رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الدولة هي ما اتفق عليه علماء السياسة بأنها شعب متجانس تجمعهم اعتبارات مشتركة ذات أصول وتاريخ واحد وإقليم محدد وتمارس السلطة عبر منظومة من المؤسسات الدائمة، وبالتالي فإن العناصر الأساسية لأي دولة هي شعب وإقليم وحكومة. وينبغي التمييز بين الدولة والحكومة، فالدولة هي الكيان الشامل في حين أن الحكومة ما هي إلا جزء من الدولة. فنحن جميعاً ننتمي للدولة ولكن ليس للحكومة. وتقوم الدولة بالعديد من الوظائف المختلفة منها ما هو: 1. أساسي: مثل إنشاء الجيش والشرطة والقضاء، وتحديد العملة وتمويل الأنشطة العامة والعلاقات الخارجية. 2. خدمي: مثل التعليم والصحة والكهرباء والماء والصرف الصحي والموانئ والمطارات والاتصالات والمواصلات؛ ولهذا فإن الدولة ملزمة بالإنفاق من خلال الحكومة لتحقيق هذه الوظائف. وبه تصبح الحكومة هي الوسيلة أو الآلية التي تؤدي من خلالها الدولة سلطتها. ومع زيادة الإنفاق العام تزيد المشاكل الاقتصادية وبخاصة التضخم الذي يؤثر في مجريات الحياة داخل الدولة وانعكاساته على الأسعار، والإنتاج، والاستهلاك، والتشغيل. وبه لابد من التدخل والرقابة لترشيد الإنفاق العام ليحقق الأهداف المحددة للدولة دون إساءة استعماله أو تبذيره لتتحقق المنفعة بأقل التكاليف الممكنة. وهذا لا يعني التقتير إلى حد التقشف، بل يعني حسن التدبير والابتعاد عن إسراف أو تبذير الأموال العامة في مجالات غير مفيدة.
صحيح أن هناك بعض الأمور لا يستطيع الأفراد أو القطاع الخاص القيام بها لكبر حجمها أو بسبب عنصر المجازفة الكبير الذي يكتنف القيام بها مثل الصناعات الهايدروكربونية، ولكن هناك أمور أخرى كثيرة يجب أن تترك للقطاع الخاص، ليتم تركيز الإنفاق العام لإشباع الحاجات العامة، فبناء المستشفيات وتشغيل العاطلين وتأمين حياتهم وحياة عائلاتهم أولى من الإنفاق بسخاء لإنشاء الأسواق أو المراكز الرياضية أو بناء وصيانة الملاعب مثل الجولف، وهذا لا يعني أن إنشاء تلك الأسواق والمراكز الرياضية عديمة الفائدة بشكل مطلق بل لها فوائد ولكنها في حكم الخاص وليس العام. إن الدولة قد أنفقت الكثير من مواردها في سبيل تحقيق مشاريع كثيرة بينما كان من الأجدى أن تقدم مثل هذه المشاريع للقطاع الخاص بشروط من الحكومة تلزمهم بها. وكمثال على ما نقول فإنه عندما تقرر الدولة تطوير المنطقة الواقعة من قصر الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني، رحمه الله تعالى إن شاء، إلى دوار المناعي بشارع الريان فإنه يجب على الحكومة تقسيم المنطقة إلى قطع وتطرح تلك القطع للقطاع الخاص بسعر معين لفترة من الزمن لنقل عنها 50 عاماً أو أكثر وتفرض تطويرها خلال مدة من الزمن لا تتجاوز ثلاث سنوات وبمخططات وأشكال خارجية مسبقة التجهيز من عندها. وهذا الأسلوب متبع في كثير من دول العالم ومنها دولة قطر متمثلاً في مشروع البحيرة الغربية واللؤلؤة والوسيل. إن الدولة قامت في السابق بطرح أراضي في مناطق عديدة للقطاع الخاص بنظام التأجير ولكن القطاع الخاص لم يتقدم للاستثمار في تلك الأراضي لعدم ثقته بالقطاع الحكومي وبه ضاعت كل مجهوداتها. بعد ذلك توجهت الدولة لتأسيس الشركات المساهمة لاستغلال مثل هذه الفرص لكن سرعان ما تحول هذا الخيار بسبب صغر حجم السوق المحلية وحماية لاستثمارات المواطنين إلى احتكار مطلق. إن الدولة وهذا لا ينكر، تحاول إيجاد حلول بدليل التجارب والمحاولات التي قامت بها ولكن الحكومة وصلت إلى مرحلة أصبحت هي أيضاً لا تثق في القطاع الخاص وفي ذلك هي محقة وتتخوف من الدخول في تجارب جديدة. وسألت أحد رجال الأعمال: ما هو الحل؟ فقال: الحل يكمن في إيجاد هيئة تنفيذية للشراكة الحكومية مع القطاع الخاص تقوم بدراسة الفرص الاستثمارية المحلية في كل القطاعات ولا تكتفي بالإعلان أو الترويج لهذه الفرص بل تبادر إلى تحويل هذه الفرص إلى شركات ومشروعات يستثمر فيها القطاع الخاص والمواطنين والحكومة ولا مانع من حمايتها لفترة من الزمن. فالشراكة الحكومية مطلوبة بشكل كبير لإنجاح أي شركة مساهمة، فبدون مساهمة الحكومة في الشركات المساهمة دائما ماتكون هذه الشركات فقيرة لا تحصل على الامتيازات التي تحصل عليها الشركات التي تسهم فيها الحكومة. إن الشراكة والتعاون بين القطاعين العام والخاص يعد أمراً مطلوباً لتحقيق التنمية البشرية والمالية والإدارية والتنظيمية والتكنولوجية والمعرفية، وهو ذو أهمية متزايدة يهدف إلى: 1. تغيير نشاط الدولة من دولة منتجة بكل معنى الكلمة إلى دور يميل إلى دور الدولة الحارسة وهو الدور الطبيعي لها. 2. زيادة التمويل المخصص لبرامج الخدمات العامة. 3. إرجاع كل ما أنفقته الدولة من مبالغ دفعت لنزع الملكية وتطوير البنية التحتية. 4. تنفيذ مشروعات الاستثمار في الوقت المحدد وبالميزانية المحددة. 5. تفادي تدهور الأصول والمنشآت الضرورية للخدمات العامة نتيجة للصيانة غير الفعالة أو التشغيل القاصر. والأهم من ذلك كله هو 6. تحريك استثمارات القطاع الخاص بشكل موجه.
وفي الختام نقول إن تقليص وترشيد النفقات العامة بواقع 20 % من الميزانية القادمة لا يتحقق بمجرد رفع الشعارات، أو بقرارات إدارية، بل هو سلوك مبني على فهم طبيعة شريك التنمية الآخر. فالكثير من الأنشطة التي تقوم بها الدولة يجب أن تترك للقطاع الخاص كمستثمر. ولهذا يجب على الدولة إعادة ترتيب حساباتها بطريقة يسهل معها صياغة الأسلوب الأمثل لإدماج القطاع الخاص في الأنشطة المختلفة وأن يتم احترامهم لأن ذلك سيقودنا إلى حالة من التناغم والإنفاق الرشيد للحصول على قيمة مضافة مهمة للاقتصاد الوطني.
والله من وراء القصد،
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4677
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026