رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في الأسبوع الماضي، استقبلت الساحة السياسية المصرية مولودا جديدا باسم حزب الدستور يقوده الدكتور محمد البرادعي، وحسب معلوماتي فإن مؤسسيه أنفقوا أسبوعين أو ثلاثة في مناقشة ما إذا كان المولود الجديد يكون حزبًا فقط أم عنوانا لتحالف أحزاب عدة.. ومن الواضح أن كفة الفكرة الأولى هي التي رجحت. ويبدو أن حزب الدستور لن يكون آخر المواليد وإن كان أحدثهم، لأنني أعرف أن هناك خمسة أحزاب أخرى على الطريق. وطالما أن الباب مفتوح على مصراعيه فينبغي أن تتوقع المزيد، علما بأن بعض الأحزاب الجديدة ــ والقائمة أيضاً ــ تعول على البث الفضائي بأكثر من تعويلها على التأييد الجماهيري على الأرض. ولئن خبرنا في السنوات الأخيرة نماذج لأحزاب لم يكن لها وجود يذكر إلا من خلال الجريدة التي تصدرها، فإن التطور الجديد في الموضوع لم يكتف بالجريدة ولكنه توسل في إثبات الحضور بإنشاء قنوات تلفزيونية، وهذه الأخيرة ظهرت بوضوح بعد الثورة. ويبدو أن رجال الأعمال في ظل النظام السابق اكتفوا في إثبات الوجود بتحالفهم مع السلطة، وبعد سقوط ذلك النظام وسقوط ذلك التحالف بالتالي. فإنهم نقلوا نشاطهم إلى ساحة الإعلام الذي استمدوا منه القدرة على إثبات الحضور والقوة على التأثير في الرأي العام، وفي القرار السياسي أيضا.
الترحيب مستحق بالحزب الجديد وبكل حزب آخر يتوسم مؤسسوه أن بوسعهم أن يقدموا شيئا من خلاله للناس والوطن. والتقدير واجب للمناخ الجديد الذي أتاح للأحزاب أن تخرج من رحم المجتمع وليس من مقر جهاز أمن الدولة. بالتالي فإنه سمح لأصحاب الأفكار أن يجهروا بما عندهم دون خوف أو وجل، ويحتكمون بعد ذلك إلى الناس الذين يقررون من خلال الانتخابات الحرة ما إذا كان الحزب يجب أن يستمر أو يندثر، دون أن يخضع كل ذلك لوصاية من جانب الرئيس وزبانيته أو أجهزته الأمنية.
لا أجد غضاضة في أن تظهر في الفضاء المصري عشرات الأحزاب، وهو ما عبرت عنه من قبل، منبها إلى ثلاثة أمور، الأول أننا عانينا طويلا من الجدب السياسي الذي أدى إلى إخراج المجتمع من السياسة وعزوفه عنها، وهذا الشعور بالجدب ولد رغبة عارمة وشوقا شديدا إلى التنفيس والمشاركة بعد الثورة، التي أعادت الناس إلى السياسة وأنهت زمان قطيعتهم لها وغربتهم عنها. لذلك فإنه يظل إيجابيا وصحيا أن نشهد ذلك التسابق والتنافس على تأسيس الأحزاب. أما الأمر الثاني فهو أن ذلك التنافس أمر مشهود في دول عدة. حتى أن اليابان بعد خروجها من هزيمة الحرب العالمية الثانية تشكل فيها نحو 400 حزب تنافست على استعادة الحلم الذي أجهض. الأمر الثالث أنه لا قلق من ظاهرة كثرة الأحزاب طالما كنا واثقين من نزاهة الانتخابات، لأن تلك النزاهة ستتكفل بتحديد الأحجام الحقيقية لكل حزب، ومن ثم تجنيب البلاد احتمالات التشرذم والفوضى.
من الجدير بالملاحظة أنه في الوقت الذي تتكاثر فيه الأحزاب حينا بعد حين، فإن الطبقة السياسية في مصر أدركت أنه يتعين الانتقال إلى مرحلة التحالفات فيما بينها، أغلب الظن لأنها أدركت أن الكثرة أضعفت الجميع في الانتخابات البرلمانية، الأمر الذي مكن الإخوان ومعهم السلفيون ــ وهما الأكثر تنظيما ــ من الفوز بالأغلبية. فظهرت في الأفق خلال الأسابيع الأخيرة كيانات حملت أسماء من قبيل: تحالف الأمة المصرية ــ التيار الشعبي ــ التيار الثالث ــ التيار الوسطي ــ التيار اليساري.
هذه التحالفات بدورها ينبغي الترحيب بها، إلا أنه يعيبها ثلاثة أمور، الأول أنها تتشابه في برامجها ولا تقدم تنوعا فكريا يذكر، إذا استثنينا التيار اليساري، وهو ما يعطي انطباعا بأنها تحالفات حول أشخاص وليس أفكار الثاني. إنها تكاد تلتقي على محاولة منافسة الإخوان وتحديها، بالتالي فهي متفقة على ما ترفضه ومختلفة حول ما تقبل به، الأمر الثالث أنها تندرج تحت مسمى القوى المدنية، الذي سيظل تعددها سببا في إضعاف موقفها في مواجهة الإخوان.
هذا بدوره ينبغي ألا يكون سببا للانزعاج إذا نظرنا إليه باعتباره خطوة باتجاه النهوض من وسط أنقاض النظام السابق ــ الذي لم يتح لأي قوة سياسية حقيقية أن تتبلور وتنضج في عمل الشرعية، بحيث لم تتوفر القدرة التنظيمية إلا للجماعات التي تشكلت خارج الشرعية (الإخوان والسلفيون مثلًا).
لا أعرف ما إذا كان تعدد القبائل السياسية سوف يستمر أم لا، لكنني أذكر بما سمعته ذات مرة من الدكتور عبدالعزيز كامل رحمه الله (الوزير الأسبق وأستاذ الجغرافيا السياسية) من أن العمل الجماعي ليس من السمات المتعارف عليها لدى المصريين. وقد دلل على ذلك بالأهرامات الثلاثة التي خلفها الفراعنة وظلت دليلا على أن كل فرعون رفض أن يدفن في هرم آخر، وقرر أن يبني لنفسه هرما مستقلا، وهي فكرة قد تحتاج إلى مناقشة، لكنها تدعوني إلى التساؤل عما إذا كانت خلفية التحالفات الجديدة التي ظهرت في مصر موصولة بفكرة الأهرامات الثلاثة أم لا؟.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4242
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3159
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1110
| 28 سبتمبر 2026