رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا عجب في حجم الاهتمام العربي بما يجري في أوكرانيا، والناس في أحداثها مذاهب شتى، ورغم أنها بلاد لم تتغير فيها الجغرافيا، ولم تزحف بحدودها نحو العالم العربي يوماً إلا أن أهميتها تزداد في التفاعلات والتحولات السياسية العربية.
في العام 2004، يوم كان العالم العربي يسبّح بحمد الديكتاتوريات القائمة، كانت "ثورة البرتقال" تزين سماء أوكرانيا وتبث الحياة في ثلجها الكئيب، وحدها ساحة الشهداء في لبنان حاولت استنساخ التجربة الأوكرانية، فخرج الناس زرافات لطرد الوجود السوري من لبنان بعد حكم مباشر لثلاثة عقود متتالية.
"ثورة الأرز" كما سمّاها منجبوها، سبقها مخاض عسير انتهى بمقتل رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في 14 فبراير 2005.
وقد وقع مقتله في عيد الحب الذي يكثر فيه اللون الأحمر، وهو لون يحمل صلة قرابة مع اللون البرتقالي على ما أعتقد! شباب الثورة الذين نجحوا في إخراج النظام السوري من لبنان عبر التظاهرات التي عمّت المدن كانوا يفاخرون بأنهم استنسخوا ثورة البرتقال التي قلبت الأوضاع في أوكرانيا وأخرجت البلاد من عباءة الروس.
سنوات قليلة استغرقت ثورة الأرز قبل أن تصل نسمات ربيعها إلى الربوع العربية التي ما لبثت أن تفتحت براعمها في تونس وليبيا ومصر واليمن وغيرها.
لم يدم الربيع العربي طويلاً في بلاد لم تشهد ربيعا سوى في الفصول المناخية حيث تعجز القبضة الأمنية من التحكم، فلم يكن يشغلها تقلبات الطقس وتغيير الفصول طالما أنها لا تؤثر في طبائع الشعوب المستعبدة.
الربيع العربي حرك الماء الراكدة، وقوى الظلام وأي متضرر أو ظن أنه سيتضرر من التغيير كشّر عن أنيابه وشحذ سيفه، وأعلنها حرب وجود وفق معادلة صفرية " نحن أو هم "، فتآمر من تأمر وداهن من داهن، فانحرفت ثورة، وأجهضت ثورة، وقمعت أخرى، وبدا أن العالم أعاد تقسيم نفسه من جديد وفق خارطة ترسم ملامح قرن جديد ربما هو أقرب إلى ما كان عليه أيام المعسكرين الشرقي والغربي، روسيا تدعم نظماً قائمة وأمريكا تدعم تغييرها.
ربما تكون المقارنة مخلة، فلا روسيا الاتحادية اليوم تملك من الإيديولوجيا والقوة ما يجعلها وجها نقيضا للمعسكر الغربي، ولا المعسكر الغربي يرى نفسه في مواجهة جبهة تناهض القيم الغربية في حرية الحركة والتنقل للفرد والبضائع على السواء.
نحن أقرب اليوم إلى نظامين يبحثان عن مصالحهما فقط، واحد يراها في التحولات الجارية وآخر يراها في مخالفته.. هنا تصبح مصطلحات "الإرهاب " و"التكفير" و"الرجعية" سلاحاً جديداً يضاف إلى الأسلحة التي كانت رائجة خلال الحرب الباردة من "الإمبريالية" و"الاستكبار العالمي" و"الصهيونية الدولية" لتشكل راجمات صواريخ توجه ضد أي جبهة معارضة، فيستباح معها كل حرمة للخصم سواء كان جماعة أو حزب أو مذهب أو دولة.
وسط هذا التفاعل تخرج أوكرانيا من قمقمها مرة أخرى، فإذا بها خنجرًا مسمومًا في خاصرة الروس هو من جنس السُمّ الذي تسقي منه شعبا عربيا.. معادلة صعبة حقاًّ!
كانت أوكرانيا ملهمة لثورة الأرز ولثورات عربية تلت، ثم إن عودة النظام القديم للحكم فيها، وزجّه للثوريين في السجون كان ملهما بدوره لدعاة الثورة المضادة في العالم العربي، فاستلهموا التجربة للتخلص مما أفرزه التغيير الذي اجتاح بعض البلدان العربية.
تعود أوكرانيا اليوم ملهمة لدعاة الثورة على الثورة المضادة من جديد، آملين أن يتعلموا الدرس في الجولة القادمة من جولات النزال لاستعادة المكاسب التي حققوها ذات يوم.
أوكرانيا سبقت العرب بعشر سنوات من التغيير، ومن يريد أن يستشرف مستقبل بلده لعقد قادم فقد تكون أوكرانيا مثالاً مناسباً.
من هنا نفهم هذا الاهتمام الكبير بها، ما بين حزين على خروج رئيسها وهروبه منها في جنح الليل وبين متفائل بعودة تيموشنكو إلى الحكم تلك المرأة التي غُيّبت في السجون ثلاث سنوات دون أن تجد من يدافع عنها وصدق الله سبحانه"وتلك الأيام نداولها بين الناس".
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
غدًا، لن نخوض مجرد مباراة في دور الـ16 من كأس أمم أفريقيا، بل سنقف على حافة حلم لا يحتمل السقوط. منتخب مصر على موعد مع اختبار قاسٍ، تسعين دقيقة قد تُعيد الروح أو تُعمّق الجرح، حين يواجه بنين في مواجهة مصيرية لا تحتمل أي خطأ. غدًا، ستكون القمصان الحمراء مثقلة بآمال شعب كامل، والقلوب معلّقة بكل تمريرة وكل التحام. مباراة خروج مغلوب، لا مجال فيها للحسابات ولا للأعذار، ولا مكان للتردد أو التهاون. بنين خصم عنيد، يعرف كيف يغلق المساحات وينتظر الخطأ، لكن مصر لا تُهزم عندما تلعب بقلبها قبل قدمها. نريد أن تكون الشراسة والقتالية حاضرة على أرضية الملعب حتى الرمق الأخير من عمر المباراة، نريد روح القتال التي تُعرف بها الكرة المصرية. الأنظار كلها على محمد صلاح، القائد الذي يعرف طريق المواعيد الكبرى، حيث سيشكل محورًا أساسيًا في صناعة اللعب وتهديد المرمى بقيادته الهجومية، إلى جانب الحيوية والسرعة التي سيضيفها عمر مرموش في التحركات الأمامية، مانحًا الفريق خيارات متعددة وخطورة مستمرة نحو مرمى الخصم. وهنا يأتي دور حسام حسن، الرجل الذي يعرف جيدًا ماذا يعني اسم مصر. غدًا، نطالب حسام حسن بأن يكون المدرب القارئ للمباراة، القادر على استثمار طاقات لاعبيه، وتوظيفهم توظيفًا سليمًا على أرضية الملعب. نريده أن يقود الفريق بعقل هادئ وقلب مشتعل، وأن يتحكم في مجريات المباراة منذ البداية وحتى صافرة النهاية. أما على صعيد اللاعبين، فالرسالة واضحة: نريد منكم تركيزًا كاملًا وحضورًا ذهنيًا لا يغيب طوال التسعين دقيقة. لا نريد لحظة استهتار، ولا ثانية غفلة. كل كرة معركة، وكل قرار قد يصنع الفارق بين الفرح والحسرة. كلمة أخيرة: غدًا، نريد منتخبًا يقاتل حتى آخر لحظة، منتخبًا يحمل روحنا وعشقنا القديم للكرة المصرية بكل قوة وإصرار. نريد فوزًا يملأ المدرجات فخرًا ويُعيد الثقة لكل من يحمل القميص الأحمر ويؤمن بالكرة المصرية، ويُثبت لكل العالم أن مصر حين تخوض المواعيد الكبرى لا تعرف إلا الانتصار.
1692
| 04 يناير 2026
في نسخة استثنائية من كأس الأمم الإفريقية، أثبتت الكرة العربية حضورها بقوة بعدما بلغ كل من المغرب، ومصر، والجزائر الدور ربع النهائي، في مشهد يعكس تطور الأداء والانضباط التكتيكي للمنتخبات العربية وقدرتها على المنافسة على أعلى مستوى. هذا النجاح لم يأتِ بالصدفة، بل كان نتيجة تخطيط واضح، وعقلية محترفة، وروح تنافسية جعلت الفرق العربية قوة لا يمكن تجاهلها في البطولة. الروح التي تتحلى بها هذه المنتخبات تتجاوز مجرد الأداء البدني أو التكتيكي، فهي روح الانتماء والفخر بالعلم والهوية. يظهر ذلك في كل مباراة، حيث يتحد اللاعبون من أجل هدف واحد، ويقدمون أقصى ما لديهم، حتى في أصعب اللحظات. هذه الروح الجماعية تمنح المغرب، ومصر، والجزائر القدرة على الصمود أمام المنافسين الأقوياء، وتحويل التحديات إلى فرص لإظهار الإبداع والقوة على أرض الملعب. أما الشراسة، فهي السمة الأبرز لهذه الفرق. على أرض الملعب، يقاتل اللاعبون على كل كرة، بعزيمة وإصرار لا يلين، كأن كل لحظة من عُمْر المباراة هي الفرصة الأخيرة. هذه الشراسة ليست مجرد قوة، بل تعبير عن الانضباط والالتزام بالاستراتيجية، وحرصهم على الدفاع عن سمعة الكرة العربية. مع كل تدخل، وكل هجمة مرتدة، يظهر أن هذه الفرق لا تعرف الاستسلام، وقادرة على قلب الموازين مهما كانت صعوبة المنافس. أما الطموح فهو المحرك الحقيقي لهذه الفرق. الطموح لا يقتصر على الوصول إلى ربع النهائي، بل يمتد إلى حلم أكبر، وهو رفع الكأس وإثبات أن الكرة العربية قادرة على منافسة عمالقة القارة. ويظهر في التحضير الشامل، والاستراتيجية المحكمة، وجهود كل لاعب لإتقان مهاراته والمساهمة بانسجام مع الفريق. ويتجسد هذا الطموح أيضًا في حضور نجوم صنعوا الفارق داخل المستطيل الأخضر؛ حيث قاد إبراهيم دياز المنتخب المغربي بلمسته الحاسمة وتألقه اللافت كهداف للبطولة، بينما جسّد محمد صلاح مع منتخب مصر روح القيادة والخبرة والحسم في اللحظات المفصلية، وفي الجزائر يظهر عادل بولبينة كعنصر هجومي فعّال، يمنح الفريق سرعة وجرأة في التقدّم، ويترجم حضوره بأهداف استثنائية على أعلى مستوى، وهو ما يؤكّد أن النجومية الحقيقية لا تكتمل إلا داخل منظومة جماعية متماسكة. كلمة أخيرة: النجاح العربي في البطولة ليس مجرد نتيجة مباريات، بل انعكاس للروح، للشراسة، وللطموح المستمر نحو القمة. ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن المغرب، ومصر، والجزائر لم تعد مجرد فرق مشاركة، بل قوة لا يمكن تجاهلها، تحمل رسالة واضحة لكل منافس: نحن هنا لننافس، لنلهم، ولننتصر.
1251
| 08 يناير 2026
امشِ في الرواق الفاخر لأي مجمع تجاري حديث في مدننا، ستلاحظ شيئاً غريباً، الهدوء هنا مختلف، والرائحة مختلفة، وحتى طريقة المشي تتغير، أنت لست في سوق تشتري منه حاجاتك، بل أنت في «معبد» جديد تغذيه ثقافة الاستعراض، طقوسه الماركات، وقرابينه البطاقات الائتمانية. في الماضي القريب، كنا نشتري السيارة لتوصلنا، والساعة لتعرفنا الوقت، والثوب ليسترنا ويجملنا، كانت الأشياء تخدمنا. كنا أسياداً، وهي مجرد أدوات، لكن شيئاً ما تغير في نظام تشغيل حياتنا اليومية. لقد تحولنا، بوعي أو بدونه، من مستهلكين للحاجات، إلى ممثلين على خشبة مسرح مفتوح اسمه وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحنا لا نشتري الشيء لنستمتع به، بل لنصوره. أصبح السؤال الأول قبل أن نطلب القهوة أو نشتري الحقيبة: «هل شكلها حلو في التصوير؟». هذه «الثقافة الاستعراضية» قلبت المعادلة، لم تعد الأشياء تخدمنا، بل أصبحنا نحن موظفين عند هذه الماركات، ندفع دم قلوبنا ونستدين من البنوك، لنقوم نحن بالدعاية المجانية لشعار شركة عالمية، فقط لنقول للناس: «أنا موجود.. أنا ناجح.. أنا أنتمي لهذه الطبقة». لقد أصبحنا نعيش «حياة الفاترينات». المشكلة ليست في الرفاهية، باقتصاد، فالله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، المشكلة هي حين تتحول الرفاهية من متعة إلى قيد، حين تشعر بضيق في صدرك لأنك لا تملك «الترند» الجديد. حين يضغط الشاب على والده المتقاعد، أو تستدين الفتاة، لشراء كماليات هي في الحقيقة أغلال ذهبية. لقد تم صناعة رغباتنا بذكاء، حتى نسينا تعريف الوجاهة الحقيقي. في مجالسنا القديمة، كانت قيمتك بعلومك الغانمة، بأخلاقك، بوقفتك مع الصديق، ورجاحة عقلك. لم يكن أحد يسأل عن ماركة نعالك أو سعر ساعتك ليعرف «من أنت». أما اليوم، فتحاول الإعلانات والمؤثرون إقناعنا بأن قيمتك تساوي ما تلبس وما تركب. وأن الخروج من ثقافة الاستعراض يعني أنك متأخر عن الركب. نحن بحاجة لوقفة صادقة مع النفس، نحتاج أن نتحرر من هذا السباق الذي لا خط نهاية له. السباق الذي يجعلك تلهث خلف كل جديد، ولا تصل أبداً للرضا. القيمة الحقيقية للإنسان تنبع من الداخل، لا من الخارج، «الرزة» الحقيقية هي عزة النفس، والثقة، والقناعة. جرب أن تعيش يوماً لنفسك، لا لعدسة الكاميرا، اشرب قهوتك وهي ساخنة قبل أن تبرد وأنت تبحث عن زاوية التصوير، البس ما يريحك لا ما يبهرهم. كن أنت سيد أشيائك، ولا تجعل الأشياء سيدة عليك، ففي النهاية، كل هذه الماركات ستبلى وتتغير، ولن يبقى إلا أنت ومعدنك الأصيل.
1002
| 07 يناير 2026