رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تخرج الحمم من فوهة البركان وتصنع لنفسها مسارات، ويجمع المشهد حمما وغازات ورمادا، ويكتسي باللونين الأحمر المنصهر والأسود الخبث أو الشوائب العالقة بالحمم، ويخفي الرماد الشمس، ويتحرك عازلا الفضاء عن الحياة، وكاسيا الأرض بترسبات رمادية قد تقتل الحياة، ويسود نتيجتها ظلام قد يزداد برودة رغم أن الحمم تتجاوز درجة حرارتها الألف درجة مئوية.
تواترت الصورة إلى الخيال مما يسود الوطن العربي من انفجار غير منظم لطاقة رفض جماهيريه تقتلع نظما وتحاول أن تقيم غيرها، ترتفع درجات الحرارة ويزداد اللون الأحمر لدماء الشهداء في البدايات، ولا تلبث الحمم أن تصبح غازات ورمادا بينما الشعوب تبحث عن طريق لصنع النظام الجديد.
وشارك في استحضار الصورة مناقشة مع صديق من اليمن، اتصلت به فور ما سمعته عن حي "كريتر"، و "المعلا" والمظاهرات التي يشهداها وتطالب بالتغيير، ورويت له مدى التصاق حي "كريتر" في ذهني بثورة جنوب اليمن، وهو لدي يماثل حي "القصبة" بالجزائر، وبادرني وهو ابن حي "المعلا" قائلا: إن عدن علي جبل بركاني، و"كريتر" تعني فوهة البركان، واحتله الثوار في 20 يونيو 1967 ردا على هزيمة يونيو.
اتسمت الثورات في تونس ومصر بخروجها عن المألوف، أنها بلا قيادة واضحة ومحددة، وأنها بلا تنظيم يقود ولديه تصور ماذا يريد أن يهدم وماذا يهدف أن يبني، وهو يؤطر قوى الثورة ويقتصد قوتها ويحميها من الانحراف أو أن تخبو، وهو ما أكسب هذه الانفجارات البركانية بطلاقة قوة غير محدودة ومطلقة الحرية في الحركة مما أضفى عليها بعدا جديدا غير ملاحق من خصومها وهو الحركة غير المتوقعة، فأنجزت الشعوب في زمن محدود وصفري القيمة، إسقاط رموز نظام ظلت تعاني منه عقودا متتالية، فأخذت المفاجأة الجميع إلى تفكير متوتر وتعاملات غير منتجة.
بعد شهر من بداية ثورة الشعب المصري، ظهرت للثورة رؤوس متعددة، وكل رأس يحاول أن يقول إن الجسد له، وانقسموا إلى ثلاث مجموعات من الرؤوس:
الأولى: تشمل لجنة التعديلات الدستورية بقيادة المستشار طارق البشري، والأخرى عناصر قبلت الانضمام لوزارة شفيق التي ينادي جسد الثورة بإقالتها.
الثانية: مجموعة من الجماعات تتشكل وتحمل مسميات تنسبها إلى الثورة، من أمناء الثورة، وائتلافات، وحزب، وهذه الجماعات تقول أيضاً إن الجسد لها.
الثالثة: هي قطاع عريض خارج القاهرة وصراعاتها وأشواق النخب فيها، وتشمل محافظات مصر التي كانت كلها في أتون معركة إسقاط النظام بل هي مواقع بدأت المواجهة وسقط منها الشهداء وحافظت في اللحظات الحرجة للثورة على استمرار اندفاعها، وهي بصدد إصدار "بيان السويس" لتعلن فيه موقفها. وإلى جوار هذه الجماعة هناك أيضا من يحاول استنساخ ما يجري بالقاهرة.
وفي الجانب المقابل لهذا الجسد ذي الرؤوس الثلاث، هناك تحالف مضاد يمثل بقايا الحزب الوطني والرأسماليين الجدد وجهاز مباحث أمن الدولة، وهناك تصور يقول بأن علاقة ما تربط هذا التحالف بعائلة الرئيس ونائبه عبر وسائط ووسائل متعددة.
وبين الخندقين يأتي موقف المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة الذي يتولى إدارة الأمور، وإلى جواره النائب العام وجهاز النيابة الذي يتولى التحقيق في قضايا الفساد، وتبرز أداتان في المجتمع هما وزارة أحمد شفيق وهي من بقايا نظام سقط، والإعلام والصحافة القومية.
العلاقات جميعها في حالة من السيولة، تتراوح بين التسليم بثورة الشعب وأهدافها، وبين ممارسات تثير إحباطا عاما بالالتفاف حول أهداف الثورة أكثر من كونها تؤكد التزامها بإرادة الشعب.
ويؤخذ في الاعتبار أن ما كان يطلق عليه المعارضة، والنخبة التي عاصرت معها النظام السابق، فقدت قيمتها وحضورها لعدم استيعابها للمتغيرات التي جرت وعدم قدرتها على التوافق مع ما أعلنته الثورة من أهداف وما زالت حبيسة صراعاتها الذاتية، وقصور قدرتها على الفعل، وغياب مشروعها السياسي وانعدام الكوادر السياسية لديها وعضويتها الورقية.
نقاط أربع تحدد الصورة، حكومة أحمد شفيق، النائب العام، الإعلام، لجنة التعديلات الدستورية.
حكومة أحمد شفيق هي من بقايا الرئيس مبارك، والشعب يرفضها، كما حرص رئيسها على استفزاز كل المجتمع، وكأن وزنه وقيمته تساوي الشعب وإرادته وشهداءه، وهو كشخص معرض للمثول أمام النائب العام أيضا. وكشفت معلومات عن يوم الأربعاء 2 فبراير وأحداث الهجوم بالجمال والبلطجية والقناصة على المعتصمين ومقتل 11 مواطنا بالرصاص الحي، كشفت المعلومات عن حديث تليفوني بينه وبين بعض ممن في الميدان واستكمله بعد أربعين دقيقة من الحوار مدير مكتبه، وكان مطلبه الرئيسي مغادرة ميدان التحرير وأنه سيضمن لهم مسارا آمنا، ورفض المعتصمون طلبه، ونجحوا في صد الهجوم الذي كان يديره رجال أمن الدولة. حاول شفيق تحسين صورة الحكومة، وقام بتغيير بعض الوزراء وضم بعض الوجوه منها د. يحيى الجمل الذي كان صوته عاليا قبل الثورة، وبعد تعيينه بالوزارة هاجم من يطالبون برحيل شفيق، وتولى يحيى الجمل رئاسة المجلس الأعلى للصحافة مما أطاح بأي أمل في تعديل موضوعي لحال الصحف القومية، خاصة بعد فقدان الثقة فيه، ويتدخل شفيق فيما تذيعه القنوات الخاصة، وتنصاع إدارة إحدى القنوات وتوقف إعادة برنامج ينتقده ويطالب برحيله.
الشعب يرفض حكومة شفيق، والمجلس الأعلى يتركها تمارس دورا غير مقبول، ولا يتخذ قرارا بتشكيل حكومة تكنوقراط لإدارة الفترة الانتقالية.
يصدر النائب العام يوميا أوامره بتحقيقات جديدة، طالت كل الأسماء تقريبا، وكشفت عن حجم الفساد المستشري في جسد مصر، وطلب التحفظ على أموال عائلة الرئيس، وبالسجن حتى الآن وزراء الإعلام والسياحة والإسكان والداخلية، وأمين تنظيم الحزب الحاكم ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون.
وبدأت التحقيقات في وقائع قتل المتظاهرين، وهو إجراء سيقود إلى مواجهة مع بقايا الداخلية خاصة بعد عزل رئيس جهاز مباحث أمن الدولة من منصبه، وكشفت أوراق جرى نشرها بعد مهاجمة مقار أمن الدولة في المحافظات عن دور الجهاز في تخريب الحياة السياسية والتزوير في الانتخابات، وينكشف أيضا أن البعض منهم كان يستفيد ماديا من النقابات التي يتابعونها.
وتقترب التحقيقات من الأمين العام السابق للحزب، وأمين الشؤون المالية، ورغم ذلك لم يصدر قرار بتجميد الحزب الوطني واسترداد مقاره التي هي بالأصل ملك للدولة وتقدر قيمتها بأربعة مليارات جنيه. والأخبار المنشورة عن حجم الفساد أصابت المجتمع بصدمة لا يستطيع أحد تقدير آثارها على سلوك المجتمع في المستقبل. وبلغ أمر مقاومة الفساد أن يتلقى رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات تهديدات بالقتل إن لم يتوقف عن تسليم ما لديه، بينما الموظفون في الجهاز يضغطون عليه لتسليم ما لم يقدمه من تقارير إلى النائب العام. وأطلق الشعب المصري كعادته نكتة جديدة مفادها "أن النائب العام هيقدم بلاغ في نفسه قريب علشان يرتاح م الهم اللي وقع فيه".
ويثير الإعلام المصري كثيرا من علامات الاستفهام حول التعامل معه، فبعد حبس وزير الإعلام السابق ورئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون في تحقيقات قضايا الإضرار بالمال العام، وإلغاء وزارة الإعلام، وتولي لواء من الجيش منصب رئيس الاتحاد، ومطالبة أعضاء المجلس العسكري رؤساء مجالس إدارة الصحف ورؤساء التحرير بالاستقالة، والانتفاضات داخل المؤسسات الصحفية ضدهم، فإن القرار بالتطهير في الإعلام ما زال دون الإعلان. ورغم تغير الألفاظ في لغة الإعلام الرسمي، إلا أنها تثير الغثيان أكثر من كونها تضفي عليهم مصداقية، خاصة أن مواقفهم أثناء الثورة كانت تستدعي منهم الاختفاء، ولكنها جلود الانتهازية السميكة فاقدة الحياء.
هذه المشاهد الثلاث تقضي بضرورة حرث الأرض سواء بإقالة الحكومة أو تحقيقات في تهمة إفساد الحياة السياسية وليس فقط الفساد المالي وسوء استخدام السلطة، أو في قطاع الإعلام وتطهيره من صور كريهة ومنافقة فيه، كما تقضي بوجوب تجميد الحزب الحاكم السابق، وحرمان قياداته من العمل السياسي لمدة كافية لإنهاء تأثيرهم على الحياة السياسية.
وتبقى لجنة التعديلات الدستورية، والتي أثار قبول رئيسها بالمهمة كثيرا من الأسئلة، وكيف لرجل مثل المستشار طارق البشري أن يقبل بالتفسير المحدود لمعنى الثورة، وأن الثورة تفرض شرعيتها هي وتسقط مع النظام الدستور الذي كان يحكم بمقتضاه.
غير أن اللجنة أيضاً بالتعديلات التي اقترحتها، حشدت رأيا عاما أنها هي الأخرى تلتف على الثورة، وجعلت مهمتها فقط المواد المؤدية لانتخاب رئيس للجمهورية، وأسقطت من اعتبارها أن الحياة السياسية في مصر تعاني من الموات، وأن التوجه القسري إلى انتخابات لرئيس وفقط، وتكليفه هو ذاته وهو القادم من المجهول بإعداد دستور جديد، هو جريمة في حق الثورة، وكذلك وضعها لآلية مريبة هي مجلسا الشعب والشورى اللذان سيتم انتخابهما من وعاء آسن هو المتاح الآن، وسط إيقاف متعمد للحياة النقابية وتكوين الأحزاب، وعلى أن يختار المجلسان مائة عضو هم الجمعية التأسيسية لوضع الدستور الجديد لمصر، وسط غياب للشعب، والذي كان جوهر مطالبه فترة انتقالية وتشكيل جمعية تأسيسية لوضع دستور دائم، فاختزلت لجنة البشري الشعب في مائة عضو، لوضع عقدة الاجتماعي الذي يحكم مصر بعد الثورة.
هذا كله جعل أداء هذه اللجنة هو الجريمة الرئيسية في حق الثورة، وهي تغتالها تحت دعاوى النصوص والقانون العاجز. خاصة أن قافلة الانتهازيين الراغبين في الترشح لرئيس الجمهورية يتصدرها أمين جامعة الدول العربية، وهو من كان ينصح بانتهاء الثورة واليوم يعود ليصعد على نتائجها، شأنه في ذلك مثل من أعلن ليلة التفويض أن يعود الناس إلى منازلهم، وهو يعلن وبلا حياء أنه سيرشح نفسه إن طلب منه اتباعه، وكأن الثورة حققت نتائجها ولم يعد إلا البحث عن رئيس.
لا يجب القبول بالاستفتاء على هذه المواد المعيبة، لأنها تعبير عن منهج انتهازي، وعلى الثورة إعادة ترتيب قواها لتحقيق أهدافها وفق رؤيتها وليس وفق رغبات تحاول التنصل من حق الشعب في دستور يضعه هو.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4125
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2136
| 23 أغسطس 2026
بين سوق واقف في قلب الدوحة ومدينة لوسيل في شمالها خمس وعشرون دقيقة بالسيارة. هذه هي المسافة على الخريطة. أما ما تقطعه في نفسك وأنت تقود بينهما، فرحلة بين قطر وقطر، وأظنها تختصر قصة تحولاتنا كلها. نظن أن العمارة شأن هندسي، وأن الحجر جماد لا رأي له. وهذا وهم. كل مخطط سكني هو قرار في العلاقات الإنسانية قبل أن يكون قرارًا في الخرسانة. حين تحدد عرض الشارع، فأنت تحدد هل سيسلّم الجار على جاره أم سيراه من خلف زجاج سيارته. وحين تختار موقع المسجد، فأنت تقرر ما إذا كان الأذان سيصل إلى الناس في بيوتهم أم سيحتاجون إلى عربة ليبلغوه. الجماد ليس صامتًا، بل يقول شيئًا كل يوم، ونحن نسمعه ولا ننتبه. في واقف، الممرات ضيقة. وهذا الضيق ليس عيبًا في التصميم، بل هو التصميم نفسه. الممر الضيق يجبرك على الاحتكاك بالناس، وعلى السلام عليهم، وعلى شمّ روائح البخور والتوابل. الدكاكين متلاصقة بلا أسوار، وبعضها مفتوح بلا حارس. الوزير والغفير يمشيان على الأرضية الخشنة نفسها، ويجلسان على الدكة الخشبية نفسها. والشراء هناك ليس تمريرًا لباركود على جهاز صامت، بل مكاسرة وسوالف وسؤال عن الأهل. المسجد في القلب لا على الهامش، والسكينة تغشى الجالسين على كثرة الزحام. مكان صُمّم كله ليقول «نحن»، لا «أنا». ولوسيل شيء آخر. أبراج شاهقة وزجاج نظيف وشوارع عريضة وحدائق مرتبة وعمارة تستحق الإعجاب حقًّا. لكن الشوارع العريضة تفصل الناس. أنت لا تمشي مع أحد، بل تمشي بجواره أو تراه من نافذتك. كل برج جزيرة مستقلة بخدماتها وحراستها، وأنت لا تعرف من جارك. المسجد موجود، لكنه صغير أو مخفيّ إلى جانب المولات وملاعب الغولف والمقاهي. والصوت الطاغي ليس الأذان، بل موسيقى الفعاليات وأزيز السيارات الفارهة. وحين تجلس في مقهى هناك، فالغالب أن جلستك ليست للحديث العميق، بل ليكون المكان خلفيةً مناسبة لصورة تُنشر بعد قليل. والمواطن يعيش بين المدينتين هجرةً يومية. في لوسيل يرتدي قناع الحداثة، ويتحدث الإنجليزية، ويقدّس الكفاءة والسرعة، ويريد أن يراه العالم متطورًا. وفي واقف يخلع القناع ويبحث عن الدفء واللمّة والأكل باليد، وعن شعور بأنه ما زال هو. لوسيل تمنحه الرفاهية وتتركه يشعر ببرد روحي، وواقف تمنحه الدفء ولا تصلح لإدارة مستقبله. فهو لاجئ دائم بين زمنين: لا يستطيع أن يستقر في ماضٍ قد مات، ويخاف أن يستقر في مستقبل بلا روح. وليست هذه رحلة في العمران وحده. الأسرة التي كان العشاء فيها موعدًا مقدسًا صارت جناحًا وشاشة لكل فرد. والسوق الذي كان البيع فيه سوالف ومكاسرة صار مكانًا لا تشتري فيه بضاعة بل صورة عن نفسك. والدِين الذي كان نظام تشغيل لليوم كله صار شعيرة تُؤدّى ثم يُغادَر إلى حياة أخرى. المدينتان لا تصنعان هذا الانشطار، بل تكشفانه. الحجر مرآة، والصورة التي فيه هي صورتنا. وهنا موضع الخطأ الذي أخشاه: أن يُقرأ هذا الكلام حنينًا. لست أدعو إلى هدم لوسيل والعودة إلى الدكاكين الطينية، ولا أظن أحدًا يريد ذلك جادًّا. لوسيل إنجاز يستحق الفخر، والعودة إلى الوراء ليست خيارًا مطروحًا أصلًا. لكن الفخر بالمبنى لا يعفينا من السؤال عن المعنى الذي يسكنه، وليس في الدنيا قانون يقول إن الحداثة تشترط البرود. المطلوب مدينة ثالثة في صورة حياة تناسبنا وتجمع شتاتنا. نأخذ من لوسيل تقنيتها ونظافتها وكفاءتها وسعتها، ونأخذ من واقف روحها ومركزية مسجدها وفضاءاتها التي تُمشى على الأقدام وتلاصق بيوتها ودفء جيرتها. مدن حديثة بقلب فريج قديم. وهذا ليس شعرًا، بل قابل للقياس والاشتراط. فليكن من شروط اعتماد أي مخطط سكني جديد أن يحقق حدًّا أدنى من الكفاءة الاجتماعية: ممشى مظلل يُستعمل في الصيف لا في الصوَر، وساحة التقاء في قلب الحي لا على أطرافه، ودكة جلوس، ومسجد في المركز تبلغه على قدميك في دقائق. وليكن للأحياء مؤشر عزلة يُنشر ويُتنافس عليه، كما تُنشر مؤشرات الطاقة والاستدامة. فما دمنا نقيس استهلاك المبنى للكهرباء، فمن الإنصاف أن نقيس أثره في علاقات ساكنيه. نحن نحتاج إلى عمارة تعيد الناس بعضهم إلى بعض. وحتى نبلغ هذه المعادلة، سيظل المواطن يقود سيارته في ذلك الطريق السريع بين المدينتين، بين الأصالة والحداثة، باحثًا عن روحه التي أضاعها في زحام رحلة التطور. ما أبعدها من خمس وعشرون دقيقة.
1935
| 19 أغسطس 2026