رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الانقلابيون في مصر ليس فقط يفكرون في فض الاعتصامات ومنع المظاهرات بالقوة؛ ولكنهم – وهذه حقيقة – قد قرروا ذلك بالفعل، وهذا ما صرح به (بشوية هبل) وزير داخليتهم الذي أعلن في مؤتمره الصحفي عقب "مجزرة المنصة" أن القرار جاهز ولكنه ينتظر الغطاء القانوني فقط!!
هذا الأمر واضح، فالاعتصامات (بالأخص رابعة والنهضة) وبما يتخللهما من أنشطة فنية وإعلامية وما تصدرانه من رسائل داخلية وخارجية، وما تسقطانه كل يوم من رموز ومعاني الانقلاب وطنيا وأخلاقيا.. تتناقض كليا وألف بائيا مع فكرة الانقلاب وميكانزماته.. فأي انقلاب حتى ينجح ويستطيع قلب صفحة النظام الذي انقلب عليه لا بد له من أربعة مقومات؛ منها ثلاثة تتعلق بالداخل الوطني، والرابع هو الاعتبار الخارجي دوليا وإقليميا، وهو مترتب على تلك الثلاثة.. أما الثلاثة المتعلقة بالداخل فهي؛ أولا: أن يكون الإعلام معه فتصنع له هالة من القداسة والتخويف وتبرزه كنظام مستقر وحالة مستتبة.. ثانيا: أن يخضع الناس له خضوعا مطلقا ويتقبلوا الوقائع التي يفرضها عليهم عن حب أو عن كره.. ثالثا: أن يحتكر السلطة لنفسه ولتوليفته فلا تعود موضع تنازع أو تردد.. وأما الرابع والخارجي فهو: أن يعترف به العالم من دول وهيئات واتحادات ومنظمات عمليا في البداية ثم رسميا وبروتوكوليا..
السؤال هو: ما دامت الاعتصامات والمظاهرات متناقضة مع الانقلاب ومقتضيات نجاحه إلى هذا الحد؛ وإذا كان الدم المصري في عقيدتهم لا قيمة ولا قداسة له كما رأينا يوم الحرس الجمهوري والمنصة ورمسيس والإسكندرية.. وإذا لم يكن في وجدانهم احترام أو حرمة لرمضان أو للوطن أو للدين؛ وإذا لم يكن في خاطرهم الإبقاء على شعرة معاوية للتفاهم أو الصلح مع الخصوم (بدليل الانقلاب ذاته واستهدافهم خصومهم بالجملة وبكل هذه الوقاحة والمباشرة والعموم التي لم يعرفها التاريخ المصري كله منذ فرعون الأول الذي استهدف بني إسرائيل من رعاياه ولم يفتح حربا على كل المصريين كما يفعلون – أقول: فلماذا إذن ينتظرون كل هذا الوقت من بعد الانقلاب على اعتصامات رابعة والنهضة وعلى المسيرات؟
الجواب القطعي: هو لأنهم يخافون مما سيترتب على ذلك من انسياح الملايين في الشوارع إضافة للملايين الثائرة والتي لم تدخل أصلا بيوتها بعد الثورة.. هو إذن خوفهم من الثورة المصرية، ومما أنضجته في إحساس المصريين من قيمة للكرامة الإنسانية وخوفا مما أيقظته في المصريين من رفض للاستبداد والاستعباد الذي ذاقوا مرارته مورس منذ أن صارت مصر دولة – سوى بضع عشرات من السنين المتفرقة وتحت حكم الإسلام.
الانقلابيون يعلمون أنهم لو تعدوا على الاعتصامات فقد ينالون قطعة الأرض التي عليها المنصة ولكنهم سيخسرون كل المحافظات وسيواجهون يوميا الملايين وسيفقدون السيطرة، وستدخل مصر بأمنها وناسها ومزاجها في حالة من السيولة وربما الحرب الأهلية والانفلات لا تتمناه إسرائيل ولا تتحمل عقابيله أمريكا ولا ترتق فتقه الأذناب وأموالهم الآثمة في المنطقة..
السؤال الآخر: هل هذا يعني أن الانقلابيين استسلموا لظاهرة الاعتصامات والمسيرات التي تخرج كل يوم وكل ليلة وفي كل شارع وقرية ومدينة ومحافظة؟. الجواب والقطعي أيضا: لا؛ ولكنهم وبرصد أقوالهم وفلتات ألسنتهم وما يقوله كتابهم قد بدأوا يهيئون للاعتداء بالقوة وهم يحاولون صنع وانتظار ثلاثة متغيرات.. المفروض أنهم إذا نجحوا في إيجادها سيقومون بكل ما ترسمه لهم مخيلتهم الباغية الآثمة دون تردد ولا انتظار وحتى لو قتلوا المئات والألوف؛ والمتغيرات الثلاثة؛ أولا: يأس الناس من إمكانية إعادة الشرعية، وتقبلهم العملي للانقلاب، فيقل الناس وتتلاشى الاعتصامات.. الانقلابيون هنا يعولون على معالجات الزمن، وفي سياقه تأتي قرارات نيابتهم اعتقال الرموز والخصوم الشعبيين الذين يثرون الاعتصامات وتتمحور حولهم الحشود.. ثانيا: تهيئة الرأي العام لتقبل مجزرة ضد الاعتصامات وهم يحاولون ذلك من خلال الادعاء بأنها محصورة في فئة الإسلاميين، ثم شيطنتهم إعلاميا، وباتهامهم بممارسة الجرائم وتهديد الأمن وفي هذا السياق تأتي الاعتداءات في سيناء والمنصورة التي يتردد أنها من صنع المخابرات الحربية بالتعاون والتنسيق مع إرهابيين تابعين لحركة فتح.. وفي ذات السياق أيضا ما يشيعونه عن وجود صواريخ ومدافع فوق أسطح البنيات في ميدان الاعتصام.. ثالثا - استكمال مجموعة إجراءات ذات طابع قانوني يحميهم – أي الانقلابيين - من الملاحقات القضائية مستقبلا فيما لو استرجع الشعب المصري ثورته ووضعهم تحت المحاسبة.
السؤال الآن: هل هذه المتغيرات متسنّاة للانقلابيين أو في طرقها إليهم؟ الجواب وبالقطع أيضا لا – على الأقل حتى الآن – وذلك لعدة أسباب ؛ 1- أن الإسلاميين يكسبون كل يوم مزيدا من الرأي العام بالأخص من غير المسلمين وغير الإسلاميين وهم بإجادة بالغة يبرزون ذلك إعلاميا، 2- أن الإعلام المؤيد للشرعية لا يزال يعمل ويصل ويستطيع أن يرد الشبهات وينفي ما يحاول إعلام الانقلاب أن يسوقه منها (التنويه هنا بفضل فضائيات بعينها كالجزيرة واليرموك والحوار والقدس والزيتونة والمستقلة) 3- أن تحالف الدفاع عن الشرعية يقدم كل يوم رموزا إعلامية وشعبية جديدة وهيئات وفئات مصاغة بطريقة احترافية ومهنية (هنا برزت تماما قيمة التنظيم والإدارة والضبط والربط الذي يمتاز به تنظيم الإخوان المسلمين) 4- أن الشعب المصري وصل حدا من عشق الحرية والإحساس بقيمتها ومن الخروج والتضحية في سبيلها يمكن الاطمئنان إليه 5- أن الانقلابيين يقعون في أخطاء، بل خطايا، من قتل المواطنين وتناقض وفضائح الاتفاقات السرية مع "الإسرائيليين والأمريكان" ثم اعترافاتهم بأنفسهم وتصويرات مؤامراتهم.. كل ذلك يبقي في الذهن أن عزل "مرسي هو انقلاب ببعد مؤامرتي وليس ثورة ببعد شعبي 6- قيام مبادرات من جهات وسطية (بالمعنى السياسي والفكري) التي يرفضها الانقلابيون.. هذه الوساطات تفعل فعلها في استقطاب الرأي العام ضد الانقلاب، وعلى الشرعيين أن يحفزوها حتى لو منيت بالرفض لأنها تعري الانقلاب..
آخر القول: الانقلاب المصري لا يزال يتلبط في أوائله، ويتعثر في لحظة انطلاقه، وهو بين حيص الرضا بالمعارضة المفروضة عليه والتي تضرب ميكانزماته وتذكر بلا شرعيته، وبيص المواجهة الدموية التي ستطلق في وجهه عش الدبابير وتفلت عليه الأمور.. بالتالي فإن المستقبل للشرعية ما بقيت لديها القدرة على الاستمرار في الحد القائم حتى الآن وإن تأخر النصر قليلا..
من دخل مدخلا خاطئا يخرج منه
نلتقي أحيانا ببقية ممن لا يزالون يعيشون الخيال الذي رسمه لهم السيسي ، ويؤيدونه على غير وعي بما... اقرأ المزيد
667
| 12 يناير 2017
صديقي أقال أحسن موظفيه !
صديقي أقال أحد الموظفين لديه من العمل .. فجاءني الموظف يستشفع بي لدى صديقي كي يعيده للعمل فالموظف... اقرأ المزيد
970
| 05 يناير 2017
سحب الانقلاب المصري مشروع القرار .. خزي يستحقه !
بعد أن سحبت مصر – الانقلاب - مشروع قرار قدمته إلى مجلس الأمن الدولي لإدانة الاستيطان الصهيوني في... اقرأ المزيد
609
| 29 ديسمبر 2016
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3345
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
1293
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1212
| 01 أكتوبر 2026