رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في هذا الوقت الذي يمر به العالم الآن بأحداث جسام تدع الحليم حيران حيث تراجعت الأيدلوجيات، وعادت الأديان, يبحث الناس أكثر من أي وقت مضى عن إمامة وقيادة للعالم من جديد. وتأتي فرحة عيد الأضحى بمقاصدها الإيمانية والأخلاقية والحضارية لتذكِّرنا بدورنا في استعادة الإمامة والقيادة والريادة لتحقيق مراد الله تعالى في آخر سورة الحج بما يعبِّر أن هذا هو المقصد الأسمى من هذه العبادة العظيمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ) (الحج:77-78).
و الآن نحن من شعيرة عيد الأضحى نستعيد إمامتنا للناس، من خلال إمامة إبراهيم الخليل كما قال الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة: 124).
و نريد أن نتعرف إلى سر هذه الإمامة وجوانبها، فسرُّها هو التضحية، وجوانبها هي الثلاثة التالية:
1- سمو العلاقة مع الله.
2- رقي العلاقة مع الأسرة.
3- المسئولية عن إصلاح المجتمع والسلطة السياسية.
و نعتقد أنه لن تكون هناك إمامة بدون هذه التضحية، والعلاقات الثلاث: (الله – الأسرة – المجتمع).
والآن نعيش معا في مقاصد عيد الأضحى لنرى كيف تكون التضحية والتوازن سبيلا نحو إمامة الناس وإصلاح معاشهم ومعادهم.
أولا: سمو العلاقة مع الله تعالى:
وهي تظهر من خلال التقرب إلى الله بالعبادة والدعاء, لقوله تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (النحل: 120-121)، ووصل إلى أن صار خليل الله كما قال تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) (النساء: من الآية 125)، ورفع القواعد من البيت وكان ماهرا في حسن التضرع إلى الله تعالى كما جاء في سورة إبراهيم، وقد تدرج في الإيمان في طلب المزيد والاطمئنان عندما طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى، وهنا أحب أن أؤكد أن هذا الحب لله جعله يقوم بالتضحية لله مستعذبا كل شيء ولو كان ذبح ولده لأن ذلك يرضي الله ويقبل أن يودع في النار دفاعا عن وحدانية الله، وما أحوجنا اليوم إلى هذه الربانية الصافية، والتزكية الراقية، والنفس المطمئنة الراضية التي تُنادى يوم القيامة بنداء الله الذي يحب عباده كما جاء في قوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي) (الفجر: 27-29)، فمن منا لا يريد الأمان مع الإيمان والاطمئنان مع الإحسان، ونيل أعلى الجنان بجوار الرحمن؟!.
وهنا نريد أن نؤكد أن زحام الأحداث، وتلاحق الأزمات لا يجوز أن يشغلنا عن عمارة المساجد، وجولات التفكر في الكون والتدبر في القرآن، والتضرع للرحمن، والذكر النابع من أعماق القلب والوجدان، وسخاء العين بالذلة والبكاء، والقلب بالخوف والرجاء، واليد بالبذل والعطاء.
ثانيًا: رقي العلاقة مع الأسرة:
ولا يمكن أن تكون الإمامة إلا بحبل من الله وحبل من الناس، وأول الناس الذين يستحقون عنايتنا ورعايتنا هم الأب والأم والزوجة والولد، وأن يتقدم كل فرد إذا أراد الإمامة والريادة أن يتعلم فقه التضحية لأسرته وليس منطق النفعية من الأسرة، كما يسري اليوم بين الأجيال التي تشربت من المادية الغربية.
ولو حاولنا أن نتعرف على سر الإمامة هنا فهي التضحية لأجل الأسرة من خلال ما يلي:
1- رقي التعامل مع أبيه مع كفره، وتحمله الأذى كي ينقذه من النار كما جاء في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا) (مريم: 42-45)، ومع جنوح الوالد وغلظته وشدته فقد حفظ له حقه، واحتمل كي يقدِّم النوذج لأن سيد القوم لا ينسى الحقوق في الرضا والغضب، ولعل في نموذج سيدنا إبراهيم ما يوجب أن نستدعي التضحية لأجل صناعة السلام الاجتماعي مهما اختلفت الديانة، ونحن بمصر أمامنا مشوار لابد من السير فيه، وهو وأد الفتنة الطائفية واستعادة النسيج الاجتماعي القوي مع غير المسلمين مستهدين بملة إبراهيم عليه السلام لقوله تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) (البقرة: من الآية 130).
2- رقي التعامل مع زوجته سارة حتى إنها لتضحي بمشاعر الأنثى الفطرية فتزوج زوجها كي يسعد بالولد الذي ترتجيه كل فطرة سوية، ولما حملت ورُزق الولد بعد كبر سنه، ضحى بوجود زوجته وولده إسماعيل في حضنه وموضع نظره فحافظ على مشاعر زوجته سارة التي غارت من هاجر فحفظ لها الجميل، وقبِل أمر الجليل أن يُسكن من زوجه وذريته بواد غير ذي زرع عند بيته المحرم، ولما قبلا معا الزوج والزوجة هذه التضحية بنفس راضية نبع الماء سقاء وغذاء ودواء وقبول دعاء إلى يوم القيامة؛ لتنعم الأمة بزمزم، وتطوف بين الصفا والمروة للتذكير بالسعي توكلا لا تواكلا، وعملا لا تكاسلا، وإنتاجا لا استهلاكا.
3- علاقته بأولاده فسيدنا إبراهيم يعرف أصول التربية الحقيقة اعتقادا وتطبيقا، كما قال الله تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (إبراهيم: 37)، فالتربية الإيمانية لأولادنا أولا من خلال: "ليُقِيمُوا الصَّلَاةَ" ، واجتماعيا ثانيا مع ذوي القلوب الحية والصدور السليمة لأن الإنسان مدني بطبعه إما أن يصاحب الأخيار أو الأشرار، ثم تطبيقا من خلال اصطحاب ولده إلى البيت الحرام وإشراكه في رفع القواعد والدعاء معا كما قال تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (البقرة: 127-128).
ولما أمر بذبح ولده لم يأت له من خلفه أو عند نومه ليذبحه دون استشارة وحوار مع ولده كما صوَّره القرآن في قوله تعالى: (قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ* فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) (الصافات: من الآية 102-107).
ومن هذه القصة من التضحية الأسرية العظيمة كان عيد الأضحى ليذكِّر بأسرة تتعاون معا لأعلى درجات التضحية لأجل الحفاظ على مقام المقربين إلى الله والمحسنين مع عباد الله. ونحن ندعو كل أب أن يكون حواره مع أولاده مثل حوار سيدنا إبراهيم مع ولده إسماعيل، وأن يكون أدب السمع والطاعة للأبوين في الخير مثل سيدنا إبراهيم وإسماعيل؛ لننعم بالسعادة والريادة معا، والشهادة والقيادة، والإمامة والريادة.
ونحن نحتاج هذه التضحية والتوازن في هذا الوقت الحرج الذي يتهدد فيه استقرار الأسرة بتكاليف الحياة المادية، وتنشغل بتحصيل الكماليات وكثرة الرغبات والشهوات، وتربية ولد واحد إيمانيا وأخلاقيا وعلميا، ولن تتحقق ريادة وإمامة إلا بتمثل الصفات الإيمانية والأخلاقية، وإلا فقد نفى القرآن التوريت في تحمل الأمانة والقيادة بمجرد النسب، بل باستكمال المكارم الأخلاقية كما قال تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) (البقرة:124).
ثالثاً: المسئولية عن إصلاح المجتمع والسلطة السياسية:
في الأمة من كانوا ولا يزالون سببا في تأخر الإمامة للناس عندما يلتفت بعض المتدينن إلى علاقتهم بالله ثم بالأسرة، ويغلق على نفسه باب الإصلاح الاجتماعي والسياسي لأنهم رضوا بالخلوة دون الجولة، وتفرغوا للأسرة دون الأمة، وهنا نجد نموذج سيدنا إبراهيم يشدنا إلى الريادة والقيادة من خلال عنايته الفائقة بإصلاح مجتمعه والنظام السياسي وقتئذ، ومن الشواهد على ذلك ما يلي:
1- لقد جعل سيدنا إبراهيم بيته قبلة للناس واستقبل الضيفان بأحسن ما يلقى به إنسان ضيفه، كما قال تعالى: (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ) (الذاريات: 24-27)، وانشغل بإصلاح قومه سواء كانوا عُبَّادا للأصنام أم للكواكب، وقبِل أن يضحي بحياته من أجل انقاذ قومه من النار، لكنهم عادوه ووضعوه في النار، وهذه أعظم تضحية لأجل إصلاح المجتمع بأن يقبل الإنسان التضحية بسلامته وحياته لله فيحفظه كما حفظ رسالته، كما قال تعالى: (قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) (الأنبياء: 69). وهكذا الدعاة الذين عمدوا لإصلاح مجتمعهم فكافأتهم السلطة السابقة بالقهر والاستبداد والسجون والمعتقلات، والإقصاء والإبعاد وها هم يعيشون في برد الحرية وسلامة العدالة.
2- كان سيدنا إبراهيم شجاعا عندما تقدم إلى النظام السياسي وحاجج رأس السلطة "النمروذ" حجاجا طويلا تعبر عنه المدود في قراءة الكلمات " وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان"، حتى بُهِت الذي كفر، ليكون درسا لنا اليوم في المشاركة السياسية، والانتخابات النيابية والمجالس الشورية، والاتحادات الطلابية، والنقابات المهنية، مع أعلى درجات التضحية لأجل البلاغ وفق أصوله الشرعية، وتخليص الأمة من التبعية الغربية.
و في هذه المرحلة لا يمكن للفرد في هذا المجتمع المتواصل الأطراف أن يحقق الإيمان دون أن يؤثر في المجتمع ويتأثر به، كما لا يصح أن يهتم بالمجتمع دون السلطة السياسية، فلابد أن يكون مشروع الإصلاح شاملا كل الجوانب الإنسانية سواء فردية أو أسرية أو اجتماعية أوسياسية، مع شرط جوهري وهو الاستعداد للتضحية من أجل الرسالة، والحفاظ على التكامل والتوازن بين جميع الإنسانية.
و لابد أن تتكامل هذه الحلقات الثلاثة، وتتوازن وإلا فلن تتحقق الإمامة.
أما روح كل هذه العناصر فهي التضحية:
ونحن نحتاج إليها الآن فلا يوجد نصر بلا دماء، ولا تمكين بغير ابتلاء، ولا سعة بغير ضيق، وهذه التضحية هي المرحلة الفاصلة قبل التمكين ومن خلالها يتم التمحيص وتنقية السائرين على الطريق.
فلو أردنا الخير لبلادنا من خلال فرحة عيد الأضحى فلابد من التأسي بسيدنا إبراهيم عليه السلام، في استصحاب التضحية، مع إكمال جوانب الالتزام فردا وأُسَرا ومجتمعا ونظما سياسية؛ تمهيدا للانتقال إلى العالمية وفق النصوص القرآنية، والسنة النبوية.
فإلى الأضحية ومنها إلى التضحية لإسعاد البشرية.
والله ولي التوفيق...
لا تكوني شكلا بلا مضمون
عندما يصبح الرجال عبيداً تصير النساء أسيادا، عندما تغيب الشمس يخرج البدر يبدد الظلام، وينشر النور والأمن في... اقرأ المزيد
964
| 19 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام (2)
الإقدام همٌّ وعزم على المبادرة للمروءة والنجدة، كما قال الشاعر :لا يسألون أخاهم حين يندبهمفي النائبات على ما... اقرأ المزيد
4223
| 12 فبراير 2015
بين الإقدام والإحجام
الإقدام همة، والإحجام خسة، الإقدام رجولة، والإحجام نذالة، الإقدام شجاعة، والإحجام جُبن، الإقدام فحولة، والإحجام طفولة، الإقدام قوة،... اقرأ المزيد
4192
| 30 يناير 2015
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2583
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2346
| 15 أكتوبر 2026
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
1617
| 20 أكتوبر 2026