رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
إن الدخول إلى عالم الفن ونشر الضياء من الظل لا يحدث إلا ممن يقيمون أسسًا جديدة في بناء الحضارة الإنسانية. غير أن علاقة الفنان جاسم زيني، رحمه الله، ببيئته وفنه كظاهرة إنسانية في التجارب التي شكلت أفقا متسعًا من إبداع مستحق لهذا الفنان لكونه الرائد الأول بمثابة نقطة الارتقاء الفكري والبصري في مجريات الساحة الفنية القطرية المعاصرة التي تشهد على سر الصمت، وبما يذكر بقول أندريه مالرو "المنظر لا يتكلم، الذي يتكلم هو الصمت"، ليروي لنا قصة لها أن تحكى في رحلة من العطاء عاشها للفن وفي الفن. بدأ أولى محطاتة بعد تخرجه في أكاديمية الفنون الجميلة بجامعة بغداد 1968م، وفي العراق تعرف على أسرار خلق الجو المناسب للوحة الفنية، على يد قامتين فنيتين وهما الفنانان فايق حسن وعطا صبري، وقد ظل وفيًّا لهما في فنه ولونه ولكن بنكهة قطرية.
سجل الفنان جاسم أعظم موقف وفاء لمسيرة فنان عظيم، بإصراره على تأسيس الجمعية القطرية للفنون التشكيلية في بداية ثمانينيات القرن الماضي، حيث كان الزيني أول رئيس لها، ودعا الفنانين للارتقاء بمسارهم، فكان خير ناشر للوعي الفني. وقد شارك مئات المشاركات في معارضه المحلية والدولية، ونال أعظم جائزة تقديرية تمنحها دولة قطر في عام 2007 وشيدت أعماله في المتحف العربي للفن الحديث، وجدارية في مركز كتارا وانتشارها بشكل مؤثر من حوله.
إن المنجز الفني عند الفنان يرتكز على توجهين إبداعيين على مستوى الشكل التصويري والتجريدي خلال مسيرته الممتدة بين عامي 1967 - 2012 بالحس الإنساني، وهنا تكمن قوة السر في إبداع الفنان، حيث كانت أناشيد البحر الإلهام الذي أثرى فكره بأعماله التي توثق التغيرات التي شهدها المجتمع بعد اكتشاف النفط، وتأسيس الدولة عبر أعمال تستحضر تفاصيل ملهمة من ماضٍ وحاضر، في علاقة جدلية مع البيئة، عاشها وعاصرها في أواخر فترة الغوص عن اللؤلؤ، بالتعبير عن رؤية مستقبلية بشكل يليق بها.
الواقع أن الفنان قد مر في المراحل الفنية الأربع التي تبدأ في البحث عن الذات، بل تعددت المجالات لديه بدءًا من الحروف، ووصولًا إلى استخدام مواد أعيدَ تدويرها، وتنقسم إلى الواقعية التسجيلية، وهي واقعية الزمان والمكان، وليست واقعية القواعد التي تنقلها الكاميرا بأشكال معمارية تراثية، ومنها تنفيذ الجداريات الثلاث بالفسيفساء مستخدمًا فيها تقنية المعاجين الإسمنتية الملونة، في ظل ما يمتلكه من قدرات متمكنة.
أما الواقعية التعبيرية، يصفها زيني بأنها تتبنى الواقعية المتطورة، إذ عانقت البهجة في طرحها وصدقها وقدرتها على التكيف بالتعبير الخطي المبالغ فيه، دون تقيده بالواقع ولوحاته في كل شكل وكل ضوء وانكسار ظل، تتسم بالطابع المشهدي في معالجة شؤون الحياة اليومية التي تجعلنا نرى شخوصه كمحور للبناء في العمل الفني في اللحظة الإنسانية. للوحة ملامح قطرية بالزي الشعبي، حيث تم تصنيفها ضمن الأعمال الرفيعة في الإبداع التشكيلي العربي، وقد صافحها بإتقان البساطة المتناهية، وقد تحايل الفنان في استطالة الولد لتخدم الحبكة الفنية. وترمز للفنان ذاته بالرغم من أنه تربى في بيت ليس فيه بنات والبنت تخيط له زرًّا، ويغلب عليهما طابع الحزن والوقار، وتعتمد بالتته على ألوان أساسية، وإضافة الأسود والأبيض، وقد استطاع أن يحيله بخبرته إلى ذاكرة المكان، باللون الترابي والطيني القديم، بأسلوب غلق التكوين في اتجاه النظرة لكل من الوجهين إلى مركز العمل، وجعل بصر المشاهد لا يخرج عن حدود اللوحة، وبأسلوب قصصي ممتعةٍ رؤيته.
إن المرحلة الثانية هي الرمزية التعبيرية، حيث تتحول المفردات بصدقها إلى الرموز، وانغمست في المضمون، وصنعت الإبداع في تفوق الحروف ومنها لوحة "قطر الحديثة"، فهو لم يحور الكلمة، بل ظلت الكتلة ناطقة بالاسم، وإنشاء بنائية معمارية تلامس الجمال، ليؤكد على مدلول معنوي عبر التاريخ أنّ قطر شبه جزيرة قديمة الوجود في التراث الحضاري. كما سيطرت على أسلوبه النزعة التبسيطية والتسطيحية بالرموز التراثية في سياق الموضوعات الشعبية المستلهمة للوحة التكامل، وبطابع شرقي في مبناها ومعناها.
أما المرحلة الثالثة هي الحداثة، وتتحول إلى مفاهيم جديدة في بنائية العمل ومتماسكة عند الفنان، وتقوم على كثير من الاتجاه والاتساق في مساحتها وعناصرها التي عادة ما تكون قليلة التفاصيل، لكنها مليئة بالبوح الإنساني المبنيّ على الطرح المتأصّل في مضمون المفردة وتلخيص الخبرة على أساس الإتقان في الشكل واللون والضوء. للوحة انعدام الجاذبية، وقد رسمها بشكل هندسي شفاف، ويبدو اللون الأبيض سابحًا في الفضاء للدلالة على أنه بعيد عن تحكم القدرة البشرية بأسلوب تقنية التكوين المفتوح، التي تجعل المشاهد وكأن للعمل تكملة تأتي ببصره ليرسو في المحطة الأخيرة، وهي المرحلة الوثائقية في معرض سرادلة الغوص لا أعمال محدثة من أجل توثيق تراث الذاكرة المحلية. وما زالت ملهمة لكل الناس.
إن شخصية الفنان جاسم الساكنة والصامتة تذكرنا بمقولة ماتيس "بما أنني لا أستطيع الحراك والنهوض، فقد صنعت لنفسي حديقة من الورق مليئة بالعصافير. ففي عام 2012 بالرغم من معاناته من المرض في المستشفى إلا أنه أصر على مقابلة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، وأن يشارك في معرض مال لول للوحة "غفوة وفزعة". وهنا يرصد خصوصية في الشكل والمضمون، بأسلوب الفن التنقيطي للون الحالم، وهو يعلن عن رحيله، تاركًا إرثًا فنيًّا يحمل أعماقًا تحتاج إلى الغوص في صيد الذكريات عن كنوزها وبمفاهيم من الذاكرة الجمالية الجديدة إشعارًا وافتخارًا بهوية عربية. وللوحة وسام الفنون، كأنه يذكرنا بالجائزة الشرفية التي تمنحها وزارة الثقافة الفرنسية للمبدعين؛ وهو يسعى في ذلك إلى أن ينال المبدع استحقاقه الوطني على جميع المستويات الشخصية والفنية، بحيث يغدو من الصعب الكتابة عن منجزاته في مقدار التفرد في روح الحداثة النهضوية. فكيف إذا كان الفنان القطري هو جاسم زيني؟!
jamela.shraim@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
فنانة وناقدة تشكيلية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في العلاقات بين الدول يظل مبدأ حسن الجوار خط الدفاع الأول للاستقرار، فجوهر هذا المبدأ واضح ومباشر، الخلاف السياسي لا يبرر تهديد أمن الدولة المجاورة، ولا تحويل التوترات إلى مواجهات عسكرية، وعندما تُستبدل لغة الحوار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، فإن المشهد يتغير من خلاف دبلوماسي إلى خطر إقليمي مفتوح. حسن الجوار ليس بالضرورة التطابق في المواقف، بل يعني احترام الحدود والسيادة والامتناع عن أي تصرف يعرّض المدن أو المنشآت الحيوية للخطر. فلكل دولة الحق في أن تشعر بالأمان داخل أراضيها، وأن تحمي بنيتها التحتية وسكانها من أي استهداف مباشر أو غير مباشر. هذه قاعدة بديهية في العلاقات الدولية، لأنها تمس حياة المدنيين قبل أن تمس الحسابات السياسية. ما فعلته إيران من قصف منشآت داخل قطر، واستخدام صواريخ وطائرات، لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد رسالة سياسية. استهداف البنية التحتية أو المرافق الحيوية يمثل تصعيدًا عسكريًا يضع المنطقة أمام احتمالات حرب خطيرة، فحين تُطلق الصواريخ وتنطلق الطائرات، لا تُصيب هدفًا ماديًا فحسب، بل تُصيب معها الثقة والاستقرار والأمن الإقليمي. الأخطر من ذلك أن مثل هذه الانتهاكات تجر دول الجوار إلى دائرة حرب المواجهة المباشرة وقد تتوسع سريعًا لنطاقات لا حد لها. فالهجمات بالصواريخ أو الطائرات لا تبقى ضمن إطار ثنائي، بل تفرض على الدول المجاورة اتخاذ إجراءات مقابلة، وهكذا تتحول حادثة واحدة إلى سلسلة ردود أفعال متلاحقة، قد تدفع المنطقة بأسرها إلى حافة مواجهة دامية. المنطقة الخليجية شديدة الترابط سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، أي تصعيد عسكري فيها يكون شرارة تحرق الأخضر واليابس. المنشآت المستهدفة ليست مجرد مبانٍ، بل مراكز طاقة واتصالات ومطارات وخدمات تمس حياة الملايين. وعندما تُستهدف، تتأثر سلاسل الإمداد، وتضطرب الأسواق، وتتراجع الثقة في استقرار الإقليم. وهذا ما يجعل أي عمل عسكري يتجاوز الخلاف السياسي ليصبح تهديدًا عالمياً مباشراً. من حق أي دولة أن تختلف مع جارتها في الرؤية أو التحالفات أو المواقف الإقليمية، لكن ليس من حقها البتة أن تنقل هذا الخلاف إلى مستوى استخدام القوة وحرب مفتوحة. فالصواريخ لا تحل النزاعات، والطائرات لا تبني جسور تفاهم. بل على العكس، هي أدوات ترفع منسوب القلق، وتزيد احتمالات سوء التقدير، وتفتح الباب أمام سيناريوهات يصعب احتواؤها. إن استمرار مثل هذه التصرفات يضع قطر ودول الجوار أمام معادلة صعبة إما القبول بواقع أمني مضطرب، أو الدخول في سباق تصعيد لا يخدم استقرار المنطقة. وفي الحالتين يكون الثمن باهظًا على الجميع. لذلك فإن التمسك بمبدأ حسن الجوار لم يعد خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة إستراتيجية لتجنب الانزلاق إلى حرب لا يريدها أحد. وختامًا استهداف المدن والمنشآت بالصواريخ والطائرات لا يمكن تبريره تحت أي خلاف سياسي وتحت أي ذريعة مهما كانت. بل إنه يمثل خطوة تدفع المنطقة نحو حافة مواجهة أوسع. الحفاظ على الأمن الإقليمي يبدأ باحترام سيادة الدول وحدودها، وبتغليب لغة التهدئة على منطق القوة. دون ذلك، يصبح الجوار ساحة صراع بدل أن يكون إطارًا للتعايش والاستقرار.
2460
| 04 مارس 2026
سوبر مان، بات مان، سبايدر مان، وكل ما أضيف إلى "مان" من أفلام الخيال العلمي التي أنتجتها هوليود، كلها من مخرجات الحداثة، التي تغالي في قيمة الفرد، وتسرّب إلى الجماهير مفهوم الفرد المخلّص الذي ينقذ المجموع بعيدا عن الحل الجماعي. الركون إلى فكرة انتظار الفرد المخلص وأن شخصًا ما أو عدة أشخاص بيدهم الحل لكل أزماتهم ومشكلاتهم، هي آفة يكاد لا يخلو منها مجتمع من المجتمعات، وكلما تفاقمت أزمات مجتمع منها كلما ازداد تعلقا بفكرة الفرد المخلص، سواء كان هذا الانتظار والترقب ناتجا عن انتظار تقلبات المناخ السياسي التي يمكن أن تسفر عن ظهور شخصية تقود المجتمع إلى بر الأمان، أو كان هذا الانتظار والترقب متعلقًا بالنبوءات الدينية. لكن أين عمل المجموع؟ أين الحلول الجماعية؟ هنا يكون الخرق والتصدع الفكري. نعم لا نستطيع أن ننكر المسؤولية الفردية، ولا قيمة الجهد الفردي، فرب فكرة فردية عاشت الأمم والبشرية في ظل ثمارها، والمخترعات والاكتشافات تمت معظمها عن طريق أفراد، لكن هذه الجهود الفردية لم تكن لتؤتي ثمارها لو لم تجد حاضنة اجتماعية أو علميةوجهودا جماعية تقوم بها وتعمل عليها. حتى أنبياء الله ورسله، لم يأت أحدهم ليمسح على رؤوس الناس فيتغير وجه الحياة، بل بذلوا جهودهم من أجل إيجاد الثلة المؤمنة التي تقوم بأعباء تبليغ الرسالة بعمل جماعي يرتكز على منهج رصين. وفي سورة الكهف، نقرأ في خواتيمها قصة ذي القرنين، ذلك الملك الصالح الذي جاب مشارق الأرض ومغاربها، هذه القصة التي حكاها القرآن الكريم تحمل توجيهات إدارية قوية في معالجة الأزمات، أبرزها التوازن بين الحل الفردي والحل الجماعي، وعدم الركون إلى فكرة الشخص المخلص. يأتي ذو القرنين قومًا تمثلت أزمتهم في الهجمات والغارات الهمجية لقوم يأجوج ومأجوج، الذين يتدفقون من بين الجبلين فيعيثون في الأرض فسادًا. عندما عاينوا قوة وبأس ذلك الملك رأوا فيه الشخص المخلّص الذي يمكن أن يرفع عنهم ما هم فيه من معاناة، ومن أجل ذلك طلبوا منه حمايتهم على أن يجعلوا له جُعلًا من المال. الشاهد من القصة، أن ذا القرنين ترفّع عن أخذ المقابل، لكنه أشركهم معه في العمل، وجعلهم جزءًا من الحل لا الاكتفاء بوضعية المتفرج، فحدّد لهم خطة عملية يعملون عليها بأيديهم تحت مراقبته وإدارته ورعايته. أمرهم بجمع قطع الحديد ووضعها بعضها فوق بعض بين السدين، إلى أن يحاذي الحديد رؤوس الجبلين طولا وعرضا، ثم أمرهم بأن يضرموا فيه النار، حتى إذا اشتعل كله أمرهم بصب النحاس المذاب عليه حتى يزداد صلابة، فلا يستطيع المعتدون المرور من بين السدين أو تسلق هذا المرتفع الشاهق. كانت الفكرة فردية من قِبل ذي القرنين، لكن التنفيذ كان بأيديهم، ليخرج العمل في النهاية جماعيًا بامتياز، لا يقوم به فرد وحده مهما بلغت قوته، وتلك هي كلمة السر في عمليات النهوض أو مواجهة الأزمات. لقد استوقفنتني حكاية جاءت بها كتب الطبقات والتراجم عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال لأصحابه يومًا: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة ذهبًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- فقال: تمنوا، فقال رجل: أتمنى لو أنها مملوءة لؤلؤًا وزبرجدًا وجوهرًا أنفقه في سبيل الله -عز وجل- وأتصدق به، ثم قال: تمنوا، قالوا: ما ندري ما نقول يا أمير المؤمنين؟ قال عمر: لكني أتمنى لو أن هذه الدار مملوءة رجالا مثل أبي عبيدة بن الجراح. لقد أدرك عمر قيمة الرجال والعمل الجماعي، فلم يتمن شخصًا مثل أبي عبيدة، ولكنه تمنى أشخاصًا وجمعًا مثل أبي عبيدة، فهكذا الأوطان تنبى بجهود جماعية، حتى وإن قادها الفرد وأرشدها وأنار لها الطريق. ومع كل حدث ساخن في المنطقة يعمد فئام من أمتنا إلى إسقاط نبوءات الساعة الواردة في النصوص النبوية وتنزيلها على الواقع بلا روية، وخاصة المتعلقة بظهور المهدي المنتظر، يستبشرون وهم قعود لا يبذلون ولا يعملون، كل بضاعتهم انتظار المخلص، لكنهم لا يعلمون أن المهدي لن يقود أمة من الكسالى الضائعين، بل يأتي ليحكم أمة عرفت الطريق، تحتاج فقط إلى من يكون رأسًا فيها.
2001
| 08 مارس 2026
تعيش منطقة الشرق الأوسط مرحلة شديدة الحساسية، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية في مشهد معقد يجعل أي توتر قابلاً للتحول إلى مواجهة أوسع. ومع تصاعد التوتر بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، تجد دول الخليج نفسها في قلب معادلة أمنية دقيقة. فهذه المنطقة ليست مجرد مساحة جغرافية في خريطة الصراعات، بل مركز اقتصادي واستراتيجي يعتمد عليه العالم في الطاقة والتجارة والاستقرار الإقليمي. في مثل هذه الظروف، يبرز دور المؤسسات الوطنية التي تتحمل مسؤولية حماية الأمن والاستقرار. فوجود مؤسسات دفاعية قوية ومهنية يشكل أحد أهم عناصر حماية الدولة من التهديدات الخارجية، كما يعزز الثقة داخل المجتمع بأن أمن البلاد في أيدٍ قادرة على صونه. إن الجاهزية العسكرية والانضباط المهني لا يمثلان فقط قوة ردع، بل رسالة واضحة بأن أمن الدول الخليجية ليس أمراً يمكن العبث به أو استخدامه كورقة ضغط في صراعات الآخرين. غير أن الخطر الأكبر في أي تصعيد عسكري يتمثل في استهداف البنية التحتية المدنية. فالمرافق الحيوية مثل الطاقة والكهرباء والمياه والمطارات ليست أهدافاً عسكرية بالمعنى التقليدي، بل هي شرايين الحياة اليومية للمجتمعات. وعندما تتحول هذه المنشآت إلى أهداف في النزاعات، فإن النتائج لا تصيب الحكومات وحدها، بل تمس حياة الناس بشكل مباشر. فتعطّل هذه المرافق يعني اضطراب الاقتصاد، وتعطّل الخدمات، وتهديد الاستقرار الاجتماعي. لقد بنت دول الخليج خلال عقود طويلة بنية تحتية متطورة واقتصادات حديثة تعتمد على الاستقرار والانفتاح. ولم يكن هذا التقدم نتيجة الصدفة، بل جاء نتيجة سياسات تنموية واستثمارات كبيرة هدفت إلى تحسين مستوى الحياة للمواطنين وبناء مستقبل أكثر ازدهاراً. ولذلك فإن تحويل هذه الإنجازات إلى أهداف في صراعات إقليمية يمثل تهديداً حقيقياً لمصالح الشعوب التي تعتمد على هذه الموارد في حياتها اليومية. ومن المهم في هذا السياق فهم طبيعة العلاقات الإقليمية بواقعية. فالعلاقة بين إيران ودول الخليج ليست علاقة خالية من التوتر، لكنها أيضاً ليست علاقة صراع دائم لا يمكن تجاوزه. فقد شهدت هذه العلاقة عبر السنوات مراحل مختلفة من التوتر والتهدئة، وهو أمر طبيعي في العلاقات الدولية بين الدول المتجاورة. لكن تحويل الخلافات السياسية إلى صراع عسكري مفتوح قد يؤدي إلى نتائج لا يمكن السيطرة عليها. كما أن المشهد الإقليمي لا يخلو من محاولات بعض الأطراف استثمار التوترات القائمة لتحقيق أهداف سياسية واستراتيجية. ومن بين هذه الأطراف الحكومة الإسرائيلية بقيادة بنيامين نتنياهو، التي ترى في تصاعد المواجهة مع إيران فرصة لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية بما يخدم رؤيتها الأمنية والسياسية. غير أن دول الخليج تدرك أن الانجرار إلى صراعات واسعة قد يحمل مخاطر كبيرة على استقرارها الداخلي ومسارها التنموي. فهذه الدول استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة بناء نماذج اقتصادية ناجحة ومجتمعات مستقرة نسبياً في منطقة تعاني من كثرة الأزمات. ولهذا فإن الحفاظ على هذا الاستقرار يتطلب سياسات متوازنة تقوم على الحكمة وتجنب التصعيد غير الضروري. إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في اختيار طرف ضد آخر، بل في حماية مصالح الشعوب والحفاظ على استقرار المنطقة. فدول الخليج ليست بحاجة إلى أن تتحول إلى ساحة مواجهة بين القوى الإقليمية والدولية، بل إلى أن تواصل مسارها التنموي وأن تحافظ على أمنها واستقرارها بعيداً عن حسابات الصراعات الكبرى. كلمة أخيرة: الخليج ليس ساحة حرب، بل منطقة تسعى شعوبها إلى الأمن والتنمية والاستقرار. وحماية هذا الهدف تتطلب تغليب صوت العقل والحكمة على منطق التصعيد والمواجهة. فحين تكون مصلحة الشعوب هي البوصلة، يصبح الطريق واضحاً نحو مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً للمنطقة بأسرها. ib_1983@hotmail.com
1941
| 09 مارس 2026