رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
القيادة تكشف عن نفسها عند مواجهة الأمم للتحديات الخطيرة، ولا ينتجها ضجيج بورصة الأوراق السياسية.
بينما كان محمد نجيب يطوف مصر بسيارة وحوله بعض من الضباط ملوحا للجماهير التي تلتف من حوله، كان عبد الناصر يجلس في مكتبه بمجلس قيادة الثورة يراجع خطط التغيير لتتحول "حركة الجيش المباركة" إلى "ثورة" غيرت وجه مصر والمنطقة ومازال أثرها يمتد عبر العالم والتاريخ.
وبينما كان الضجيج يعلو في مصر حول ديمقراطية الصناديق بعد يناير2011، كان "هو" هناك يدير مصر ويرتب لما تستحقه، وما يجب أن تنتجه ثورة الشعب، ولا أجافي الحقيقة إن قلت إن من أدار المواجهة ضد الثورة المضادة خلال السنوات الثلاث الماضية هو "الأحق" بأن يقود مسيرة البلاد إلى المستقبل.
ظهرت صور عبد الناصر في أيدي المتظاهرين، وفي أيدي البسطاء منهم كانت تعبيراً عن مطلب العدالة الاجتماعية والانحياز للفقراء من عامة الشعب، وكانت أيضاً تعبيراً عن الموقف الشعبي ضد الإخوان، ولكن كان هناك من يحمل الصور أو يطبعها ويوزعها في محاولته لإثبات وجوده السياسي دون جهد حقيقي مع القوى الاجتماعية أو امتلاك رؤية شاملة تربط الاحتياجات بخطط عمل، بالنسبة لهؤلاء كانت "صور الزعيم" تعبيرا عن العجز الذي كشفه-فيما بعد-هتاف يسقط حكم العسكر الذي وحد بعض فصائل اليسار واليمين الإخواني الفاشي أو ممن ينفذون أجندة إسقاط الجيش المصري، وربما وجد هؤلاء مبرراتهم في عدد من تصرفات المجلس العسكري السابق دون معلومات مكتملة أو التغاضي عن طبيعة الحدث ومعناه، سواء في وقائع 8 أبريل 2011 أو في واقعة مجلس الوزراء 2011.
ولكن غير الطبيعي هو اللغط ممن ينتمون إلى ما أطلق عليه التيار الناصري.
انقسم التيار بين وجود شعبي يرى عبد الناصر نصيراً له، جاء من الشعب وعاش له، ورفع رايات الاستقلال الوطني والكرامة والعدالة الاجتماعية، وبين وجود سياسي جعل من الناصرية مبرراً لوجوده الذاتي، وأدى ذلك لتحويل هذا الوجود السياسي إلى مجرد "ظاهرة صوتية" لمجموعة "دكاكين" تنتمي إلى"أفراد" أو "تجارب محدودة" انعزلت عن التواصل مع قوى المجتمع في حركتها نحو التغيير وتحولت هذه الدكاكين إلى بالوعات للتمويل السياسي كما كانت مقبرة لعناصر من الشباب الواعد ولقدرات كان يمكنها أن تنمو وتحافظ على مفاهيم وقيم أرساها عبد الناصر فيما لو توفرت الشروط الصحية لمشاركتها الوطنية.
وحاول البعض الحفاظ على نفسه خارج الدكاكين وأن يمسك بجوهر الانتماء.
محاولة سرقة الثورة أو العيش الطفيلي على حسابها شملت العناصر السياسية في هذا التيار ومن غيره من التيارات السياسية، كما شملت جماعة الإخوان ونسيت هذه العناصر دلالة تحليل مفهوم أساس حكومة عبد الناصر وهو مفهوم تحالف قوى الشعب العامل الذي يشمل (العمال والفلاحين والجنود والمثقفين والرأسمالية الوطنية)، ولم يكن انضمام الجنود للتحالف ضمن عسكرة الدولة ولكنه كان تحديداً للدور في مهام المجتمع والدولة، سواء الدفاع ضد العدو الخارجي أو حماية الإرادة الشعبية أو ما جرى التعبير عنها بعد ذلك بحماية الدستور.
تجارب مشاركات من يعلنون انتماءهم الثوري لهذا التيار جميعها تنتهي عند حد التعايش مع النظام حتى وإن بدا أن تعارضا ما بينهما، فالتعارض هذا لم يكن صراع إرادات ولكنه كان مجرد كلام في مواجهة تغييرات مادية تجري في الواقع اليومي.
سقط اتحاد العمال، فقد ولد في أحضان السلطة وظل كذلك، وسقطت تعاونيات الفلاحين واتحاداتهم الجديدة بعد ثورة يناير التي سعت أيضا إلى حضن السلطة.
غاب المثقفون عن الدور التنويري، وبدت أدوات الثقافة وآلياتها داخل المجتمع غريبة باهتة، وتحللت الرأسمالية الوطنية وانحصرت في أشخاص وغاب عنها دور رئيسي في خطة المجتمع التي اعتبرتها جزءا من موروث مجتمع شمولي وليست المدخل العلمي لمفهوم إدارة الموارد وتنميتها وصار سعيها إلى الكسب السريع والاحتكار وانتقلت إليها كل أمراض الرأسمالية دون قانون يواجه التغول الرهيب على الإرادة الوطنية.
ولم يعد هناك ضمن قوى التحالف سوى الجيش المصري الذي احتفظ بتماسكه نتيجة تراتبية سلطة القرار داخله.
وتعرض الجيش بعد حرب 1973 لمنعطفات رئيسية فرضت عليه خيارات تؤكد نزول الجيش وقياداته للحفاظ على كيان الدولة والحيلولة دون انهيار الوطن.
الأول عندما فرطت "السياسة" فيما أنجزته العسكرية والذي انقلب بعد ذلك إلى اتفاقات ومعاهدات تمنع الجيش عن أداء مهمته في سيناء ومن بعد ذلك وضع سياسة تحجيم القوات والتسريح المبكر للقيادات.
الثاني الحيلولة ما بين الجيش والإمكانات العسكرية التي يجب امتلاكها باختيار "السياسة" أمريكا كمصدر رئيسي للسلاح، خاصة أن الوضع الاقتصادي يحول دون توفير التمويل اللازم لشراء الأسلحة، وانعدام الطموح عند صانع القرار، "السياسة تُفرط أيضا"، لدعم محاولات تطوير السلاح التي يقوم بها الجيش.
الثالث محاولة الجيش للخروج من تأثير التغيرات الاقتصادية المتلاحقة في المجتمع المصري بامتلاك المقدرات المعيشية لقواته، مضافا إلى ذلك عبء مواجهة التفريط في الأرض والإمكانات قبل الثورة (طريق السخنة – بنك القاهرة) وما جرى خلال حكم الإخوان.
الرابع تمثل في موقف من التوريث، والذي كان حلقة الربط بين ثورة يناير2011 وبين الجيش، بالإضافة إلى عقيدة عدم توجيه سلاحه ضد الشعب، وكان المنعطف الأخير هو حالة السيولة التي أعقبت ثورة يناير، حيث أطلق المجلس العسكري السابق كل عناصر الإرهاب من السجون وفتح المطارات لعودة المئات منهم، ثم جاءت نكبة عام الحكم الفاشي الذي حول مصر إلى ملجأ لنفايات الجماعات الإرهابية من جميع أنحاء العالم.
ظل الجيش متماسكا وبرزت عقيدته خلال مواجهات يونيو ويوليو 2013 وانتمائه الذي لم يتحدد فقط يومها ولكن الوقائع والحوارات تؤكد أنها تصور حاكم للدفاع عن الأرض والشعب، ظل راسخا طوال الفترة من يناير 2011 حتى يونيو 2013 كما كان رفض التوريث حاكما لموقف الجيش قبل يناير 2011.
الثورة مواقف وفعل وتغير في موازين القوة وهنا لا يجب أن نبحث عن رموز للثورة، ولكن نبحث عن استيعاب هذه المعاني والقدرة على إعمالها.
الأمم لا تضع إرادتها رهينة التمويل الأجنبي على شاشات الفضائيات ولكنها تخوض مواجهاتها من توفير لقمة العيش إلى الدفاع عن الحياة فوق أرضها، هي مواجهة يومية لتوفير إمكانات الوجود.
سقط أدعياء الناصرية وسيبقى انتماء عبد الناصر ونداؤه بالحرية والعدالة الاجتماعية والوحدة العربية خيارا إستراتيجيا للأمة.
الفريج القطري
تعد الأحياء السكنية في قطر (الفرجان) رمزاً للهدوء والخصوصية، حيث تمتاز المناطق التي تقطنها العائلات القطرية والمقيمون القدامى... اقرأ المزيد
63
| 03 أغسطس 2026
عندما يغادر الأعزاء .. لا يغادرون تمامًا
هناك أوجاع لا تُسمع، لأنها لا تخرج على هيئة صراخ، بل تعيش في التفاصيل الصغيرة. في المقعد الذي... اقرأ المزيد
138
| 03 أغسطس 2026
تنسيق ومشاورات مكثفة لدعم الحلول السلمية
انطلاقا من موقف دولة قطر الداعم لجميع المساعي الرامية إلى نزع فتيل التوتر، والتوصل إلى اتفاق شامل يحقق... اقرأ المزيد
99
| 02 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12384
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
1932
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1878
| 29 يوليو 2026