رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن تهويد القدس وهدم الأقصى وبناء الهيكل استراتيجية بدأت تدخل المرحلة النهائية فبعد كل الممارسات الاحتلالية والتهويدية وتغيير الكثير من معالم المدينة ها هم أعضاء الكنيست -– البرلمان الصهيوني يدخلون بشكل علني وعلى غير ما كان من قبل إلى باحات المسجد الأقصى ليؤدوا طقوسهم التوراتية والتلمودية ثم يدخل بعدهم طلاب المدارس والجامعات ثم هاهم اليوم المستوطنون يدخلون.. قبل فترة زعم اليهود وجود آثار لهم خلافا لكل البحوث العلمية والحفرية التي بدأت منذ الـ67.. وها هم أيضا يستولون على بيوت المقدسيين ويهدمون أحياء كاملة في القدس ويمنعون البناء ويقيمون بدلها أحياء يهودية.. أما عن إهانة رفات وعظام الشهداء الصحابة والمقابر التاريخية وعن الضرائب الباهظة على الناس وعن تردي خدمات الصحة والتعليم والأمن والبنية التحتية وأما عن سحب هويات المقدسيين.. إلى آخر هذه السلسلة غير المتناهية من الاعتداءات اليومية بل اللحظية فحدث ولا حرج..
ونتساءل: ماذا ينتظر شعوبنا وعلماؤنا وأنظمتنا؟ وهل يجوز أن يبقى البعض واهما لاهثا وراء التسوية؟ وإذا استثنينا ما تقوم به قطر في المجامع الدولية ونصرة الشعب الفلسطيني في الحدود الممكنة فأين دولنا العربية وأين أنظمتنا؟ ولم هذا السكوت المريب والتجاهل العجيب للقضية على كل الصعد الرسمية والنخبوية والمؤسسية والثقافية والأهلية؟ أين الذين طالما دافعوا عن علاقاتهم مع العدو بأنهم يخبئونها ليوم كريهة وسداد ثغر، وأنهم إنما يقيمونها وينمونها ليستثمروها عند اللزوم لصالح الشعب الفلسطيني؟ ولماذا لا نراهم يحركون ساكنا لنصرة الأقصى ولا نسمعهم يهددون أو يلمحون مجرد تلميح لإغلاق تلك السفارات التي – للأسف - صارت الجزء الأهم من واقعهم وواقعيتهم السياسية والثقافية ويدافعون عنها وينظرون لها ليل نهار؟ أين إمكانات دولنا الدبلوماسية والتواصلية والمالية بل والعسكرية؟ أين لجنة القدس في الجامعة العربية؟ ولماذا نومها حتى الشخير فيما القدس تضيع كل يوم ومع كل صباح وعشي ونعيق بوم؟
ثم نتساءل أين الثوار الفلسطينيون؟ وأين شعار " يا جبل ما يهزك " وشعار " اللي مش عاجبه يشرب بحر غزة " وشعار : " عالقدس رايحين شهداء بالملايين؟ أين المنظمة والسلطة التي تستطيع أن تدعو لاجتماع طارئ في الجامعة العربية، وفي منظمة المؤتمر الإسلامي؟ أين سفاراتها وأين ملحقياتها الثقافية ووزارة خارجيتها؟ وأين أصدقاء العالم الحر فيها؟ وأين علاقاتهم وتأثيرهم على أصدقائهم في مؤتمر هيرتزيليا؟ أين تلفزيون فلسطين.. انظروا إليه إن كان يهتم مجرد اهتمام؟
ثم نتساءل أيضا : أين المنظمات الفلسطينية المقاومة.. وماذا ينتظرون؟ هل ينتظرون أن يسمح لهم بردع المستوطنين عن السكنى في القدس والضفة؟ أين الذين صنعوا المجد بأنفسهم وأحرجوا الجميع عام الألفين وما بعده، ولم يستأذنوا أحدا وكانوا دائما الفارق بين القوة والضعف وبين الإحساس بالمسؤولية والتهتك وراء أبواب الاحتلال وتبويس اللحى؟ صحيح أن ظروف المقاومة في الضفة صعبة ولكن الأمر أيسر من العجز وأقل من قرار مركزي، وأعلى من الهمود والركود وأخطر من الملاحقات الأمنية وحتى من تهيئة أجواء المصالحة؟
إنه المسجد القدس.. إنه يضيع.. وإنها القدس وإنها تهود.. وإنها فلسطين.. وإنها تشكو إلى الله تخلي القريب وظلم البعيد.. وإنها الخطوات الأخيرة قبل الفاجعة الماحقة الساحقة التي صارت وراء الباب وتحت الشبّاك..
وللذين لا يزالون يتملكهم الخوف من العدو وقوته وغدره وتلبيساته.. أقول : إنه - العدو - لم يعد يملك الكثير مما كان يمتلكه من أوراق اللعبة ولقد أثبتت حرب لبنان أنه لا يملك منها إلا ما نملّكه نحن إياه بضعفنا وخورنا وفشلنا.. ألم ينسحب من لبنان في جنح الليل خاسئا ذليلا وقد ترك عملاءه عالة يتكففون الناس ويولولون في الوديان والشعاب؟ ألم يفشل في احتلال قرية صغيرة مثل مارون الراس في جنوب لبنان؟ ألم يفشل في مواجهة حماس والمقاومة التي فعلت به الأفاعيل في غزة؟ ألم ينسحب " الجيش الذي كان لا يقهر " يجرجر أذيال الخيبة والعار من غزة التي كان يقول زعماؤه عنها كقيمة استراتيجية بالنسبة لمشروعهم الصهيوني : إنها لا تقل عن تل أبيب؟ فهل يجوز بعد ذلك أن نخادع أنفسنا بالاستمرار في الإحساس بالهزيمة والركون لعقابيلها وتلبكاتها؟
الحقيقة أننا لو أردنا أو بالأحرى لو رغبنا أن ننصر الأقصى وفلسطين – فإن باستطاعتنا الكثير الكثير إعلاميا وسياسيا وديبلوماسيا وقانونيا ودولا وشعوبا ونخبا ومؤسسات رسمية وأهلية وأغنياء وعلماء وكُتَّاب.. ومن ليس يعرف ما عليه من الواجب أن يفعله ؛ فهل يعرف كيف يأكل ويشرب ويتناسل ثم يموت كما تموت الميكروبات والديدان والصراصير والدجاج والبغال؟ وهل سأل أحد نفسه ما قيمة الحياة بعد أن يبول المستوطنون ويقضون حاجاتهم في باحات المسجد الأقصى.. أليست بولتهم قد حطت على رؤسنا وكرامتنا ومشاعرنا قبل أن تحط على زوايا وسجاد المسجد الأقصى؟ وهل أمة ترضى بذلك حتى لو كانت تعبد الأوثان؟
لقد بات واضحا أن مشكلتنا ليست في أننا ضعفاء لا نستطيع، ولا في أن قضيتنا ليست لها الوجاهة الكافية حقوقيا وثقافيا ودينيا وقوميا ووطنيا، ولا في أننا ليس لنا نصير في العالم الحر.. ولكنها في أننا - فقط - لا توجود لدى بعضنا إرادة ولا قناعة حقيقية تجاه القدس وتجاه الحق في إرجاعها وتجاه هويتنا وكرامتنا.. لقد بات واضحا أن بعضنا ولاؤهم خارج الولاء ومواقفهم خارج الانتماء.. لقد بات واضحا أن بعضا من قومنا ليست تعنيهم القضية من قريب ولا من بعيد.. اللهم إلا ما كان لتزيين ذواتهم وإطالة عمر رفاهيتهم.. لقد بات واضحا أن بعضنا منحرف عن الجادة وأقصد الغارقين في البرامج والمشاريع اللاوطنية والمتعاجزين غير المبالين والمنصرفين لتوافه الأحوال وسوافه الأقوال والأفعال، لقد بات واضحا أن بعضنا اضطرب سلم أولوياته فقدم مصالحه على مبادئه وقدم ذاته على دينه وعقيدته..
ولكن تبقى الشعوب هي موضع الرهان الأساس، وفي مقدمتها البرلمانيون والإعلاميون والمثقفون والمربون، ولا يمنع شيء أن تكون كل أيامنا ملتقيات ومؤتمرات وفعاليات مرة باسم القدس ومرة باسم فلسطين وأخرى باسم اللاجئين ورابعة باسم حماية التراث وخامسة باسم محاربة العنصرية وسادسة وسابعة وثامنة ومائة.. وعلى الشعوب أن تتحرك وأن تتحضر ذهنيا ونفسيا ليس للقتال فقط والذي هو غاية الغايات ولكن للدخول بمئات الآلاف وبالملايين عبر كل الحدود إلى فلسطين.. عندها فقط سيعلم يهود ومن وراءهم أن صفحتهم قلبت وأن جولتهم انتهت.. ولن يستطيعوا قتلهم ولا ردهم؟
إنها حراكات الشعوب التي بشرتنا بها مناوشات الحدود في ذكرى النكسة والنكبة الماضيتين وبشرتنا بها انتفاضات الربيع العربي، وسبق أن بشرنا بها اجتياح الغزيين لحدود سيناء يوم كسروا حصار الساقط الجبان حسني.. يومها سئل وزير خارجية العدو – باراك - : ماذا لو أن مئات الآلاف هؤلاء اجتاحوا الحدود من الجهة الأخرى باتجاهكم؟ وأجاب " ذلك يوم لا أحب أن أتخيله "..
وإلى الذين لم يروا فعل الشعوب بعد ولم تؤمن بها واقعيتهم بعد أقول : ما الذي جعل العدو يخضع لإضراب الأسير خضر عدنان عن الطعام ثم يقرر إطلاق سراحه؟ أهو الخوف من خضر عدنان المسكين المريض المهيض؟ أم هو شفقة حلت في قلب العدو عليه؟ لا إنه الخوف مما سيفجره استشهاد هذا البطل من انتفاضة بل من انتفاضات تأكل الأخضر واليابس ويتسع خرقها على الراتق إن قام راتق؟
آخر القول : إن المستوطنين قد أبلغوا السيل الزبا وهم الجبناء الحقراء.. ولسنا ننسى أن 270 ألفا من أكثرهم وحشية وتزمتا قد سجلوا في السفارات الأجنبية للهجرة وأن رحلات هجرتهم القادمة إلى فلسطين قد توقفت حين استحر القتل فيهم مطالع العقد الأخير.... وإن المطلوب كثير ولا يسد فيه أحد عن أحد.. هذا الكثير يجب أن يكون من نوع الحقائق على الأرض كما تفعل قطر إذ تنافح في المجامع العالمية، وإذ تطالب بلجنة تحقيق لتقصي حقائق العدوان على القدس، وإذ تدعم الفلسطينيين بالمال والخبرة، وبالعمل على إنزال مصالحتهم إلى أرض الواقع.. أما أولئك الذين رضوا باللاشيء وبأن يبقوا أذيالا تابعين يتدهنون بالمعاذير فلا أظن أنهم سيموتون - في أحسن الأحوال - إلا تافهين مهما صدروا من الشعارات الطنانة والخطب الرنانة ومهما ظنوا أنهم يخدعون أحدا..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
664
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
967
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
603
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8991
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4902
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4296
| 23 سبتمبر 2026