رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن تهويد القدس وهدم الأقصى وبناء الهيكل استراتيجية بدأت تدخل المرحلة النهائية فبعد كل الممارسات الاحتلالية والتهويدية وتغيير الكثير من معالم المدينة ها هم أعضاء الكنيست -– البرلمان الصهيوني يدخلون بشكل علني وعلى غير ما كان من قبل إلى باحات المسجد الأقصى ليؤدوا طقوسهم التوراتية والتلمودية ثم يدخل بعدهم طلاب المدارس والجامعات ثم هاهم اليوم المستوطنون يدخلون.. قبل فترة زعم اليهود وجود آثار لهم خلافا لكل البحوث العلمية والحفرية التي بدأت منذ الـ67.. وها هم أيضا يستولون على بيوت المقدسيين ويهدمون أحياء كاملة في القدس ويمنعون البناء ويقيمون بدلها أحياء يهودية.. أما عن إهانة رفات وعظام الشهداء الصحابة والمقابر التاريخية وعن الضرائب الباهظة على الناس وعن تردي خدمات الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية وأما عن سحب هويات المقدسيين.. إلى آخر هذه السلسلة غير المتناهية من الاعتداءات اليومية بل اللحظية فحدث ولا حرج..
ونتساءل: ماذا ينتظر شعوبنا وعلماؤنا وأنظمتنا؟ وهل يجوز أن يبقى البعض واهما لاهثا وراء التسوية؟ وإذا استثنينا ما تقوم به قطر في المجامع الدولية ونصرة الشعب الفلسطيني في الحدود الممكنة فأين دولنا العربية وأين أنظمتنا؟ ولم هذا السكوت المريب والتجاهل العجيب للقضية على كل الصعد الرسمية والنخبوية والمؤسسية والثقافية والأهلية؟ أين الذين طالما دافعوا عن علاقاتهم مع العدو بأنهم يخبئونها ليوم كريهة وسداد ثغر، وأنهم إنما يقيمونها وينمونها ليستثمروها عند اللزوم لصالح الشعب الفلسطيني؟ ولماذا لا نراهم يحركون ساكنا لنصرة الأقصى ولا نسمعهم يهددون أو يلمحون مجرد تلميح لإغلاق تلك السفارات التي – للأسف - صارت الجزء الأهم من واقعهم وواقعيتهم السياسية والثقافية ويدافعون عنها وينظرون لها ليل نهار؟ أين إمكانات دولنا الدبلوماسية والتواصلية والمالية بل والعسكرية؟ أين لجنة القدس في الجامعة العربية؟ ولماذا نومها حتى الشخير فيما القدس تضيع كل يوم ومع كل صباح وعشي ونعيق بوم؟
ثم نتساءل أين الثوار الفلسطينيون؟ وأين شعار " يا جبل ما يهزك " وشعار " اللي مش عاجبه يشرب بحر غزة " وشعار : " عالقدس رايحين شهداء بالملايين؟ أين المنظمة والسلطة التي تستطيع أن تدعو لاجتماع طارئ في الجامعة العربية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أين سفاراتها وأين ملحقياتها الثقافية ووزارة خارجيتها؟ وأين أصدقاء العالم الحر فيها؟ وأين علاقاتهم وتأثيرهم على أصدقائهم في مؤتمر هيرتزيليا؟ أين تلفزيون فلسطين.. انظروا إليه إن كان يهتم مجرد اهتمام؟
ثم نتساءل أيضا : أين المنظمات الفلسطينية المقاومة.. وماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن يسمح لهم بردع المستوطنين عن السكنى في القدس والضفة؟ أين الذين صنعوا المجد بأنفسهم وأحرجوا الجميع عام الألفين وما بعده، ولم يستأذنوا أحدا وكانوا دائما الفارق بين القوة والضعف وبين الإحساس بالمسؤولية والتهتك وراء أبواب الاحتلال وتبويس اللحى؟ صحيح أن ظروف المقاومة في الضفة صعبة ولكن الأمر أيسر من العجز وأقل من قرار مركزي، وأعلى من الهمود والركود وأخطر من الملاحقات الأمنية وحتى من تهيئة أجواء المصالحة؟
إنه المسجد القدس.. إنه يضيع.. وإنها القدس وإنها تهود.. وإنها فلسطين.. وإنها تشكو إلى الله تخلي القريب وظلم البعيد.. وإنها الخطوات الأخيرة قبل الفاجعة الماحقة الساحقة التي صارت وراء الباب وتحت الشبّاك..
وللذين لا يزالون يتملكهم الخوف من العدو وقوته وغدره وتلبيساته.. أقول : إنه - العدو - لم يعد يملك الكثير مما كان يمتلكه من أوراق اللعبة ولقد أثبتت حرب لبنان أنه لا يملك منها إلا ما نملّكه نحن إياه بضعفنا وخورنا وفشلنا.. ألم ينسحب من لبنان في جنح الليل خاسئا ذليلا وقد ترك عملاءه عالة يتكففون الناس ويولولون في الوديان والشعاب؟ ألم يفشل في احتلال قرية صغيرة مثل مارون الراس في جنوب لبنان؟ ألم يفشل في مواجهة حماس والمقاومة التي فعلت به الأفاعيل في غزة؟ ألم ينسحب " الجيش الذي كان لا يقهر " يجرجر أذيال الخيبة والعار من غزة التي كان يقول زعماؤه عنها كقيمة استراتيجية بالنسبة لمشروعهم الصهيوني : إنها لا تقل عن تل أبيب؟ فهل يجوز بعد ذلك أن نخادع أنفسنا بالاستمرار في الإحساس بالهزيمة والركون لعقابيلها وتلبكاتها؟
الحقيقة أننا لو أردنا أو بالأحرى لو رغبنا أن ننصر الأقصى وفلسطين – فإن باستطاعتنا الكثير الكثير إعلاميا وسياسيا وديبلوماسيا وقانونيا ودولا وشعوبا ونخبا ومؤسسات رسمية وأهلية وأغنياء وعلماء وكُتَّاب.. ومن ليس يعرف ما عليه من الواجب أن يفعله ؛ فهل يعرف كيف يأكل ويشرب ويتناسل ثم يموت كما تموت الميكروبات والديدان والصراصير والدجاج والبغال؟ وهل سأل أحد نفسه ما قيمة الحياة بعد أن يبول المستوطنون ويقضون حاجاتهم في باحات المسجد الأقصى.. أليست بولتهم قد حطت على رؤسنا وكرامتنا ومشاعرنا قبل أن تحط على زوايا وسجاد المسجد الأقصى؟ وهل أمة ترضى بذلك حتى لو كانت تعبد الأوثان؟
لقد بات واضحا أن مشكلتنا ليست في أننا ضعفاء لا نستطيع، ولا في أن قضيتنا ليست لها الوجاهة الكافية حقوقيا وثقافيا ودينيا وقوميا ووطنيا، ولا في أننا ليس لنا نصير في العالم الحر.. ولكنها في أننا - فقط - لا توجود لدى بعضنا إرادة ولا قناعة حقيقية تجاه القدس وتجاه الحق في إرجاعها وتجاه هويتنا وكرامتنا.. لقد بات واضحا أن بعضنا ولاؤهم خارج الولاء ومواقفهم خارج الانتماء.. لقد بات واضحا أن بعضا من قومنا ليست تعنيهم القضية من قريب ولا من بعيد.. اللهم إلا ما كان لتزيين ذواتهم وإطالة عمر رفاهيتهم.. لقد بات واضحا أن بعضنا منحرف عن الجادة وأقصد الغارقين في البرامج والمشاريع اللاوطنية والمتعاجزين غير المبالين والمنصرفين لتوافه الأحوال وسوافه الأقوال والأفعال، لقد بات واضحا أن بعضنا اضطرب سلم أولوياته فقدم مصالحه على مبادئه وقدم ذاته على دينه وعقيدته..
ولكن تبقى الشعوب هي موضع الرهان الأساس، وفي مقدمتها البرلمانيون والإعلاميون والمثقفون والمربون، ولا يمنع شيء أن تكون كل أيامنا ملتقيات ومؤتمرات وفعاليات مرة باسم القدس ومرة باسم فلسطين وأخرى باسم اللاجئين ورابعة باسم حماية التراث وخامسة باسم محاربة العنصرية وسادسة وسابعة وثامنة ومائة.. وعلى الشعوب أن تتحرك وأن تتحضر ذهنيا ونفسيا ليس للقتال فقط والذي هو غاية الغايات ولكن للدخول بمئات الآلاف وبالملايين عبر كل الحدود إلى فلسطين.. عندها فقط سيعلم يهود ومن وراءهم أن صفحتهم قلبت وأن جولتهم انتهت.. ولن يستطيعوا قتلهم ولا ردهم؟
إنها حراكات الشعوب التي بشرتنا بها مناوشات الحدود في ذكرى النكسة والنكبة الماضيتين وبشرتنا بها انتفاضات الربيع العربي، وسبق أن بشرنا بها اجتياح الغزيين لحدود سيناء يوم كسروا حصار الساقط الجبان حسني.. يومها سئل وزير خارجية العدو – باراك - : ماذا لو أن مئات الآلاف هؤلاء اجتاحوا الحدود من الجهة الأخرى باتجاهكم؟ وأجاب " ذلك يوم لا أحب أن أتخيله "..
وإلى الذين لم يروا فعل الشعوب بعد ولم تؤمن بها واقعيتهم بعد أقول : ما الذي جعل العدو يخضع لإضراب الأسير خضر عدنان عن الطعام ثم يقرر إطلاق سراحه؟ أهو الخوف من خضر عدنان المسكين المريض المهيض؟ أم هو شفقة حلت في قلب العدو عليه؟ لا إنه الخوف مما سيفجره استشهاد هذا البطل من انتفاضة بل من انتفاضات تأكل الأخضر واليابس ويتسع خرقها على الراتق إن قام راتق؟
آخر القول : إن المستوطنين قد أبلغوا السيل الزبا وهم الجبناء الحقراء.. ولسنا ننسى أن 270 ألفا من أكثرهم وحشية وتزمتا قد سجلوا في السفارات الأجنبية للهجرة وأن رحلات هجرتهم القادمة إلى فلسطين قد توقفت حين استحر القتل فيهم مطالع العقد الأخير.... وإن المطلوب كثير ولا يسد فيه أحد عن أحد.. هذا الكثير يجب أن يكون من نوع الحقائق على الأرض كما تفعل قطر إذ تنافح في المجامع العالمية، وإذ تطالب بلجنة تحقيق لتقصي حقائق العدوان على القدس، وإذ تدعم الفلسطينيين بالمال والخبرة، وبالعمل على إنزال مصالحتهم إلى أرض الواقع.. أما أولئك الذين رضوا باللاشيء وبأن يبقوا أذيالا تابعين يتدهنون بالمعاذير فلا أظن أنهم سيموتون - في أحسن الأحوال - إلا تافهين مهما صدروا من الشعارات الطنانة والخطب الرنانة ومهما ظنوا أنهم يخدعون أحدا..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5748
| 23 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3105
| 24 سبتمبر 2026
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
2982
| 29 سبتمبر 2026