رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

فاطمة العتوم

كاتبة قطرية - مستشار الصحة البيئية / تميز مؤسسي
falotoum@hotmail.com
@faalotoum

مساحة إعلانية

مقالات

297

فاطمة العتوم

من المسؤول عن إصابة الطفل في مركز الألعاب؟

03 أغسطس 2026 , 01:00ص

ما إن يقع حادث لطفل داخل أحد مراكز الألعاب، حتى يتكرر السؤال ذاته: من المسؤول؟ ينصرف التفكير غالبًا إلى البحث عن طرف يتحمل اللوم، فتتجه الأنظار إلى مشغل المركز، أو ولي الأمر، أو الجهة الرقابية. ورغم أهمية تحديد المسؤوليات، فإن الاكتفاء بهذا السؤال قد يحجب السؤال الأهم: كيف وقع الحادث؟ وهل كان بالإمكان منعه؟ في علم الصحة البيئية وإدارة المخاطر، لا يُنظر إلى الحوادث على أنها أحداث مفاجئة أو معزولة، بل تُعد نتيجة لسلسلة من العوامل والقرارات والإجراءات التي تفاعلت معًا حتى انتهت بوقوع الإصابة. لذلك، فإن التحقيق المهني لا يبدأ بتحديد المخطئ، وإنما بفهم الأسباب التي سمحت للحادث بأن يحدث. فقد يكون تصميم إحدى الألعاب لا يتناسب مع الفئة العمرية المستهدفة، أو أن الأرضية الماصة للصدمات لم تعد تؤدي وظيفتها بسبب التآكل، أو أن الصيانة الدورية لم تُنفذ وفق الخطة المعتمدة، أو أن تعليمات الاستخدام لم تكن واضحة، أو أن العاملين لم يتلقوا التدريب الكافي للتعامل مع المخاطر. وقد تجتمع عدة عوامل صغيرة، تبدو كل واحدة منها غير مؤثرة بمفردها، لكنها معًا تُنتج حادثًا كان من الممكن تجنبه. ومن هنا، فإن مسؤولية سلامة الطفل لا تقع على طرف واحد، بل تمتد عبر سلسلة متكاملة تبدأ من المصمم الذي يضع تصور اللعبة، والمصنع الذي يلتزم بالمواصفات الفنية، والمورد الذي يختار المنتجات المطابقة للمعايير، وفريق التركيب الذي يضمن التنفيذ الصحيح، ومشغل المركز الذي يتولى التشغيل والصيانة والإشراف، والجهات الرقابية التي تتحقق من الالتزام بالاشتراطات، وصولًا إلى دور الأسرة في متابعة الطفل وتوجيهه بما يتناسب مع عمره وقدراته. إن أي خلل في إحدى حلقات هذه المنظومة قد يضعف مستوى الحماية، ولذلك فإن التعامل مع الحوادث بمنهجية علمية يتطلب تحليلًا شاملًا للأسباب الجذرية، بدلاً من الاكتفاء بالتركيز على النتائج الظاهرة. فالإصابة ليست سوى آخر حلقة في سلسلة بدأت قبلها بوقت طويل. كما أن المؤسسات التي تتبنى ثقافة السلامة لا تعتبر الحوادث مجرد وقائع تُغلق ملفاتها بعد انتهاء التحقيق، بل تنظر إليها باعتبارها فرصة للتعلم والتحسين. فكل حادث يجب أن يقود إلى مراجعة الإجراءات، وتحديث تقييم المخاطر، وتعزيز برامج الصيانة، وتطوير التدريب، وتحسين آليات الرقابة، حتى لا يتكرر الخطأ مع طفل آخر. إن نجاح أي مؤسسة لا يُقاس بعدد الأيام التي مرت دون وقوع حادث فحسب، وإنما بقدرتها على اكتشاف المخاطر قبل أن تتحول إلى إصابات، وبمدى نضج أنظمة السلامة التي تطبقها، وبثقافة الوقاية التي ترسخها في جميع مستويات العمل. فالطفل لا يهمه من المسؤول بعد وقوع الحادث، بقدر ما يهمه ألا يقع الحادث من الأساس. ولذلك، فإن الانتقال من ثقافة البحث عن المذنب إلى ثقافة تحليل الأسباب ومنع تكرارها، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء بيئات لعب أكثر أمانًا، وترسيخ مفهوم أن سلامة الأطفال ليست استجابة للحوادث، بل التزامٌ دائم يبدأ قبل أن يخطو الطفل أول خطوة نحو منطقة اللعب.

مساحة إعلانية