رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو تعبير الاغتراب داخل الوطن هو التعبير الدقيق لوصف حالة التباين بين ما يجري وبين حالة الأمل التي تجلت بشائرها في وقائع الثورة العربية المعاصرة في تونس ومصر، ولم ينجح ما تبعها من وقائع دامية أو تداع يبعث على الريبة وتمييز من جديد بين معنى الثورة ومعنى الدماء التي قد تودي باحتياج الشعب إلى التغيير وهدفه لتحقيق حياة كريمة إلى أبواب جديدة للانشطار والتجزئة والتفتيت للمكونات الاجتماعية وللأقطار العربية ذاتها، لم ينجح هذا في حصار جذوة الشباب الجديد والذي تجاوز القديم بمكوناته السلوكية ومفاهيم الهزيمة والانصياع التي يمكنها أن تكون قد استحوذت على أغلب القديم.
وقد يكون تعبير اغتراب اللغة، بمعنى أنه الاعتقاد بأن نطق الكلمة يعادل التجربة، هو مرافق وباعث على الإحساس بالاغتراب داخل الوطن.
ما زالت تجربة الإشراف على انتخابات نقابة المهندسين والتي تستحوذ من يومي 18 ساعة غير زمن الانتقال، أيضاً تنتقل بي بين مواقف وألوان من البشر كما لو أننا اقتطعنا شريحة رأسية داخل المجتمع وندرس فيها ما يجري في المجتمع بأثره، مازالت هذه "المهمة ـ التجربة" تطرح كل يوم تأكيدا أن الحراسة على النقابات المهنية كانت لازمة ومتوافقة ومماثلة في الأثر كما كانت الحراسة على الوطن ككل، ولم يكن الفساد وسرطنة المجتمع وانهيار الأداء والانتماء وتغيير السلوك إلى الأدنى بأمر يحدث في قطاع ولا يتم في قطاع دون الآخر، ولكنه كان منهج تعامل مع المجتمع ككل وأسلوب حكم عجز عن التواصل مع الشعب فاتخذ من الإفساد وتغليب المصالح الخاصة سبيلا لخلق طبقة معاونة وعازلة بينه وبين المجتمع.
الغريب أن الفترة الانتقالية داخل نقابة المهندسين تماثل الفترة الانتقالية داخل الوطن، بذات البدايات وذات الأداءات، وهو ما يعني غياب الرؤية والقبول بأداءات لا تبني التغيير على أسس راسخة، مما يعني الاغتراب أيضاً لمن تولوا الأمر عن حقائق ومفاهيم مبرر وجودهم في إدارة الفترة الانتقالية، وكأن لعنة "البشري" بما أطلقوا عليه الصناديق تطارد كل مطلب للتغيير أينما وجد، وصار الثأر من ميراث النهب هو الثقب الأسود الذي يستنفذ القدرات والعقل والتصور، وكأن صورة التحكم أو محاولته تنتقل أيضاً إلى الشريحة المهنية، وتماثل وجود الفلول أن قبلنا بهذا اللفظ تعبيرا عن أركان النظام السابق بين قوي الشعب، كأنهم تعبيرا آخر عن قديم معاد لا يريد أن يستسلم بل يحاول استعادة سيطرته على الواقع الجديد، والغريب أن الانشطار كما نال السياسيون في المجتمع، فقد نالهم أيضا داخل النقابات وأسقطوا من ذاكرتهم علاقة جمعت بينهم وهم يخوضون معركة إنهاء الحراسة على نقابتهم وصار التمايز والانفصال هو السمة الغالبة والدافعة إلى التناحر.
وتبدو الأجهزة الوظيفية داخل هذه المنشآت مماثلة لجهاز الدولة البيروقراطي، لا يرقى إلى مستوى ما يتولاه من مسؤوليات، قدرة وأداء، ولا هو بقابل لتغيير أنماط السلوك إلى الأفضل، فيصبح هو المشكلة التي تستنفذ جهد الأداء بآلياته، وعدم الوعي بضرورة تغييره بما يتوافق والمهام الملقاة علية، والتي يمثل تحقيقها الأساس لإجراء التغيير.
كلما اكتشفنا أن تجاوزا قد جرى بالإهمال أو بعدم التكليف به خلال فترة الحراسة تجاه الإجراءات النمطية للعملية الانتخابية، ردد الكل سواء كانوا من الفلول أو من الشباب المتطوع للأداء، قول: لم يكن الحارس يقصد إجراء الانتخابات ولكن الدعوة إلى فتح باب الترشيح الانتخابات كانت "مناورة" لا تعني دلالة عن يقين بوجوب نقل السلطة إلى مجلس منتخب للنقابة، وصار الأداء بذات الأدوات البشرية والآليات المتاحة نوع من ترقيع ثوب ملئ بالثقوب، وهي ذات الحالة داخل الوطن بأسره.
وبديلا عن مهمة ومسؤوليات إجرائية وفق القانون واللوائح فقط، صارت المهمة إبحار في بحر الرمال المتحركة، إبحارا هو في ذاته مغامرة، حددوا لها زمنا قاطعا وصموا الأذان عن احتياجاتها من وقت وترتيب وقرارات، وانغمسوا في روايات وأداء يحدث من الضجيج ويحمل من الأسماء غير ما ينجز من مهام.
يصطدم الأمل بالواقع الذي يحول دون تحققه بالعجز عن وضع تصور أساسي للمهام، الأمر الذي أدى إلى تضخم المسؤولية، ودفع بالأداء إلى البحث في التفاصيل الدقيقة، بل وترميمها لعبور بحر الرمال المتحركة.
هكذا ساد الاغتراب مناحي الوطن كيانا ومؤسسات، وصارت المسؤولية تتجاوز حد تحقيق أهداف لها بريقها، إلى مسؤولية أخرى تحول دون الغرق في أوهام بحر الرمال المتحركة.
قد يدعي البعض أن هذه الرؤية جاءت ابنة ثقافة الشك ونظرية المؤامرة، ولكن عندما نري أن هذه الرؤية للأحداث يجري تداولها بين شباب دون الثلاثين، ندرك أننا أمام زهور تتفتح تقبل بالتحدي تدركه بالوعي والقدرة على سبر أغوار التصرفات والإجراءات وحتى الكلام الذي يحمل من الهدف الشكل وليس الموضوع والمعني، وغير أنها تقبل بالتحدي، لتحقيق الهدف بأداء أكثر واحتشاد أكبر، كما ونوعا، بينما ينغمس الجيل السابق عليهم في مجرد المهام الانتخابية دون ربطها ببناء أسس متينة تضمن تحقيق مهمة الانتخابات في صورتها الأمثل، وينقسم الجيل السابق بين ساع إلى المنصب، وبين ساع إلى إيقاف العملية الانتخابية بأحكام قضائية، رفاق الأمس فقدوا قدرة الحوار والتفاهم، فمارسوا أداء الخصومة التي أدت إلى تجميد النقابة 16 عاما خارج نطاق خدمة المهندسين أصحاب الحق الأصيل فيها، وخارج مهمتها الوطنية في كونها الاستشاري الأول للدولة في مشروعاتها المهدرة بأيد فسدت ومازالت فاسدة.
الموقف داخل الوطن تجاوز الاحتكام إلى القضاء إلى الاقتتال بين القضاة والمحامين، وبلغ الأمر أن طلقات من الرصاص انطلقت بديلا لحوار العقل، وكأننا بصدد هدم المعبد علي رؤؤسنا، وكأن كل منا قد بلغت به نزواته حد إهدار قيمته الذاتية وقيمة الوطن الذي يحتاج جهدا متصلا ومترابطا، سعيا إلى انتصار لوهم تملكه أن هناك فرصة لقنص الوطن والفرصة المتاحة لإحداث التغيير، حتى التف على جثة الوطن ينهشها وينافس باقي الوحوش المفترسة ليس كما يحلوا للبعض أن يسميه اقتسام التورتة بل أقرب إلى التحول لنهش جسد ملقى في عرض الطريق كما تصور الأفلام مشهد آكلي اللحوم يرقصون حول جسد مقيد لينتهوا به طعاما لهم.
أن تشهد مصر وقائع البلطجة أمر قد نقبل به، ولكن أن نجد صراعا بين جناحي العدالة وبالرصاص بديلا للكلمة فهذا دلالة غياب الوعي وعدم إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع، وأولهم القضاء الذي يتحمل مسؤولية الفصل بين الثورة والنظام السابق، ويتحمل نفر من المحامين مسؤولية التعبير عن إرادة الثورة في مواجهة محامي القتلة الذين يدعون أنهم يحاولون تحقيق العدالة.
مركب يثقبونه بأعصاب باردة، وليسوا ممن أتاهم الله علما من لدنه.
لم يعد هناك وقت للحديث عما يحدث في الانتخابات النيابية، ولكن من الواضح للعيان أنها السبيل لاستعادة النظام السابق لسلطته، عبر استخدام منحرف لكلمة الديمقراطية، وقعت في براثنه كافة الأطراف، وصار الجميع يضربون بمجاديفهم للإبحار عكس رياح التغيير التي دفع الشعب ثمنها دماء أبنائه.
عكس هذا الثقب الأسود الذي صنعه التباطؤ والتآمر معا، وكانت آلياته نخب وأحزاب وجماعات، عكس ذلك تبرز وبهدوء شمس الحق متمثلة في ذلك اليقين الذي يجمع شبابا يملك جسارة الإصرار على صنع مستقبل جديد، يملك رؤية، يدير مهامه، يتحاور ولا يميز بينه جنس ولا دين، يحمل الهوية المصرية الخالدة ولديه قدرة التعبير عنها، بل إنه لا يحده طاغوت ولا يخاف الموت ويقبلها شهادة في سبيل وطنه.
هذا الجيل يحتاج أن يجد بيئة تستطيع أن تسمع له، دون كبر ولا إحساس بالتمايز عنه، يحتاج من الجميع أن يرتقي إلى مستوى يقينه ووعيه وأمله، لأنه معهم يستطيع أن يختصر الزمن، وبدونهم سيصل إلى هدفه مهما طال به الزمن، فالأولى بنا أن نكون معه في ذات المركب لنتجاوز الطوفان، ولبناء دولة عصرية شابة قادرة أن تواجه التحديات المحيطة والتي تقترب منا كما حبل الوريد، وصارت إرادة الوطنية المصرية مطالبة بالتصالح مع النفس لتستطيع مواجهة التحديات الخارجية.
واقع مرير كما الحنضل، وأمل مشرق يواجهه، ومسؤوليات ملقاة على الطريق تبحث رجالها، فهل آن لنا أن نبلغ بالثورة سن الرشد، ندركها وننجز مهامها، ونبتعد بها عن لعبة القتل والإفساد؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هذه المرة سأتكلم عن تجربتي وجزء من حياتي، وليس في هذا حرج، فالكاتب يحتاج في بعض الأحيان أن يتكلم عما شاهده، أو ربما عن موقف عاشه وكان شاهدًا عليه، لأن الحديث عن العلاج في الخارج لم يعد مجرد نقاش صحي، بل أصبح قضية تنموية واقتصادية واجتماعية تستحق أن تتوقف عندها كل دولة تطمح إلى بناء منظومة صحية مستدامة. فكيف بدولة كدولة قطر التي ضربت للعالم المتقدم أروع الأمثلة في الجودة الصحية، والبنية التحتية، والدعم اللامحدود؟ وحين تضطر الدولة إلى إرسال آلاف المرضى سنويًا إلى الخارج، فإنها لا تتحمل فقط تكاليف العلاج الباهظة، بل تتحمل معها سلسلة طويلة من الأعباء المالية والإنسانية التي قد لا تظهر في التقارير والأرقام. سافرت مع ابنتي مريم إلى ألمانيا على نفقة الدولة عام 2017، ورأيت كم تنفق قطر من مبالغ طائلة حفاظًا على صحة مواطنيها، وهذه حسنة لا نستطيع رد جميلها مهما فعلنا، فكيف بالحسنات الكثيرة التي أودعتها الدولة في رصيد كل مواطن، ليصبح مدينًا لهذا الوطن مع كل نفس يتنفسه. وها أنا اليوم أعيد التجربة مرة أخرى، آخذ ابنتي مريم، البالغة من العمر 19 عامًا، وشقيقتها البالغة من العمر خمس سنوات، في رحلة علاج جديدة، ولكن هذه المرة على نفقتي الخاصة وذلك حياءً من أن أطلب لهما علاجًا على نفقة الدولة التي ميزتنا بين الأمم وجعلتنا أغنى الشعوب وأعزها وأكرمها. والأمر الأهم، من وجهة نظري، أن تكلفة العلاج في الخارج ليست هي الفاتورة الوحيدة، فهناك تذاكر السفر، والإقامة الطويلة، والمخصصات اليومية، والرواتب اليومية والشهرية التي لا تتوقف للموظف أثناء إجازة مرافقته لمريضه، وكذلك تكاليف التنقل، والعقود مع المستشفيات الخارجية، فضلًا عن ارتفاع أسعار الخدمات التي تقدمها بعض المراكز الطبية للدول المقتدرة ماليًا، كدولة قطر، إضافة إلى إشغال الملاحق الدبلوماسية والسفارات في تلك الدول بمتابعة هذه الملفات. ومع مرور السنوات تتحول هذه المصروفات إلى مليارات يمكن أن تبني صروحًا طبية متقدمة داخل الوطن، تخدم الأجيال لعقود طويلة، بدلًا من أن تذهب إلى اقتصادات دول أخرى. ولا تتوقف الخسائر عند الجانب المالي، فالموظف الذي يسافر للعلاج يغيب عن عمله شهوراً، وبعضهم ليس موظفًا عاديًا، بل عمود ترتكز عليه جهة عمله، وربما يضطر رب الأسرة إلى ترك عمله أو استنزاف رصيد إجازاته لمرافقة المريض، بينما يبقى الأبناء بعيدين عن أحد والديهم أو كليهما، فتتوزع الأسرة بين بلدين، ويعيش الجميع ضغوطًا نفسية واجتماعية لا تعوضها أي مخصصات مالية. إن المرض في حد ذاته ابتلاء، فكيف إذا أضيفت إليه الغربة، والبعد عن الأهل، واختلاف اللغة والثقافة، وصعوبة التأقلم مع بيئة جديدة؟ إن الاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في علاج المرض، بل في بناء القدرة الوطنية على العلاج. فوجود مركز وطني متكامل ومتقدم للعلاج الطبيعي وإعادة التأهيل، مثلًا، مجهز بأحدث التقنيات، ويستقطب أفضل الكفاءات العالمية، ويفتح كذلك المجال أمام أبناء الوطن لدراسة مهنة مهمة وأساسية في كل المجتمعات، ليس مشروعًا صحيًا فحسب، بل مشروع اقتصادي وإستراتيجي واجتماعي. فهو يقلل الإنفاق المستمر على العلاج الخارجي، ويوفر على الأسر عناء السفر، ويحافظ على استقرار الموظفين في أعمالهم، ويخلق فرص عمل جديدة، ويمنح المرضى فرصة التعافي بين أسرهم وفي مجتمعهم، في بيئة أسرع للتشافي، وهي عوامل أثبتت الدراسات أنها تسهم في تحسين النتائج العلاجية. كما أن مثل هذه المراكز لا تخدم المواطنين وحدهم، بل يمكن أن تتحول مع مرور الوقت إلى وجهة علاجية إقليمية تستقبل المرضى من الدول المجاورة، فتسهم في تنويع الاقتصاد، وتوفر فرص عمل للكوادر الوطنية، وتنقل الخبرات الطبية إلى الداخل بدلًا من استيرادها بصورة مؤقتة. فكل ريال يُستثمر في بنية صحية متقدمة هو استثمار يعود بالنفع سنوات طويلة، بينما يبقى الإنفاق على العلاج الخارجي مصروفًا متكررًا ينتهي بانتهاء كل حالة. ولا يعني ذلك الاستغناء الكامل عن العلاج في الخارج، فهناك حالات نادرة ودقيقة تستلزم مراكز عالمية متخصصة، وهذا أمر طبيعي في جميع دول العالم. لكن ينبغي أن تكون الأولوية لبناء منظومة وطنية قادرة على استيعاب معظم الحالات التي يمكن علاجها بكفاءة داخل البلاد. إن الدول العظيمة لا تُقاس بحجم ما تنفقه خارج حدودها، بل بما تبنيه داخلها، وهذه ركيزة من ركائز الرؤية الوطنية في الاستثمار في العنصر البشري. فالمستشفى المتكامل الذي يُشيد اليوم سيبقى يخدم الوطن عشرات السنين، وسيختصر معاناة آلاف الأسر، ويحفظ المال العام، ويعزز الأمن الصحي، ويجسد رؤية تؤمن بأن الإنسان هو أغلى ثروة، وأن الاستثمار في صحته داخل وطنه هو الاستثمار الأكثر حكمة، والأطول أثرًا، والأعمق مردودًا على المجتمع والدولة.
12897
| 27 يوليو 2026
القيادة لا تُمنح بالمنصب... بل يهبها الناس لمن يستحقها، كم مرة سمعنا موظفًا يقول: "أحب عملي... لكنني لا أستطيع العمل مع مديري." قد تبدو هذه العبارة عابرة، لكنها تختصر واحدة من أهم الحقائق في بيئة العمل؛ فالموظفون قد يتحملون ضغط العمل وكثرة المهام، لكنهم نادرًا ما يستمرون مع مدير يفقدهم الثقة أو التقدير. ولهذا فإن جودة بيئة العمل لا تصنعها اللوائح أو التقنيات أو المباني الحديثة، بل يصنعها قبل كل شيء الشخص الذي يقود الفريق. ومن هنا، فإن الفرق بين المدير والقائد ليس فرقًا في المصطلحات، بل هو الفرق بين مؤسسة تنمو باستمرار، وأخرى تخسر أفضل كفاءاتها بصمت. فالمنصب يمنح صاحبه سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحه احترام الناس. والبطاقة الوظيفية قد تحمل لقب "مدير"، لكنها لا تمنح صاحبها صفة "قائد". فالقيادة لا تأتي مع الترقية، بل يكتسبها الإنسان بعدالته، وتواضعه، وقدرته على بناء الثقة وإلهام الآخرين. وقد أوضح الباحث الأمريكي جون كوتر، أستاذ القيادة والتغيير في كلية هارفارد للأعمال، أن الإدارة والقيادة يكمل كل منهما الآخر، لكنهما ليسا شيئًا واحدًا. فالإدارة تُعنى بالتخطيط والتنظيم ومتابعة التنفيذ وضمان سير العمل بكفاءة، بينما تهدف القيادة إلى رسم الرؤية، وتحفيز الناس، وبناء ثقافة تدفعهم إلى تقديم أفضل ما لديهم. وتشير أبحاث مؤسسة غالوب العالمية، المتخصصة في قياس أداء المؤسسات ورضا الموظفين، إلى أن المدير المباشر يُعد من أكثر العوامل تأثيرًا في اندماج الموظفين، وإنتاجيتهم، وشعورهم بالانتماء للمؤسسة. كما أظهرت نتائج مشروع «أوكسجين»، وهو دراسة أجرتها شركة جوجل لتحليل صفات المديرين الأكثر نجاحًا، أن أفضل المديرين هم الذين يجيدون الاستماع، ويثقون بفرقهم، ويعملون على تطويرهم، لا على مجرد مراقبتهم. والقاسم المشترك بين هذه النتائج أن الإنسان يقدم أفضل ما لديه عندما يشعر أن مديره يثق به ويمنحه مساحة للتفكير واتخاذ القرار. فالإبداع لا ينمو في بيئة يسودها الخوف، ولا تظهر المبادرات في مكان يخشى فيه الموظف أن يُحاسب على كل فكرة جديدة. وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين المدير والقائد. فالمدير يهتم بأن تُنجز المهمة في موعدها، أما القائد فينظر إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فهو يبني فريقًا قادرًا على تحقيق النتائج بصورة مستدامة، لأن النجاح الحقيقي لا يصنعه فرد واحد، بل تصنعه ثقافة عمل قائمة على الثقة والمسؤولية. ومن أكثر الممارسات التي تضعف المؤسسات ما يُعرف بالإدارة الدقيقة، وهي أسلوب إداري يقوم على متابعة المدير لكل تفصيلة صغيرة، والتدخل في كل قرار، ومراجعة كل خطوة يقوم بها الموظفون، اعتقادًا منه أن ذلك يضمن جودة العمل. فعندما يشعر الموظف أن كل خطوة يقوم بها محل شك، يتوقف عن المبادرة، ثم يتوقف عن الإبداع، ويكتفي بتنفيذ ما يُطلب منه. ومع مرور الوقت، تتحول المؤسسة إلى بيئة ينتظر فيها الجميع قرار المدير، بينما يتحول المدير نفسه إلى عنق زجاجة تتعطل عنده القرارات وتتراجع سرعة الإنجاز. ومن المفارقات أن بعض المديرين يظنون أن كثرة تدخلهم ترفع جودة العمل، بينما تثبت التجارب أن الإفراط في السيطرة يضعف جودة القرارات؛ لأن الموظفين يتوقفون عن تحمل المسؤولية ويكتفون بتنفيذ التعليمات. أما القائد، فإنه يتابع النتائج، لكنه لا يصادر صلاحيات فريقه، لأنه يدرك أن بناء الثقة أكثر قيمة من فرض السيطرة. والتفويض الناجح لا يعني التخلي عن المسؤولية، بل يعني توزيعها بطريقة ترفع كفاءة المؤسسة وتبني صفًا ثانيًا من القيادات. فالمؤسسة التي تعتمد على شخص واحد في كل صغيرة وكبيرة تصبح أكثر هشاشة، بينما تبقى المؤسسات القوية قادرة على الاستمرار لأنها تستثمر في تطوير الإنسان. ومن الصفات التي تميز القائد أيضًا أنه لا يخشى الموظف المتميز، بل يفرح به. فالمدير غير الواثق قد ينظر إلى الموظف الكفء باعتباره منافسًا، بينما ينظر إليه القائد باعتباره إضافة حقيقية للمؤسسة. وبعد سنوات من العمل، لا يتذكر الموظف عدد التعاميم ولا الاجتماعات، لكنه يتذكر مديرًا وثق به، أو كلمة أعادت إليه ثقته بنفسه، أو فرصة فتحت أمامه بابًا جديدًا. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بحجم المكتب ولا بعدد الصلاحيات، بل بالأثر الذي يبقى في نفوس الناس. ولهذا يبقى المنصب وظيفة، أما القيادة فهي أثر. فالسلطة قد تفرض الطاعة، لكن الاحترام لا يُفرض، والثقة لا تُشترى، والإلهام لا يصنعه المنصب، بل تصنعه العدالة، والتواضع، والقدوة الحسنة. قد يمنحك المنصب صلاحية إصدار القرار، لكنه لن يمنحك احترام الناس. فالقيادة لا تُكتب على بطاقة وظيفية، بل تُكتب في قلوب من عملوا معك. وفي ختام هذا المقال، أتقدم بخالص التقدير إلى الأستاذ فيصل محمد السويدي، والمهندس خليفة عبدالله السويدي، فقد تشرفت بالعمل معهما، ورأيت فيهما نموذجًا للقيادة التي تقوم على الثقة، والاحترام، وتمكين الآخرين. وقد أكدت تجربتي معهما أن القيادة ليست لقبًا وظيفيًا، بل أثر يبقى في النفوس ويستمر بعد انتهاء سنوات العمل.
2013
| 01 أغسطس 2026
تبدأ أنديتنا مرحلة مهمة من التحضير لموسم جديد، حيث دخلت فرقنا معسكراتها الإعدادية وهي تحمل أهدافًا أكبر من مجرد الاستعداد للمنافسات. فهذه المرحلة تمثل الخطوة الأولى في طريق فرق ستواجه تحديات خارجية كبيرة، وستحمل معها اسم كرتنا القطرية في البطولات الآسيوية والخليجية، هذه المعسكرات ليست مجرد محطة زمنية تنتهي بانتهاء فترة التحضير، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الفرق القادرة على مواجهة التحديات. فالإعداد الحقيقي لا يقاس فقط بعدد الحصص التدريبية أو المباريات الودية المُخطط لها، بل بما يتركه من أثر في الفريق؛ من حيث الانسجام، والجاهزية، ووضوح الأفكار، والقدرة على الدخول في المنافسات بثقة. وتزداد أهمية هذه المرحلة عندما ندرك حجم المسؤولية التي تنتظر أنديتنا في البطولات الخارجية، فهي تحمل معها هوية كرتنا القطرية. فالسد والشمال والغرافة يستعدون لخوض دوري أبطال آسيا للنخبة، والريان سيمثلنا في دوري أبطال آسيا 2، بينما سيشارك الدحيل ونادي قطر في دوري أبطال الخليج للأندية، وهذه ليست مجرد مشاركات في روزنامة الموسم، بل مواجهات تحمل طموحات أنديتنا وكرتنا أمام منافسين من مختلف المدارس الكروية، وفرصة لإثبات قدرة الكرة القطرية على الحضور والمنافسة. خلال فترة الإعداد يجب أن تعمل الأجهزة الفنية على بناء الفريق من جميع الجوانب؛ من خلال تجهيز اللاعبين بدنيًا، وزيادة الانسجام، ودمج العناصر الجديدة، وتجربة الخطط والأساليب المناسبة. كما يجب أن تكون المباريات الودية وسيلة لاكتشاف الأخطاء وتطوير الأداء، لا مجرد البحث عن نتائج مؤقتة، وأرى أن المرحلة الحالية تمثل الاختبار الحقيقي لقدرة أنديتنا على تحويل الإمكانات والطموحات إلى واقع، فالإعداد الذي تقوم به فرقنا اليوم يجب أن يكون بحجم المسؤولية التي تنتظرها في البطولات الخارجية. لم تعد الكرة القطرية تبحث عن مجرد الحضور أو تسجيل المشاركة، بل أصبحت تملك من المقومات ما يجعلها تطمح إلى المنافسة، ولذلك فإن جماهيرنا تنتظر أن تدخل أنديتها هذه التحديات بعقلية الفوز، وبهدف واضح هو الذهاب بعيدًا وتحقيق الإنجازات التي تليق بمكانة كرتنا القطرية، يجب أن تستثمر أنديتنا هذه المعسكرات بأفضل صورة، وأن يكون العمل مبنيًا على رؤية واضحة تمتد لما بعد فترة الإعداد؛ لأن البطولات لا تُحسم فقط بقوة البدايات، بل بالاستمرارية، والتركيز، والقدرة على التعامل مع كل تفاصيل الموسم. ومن وجهة نظري فإن كل فريق قطري يخوض منافسة خارجية يمثلنا جميعًا. فرقنا وأنديتنا هي واجهة كرتنا، ونجاح أي ممثل لنا هو نجاح لكرة القدم القطرية بأكملها. لذلك نحتاج إلى دعم جميع فرقنا والوقوف خلفها، لأن طموحنا واحد، وهو أن نرى أنديتنا تنافس وتحقق ما يليق بمكانتها. كلمة أخيرة : الموسم يبدأ من هذه المرحلة، وما يُبنى اليوم سيظهر غدًا في الميدان.
1884
| 29 يوليو 2026