رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

د. سامر أبو رمان

● جامعة برنستون

مساحة إعلانية

مقالات

1209

د. سامر أبو رمان

غزة.. تهجير ممنهج وتجويع

01 مايو 2025 , 02:00ص

تخضع عملية إدخال المساعدات إلى غزة لإجراءات معقدة تتطلب التنسيق مع الوكالة الإسرائيلية المسؤولة عن تنسيق الأعمال، التي تُعرف بـ COGAT، حيث تتضمن إجراءات تفتيش بهدف التأكد من عدم إدخال مواد تعتبرها إسرائيل محظورة أو ذات استخدام مزدوج. ويتم التعاون مع الأمم المتحدة، التي تعتمد على منظمات إنسانية مثل الصليب الأحمر وبرنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية لتوفير المساعدات.

لطالما كانت هذه الوكالة التابعة لوزارة الدفاع الإسرائيلية موضع انتقاد من منظمات إنسانية دولية كهيومان رايتس ووتش والعفو الدولية ومكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، بالإضافة إلى منظمات إقليمية وفلسطينية، حيث اتهمت بفرض قيود صارمة على حرية الحركة والتنقل للفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة، وعرقلة وصول المواد الحيوية إلى القطاع، واعتُبرت أداة لتكريس الاحتلال العسكري وحرمان الفلسطينيين من حقوقهم المشروعة، إلى جانب اتهامها بعدم الشفافية والإجراءات المعقدة والبطيئة للموافقة على المشاريع التنموية في الأراضي الفلسطينية المحتلة أو دخول المساعدات إليها، فضلاً عن احتمالية رفض المساعدات بحجج واهية، حتى بمجرد القول إن مصدرها «دولة غير صديقة!». كل ذلك مع تصريحات عنصرية من بعض قياداتها، مثل قول مدير الوكالة: “لقد فرضت إسرائيل حصاراً تاماً على قطاع غزة، لن تحصلوا على كهرباء ولا ماء، لا شيء سوى الدمار، تريدون جحيماً، ستحصلون على جحيم”!

انتقل الصراع إلى مرحلة حرجة باستخدام أداة التجويع والضغط، حينما قررت إسرائيل في 2 مارس 2025، مع انتهاء المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار، وقف دخول المساعدات إلى قطاع غزة وإغلاق المعابر، واستئناف عدوانها على غزة.

ترى منظمة هيومان رايتس ووتش أن إسرائيل، كطرف محارب، مُلزَمة بتسهيل المساعدات الإنسانية، سواء بوقف إطلاق النار أو بدونه. وبصفتها سلطة احتلال، فإن إسرائيل ملزمة أيضاً بضمان توفر الغذاء والإمدادات الطبية لسكان غزة. ودعت دول العالم للضغط على الحكومة الإسرائيلية لرفع حصارها غير القانوني عن غزة فوراً، وإعادة المياه والكهرباء، والسماح بدخول الإمدادات التي تشتد الحاجة إليها، من مياه وغذاء ومساعدات طبية ووقود.

وأدانت منظمتا «أوكسفام» و»أطباء بلا حدود» قرار إسرائيل، وأعربتا عن رفضهما استخدام الإغاثة كـ «ورقة مساومة وأداة حرب»، ووصفتا القرار بأنه «عمل متهور من العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الإنساني الدولي»، وأن المساعدات «حق أساسي للمدنيين الذين لديهم احتياجات عاجلة، وليست ورقة مساومة».

يشكل هذا الواقع المعقد، مع التطورات الإقليمية والصراع القائم حول المساعدات، عبئاً ثقيلاً مزدوجاً على الجهات الإنسانية والخيرية، بما في ذلك المنظمات الأممية؛ حيث تجد هذه الجهات نفسها بين نارين، حين تطلب المساعدات من المتبرعين بينما تبقى المعابر مغلقة والمساعدات ممنوعة، في انتظار فتحها في أقرب وقت ممكن. وإذا كنت قد كتبت سابقاً «لا تطلبوا تبرعات لغزة دون المطالبة بوقف إطلاق النار»، فنحن الآن نقول بكل أسف: «لا تطلبوا تبرعات لغزة دون المطالبة بوقف الحرب وفتح المعابر والسماح للمساعدات!»

ما زال ملف المساعدات إلى غزة، أو جدوى إعمارها في هذه المرحلة، يثير جدلاً كبيراً وانقساماً وشكوكاً، ليس بين المتبرعين والجهات الخيرية فحسب، بل أيضاً بين العاملين في مجال العمل الإنساني. فقد تبنت بعض الأطراف نهجاً شفافاً وصريحاً في التعامل مع المتبرعين، كما حدث في مكالمة هاتفية أمامي بين متبرع ومدير إحدى المنظمات الإنسانية في الولايات المتحدة، حيث أوضح المدير أنه لا توجد ضمانات بوصول جميع التبرعات في الوقت المحدد، مشيراً إلى وجود شحنات متكدسة على الحدود بانتظار الموافقة الإسرائيلية منذ فترة طويلة، وأن مخزون الجهات الخيرية من المواد ينفد بعد مرور قرابة شهرين على منع إدخال المساعدات.

وفي المقابل، كان هناك من ركز فقط على جمع التبرعات دون النظر إلى مستقبلها أو ضمان إيصالها. بينما اختار آخرون استخدام علاقاتهم مع الإسرائيليين لتسهيل إدخال المساعدات إلى غزة. كما حدث مع أحد مديري المنظمات الإنسانية الإسلامية الأمريكية، الذي يؤكد أن ذلك لمصلحة أهل غزة. وهو ما يعكس التعقيدات المحيطة بملف المساعدات، ويكشف عن تذبذب المواقف المحيرة ولعبة المصالح التي قد تؤثر حتى على العمل الإنساني.

وهكذا، في ظل التحديات المحيطة بالمساعدات واستخدامها كورقة ضغط، مع استمرار العدوان الإسرائيلي على القطاع، تحاول بعض الجهات الإغاثية بمختلف الوسائل أن تجد أي بوابة أو نافذة، حتى لو كانت ضيقة، لإدخال المساعدات، والاستفادة من هذه الفرص في ظل هذا الواقع الضبابي الحالي، في مقابل ظهور سوق سوداء قد تجد لها مبررات لإدخال المساعدات في ظل أولويات البقاء من بين ركام جريمة استخدام سلاح الجوع كخطوة نحو التهجير الممنهج لأهالي غزة!

اقرأ المزيد

مساحة إعلانية