رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

وزير الدولة - رئيس مكتبة قطر الوطنية

مساحة إعلانية

مقالات

294

د. حمد بن عبد العزيز الكواري

لنجعل من الأزمة طريقاً للبناء

27 سبتمبر 2026 , 12:00ص

- سمو الأمير لخصَ السياسة الخارجية القطرية في معادلة تجمع القدرة بالحكمة

- أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته ببقاء الرؤى الخليجية متفرقة

- دول الخليج وفرت لمواطنيها رعاية أورثت بعضنا اتكالية 

- من حق كل منا أن يسأل: ماذا آخذ من وطني وماذا أقدم له؟ وهل أقيس النجاح بما أملك أم بما أعمل؟ 

- التباهي بالسيارات الفارهة في الخارج سلوك لا يمثل مجتمعاتنا 

- الرفاه المسؤول استهلاك بوعي وادخار للمستقبل واحترام للعمل

- إنجاز كبير للأزمة لو دفعتنا إلى التخلي عن الاتكالية والتنافس على المظاهر

- الدولة مطالبة ببناء الفرص والمجتمع بمراجعة معاييره والفرد بتغيير سلوكه

- إذا أيقظت الوعي وكشفت الخلل ودفعت إلى الإصلاح تحولت الأزمة إلى فرصة

- الثروة قد تمنح الدولة فرصة لكنها لا تضمن لها المستقبل وفنزويلا نموذج

- التحالفات ضرورية لكنها يجب أن تكون إضافة إلى قوتنا لا بديلًا عنها

- دويلات الطوائف استعان بعضها بالخارج على بعض فسقطت الأندلس

- دعوة الأمير إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي تكتسب أهميتها من خطورة المواقف المنفردة

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في لحظة إقليمية بالغة الخطورة. شخَّص الأزمة، ودعا إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي، وتحدث عن الصمود والاستثمار في الإنسان والقدرات الوطنية. ودفعني إلى سؤال يتجاوز الدولة إلى المجتمع والفرد: كيف نحوّل الأزمة من ثمن ندفعه إلى درس نبني عليه المستقبل؟

تمر الأزمات والكوارث بالأفراد والأمم؛ منها ما تصنعه الطبيعة، ومنها ما يصنعه الإنسان بيده. وليس الفارق بين إنسان وآخر، أو بين أمة وأخرى، أن أحدهما يُعفى منها، بل فيما يصنعه بعدها. فإذا أيقظت الوعي، وكشفت الخلل، ودفعت إلى الإصلاح، تحولت إلى فرصة وطريق للبناء؛ أما إذا انتهت من دون مراجعة، فإن الكارثة الحقيقية تكون في ضياع العبرة بعد دفع أثمانها.

  حين تهتز المسلَّمات

حققت دول الخليج خلال عقود قليلة نهضة عمرانية واقتصادية أصبحت مضرب المثل، وتحولت المنطقة إلى أحد أهم مصادر الطاقة وشرايين الاقتصاد العالمي. ونشأت قناعة بأن أهمية استقرار الخليج، والتعاون الوثيق مع القوة العسكرية الأكبر في العالم، يوفران له مظلة موثوقة من الحماية. كما وفرت دولنا للمواطن التعليم والعلاج والسكن والخدمات ومستوى رفيعًا من الرفاه.

كانت الحرب العراقية الإيرانية أول هزة كبرى أصابت المنطقة الحديثة. عشتها من موقع المندوب الدائم لدولة قطر لدى الأمم المتحدة، ودرست صناعة القرار في مجلس الأمن خلالها. امتدت ثماني سنوات، وأمكن احتواء تداعياتها نسبيًّا حتى انتهت بإنهاك الطرفين. ثم جاءت أزمات أخرى، وصولًا إلى الحرب الراهنة التي امتدت آثارها إلى دول الخليج وممراته ومنشآته واقتصاده.

هزت هذه التطورات مسلَّماتنا: أهمية الخليج للاقتصاد العالمي لا تكفي لحمايته، والتحالفات تحكمها المصالح، والثروة تمنح إمكانات القوة لكنها لا تتحول وحدها إلى منعة. والسؤال اليوم: ماذا سيتغير بعد انحسار الحرب، وكيف نمنع تكرار أسبابها وآثارها؟

  التاريخ للعبرة لا للرواية

نحن عرب ومسلمون، والاعتبار بالتاريخ جزء من رؤيتنا للحياة، لا فكرة نستعيرها من تجارب العصر. فالقرآن الكريم لا يروي أخبار الأمم للتسلية، بل لاستخلاص السنن: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ويقرر قاعدة التغيير الكبرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وفي تاريخنا تحذير لا يغيب: لم تسقط الأندلس في يوم واحد؛ فقد تآكلت حين لم تتحول الهزائم إلى مراجعة، ولم يدفع الخطر دويلات الطوائف إلى وحدة الموقف. استعان بعضها بالخارج على بعضها، وظن كل أمير أنه قادر على إنقاذ إمارته ولو ضاع الوطن الأكبر، حتى تبين أن النجاة الفردية وهم حين يكون المصير واحدًا.

وتقدم فنزويلا تحذيرًا آخر: امتلكت ثروة نفطية هائلة، لكن عدم الاستقرار وضعف المؤسسات والاعتماد المفرط على مورد واحد أعاق تحويلها إلى تنمية مستقرة. فالثروة قد تمنح الدولة فرصة، لكنها لا تضمن لها المستقبل.

وفي المقابل، نهضت اليابان وألمانيا من ركام الحرب العالمية الثانية، وحوّلتا الدمار، بالاستثمار في الإنسان والمؤسسات والصناعة، إلى قوة اقتصادية متجددة.

وتبرز كوريا الجنوبية نموذجًا قريبًا من سؤالنا. زرتها مرارًا، ورأيت مكانتها الاقتصادية والتكنولوجية والثقافية. خرجت من حرب مدمرة فقيرة ومنقسمة ومحدودة الموارد، فجعلت التعليم والعمل والصناعة والبحث العلمي قضايا أمن قومي.

وما أثار إعجابي، إلى جانب مصانعها وتقنياتها، حرصها على ألا تفقد نفسها في طريق التقدم. زرت قرى ثقافية تحفظ التراث والذاكرة الشعبية، وزرت مكتبة كوريا والتقيت بقيادتها، ورأيت في مركز تجاري مكتبة جميلة تضع الكتاب في قلب الحياة اليومية. بنى الكوريون المصنع والمختبر وأبقوا القرية القديمة والمكتبة حاضرتين؛ فالأمة التي تفقد ذاكرتها في طريقها إلى المستقبل قد تصل إليه متقدمة، لكنها لا تصل إليه هي نفسها.

ولا نقيس نجاح دولة بما أصبحت عليه فقط، بل بالمسافة التي قطعتها من حالها قبل الأزمة إلى حالها بعدها.

  مراجعة الدولة: من الحماية إلى المنعة

أول دروس الأزمة أن التحالفات ضرورية، لكنها يجب أن تكون إضافة إلى قوتنا لا بديلًا عنها. والمقصود بالقوة هنا ليس السلاح وحده؛ فالمنعة أمنية واقتصادية ومعرفية واجتماعية وثقافية. تبدأ من القدرة على حماية القرار والسيادة، وتمر بتنويع الاقتصاد وتأمين الغذاء والدواء وسلاسل الإمداد، وتصل إلى تعليم ينتج المعرفة، ومؤسسات تعمل بكفاءة عند الأزمات، وثقافة تحفظ هوية المجتمع وتماسكه.

وهذه مسؤولية الدولة: أن تبني المؤسسات، وتضمن عدالة الفرص، وتراجع سياسات الرعاية بحيث تصون حق المحتاج وتشجع العمل والمبادرة، وأن توازن بين رفاه الحاضر وحقوق الأجيال المقبلة.

والقدرة الوطنية، على ضرورتها، لا تغني عن التكامل بين دول مجلس التعاون. لقد أكدت التجربة أن الخطر لا يقف عند الحدود، وأن المنشآت والموانئ والممرات والأسواق مترابطة. لذلك نحتاج إلى تكامل أوثق في الدفاع والسياسة الخارجية والأمن الغذائي والتقني، وإلى بناء قدرة خليجية مشتركة تجعل قرارنا أكثر استقلالًا وتحالفاتنا أكثر توازنًا.

ولن يتحقق الأمن الجماعي ما بقيت الرؤية الخليجية متفرقة في القضايا المصيرية؛ فالبيت الذي تتفرق كلمته لا يصمد أمام العاصفة مهما أُحكم بناؤه. وتزداد خطورة المواقف المنفردة حين تتصل بالتطبيع مع عدو أو بالقضية الفلسطينية عامة ؛ لأن آثارها لا تقف عند حدود دولة بعينها، بل تمس أمن الخليج ومصداقيته السياسية والأخلاقية. هذا في تقديري الشخصي.

وفي هذا السياق تكتسب دعوة سمو الأمير إلى نظام إقليمي للأمن الجماعي أهميتها: نظام يحترم سيادة الدول ووحدة أراضيها، ويمنع التدخل والتهديد، ويجعل الحوار والقانون الدولي سبيلًا لتسوية النزاعات.

ولا يقوم هذا النظام على إقصاء إيران، فهي جار تفرضه الجغرافيا، بل على قواعد تضمن الأمن المتبادل وعدم التدخل ورفض الحروب بالوكالة. ولا يجوز أن يستثني اليمن؛ فاستقرار الجزيرة العربية لا يكتمل من دون استقراره، وموقعه على باب المندب يجعل أمنه جزءًا من أمن الملاحة العالمية. ودعم وحدته وسيادته وتسويته السياسية وإعادة بنائه ضرورة لأي ترتيب أمني جديد.

وعندما يضطرب مضيق هرمز تنتقل الأزمة من مياه الخليج إلى مصانع العالم وأسواقه، ومن أسعار الطاقة إلى كلفة الغذاء والدواء في قارات بعيدة. فاستقرار المنطقة مسؤولية دولها أولًا، ومصلحة عالمية أيضًا.

وقد لخَّص سمو الأمير السياسة الخارجية القطرية في حماية المصالح الحيوية، والوساطة، والعمل الإنساني، والمواقف المبدئية المنسجمة مع القانون الدولي. إنها معادلة تجمع القدرة بالحكمة وتبقي باب الحوار مفتوحًا.

  مراجعة المجتمع والفرد: الرفاه المسؤول

والمجتمع أيضًا مطالب بمراجعة معاييره للنجاح والوجاهة. فإذا قاس قيمة الإنسان بما يملك وأعرض عن قيمة عمله، حوَّل الرفاه إلى سباق على المظاهر. والإنفاق على المسكن والملبس والمناسبات حق مشروع، لكن الإسراف يصبح مشكلة حين تفرضه المنافسة الاجتماعية، أو يتجاوز القدرة، أو يزاحم تعليم الأبناء والاستعداد للمستقبل. فلنمنح العمل العلمي والمهني والتطوعي ما يستحقه من تقدير، ولنساند الأسرة في التوفيق بين العمل والتربية؛ فالمدرسة والإعلام والمؤسسات الثقافية شركاء في بناء الوعي والهوية.

والفرد شريك لا غنى عنه في هذه المراجعة. لقد وفرت دول الخليج لمواطنيها التعليم والصحة والسكن والخدمات، وهو إنجاز جدير بالشكر. وكثير من مواطنينا يعملون بجد ويبتكرون ويتطوعون؛ لكن الاعتياد الطويل على الرعاية أورث بعضنا اتكالية وشعورًا بأن ما تقدمه الدولة حق لا يقابله واجب. فالمواطن الواعي يصون المال العام، ويطور مهاراته، ويسهم في الإنتاج بقدر استطاعته.

وليس في ذلك إعفاء للدولة من واجباتها أو لوم للمواطن وحده؛ إنها ثقافة تشكلت عبر عقود. لكن من حق كل منا أن يسأل نفسه: ماذا آخذ من وطني، وماذا أقدم له؟ هل أقيس النجاح بما أملك، أم بما أعمل وأضيف؟ وهل أعد أبنائي لحياة المسؤولية، أم لحياة الانتظار؟

ومن الظواهر السلبية التي رأيتها في الخارج لدى قلة من شبابنا التباهي بالسيارات الفارهة واستعراضها أمام الناس. وهو سلوك لا يمثل مجتمعاتنا، ويقدم عنها صورة ضيقة تختزلها في الثراء والمظاهر، بينما أوطاننا أحق أن تُعرف على حقيقتها: بعلم أبنائها وأخلاقهم وإنجازاتهم.

وأهمس إلى الأم الخليجية: ما أجمل أن تعمل وتشارك بعلمها في تنمية وطنها، وأن تبقى قريبة من نشأة أطفالها ولغتهم وقيمهم. وقد تعين المربية في شؤون الطفل، لكنها لا تستطيع أن تمنحه لسان أمه ووجدان أسرته. وتربية الأبناء مسؤولية وطنية يشترك فيها الأب مع الأم، وتساندهما فيها المدرسة والمجتمع.

ولا تعني هذه المراجعة الدعوة إلى الزهد القسري أو التضييق على الناس؛ فديننا لم يحرم زينة الحياة ولا طيبات الرزق: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾، لكنه وضع الميزان في قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾.

شكر النعمة يكون بحسن استخدامها وصونها. والرفاه المسؤول استهلاك بوعي، وادخار للمستقبل، واحترام للعمل، وإقبال على المعرفة، وتضامن في الأزمات. ولو دفعتنا الأزمة إلى التخلي عن الاتكالية والإسراف والتنافس على المظاهر لكانت قد أثمرت إنجازًا كبيرًا على مستوى الفرد، كما نرجو لها أن تثمر على مستوى الدولة.

الدولة مطالبة ببناء الفرص، والمجتمع بمراجعة معاييره، والفرد بتغيير سلوكه؛ فالمواطن الواعي أساس الدولة القوية، وقدرتها على الصمود رصيد له ولأبنائه.

  الأزمة والاختيار

سينحسر التصعيد الراهن يومًا، كما انتهت أزمات سبقته، لكن انحساره العسكري أو السياسي لا يعني أننا تجاوزناه حقًّا. نتجاوزه عندما تتحول مخاوفه إلى سياسات، وخسائره إلى معرفة، وهزاته إلى قوة ذاتية، وقلق الفرد فيه إلى وعي ومسؤولية.

أمام الخليج فرصة ليخرج من هذه الأزمة أكثر تكاملًا وأقدر على حماية مصالحه، وأمام المجتمع فرصة ليعلي قيمة العمل، وأمام المواطن فرصة ليعيد ترتيب علاقته بالنعمة والوقت والوطن.

ليست الكارثة في أن تمر الأمة بأزمة، بل في أن تدفع ثمنها كاملًا ثم تخرج منها كما دخلتها. فالأزمات تقع، ولكن مسؤوليتنا ألا ندعها تمر عبثًا، بل أن نجعل منها طريقًا للبناء.

اقرأ المزيد

السودان متى يستعيد عافيته؟ السودان متى يستعيد عافيته؟

-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً... اقرأ المزيد

5001

| 30 أغسطس 2026

لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن

-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن... اقرأ المزيد

5391

| 23 أغسطس 2026

بغداد.. متى تعود بغداد؟ بغداد.. متى تعود بغداد؟

منذ سنوات وأنا أتابع ما يجري في بغداد بألم، وتلحّ عليّ الرغبة في أن أكتب عنها، ثم أتردد.... اقرأ المزيد

3534

| 16 أغسطس 2026

مساحة إعلانية