رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
رغم أن حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، أصغر من اعتلى منبر الأمم المتحدة، خلال الفترة القصيرة من حكمه، إلا أنه قدَّم للمجتمع الدولي رؤى جديدة تختلف عما ألفناهُ من لغة الدبلوماسية وخطاب الأماني من على ذلك المنبر.
ورغم أن قضايا الأمة العربية خاصة، وقضايا المجتمع الدولي عامة، تبقى حاضرة في جميع خطب وبيانات من يرتقون منبر الأمم المتحدة، إلا أن فعلية المبادرات وصدقية المشاريع بدت أكثر حضوراً في خطابات سمو الأمير، ومنها هذا الخطاب الذي ألقاه خلال الدورة السبعين للأمم المتحدة في نيويورك، الإثنين 28/9/2015.
ورغم ملامسة الخطاب لأغلب قضايا المجتمع الدولي، إلا أنه أعاد المنبر إلى حقيقة "غياب التوافق الدولي" والذي "يشكل عائقاً أمام حل القضايا المهمة، كما أن الانتقائية في تطبيق العدالة والقانون الدولي مازالت سائدة في التعامل مع القضايا الإقليمية، مما يضر بمفهوم الشرعية الدولية".
وفي ذلك اعتراف أمام صانعي القرار الدولي بأنهم عاجزون عن حل القضايا المصيرية، ومنها: الحرب في سوريا، الصراع في العراق، النزاع في اليمن، ضراوة الإرهاب، انتهاكات إسرائيل للمقدسات الإسلامية وممارستها العنف ضد الشعب الفلسطيني، عدم تحقق العدالة الاجتماعية، ودور ذلك في زعزعة الأمن والاستقرار في العالم. وأيضاً "الانتقائية" التي يمارسها "الكبار" في النظر بعين واحدة إلى كل قضية، دونما اعتبار للنظرة من العين الأخرى.
ولقد أبدى صاحب السمو الأمير استعداد دولة قطر لاستضافة حوار بين مجلس التعاون وإيران، مشيراً إلى أن الخلافات بين الطرفين هي "خلافات سياسية (عربية /إيرانية) وليست (سنية / شيعية)، وهذه يمكن حلها بالحوار، والاتفاق على قواعد تنظم العلاقة بين إيران ودول الخليج على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية".
نحن نعتقد أن مواجهة الأحداث بالأفعال خير ألف مرة منها بالأقوال. ولاشك أن دول التعاون سوف تؤيد ما ذهب إليه سمو الأمير، خصوصاً أنه يرأس الدورة الحالية للمجلس الأعلى لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
ويبدو الآن أن الكرة أصبحت في الملعب الإيراني، ونأمل ألا تخرج إلى (الآوت) أو يتسبب عدم الاحتفاظ بها جيداً في حدوث (ضربة جزاء)، حسب مفهوم الرياضيين. القصد هنا، توقع رد فعل إيجابي من الجانب الإيراني.
نعم، نحن نأمل أن ترخي إيران مواقفها المتشددة تجاه بعض قضايا المنطقة وتنهج نهجاً على مستوى مبادرة صاحب السمو، وتستجيب للمجتمع الدولي، من أجل خلق مناخات الثقة والتفاهم وعدم التدخل في الشؤون الداخلية لدول التعاون، أو غيرها من الدول العربية التي تتأثر بالتدخلات الإيرانية. كما أن قدر إيران الجغرافي أن تكون جارة لدول مجلس التعاون، وللجوار حقوق ومبادئ لابد أن يلتزم بها الجيران، كي تسود بينهم المحبة وتسود الثقة وينتعش التعاون لمصلحة الطرفين.
الصراع في الشرق الأوسط مازال يؤرق المجتمع الدولي، ويُلقي بالظلم على الإخوة الفلسطينيين، وينتهك حرمة الأماكن المقدسة للمسلمين في القدس، كما حصل قبل أيام. كما أن الممارسات الإسرائيلية ضد الشعب الفلسطيني ما زال "الكبار" ينظرون لها بمكيالين، (في إقرارٍ لحقِّ إسرائيل في البقاء، وفي تجاهل تام لحقوق الشعب الفلسطيني ولحرمة الأماكن المقدسة لدى مليار وستمائة مليون مسلم، والتي تنص عليها المواثيق الدولية).
ولقد أشار سمو الأمير في هذا الخصوص إلى تقصير المجتمع الدولي في إيجاد تسوية عادلة، وهو لم ينجح حتى في فرض إعادة إعمار غزة بعد العدوان.
وقال سموه: "لقد عُقد مؤتمر دولي بمبادرة نرويجية خصيصاً لهذا الغرض، وتعهدت دولة قطر بدفع مليار دولار لعملية إعادة الإعمار، ونحن ماضون في تقديم المساعدات للقطاع حتى تنفيذ ما تعهدنا به، ولكننا نتساءل: ماذا جرى للمؤتمر وقراراته؟".
وهنا – كما يقولون مربط الفرس – فقد ربط سموه ذلك بموقف المجتمع الدولي – ممثلاً بمجلس الأمن – وعجزه عن "إلزام إسرائيل باستحقاقات السلام، وفي مقدمتها وقف كل أشكال الاستيطان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ورفع الحصار الجائر عن قطاع غزة، والالتزام بتنفيذ قرارات الشرعية الدولية".
وهنا يتضح الموقف الذي تتخفى وراءه العديد من الدول النافذة في مجلس الأمن، والتي لا تتحمس كثيراً لتطبيق القانون الدولي، ولا التعهدات الخاصة بمجلس الأمن.
القضية السورية كانت حاضرة في خطاب سمو الأمير في الأمم المتحدة، فقد أشار سموه إلى الجرائم البشعة والأعمال الوحشية التي يرتكبها النظام بحق الشعب السوري، وتهديد كيان الدولة وشعبها، وأثر ذلك في إدخال أشكال الإرهاب إلى سوريا، ما أدى إلى هجرات جماعية، حيث عانى الشعب السوري ويلات الشتات هرباً من الصواريخ والبراميل المتفجرة، والممارسات البشعة للإرهاب على أيدي المليشيات المسلحة. وكعادته دعا سمو الأمير إلى ضرورة فرض حل سياسي ينهي الأزمة في سوريا، حيث يحل نظام تعددي يقوم على المواطنة المتساوية للسوريين جميعاً. وهذا ما يمكن أن يحسر دور الإرهاب ونشاطات الجماعات المسلحة، ويعيد بناء سوريا من جديد.
وألمح سموه إلى وجود "دول لا تستعجل الحل"، كونها تتأثر بالصراع مباشرة ولا تصلها حشود المهجرين.
إشارة واضحة لـ"تقاعس" "أهل الحل والعقد السياسي" عن البحث بجدية عن حل ينهي الأزمة السورية، ويحقق كرامة الشعب السوري، ويوقف الممارسات اللاإنسانية ضد الشعب السوري، وأيضاً يجهض خطط الإرهاب الذي يسبب الذعر في المنطقة والعالم أجمع.
وحول قضية الانتشار النووي، أشار سمو الأمير إلى ضرورة "نزع السلاح النووي من المنطقة كلها وكذلك أسلحة الدمار الشامل"، وفي ذلك رسالة واضحة أيضاً لموضوع القياس بمكيالين في إدارة قضايا المجتمع الدولي، وبروز تحكم "الكبار" في القضايا الدولية، حيث إنهم "يحاصرون" إيران وكوريا، ولكنهم لا يلتفتون لامتلاك إسرائيل القنبلة النووية!.
تناول الخطاب أيضاً القضية الدامية في اليمن، حيث أكد سمو الأمير على أهمية الحفاظ على وحدة اليمن وسلامة أراضيه وسيادته، ودعم الشرعية واستكمال العملية السياسية وفق المبادرة الخليجية.
واستنكر سموه قيام طرف سياسي موافق على مخرجات الحوار الوطني، بفرض "رؤيته وهيمنته على البلاد بواسطة السلاح".
معلوم أن الشأن اليمني بالغ التعقيد في ظل مشاكل اليمن المتوالدة، وفي ظل اختلاف اليمنيين على الحلول الناجعة لحل تلك المشاكل. وفي ظل "التربص السياسي" والتخندق مع القبيلة ضد الوطن والدولة، يبدو أن الطريق مازالت غير ممهدة بالكامل، حتى مع مرحلة ما بعد (الحوثيين).
تناول الخطاب أيضاً قضايا هامة، مثل: العراق، ودور الميليشيات الخارجة على القانون في اختطاف الأمن، كما هو الحال في سوريا واليمن وليبيا.
موضوع المواطنة كان حاضراً في خطاب سمو الأمير، حيث أشار سموه إلى "خروج آلاف الشباب العرب مطالبين بالمواطنة كأساس للشراكة، رافضين تمثيلهم على أساس طائفي".
وهذه قضية هامة لم تولها الدول العربية الاهتمام اللازم، ما أجبر ملايين الشباب العرب على "الكفر" بالعديد من "الأصنام" و"نبوءاتهم" التي لم تحقق لهم حتى اليوم (استدارة الرغيف).
خطاب شامل وواضح وبعيد عن الدبلوماسية والقفازات المخملية، التي لا تؤكل الشعوب عيشاً.
فشكراً لسمو الأمير على رؤيته الثاقبة ودقته في تحليل الأحداث التي تؤرق شعوب العالم.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سبق أن تناولنا في مقال سابق بعنوان «تطور شرط عدم المنافسة في قانون العمل القطري» المسار التشريعي الذي قطعه شرط عدم المنافسة في القانون القطري منذ صدور قانون العمل رقم (14) لسنة 2004 وحتى آخر تعديلاته. ونظراً لما يحمله التعديل الأخير بموجب القانون رقم (9) لسنة 2026 من أهمية خاصة، يخصص هذا المقال لتسليط الضوء على أبرز الجوانب التي أثارها هذا التعديل، مع تقديم قراءة تحليلية مبسطة لبعض النقاط الجديرة بالتوقف عندها. لم يحدد القانون رقم (9) لسنة 2026 آلية معينة لإنفاذ شرط عدم المنافسة، والمرجح أن يكون التصديق هو الآلية المعتمدة لذلك، استناداً إلى الإطار العام المعمول به في اعتماد عقود العمل، وهو الاعتماد الإلكتروني. فالتصديق على عقود العمل يدخل أصلاً ضمن اختصاصات إدارة علاقات العمل، وفقًا للبند (2) من المادة (11) من القرار الأميري رقم (42) لسنة 2022 بالهيكل التنظيمي لوزارة العمل. وبذلك، يكتسب هذا الاعتماد الإلكتروني أهمية مضاعفة في ظل التعديل الجديد، لا سيما بالنسبة للعقود التي تتضمن شرط عدم المنافسة، إذ يصبح التصديق عليها الخطوة الحاسمة التي يُبنى عليها نفاذ الشرط من عدمه. ومن الملاحظ أن المشرع نص على أن شرط عدم المنافسة «ينفذ» بموافقة الإدارة، لا أنه «يصح» بها، وهو ما يحمل دلالة قانونية دقيقة؛ إذ يظل الشرط في ذاته صحيحاً ومستوفياً لأركانه متى استوفى الشروط المنصوص عليها في المادة (43)، إلا أنه يبقى غير قابل للإلزام في مواجهة العامل ما لم تصدر موافقة الإدارة عليه. وبهذا المعنى، يمكن تكييف موافقة الإدارة على أنها شرط واقف لنفاذ الالتزام، فمتى تخلفت هذه الموافقة، فقد الشرط قيمته العملية رغم بقائه صحيحاً من الناحية الشكلية، إذ لا سبيل أمام صاحب العمل لإلزام العامل بمضمونه دون أن تتوافر هذه الموافقة، التي جعلها القانون مناط النفاذ لا مناط الصحة. وتبقى مسألة الإثبات جوهرية في هذا الإطار؛ فبما أن عقد العمل غالباً ما يكون مكتوباً، فإن مجرد تضمنه شرط عدم المنافسة لا يعني تحقق موافقة الإدارة عليه، بل يقع على عاتق صاحب العمل عبء إثبات هذه الموافقة، سواء عبر مراسلة إلكترونية أو ختم الإدارة على العقد ذاته. وفي حال تعارضت النسخة الموقعة لدى العامل مع تلك التي بحوزة صاحب العمل، المرجح وجوب الرجوع إلى النسخة المودعة لدى الإدارة عملاً بالمادة (38) من قانون العمل، بحيث أن تقصير رب العمل في تصديق العقد يفسر لصالح العامل، وبالتالي يعتد بنسخة العامل لا بنسخته، تماشياً مع الفلسفة التي قام عليها قانون العمل، وهي حماية الطرف الأضعف في العلاقة التعاقدية.
4905
| 05 أغسطس 2026
لا تتراجع المؤسسات عادة بسبب قرار واحد، لكنها قد تبدأ في فقدان قوتها عندما يتغير معيار اختيار القيادات. فقد يبدو تعيين مدير جديد إجراءً اعتياديًا، لكنه من أكثر القرارات تأثيرًا في مستقبل أي مؤسسة، لأن المدير لا يقود فريقه اليوم فحسب، بل يشارك في اختيار من سيقود المؤسسة غدًا. في كتابه «حياة في الإدارة»، لم يقدم الدكتور غازي القصيبي نظريات مجردة، بقدر ما نقل خلاصة تجربة طويلة في مواقع المسؤولية، مؤكدًا أن نجاح المؤسسات لا تصنعه الشعارات، بل القرارات اليومية. ولعل قرار اختيار القيادات هو القرار الأبعد أثرًا. في المؤسسات الناجحة، يكون السؤال عند كل ترقية واضحًا: من هو الأكثر قدرة على تحقيق نتائج أفضل؟ لكن الواقع يكشف أن هذا ليس دائمًا السؤال الذي يحسم القرار. ففي بعض الأحيان يتقدم معيار آخر بهدوء، وهو مدى ارتياح المدير لمن سيعمل معه، أو اعتقاده أن التعامل معه سيكون أسهل وأكثر انسجامًا. ولا خلاف على أهمية الانسجام داخل فرق العمل، لكنه لا ينبغي أن يكون بديلًا عن الكفاءة. وتشير أبحاث البروفيسورة روزابيث موس كانتر، أستاذة الإدارة في كلية هارفارد للأعمال، إلى أن بعض المديرين يميلون بطبيعتهم إلى اختيار أشخاص يشبهونهم في طريقة التفكير، أو يشعرون معهم براحة أكبر. وهذا سلوك إنساني مفهوم، لكنه قد يتحول إلى نقطة ضعف عندما يصبح العامل الحاسم في التعيين والترقية. غير أن المشكلة لا تكمن في قرار واحد، بل في تكراره. فالمدير الذي يفضل شخصًا أقل قدرة على القيادة، أو يختار من لا يمثل له تحديًا مهنيًا، يمنحه في الوقت نفسه فرصة اختيار قيادات المستقبل. وإذا كرر المدير الجديد الأسلوب نفسه، ثم كرره من يأتي بعده، فإن طريقة الاختيار تنتقل تدريجيًا عبر الهرم الإداري. ولنتخيل رئيسًا تنفيذيًا اختار نائبًا أقل قدرة على القيادة، ثم اختار النائب مديرًا بالطريقة نفسها، ثم اختار المدير رئيس قسم بالمعيار ذاته. قد تبدو كل ترقية مقبولة إذا نظرنا إليها منفردة، لكن الصورة الكاملة بعد سنوات تختلف تمامًا. فالمؤسسة لا تفقد كفاءتها دفعة واحدة، بل يتراجع مستوى القيادة فيها تدريجيًا مع كل قرار لا يكون معياره الأول القدرة على الإضافة. وتبدأ آثار ذلك بالظهور بهدوء. فالعمل يستمر، والاجتماعات تعقد، والتقارير تصل في مواعيدها، وقد يبدو كل شيء طبيعيًا. لكن خلف هذا الهدوء تقل المبادرات، وتصبح الأفكار الجديدة أقل، ويختفي النقاش المهني الذي يساعد على اكتشاف المشكلات قبل أن تتحول إلى أزمات. وفي كثير من المؤسسات الخليجية لا تغادر الكفاءات وظائفها، لكنها تتوقف تدريجيًا عن تقديم أفضل ما لديها. تؤدي واجباتها بإتقان، لكنها تتردد في طرح الأفكار أو تحمل مسؤوليات إضافية، لأنها لم تعد ترى أن المبادرة هي الطريق إلى التقدير. وتؤكد أبحاث البروفيسورة إيمي إدموندسون أن المؤسسات الأكثر نجاحًا ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، بل تلك التي يشعر العاملون فيها بالأمان عند إبداء آرائهم، وطرح الأسئلة، والتنبيه إلى المشكلات دون خوف. فعندما يتردد المدير في مناقشة رئيسه، أو يتردد الموظف في عرض وجهة نظر مختلفة، لا تختفي الأخطاء، وإنما يتأخر اكتشافها، فتتراجع جودة القرارات لأن المعلومات التي تصل إلى الإدارة العليا لم تعد تعكس الواقع كاملًا. كما توصل الباحث جيم كولينز، بعد دراسة الشركات التي انتقلت من الأداء الجيد إلى الأداء الاستثنائي، إلى أن نقطة التحول لم تبدأ بخطة استراتيجية جديدة، بل باختيار الأشخاص المناسبين للمواقع المناسبة. أما بيتر دركر، الذي يعده كثيرون الأب المؤسس للإدارة الحديثة، فكان يرى أن القائد الناجح هو من يبني مؤسسة قادرة على الاستمرار من خلال إعداد قيادات تتحمل المسؤولية وتتخذ القرار. ولا يعني ذلك أن كل مدير يفضل الشخص الأقل كفاءة، أو أن كل مؤسسة تقع في هذا الخطأ. لكن التجارب والدراسات تشير إلى أن معايير اختيار القيادات تترك آثارًا تتجاوز الأشخاص أنفسهم، لأنها تحدد طبيعة القيادات التي ستتولى المسؤولية في المراحل اللاحقة. وقد لا تظهر نتائج هذه القرارات في عام أو عامين، لكنها تتراكم مع الزمن. فكل مدير يُختار اليوم سيشارك غدًا في اختيار مديرين آخرين، وهؤلاء سيختارون من يأتي بعدهم. وهكذا تتشكل ثقافة المؤسسة، إما على أساس الكفاءة والقدرة على الإضافة، أو على أساس البحث عمن يجعل العمل أكثر راحة وأقل اختلافًا. وفي النهاية، لا يُقاس نجاح القائد بعدد من يوافقونه، بل بقدرته على اكتشاف الكفاءات وتمكينها ومنحها الفرصة للنمو. فالقائد الحقيقي لا يختار من يجعل مهمته أسهل، بل من يجعل مؤسسته أقوى.
1518
| 09 أغسطس 2026
قديماً كان فرعون يقتل أبناء بني إسرائيل خوفاً من أن يخرج منهم من يهدد ملكه، فكان يستضعفهم ويستعبدهم في الوقت الذي كان فيه موسى عليه السلام وهو واحد منهم ينشأ داخل قصر فرعون يتنفس هواه ويأكل ويشرب ويتعلم فيه. مفارقة تهز الخيال أتوقف هنا معكم أمام سُنة عجيبة من سنن التاريخ، فقد تنشغل قوة عظمى بما يحدث خارج أسوارها بينما التغيير الحقيقي ينمو ببطء داخل أسوارها. وهنا تبدأ القصة فهل يا ترى هناك تشابه؟ فمنذ مطلع هذا القرن ارتبط اسم الولايات المتحدة بحروب وصراعات امتدت عبر رقعة واسعة من العالم الإسلامي أفغانستان والعراق وباكستان وسوريا واليمن وليبيا وغيرها هذا ما ظهر لنا وما خفي عنا أعظم. سقط مئات الآلاف من المدنيين الأبرياء في حروب ما بعد 11 سبتمبر وتشير التقديرات إلى أن مجموع الوفيات المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بتلك الحروب بلغ ملايين البشر. دول دُمرت وشعوب شُردت لكن في الجانب الآخر من المحيط وفي داخل أمريكا نفسها كان مشهد مختلف تمامًا يتشكل ببطء بهدوء ومن داخل النظام نفسه كان أبناء الفئات التي ظلت طويلًا بعيدة عن مركز السلطة يكبرون داخل القصر، ففي زمن ليس بعيدًا من التاريخ الأمريكي كان الرجل الأسود يناضل من أجل حقه في الجلوس كإنسان حيث يجلس الأبيض، والدراسة حيث يدرس الأبيض، كان محتقراً إلى درجة أنه لا يسمح له بدخول المدن والجامعات والأحياء التي يعيش فيها البشر بزعمهم. ثم جاء عام 2008 ودخل رجل أسود البيت الأبيض، ليس عاملًا فيه ولا زائرًا، بل رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية (باراك حسين أوباما). صحيح أن أوباما مسيحي وليس مسلمًا ولكن علينا ألا نفقد رمزية المشهد، رجل أسود أبوه أفريقي مسلم النشأة واسمه الأوسط (حسين) وصل إلى المنصب الذي كان محتكراً تاريخيًا على رجال بيض يبدو جزءًا ثابتًا من صورة أمريكا. كان ذلك أول شرخ كبير في الصورة التقليدية لمن يمكنه أن يحكم أمريكا، ثم جاءت مرحلة أصعب (11 سبتمبر). تحول المسلم بعدها في الخطاب الأمريكي إلى موضع خوف وشك، أصبح الإسلام حاضرًا يوميًا تقريبًا في ملفات الإرهاب والأمن والحروب والهجرة. وبعد ربع قرن تقريبًا من حادثة برجي التجارة حدث ما كان يبدو مستحيلًا، مسلم يحكم نيويورك !! زهران ممداني ليس مدينة هامشية صغيرة، بل نيويورك نفسها المدينة التي تحمل في ذاكرتها هجمات 11 سبتمبر. دخل ممداني من الباب الذي لا يستطيع أحد إغلاقه في وجهه ورغم أنوف المعارضين هل توقفت القصة هنا؟ لا لم تتوقف ففي ميشيغان قريباً هنا خرج اسم آخر عبدالرحمن السيد اسم عربي واضح مسلم من أصول مصرية فاز قبل بضعة أيام بتمثيل الحزب الديمقراطي في انتخابات مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، ليصبح مرشح الحزب في مواجهة الجمهوري مايك روجرز على مقعد له أهميته في تحديد ميزان القوة داخل مجلس الشيوخ وسن تشريعات الولايات المتحدة الأمريكية بكل حدودها. وهنا ينبغي ألا ننظر إلى الأشخاص الثلاثة منفصلين أوباما ممداني عبدالرحمن السيد ضعهم على خط زمني واحد وستجد أمامك شيئًا أكبر من ثلاث قصص نجاح انتخابية. ستجد أمريكا تتغير، ليس لأن المسلمين أصبحوا أغلبية فهم ما زالوا أقلية صغيرة وليس لأن العنصرية أو الإسلاموفوبيا انتهتا لا فهما موجودتان وليس لأن السياسة الخارجية الأمريكية تغيرت تجاه العالم الإسلامي. المفارقة أعمق من ذلك، فأمريكا التي كانت قوتها العسكرية تقاتل خارج أسوارها في عواصم ومدن كثيرة إسلامية وغير إسلامية وعربية وغير عربية كان المسلمون وأبناء المهاجرين داخلها يتحركون في الاتجاه المعاكس نحو مؤسساتها نحو جامعاتها نحو إعلامها نحو مجالسها المحلية نحو الكونغرس، نحو مواقع صناعة القرار والأرقام تقول إن هذا التحول لم يصل نهايته بعد فالتقديرات الديموغرافية تتوقع استمرار نمو عدد المسلمين في الولايات المتحدة خلال العقود المقبلة ووزنهم الاجتماعي والسياسي سيكبر معه. وهنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا !! ماذا سيحدث عندما يكبر الجيل الثاني والثالث والرابع من المسلمين الأمريكان؟ هؤلاء ليسوا مهاجرين يقفون أمام بوابة أمريكا ينتظرون فيزة دخول إنهم أمريكيون ولدوا فيها درسوا في مدارسها يتحدثون لغتها بلهجات ولاياتها يدفعون ضرائبها يدخلون جيشها وجامعاتها ومحاكمها وإعلامها ثم يترشحون لمناصبها وهذا تحديدًا ما يجعل قصة عبدالرحمن السيد مهمة حتى لو خسر انتخابات نوفمبر المقبلة لأن المسألة ليست عبدالرحمن وحده إذا خسر سيأتي غيره وإذا خسر الآخر سيأتي ثالث فالتغيرات الاجتماعية الكبرى لا تقاس بانتخابات واحدة وإنما بالاتجاه الذي تسير إليه الأجيال قبل عقود كان السؤال هل يمكن أن يحكم رجل أسود أمريكا؟ وحدث ثم جاء السؤال هل يمكن لمسلم أن يحكم نيويورك؟ وحدث والسؤال اليوم هل يستطيع مسلم اسمه عبدالرحمن السيد الوصول إلى مجلس الشيوخ؟ نعم بات ذلك ممكنا لكن السؤال الذي يأتي بعد كل هذه الأسئلة أخطر وأكبر؟! هل يمكن أن يأتي اليوم الذي يحكم فيه مسلم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها؟ اليوم قد يضحك البعض من السؤال لكن التاريخ مليء بأشياء ضحك الناس من مجرد تصورها قبل أن تصبح واقعًا وهنا نعود بالذاكرة إلى ذلك الطفل الذي كان يكبر داخل قصر فرعون بينما جنود فرعون يبحثون عن أطفال بني إسرائيل خارجه أحيانًا تنشغل الإمبراطوريات بما تخشاه خارج أسوارها بينما يكون المستقبل قد بدأ بالفعل داخلها. وربما بعد خمسين عامًا عندما يقرأ مؤرخ ما قصة أمريكا في بداية القرن الحادي والعشرين لن تكون المفارقة الكبرى عنده فقط أن أمريكا حاربت طويلًا بلاد المسلمين قد يكتب جملة أكثر إثارة: بينما كانت أمريكا تخوض حروبها في العالم ومع الإسلام كان أبناء المسلمين وغيرهم يشقون طريقهم بصمت إلى قلب الولايات المتحدة.
1458
| 11 أغسطس 2026