رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
دارت عجلة استفتاء المصريين على الدستور الجديد، ويركن البعض إلى حسابات نسب الحضور والموافقة للقول بأن الشعب المصري قابل بالدستور ويدعمه وبالتالي قابل بمسؤوليات ما بعد المرحلة الانتقالية، وهو قول يضع قائله في موقف الحكم على الإرادة الشعبية، وكأن الإرادة الشعبية تحتاج شهادة من أحد والحقيقة أن الإرادة الشعبية تحتاج من يملك جسارة استيعابها بعيدا عن الأنا والعجز وادعاء الحكمة التي وضعت الشعب وحتى اللحظة في مواجهة بالدم والصبر وحتى اضطراب الأمل في تحقيق الغايات التي بلورتها حركته منذ يناير 2011، وانتظار النسب المئوية يبدو شرطا يزيد من أعباء المرحلة المصيرية، اللحظة هي لحظة إدراك وعمل وأقصى استخدام للزمن وأعلى اقتصاد للقوة.
كلمة الشعب ليست مجرد نتائج الصندوق، فقد جسد الشعب إرادته عبر السنوات الثلاث الماضية ولم يفقد البوصلة، ودفع الثمن ويتطلع للعدل، وإن غاب العدل فلا أشك أنه سيعود ثانية للميدان.
الاستفتاء على الدستور هو البوابة التي يدخل منها الشعب إلى اختيار رئيس للجمهورية. فهل الأمر اختيار بين بدائل جرت تجربتها، أم أنه ضرورات تفرض اختيارا؟ وهل الاختيار لموظف بالإدارة الحاكمة لمصر أم أنه اختيار لقيادة؟
القيادة مسؤولية تحت المتابعة والتقييم الشعبي حتى وإن مرت لحظاتها الأولى من جهة الشعب في حالة من الاسترخاء واعتقاد أن الطريق قد وجد ربانه، وإذا كان الشعب يحتاج الاستكشاف، فإن القيادة لا تملك ترف الانتظار، سواء جاءت عبر طموح شخصي لا ينفيه أحد عن البشر أو جاءت عبر تقدير للمسؤولية وقرار بالتصدي لها.
مناخ الخطر في مصر والدم المسال والاشتباك اليومي، لا يفسح مجالا لانتظار إتمام الاختيار للرئيس الجديد، بل يفرض عليه أن يكشف عن إدراكه للثورة الشعبية، لماذا انفجرت؟ وكيف كانت حالة التصحر السياسي؟ وما أسبابه؟ وكيف هي حياة الإنسان "مخزون الثروة الحقيقية لمصر"؟ وكيف تمكن استعادة الطاقة البشرية لأداء مهام التنمية؟، وكيف له بالتنمية وما هي خياراته السياسية؟ ثم هل الأهداف الغائية للشعب في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية هي قضية انحيازه؟ وكيف؟ وهل الخيارات القومية والعالمية وسط الهجوم الأمريكي والغربي على المنطقة داخل اعتباره؟ أم أنه يدخل إلى الانتماء القومي طرفا يصالح هنا ويصارع هناك؟ وهل يرى الانتماء العربي انتماء إلى خزائن تمنح وتمنع، أم أنه انتماء مصير لا وجود دونه؟، وهل يدرك مصادر الخطر التاريخية على الوجود العربي والمصري؟، وهل يدرك مستجدات الخطر والتي تقبع على رأس شريان الحياة لمصر "النيل"؟، وتلك الأخطار التي أنتجها التجريف الثقافي والتعليمي والديني على العقل المصري؟ ما هي فلسفته في إدارة كل هذا؟ وما هي القوى الاجتماعية التي سيركن إليها؟
كسر الشعب حاجز الخوف وحاجز القبول بما لا يرغب فيه وأطلق طاقة الرفض للسيطرة والاستبداد من سلطة فساد أو سلطة دينية، بل إنه تجاوز المواجهة الداخلية إلى التصدي للسيطرة الأمريكية على القرار عندما خرج في 26 يوليو 2013 ولم يكن الأمر تفويضا لمواجهة الإرهاب وهي من صميم مهام الدولة، ولكنها كانت تأكيدا على وحدة قرار المواجهة مع الإرهاب في الداخل وعناصر دعمه من الخارج ورفضه للتدخل الأمريكي في القرار المصري.
لم يعد الأمر تفويضا على بياض، ولكنه برنامج عمل تتحدد مسؤولية إعلانه فيمن يتصدى لمسؤولية موقع الرئاسة لينجح أن اكسب الموقع سمة القيادة والخطاب الواضح وجسارة اتخاذ القرار.
في 12 أغسطس 2012 تمت إقالة المشير طنطاوي والمجلس العسكري وتعيين الفريق أول عبد الفتاح السيسي وزيرا للدفاع وقائدا عاما للقوات المسلحة، يومها حادثت صديقا كان عضوا بالمجلس الاستشاري ومجلس الشعب بعد يناير، وكان قريبا من الحوارات الدائرة في ذلك الحين، وكانت كلمته (لن تمضي ستة أشهر إلا والسيسي رئيسا للجمهورية!).
هل كان استقراء ذاتيا من الشاب أم أنها حسابات القوى والقدرات وطبيعة الصراع خارج ميادين الثورة؟
مرت 18 شهرا مليئة بالأحداث، وقائعها كشفت انحياز الشعب لثورته وللدولة المصرية، وكشفت انحياز الجيش لعملية إعادة البناء للقوات المسلحة وتنوعا محدودا لمصادر السلاح، كما كشفت انحياز الجيش للإرادة الشعبية. كل ذلك يخرج بنا من مجرد وصف الحالة بالتآمر كما يراها البعض، أو الانحياز للطموح الشخصي واكتساب القدرة على تحقيقه بالانحياز للإرادة الشعبية في إزاحة حكم الإخوان، ولكنه يفرض جديدا، وهو ضرورة الارتقاء إلى الانحياز للأهداف الغائية للإرادة الشعبية، ولا يصير الانحياز انتقائيا حسب رغبة أو ما يحقق طموح، وغير هذا فإننا نكرر وقائع ما جرى بعد يناير وإن اختلف الشكل، وكأننا لم نستوعب دروس 36 شهرا مضت.
الأمانة تقتضي الإقرار بأن إدارة المرحلة منذ ما قبل 24 يناير وإلى اللحظة كانت تنجز مهامها، ووصلت إلى اللحظة الحالية، ولكن هذه الإدارة لن توصف نتائج أدائها بالإيجاب ما لم تعِ دروس ثورة يناير 2011، فإذا كانت يونيو عملا مشتركا لها مع الشعب، فإن ثورة الشعب في يناير هي التي فتحت باب العمل المشترك في يونيو.
ما يجري في مصر من صخب عالي الصوت سواء بمظاهرات أو قتل ودم وحرق، أو ذلك الصخب الإعلامي الممجوج على شاشات الفضائيات التي تتصرف بلا مسؤولية وتعلن سقوطا للإعلام الإعلاني في مصر، كل ذلك مظاهر للانحراف بالأحداث، هي مظاهر للعجز عن الاستيعاب لمعنى استخلاص الإرادة، وهي دلالة أن المشوار لاسترداد الدولة طويل ولم نبدأه بعد.
لست ممن يؤيدون أو يرفضون، ولكن أدرك إلى من أنحاز، والإنسان بلا انحياز كريشة في عاصفة هوجاء، لا أرضا يقطع ولا وجودا يتحقق.
الانحياز للإرادة الشعبية لا يعني أننا نحتاج إلى مخلِّص أو رئيسا توافقيا، ولكننا نحتاج ممن يكاد الإجماع الشعبي أن يقبل به أن يعلن عن نفسه، ويعلن لنا ماهية فلسفته والرؤية الحاكمة لها وفق انحياز اجتماعي محدد ومعلن.
أكتب هذه المقالة من الدوحة - قطر في زيارة لشقيقي وأدعو له بالشفاء، وممن التقيت أحسست بأن مصر في القلب، هي حديث المجالس، الجميع ينتظر أن تعود مصر لمهامها، وأن وحدة الشعب العربي لن تنفصم عراها، ليس كلاما عاطفيا، ولكنه إدراك لعقل يعي معنى انتمائه للعروبة.
كيف تمنح أطفالك خبرة شخص خمسيني؟
حينما ينقل شخص خبرته لشخص اقل خبرة منه، فإنه بذلك يقيه من عراقيل واخطاء كثيرة قد تواجهه بسبب... اقرأ المزيد
48
| 07 أغسطس 2026
أسباب ارتكاب الجرائم والسرقات
أغلب الدول في العالم لا تخلو من بعض حالات الجرائم والسرقات رغم أنها تُصنف من بين الدول الأقل... اقرأ المزيد
81
| 07 أغسطس 2026
حين يضيع معنى الاستحقاق
أحيانا لا يبدأ التجاوز من كسر النظام. يبدأ من اللحظة التي نجد فيها لأنفسنا مبررا لتجاوزه. ورقة تقول... اقرأ المزيد
51
| 06 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هناك عادات اجتماعية أصلها طيب ومقصدها نبيل، لكنها مع مرور الوقت توسعت حتى أصبحت أثقل من المناسبة نفسها، ولعل من أكثرها حاجة إلى المراجعة ما يحدث في بعض خيم ومجالس العزاء. فالتعزية في أصلها مواساة ورحمة ووقوف إلى جانب أهل الميت، لكننا أضفنا إليها مع الوقت من الالتزامات والتكاليف ما جعل أهل الفقيد، وهم أحوج الناس إلى الراحة والهدوء، مطالبين باستقبال الناس وخدمتهم والانشغال بهم طوال أيام العزاء. يموت للإنسان أب أو أم أو ابن أو أخ، وربما يكون قد أمضى قبل الوفاة أيامًا طويلة بين المستشفى والمرض والسهر والقلق، ثم تأتي الوفاة والتغسيل والصلاة والدفن، وفي اللحظة التي يعود فيها إلى منزله منهكًا جسديًا ومنكسرًا نفسيًا، ويحتاج إلى أن يجلس مع أسرته ويستوعب ما حدث، يبدأ واجب اجتماعي أصبح للأسف إلزاميًا، مجلس عزاء واستقبال جموع المعزين لساعات طويلة، وضيافة وطعام وغداء وعشاء طوال أيام العزاء. كل معزٍّ يأتي بمحبة ووفاء، ويريد أن يواسي صديقه أو قريبه أو زميله، وهذا مقصد كريم لا خلاف عليه، لكن عندما يأتي المئات وفودًا كل يوم، فإن أهل الميت يصبحون مطالبين بالحضور الدائم، سلام وقيام وجلوس واستقبال ووداع وإعطاء كل زائر حقه ومقامه، لأن كل شخص يريد أن يجد من جاء لتعزيته. وقد يريد أهل الميت أن يناموا بعد أيام من السهر فلا يستطيعوا، وقد تريد أم فقدت ابنها أن تختلي بنفسها، وقد يريد أخ أن يجلس مع إخوته ويتذكر فقيدهم ويبكيه بعيدًا عن الناس، لكن الجميع يشعر بأنه مطالب بالبقاء لأن المعزين سيأتون، وحتى لا يقال: ذهبنا ولم نجدهم. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لمن أُقيم العزاء أصلًا؟ هل هو مناسبة سلام واستقبال وتوديع؟ أم هو جُعل لإراحة أهل الميت؟ الواجب خدمتهم والتخفيف عنهم، فإذا أصبحت التعزية نفسها عبئًا عليهم، فنحن بحاجة إلى مراجعة الطريقة لا المقصد. والأشد من ذلك أن تتحمل أسرة فقدت عزيزًا همّ الضيافة طوال أيام العزاء، وربما تدخل في تكاليف مالية كبيرة وهي في ذروة مصيبتها. وهنا انقلبت المعادلة، فبدل أن نذهب إلى أهل المصاب لنخفف عنهم، أصبح عليهم أن يستعدوا لاستقبالنا وخدمتنا. وهذا بعيد عن المعنى الجميل الذي جاءت به السنة، فعندما استشهد جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وسلم: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم). وتأملوا هذا المعنى العظيم: اصنعوا لهم، وليس أشغلوهم يصنعون لكم. الأصل أن الناس هم الذين يخففون عن أهل المصيبة ويعينونهم؛ لأنهم مشغولون بما أصابهم، لا أن يصبح أهل المصيبة منشغلين بخدمة الناس وإلزامهم بالوقوف استقبالًا وتوديعًا. أنا لا أدعو إلى إلغاء خيم ومجالس العزاء، ولا إلى قطع عادة التعزية، فوجود الأقارب والأصدقاء حول الإنسان في مصيبته يخفف عنه، والكلمة الطيبة والمواساة الصادقة لهما أثر كبير. ولكنني أدعو إلى أن نعيد التعزية إلى مقصدها الحقيقي: أن نخفف، لا أن نكلف، وأن نواسي، لا أن نرهق. يمكن أن تكون مجالس العزاء أقصر، وساعات استقبال المعزين محددة وواضحة. وأن نتقبل اعتذارهم عن استقبال الناس في بعض الأوقات دون أن نفسره تقصيرًا أو جفاءً. ومن لم يستطع الحضور، فوسائل التواصل اليوم تتيح له أن يعزي بكلمة صادقة. نحن بحاجة إلى شجاعة اجتماعية تعيد الأشياء نصابها وحجمها الطبيعي. ليس كل ما اعتدناه واجبًا، وليس كل ما ورثناه سنة، وليس من اختصر مجلس عزائه مقصرًا في حق ميته أو في حق من جاء ليعزيه. ((المجتمع الرحيم ليس الذي يفرض على الإنسان كيف يحزن، بل الذي يقف بجانبه بالطريقة التي يحتاجها هو، لا بالطريقة التي اعتدناها نحن)) فإذا ذهبنا إلى بيت إنسان فقد عزيزًا، فلنتذكر قبل أن ندخل أن مهمتنا الأساسية واحدة: أن نخفف عنه، لا أن نضيف إلى مصابه عبئًا جديدًا.
5838
| 03 أغسطس 2026
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
3603
| 05 أغسطس 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2346
| 01 أغسطس 2026