا على الله بدون علم ولا برهان، إذا قيل لهم: اتبعوا ما أنزل الله من قرآن، أعرضوا عن ذلك وقالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام والخضوع للرؤساء، كما في التفسير الوسيط للطنطاوي. إذن هو تقليد أعمى مذموم. فليس كل تقليد محمود. إن التقليد في أمور العقيدة والتوحيد، دون علم ودراية كافية بما كان عليه من يتم تقليدهم، أمر مذموم يودي بصاحبه إلى التهلكة. ولهذا رد الله على من قال ونادى باتباع الآباء من منطلق التقليد الأعمى غير السوي، محاط بعناد وكبر وجهل (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ). كمثل الذي ينعـق التقليد الأعمى إذن كما أسلفنا، يؤدي بصاحبه إلى التهلكة إن كان تقليد الآباء والأجداد في أمور العقيدة، وكان أولئك الآباء والأجداد أساساً على ضلالة وكفر.. من هنا وصف الله تعالى هؤلاء المقلدين، الذين ساروا في درب تعطيل العقول، بأنهم مثل أغنام ينعق لها راعيها بالدعاء أن تأتي، أو بالنداء أن تذهب. أغنام لا تفقه شيئاً مما تسمع من الأصوات. إنّ مثلك يا محمد ومثل الكفار في وعظهم ودعائهم إلى الله عز وجل، كمثل الراعي الذي ينعق بالغنم - كما قال البغوي في تفسيره - وأن الكافر لا ينتفع بوعظك، إنما يسمع صوتك.. إنها صورة زرية - كما يقول صاحب ظلال القرآن - تليق بهذا «التقليد وهذا الجمود، صورة البهيمة السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا صاح بها راعيها سمعت مجرد صوت لا تفقه ماذا تعني، بل هم أضل من هذه البهيمة، فالبهيمة ترى وتسمع وتصيح، وهم صمٌ بكمٌ عُمي، ولو كانت لهم آذان وألسنة وعيون ما داموا لا ينتفعون بها ولا يهتدون، فكأنها لا تؤدي وظيفتها التي خُلقت لها، وكأنهم إذن لم تُوهب لهم آذان وألسنة وعيون». وهذه منتهى الزراية بمن يعطل تفكيره، ويغلق منافذ المعرفة والهداية، ويتلقى في أمر العقيدة والشريعة من غير الجهة التي ينبغي أن يتلقى منها أمر العقيدة والشريعة». ما فائدة الآذان التي لا تسمع الحق، وما فائدة العيون التي لا ترى البراهين الدالة عليه، وما فائدة الألسن التي لا تنطق به؟ وعذرهم في كل ذلك (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا)! فليس غريباً إذن أن يشبههم الله بالأنعام، بل هم أضل.
225
| 25 ديسمبر 2025
اختتمت قبل أيام في الدوحة، النسخة التاسعة من جائزة الشيخ تميم بن حمد آل ثاني الدولية للتميز في مكافحة الفساد، تأكيداً على مواصلة قطر نشر رسالتها في تعزيز ثقافة مقاومة منظومات الفساد المتنوعة، عبر تكريم النماذج الملهمة في هذا المجال من أفراد ومؤسسات حول العالم. الجائزة باختصار كما جاء في التعريف بها على موقع الديوان الأميري الرسمي، تعتبر «مساهمة من سمو الأمير حفظه الله في جهود مكافحة الفساد، الذي يُعتبر آفة اقتصادية واجتماعية وأخلاقية تعيق التنمية والتقدم والتطور، حيث تم رصد جائزة عالمية بالتعاون مع الأمم المتحدة تحمل اسم سموه، وتُمنح سنوياً للمتميزين في مجال مكافحة الفساد، سواء عن طريق التوعية والتثقيف والإرشاد، أو عبر نشر ثقافة النزاهة. وتهدف الجائزة إلى تشجيع الإبداع المقاوم للفساد، وتحفيز الطاقات الشابة لنبذه ومكافحته، بالإضافة إلى زيادة الوعي بأهمية دعم المبادرات الرامية للقضاء عليه». الفساد بشكل عام في أي زمان وأي مكان، ليس مجرد سلوكيات فردية، أو حالات معزولة، بل هو منظومة متكاملة ومعقدة في أحيان كثيرة، حيث تتشابك فيها المصالح وتترابط فيها الأدوات والآليات التي تعمل على حمايته واستمراره. ومن الطبيعي أن أي منظومة معقدة كمنظومات الفساد المتنوعة، أنها تستخدم طرقاً متعددة، وأساليب خفية من أجل ضمان بقائها وسلامة رموزها، أو الفاعلين فيها، بدءاً من استغلال النفوذ بطرق احتيالية ذكية، وانتهاءً بتبرير الانحراف عن القيم والمبادئ ! الفساد وقصة من التاريخ في التاريخ القديم الذي يقصه القرآن، اشتهرت قرية مَدْين بين الأمم الغابرة بفساد اقتصادي عميق حتى صار معروفاً مكشوفاً بين القرى في ذلكم الزمان، بالإضافة إلى ما كانت عليه القرية أساساً من فساد فكري وعقدي، وكان فسادها أساساً في ظهور شبكات ومنظومات أخرى فاسدة بعد ذلك، والتي لم تكن تدخر جهداً في كسب الأموال بكل الطرق المتاحة وغير المتاحة، وإن كانت جلّها غير متوافقة، لا مع شرع سماوي، ولا عُرف اجتماعي، ولا حتى قانون أو عرف تجاري. الإشكالية الكبيرة حينذاك أو في قرية مدين، أن الفساد كان قد تغلغل وتعمق في البلاد حتى صار منظومة متكاملة، لها وسائلها وأدواتها وآلياتها ورموزها، بل بنفوذها صارت تؤثر على توجهات وقرارات الحكومة حينها !! وقد بلغت المنظومة حداً لم يجرؤ أحد أن يقف في وجهها، أو التصادم معها، حتى جاء خطيب الأنبياء، شعيب عليه السلام ليقوم بالمهمة الصعبة، وقد كان ظهوره مفاجأة للمنظومة كلها. ووجه المفاجأة بدا في تلكم الجرأة التي كان عليها شعيب وبضع أشخاص على دينه وفكره، يكشفون أعمال وسوءات تلك المنظومة الأخطبوطية واسعة النفوذ والانتشار والتأثير والترهيب، والمتغلغلة في عروق المجتمع وشرايينه ! الفساد وهو ينتفض رغم علم منظومات الفساد بوجاهة شعيب، واحترامهم لعشيرته وإن لم تكن على دينه أيضاً، إلا أن ذلك لم يمنعهم من البدء في تهديد متدرج له ومن معه، وضرورة التوقف عن دعوته تلك، وألا يقف في وجههم، أو بعبارة أخرى، ليس من الحكمة أن يقف شعيب في وجه منظومة - الفساد - في البلاد، لأنها أقوى منه ومن عشيرته بكثير، أو هكذا تعتقد أي منظومة فاسدة في كل زمان ومكان. فلا هي تريد التوقف عن إفسادها في الأرض، ولا تريد في الوقت نفسه أحداً يتحدث عنها بسوء، أو يحاول مجرد إشغالها فضلاً عن التصدي لها وكشفها ! شعيب - عليه السلام - استغرب من انغماس كثيرين من مواطني القرية في هذا الفساد الاقتصادي الذي لم يكن له ما يبرره، فكان يقول لهم (إني أراكم بخير) ويقصد أن وضع القرية الاقتصادي مريح جداً، وقد فتح الله عليهم من بركاته ورزقه، فلماذا هذا الفساد، أو التطفيف والغش في تعاملاتهم وأكل أموال الناس بالباطل؟ ولماذا أصلاً تظهر منظومات فاسدة عندهم، رغم أن الأوضاع لا تستدعي اللجوء لأساليب وطرق الغش والاحتيال والنصب وبقية مصطلحات الفساد؟! هكذا كان لسان حال وواقع النبي شعيب وهو في مواجهاته المتنوعة معهم.. ولولا خشيتي - أو هكذا قال شعيب - أن يُنزّل الله عذابه عليكم، ويسلبكم ما أنتم عليه من الاستقرار وسعة الرزق وبحبوحة العيش، ما دعوتكم ونهيتكم عن هذا الذي أنتم عليه.. لكن هل لانت قلوبهم وخشعت؟ بالطبع لا، بل ازدادت المنظومة فساداً وقسوة وتأثيراً على البلاد كلها، حتى لم تبق حجة تمنع نزول العذاب، كما كانت سنن الله في القرى والأمم الغابرة، فكان يوم الظُّلة، حيث احتباس الهواء وارتفاع الحرارة، ثم غيمة عظيمة تأتي فيسرع إليها الفاسدون قبل غيرهم، فلعل ظلها يخفف عنهم بعض ما كانوا فيه وعليه من جفاف وسخونة الطقس، لتمطرهم ناراً أحرقتهم وأبادتهم جميعاً ( كأن لم يغْـنوا فيها ). من وسائل كشف الفساد نعود من التاريخ تارة أخرى إلى الواقع، حيث لا أنبياء ولا مرسلين لمواجهة شبكات ومنظومات الفساد، لنقول بأن من أبرز أدوات ووسائل كشف الفساد اليوم، والوصول إلى شبكاته المتعددة المعقدة، وأحد أهم الأسلحة في مواجهة تلك المنظومات ومكافحتها، هي ما نسميها بالصحافة الاستقصائية، التي يلعب العاملون فيها دوراً بارزاً مهماً مؤثراً، خاصة إن وجد أولئك العاملون تعاوناً بناء فاعلاً من كافة مؤسسات المجتمع. الصحافة الاستقصائية حين تجد مساحات كافية من حرية العمل، ودعماً من جهات متنفذة في أي مجتمع، يمكنها أن تلعب دورها الحقيقي المؤثر في كشف ما يُخفى عن الناس، وتسليط الضوء على شبكات المصالح، التي تحاول العبث بالمال العام وإفساد القيم، بفضل شجاعة وجسارة العاملين القائمين على تلك التحقيقات الجريئة، المبنية على أدلة وشواهد وإثباتات مادية، والتي تُسهم دون شك في تعزيز مسألة الشفافية، ومُساءلة المسؤولين، ما يجعل من هذا النوع من الإعلام ركيزة أساسية لحماية المجتمع من الفساد وشبكاته المتعددة. لكن الصحفيين الاستقصائيين، ولخطورة المهام التي يقومون بها، تراهم يواجهون دوماً مخاطر جسيمة على شكل تهديدات مباشرة لهم، أو أهليهم ومصالحهم الشخصية المتنوعة، ما يدعو إلى أهمية وضرورة توفير تشريعات وقوانين تحميهم من الملاحقة والتهديد، وتكفل لهم كذلك حق الوصول إلى المعلومات بكل أريحية، إلى جانب ضرورة دعمهم مؤسسياً ونقابياً وشعبياً، وتأمين بيئة عمل آمنة لهم تضمن استقلاليتهم، وتحصنهم ضد أي ضغوط سياسية أو اقتصادية، أو غيرها من ضغوط متنوعة، إضافة إلى أهمية حماية المبلغين عن الفساد والمفسدين. لكن الأهم من حماية الصحفيين الاستقصائيين، هو حماية المجتمعات نفسها التي يعيش فيها أولئك الصحفيون، من منظومات الفساد وشبكاتها، وقسوتها على من يتجرأ ويحاول كشفها. وحماية المجتمعات تبدأ منطقياً ببناء مؤسسات قوية تقوم أساساتها على مبادئ الشفافية والمساءلة وسيادة القانون. أي كلما كان النظام الرقابي فاعلاً مؤثراً، والإدارة العامة نزيهة أمينة، كلما تقلصت فرص الفساد في أن يتغلغل بين ثنايا المؤسسات المختلفة. إلى جانب ما سبق، تأتي التربية الدينية والأخلاقية، والتوعية المجتمعية المستمرة، لتلعب دوراً جوهرياً مهماً في تعزيز ثقافة النزاهة، ورفض ثقافة الواسطة والمحسوبية، والرشوة وما شابهها.. ثم مرة أخرى يبرز ها هنا دور الإعلام الحر، وضرورة تعاون المجتمع بمؤسساته المتنوعة معه، والعمل كشريكين في كشف الممارسات المشبوهة، ومحاسبة الفاسدين. ثم من بعد ذلك تطبيق العقوبات على شبكات الفساد المختلفة والعاملين فيها بكل حزم وعدالة في الوقت نفسه.. هذه بعض ركائز يمكن للمجتمعات أن تصون نفسها من الفساد، وتؤسس لبيئة متعاونة متماسكة خالية من الفساد والمفسدين، يسودها العدل والشفافية. خلاصة ما يمكن تسطيرها في ختام هذا الحديث، أنه رغم القدرة المؤقتة لأي منظومة فاسدة على التخفي والتغلغل في مؤسسات المجتمع، إلا أن سنن الحياة والكون وقوانينها الطبيعية العادلة، تقتضي أن ينكشف أمر تلك المنظومات الفاسدة نهاية المطاف، مهما طال الزمن، أو تراكمت وكثرت المحاولات لحمايتها، فالحقيقة لا بد أن تظهر، والفساد مصيره إلى زوال، عاجلاً أم آجلا. والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
297
| 18 ديسمبر 2025
أرادت زوجة العزيز أن تراود فتاها عن نفسه، وهو في كنف الله سبحانه ورعايته، يتم إعداده وتأهيله ليكون نبياً من أنبياء الله الكرام بعد حين من الدهر قصير. يأبى يوسف عليه السلام الخضوع لها ولغريزته ورفض. لكن الخبر بقدرة قادر انتشر في المدينة وصار حديث المجالس، لاسيما مجالس الطبقة المخملية من النساء، حتى ضاقت زليخة، زوجة العزيز مما يُقال عنها في تلك المجالس، فدعت مجموعة من تلك النسوة لوليمة أو حفل نسائي مغلق أو محدود على عدد معين قليل، وجاءت بأطعمة متنوعة، كان لابد من وجود سكاكين للتعامل معها. بعد أن اجتمعت أولئك النسوة الثرثارات، طلبت زوجة العزيز من يوسف - عليه السلام - الخروج عليهن في المجلس لتقديم واجب الضيافة، وهن منهمكات في تقطيع بعض الأطعمة أمامهن. وما إن دخل عليهن، انقطعن فجأة عن واقعهن، كما لو أن كل واحدة أخذت حقنة مخدر شبيهة بتلك التي يتلقاها المريض في غرفة العمليات الجراحية. تعطلت الأحاسيس والمشاعر عندهن للحظات، لكنها كانت كافية لتجرح كل واحدة منهن يدها بسكين، فتعود بعدها النسوة إلى عالم الواقع سريعاً، بعد أن انتهى المشهد بخروج يوسف من المجلس، وهو ربما لا يدري سر الصمت الذي خيم على المجلس، وذهول النسوة إلى درجة الانفصال عن الواقع للحظات، وحدوث مشهد تقطيع الأيدي وإحداث جروح بها، لكن في الوقت نفسه، تحقق لزليخة ما كانت ترمي إليه، وبقية التفاصيل المعروفة التي يمكن الرجوع إليها لمن أحب الاستزادة في القصة في التفاسير المتنوعة، إذ ليس المجال هاهنا لسرد القصة، بقدر رغبتنا الدخول عبر هذا المشهد الى عالم الألم وكيفية السيطرة عليه.. في عالم الطب، يتم السيطرة على الألم المادي في الجسم بأدوات تخدير محكمة الكمية، كتلك المستخدمة في العمليات الجراحية، أو لتخفيف أنواع أخرى من الآلام كالصداع النصفي مثلاً، أو غيره من آلام معروفة.. أما الآلام النفسية، فالمسكنات والمهدئات غالباً لا تكون كيماويات بقدر ما هي إيمانيات، إذ تعتمد على يقين وايمان الشخص نفسه بدينه وعقيدته، بغض النظر ها هنا عن الدين أو المعتقد، وليس هذا حديثنا أيضاً، وإنما استطراد مفيد يناسب جو الحديث عن الآلام. إن أردنا فهم ما حدث بشكل علمي مبسط في مجلس زليخة، مع النسوة اللائي قطّعن وجرحن أيديهن، فيمكن القول ابتداء بأن الحدث استثنائي نادر جعل النسوة لا يشعرن بألم القطع أو الجرح بالسكين، رغم عدم استخدام أي دواء أو مخدر، وهذا الأمر يمكن أن يُفسَّر علمياً من زوايا عصبية، هرمونية، أو نفسية. منها اضطراب وراثي نادر يولد فيه الإنسان وهو غير قادر على الشعور بالألم مطلقاً، وهذا خطر جداً على الإنسان، لأنه قد يعرض نفسه لإصابات بليغة دون أن يشعر. وهذا احتمال مستبعد في حال النسوة. الاحتمال الآخر كما يقول المشتغلون بعلم الأعصاب، أن انفصال الإنسان عن واقعه للحظات قصيرة، قد تتسبب حالات الصدمة العاطفية أو النفسية الشديدة في حدوث ذلكم الانفصال اللحظي القصير. والسبب أن في حالات الصدمة الشديدة، يقوم الجسم بإفراز كميات كبيرة من «الإندورفين» وهي مادة كيميائية طبيعية تُنتجها الغدة النخامية وتعمل كمسكّن للألم، وتأثيره مشابه لمخدر المورفين. كما يقوم الجسم أثناء الصدمات العاطفية والنفسية الشديدة بإفراز هرمون آخر هو « الأدرينالين « الذي يزيد من شدة انتباه المرء وتركيزه نحو حدث واحد دون غيره في لحظات قصيرة مؤقتة. وهذه المواد ترتبط بمستقبلات الألم في الدماغ والنخاع الشوكي. أي أن ما يحدث أثناء الصدمة، أنه يتم تعطيل مؤقت، أو تجاهل لعملية نقل إشارات الألم من العضو المصاب إلى مراكز الآلام بالجسم، رغم وصولها فعلياً من الأعصاب ! إن عدنا لمشهد النسوة تارة أخرى بشكل عميق، وأراد أحدكم أن يسأل ويقول بشكل دقيق: ما الذي جرى في أدمغة النسوة لحظة خروج يوسف عليهن؟ ما جرى هو حدوث نشاط هائل ومفاجئ للدماغ العاطفي، الذي يتعامل مع المشاعر القوية مثل الخوف، أو الدهشة، أو الرغبة. حيث يرسل إشارات تحفّز الجسم عبر المواد الكيمياية التي ذكرناه آنفاً، وهما «الإندورفين والأدرينالين» من أجل أن يتحول الانتباه كلياً نحو المثير العاطفي، ويخفف الإحساس بالألم. ذلك أن الدماغ يعطي الأولوية في تلكم اللحظات للتعامل مع الحدث العاطفي، أو المشهد المثير الذي نتحدث عنه، بدل الألم اللحظي. عندما جرحت النسوة أيديهن، انتقلت الإشارات العصبية للألم من الجلد إلى الدماغ، لكن الدماغ في تلكم اللحظة كان مشغولاً جداً بمشهد مثير، لا يمكن أن يصرف انتباهه إلى أي حدث آخر بالجسم ! لكن بعد لحظات، أو حين زال المثير بخروج يوسف - عليه السلام - من المجلس، هدأت أجسام النسوة وعاد التركيز إليها، وبدأ الدماغ من فوره في استقبال إشارات الألم، ولكن في وقت متأخر عن المعتاد، وهو ما يفسر فجائية الإحساس بألم القطع أو الجرح لدى النسوة، حيث شعرت كل واحدة منهن بحرقة الجرح وكأنه حدث للتو !! بعبارة أخرى مختصرة، دماغ كل امرأة في تلكم اللحظات فضّل أن يرى، لا أن يشعـر ! والحديث عن عالم الألم متنوع ومتشعب، قد نجد في قادم الأيام فرصة لسبر أغوار هذا العالم بإذن الله.. فاللهم علّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
453
| 04 ديسمبر 2025
مساحة إعلانية
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما...
8646
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث...
4683
| 09 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس...
1455
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين،...
1254
| 11 مارس 2026
أولاً: تمهيد - الضجيج الرقمي ومفارقة المواقف في...
1071
| 11 مارس 2026
وصلنا إلى اليوم الحادي عشر من حرب ايران...
960
| 10 مارس 2026
عندما تشتد الأزمات، لا يكمن الفارق الحقيقي في...
855
| 09 مارس 2026
عند الشروع في تأسيس أي نشاطٍ تجاري، مهما...
753
| 12 مارس 2026
في عالم تتسارع فيه التغيرات الاقتصادية والتنظيمية، وتزداد...
684
| 12 مارس 2026
ما الأزمات التي تحاصرنا اليوم إلا فصول ثقيلة...
657
| 13 مارس 2026
-زيارة سمو الأمير إلى مركزي العمليات الجوية والقيادة...
642
| 08 مارس 2026
لم يعد الغاز الطبيعي مجرد سلعة اقتصادية، بل...
603
| 14 مارس 2026
مساحة إعلانية