رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يبدو تعبير الاغتراب داخل الوطن هو التعبير الدقيق لوصف حالة التباين بين ما يجري وبين حالة الأمل التي تجلت بشائرها في وقائع الثورة العربية المعاصرة في تونس ومصر، ولم ينجح ما تبعها من وقائع دامية أو تداع يبعث على الريبة وتمييز من جديد بين معنى الثورة ومعنى الدماء التي قد تودي باحتياج الشعب إلى التغيير وهدفه لتحقيق حياة كريمة إلى أبواب جديدة للانشطار والتجزئة والتفتيت للمكونات الاجتماعية وللأقطار العربية ذاتها، لم ينجح هذا في حصار جذوة الشباب الجديد والذي تجاوز القديم بمكوناته السلوكية ومفاهيم الهزيمة والانصياع التي يمكنها أن تكون قد استحوذت على أغلب القديم.
وقد يكون تعبير اغتراب اللغة، بمعنى أنه الاعتقاد بأن نطق الكلمة يعادل التجربة، هو مرافق وباعث على الإحساس بالاغتراب داخل الوطن.
ما زالت تجربة الإشراف على انتخابات نقابة المهندسين والتي تستحوذ من يومي 18 ساعة غير زمن الانتقال، أيضاً تنتقل بي بين مواقف وألوان من البشر كما لو أننا اقتطعنا شريحة رأسية داخل المجتمع وندرس فيها ما يجري في المجتمع بأثره، مازالت هذه "المهمة ـ التجربة" تطرح كل يوم تأكيدا أن الحراسة على النقابات المهنية كانت لازمة ومتوافقة ومماثلة في الأثر كما كانت الحراسة على الوطن ككل، ولم يكن الفساد وسرطنة المجتمع وانهيار الأداء والانتماء وتغيير السلوك إلى الأدنى بأمر يحدث في قطاع ولا يتم في قطاع دون الآخر، ولكنه كان منهج تعامل مع المجتمع ككل وأسلوب حكم عجز عن التواصل مع الشعب فاتخذ من الإفساد وتغليب المصالح الخاصة سبيلا لخلق طبقة معاونة وعازلة بينه وبين المجتمع.
الغريب أن الفترة الانتقالية داخل نقابة المهندسين تماثل الفترة الانتقالية داخل الوطن، بذات البدايات وذات الأداءات، وهو ما يعني غياب الرؤية والقبول بأداءات لا تبني التغيير على أسس راسخة، مما يعني الاغتراب أيضاً لمن تولوا الأمر عن حقائق ومفاهيم مبرر وجودهم في إدارة الفترة الانتقالية، وكأن لعنة "البشري" بما أطلقوا عليه الصناديق تطارد كل مطلب للتغيير أينما وجد، وصار الثأر من ميراث النهب هو الثقب الأسود الذي يستنفذ القدرات والعقل والتصور، وكأن صورة التحكم أو محاولته تنتقل أيضاً إلى الشريحة المهنية، وتماثل وجود الفلول أن قبلنا بهذا اللفظ تعبيرا عن أركان النظام السابق بين قوي الشعب، كأنهم تعبيرا آخر عن قديم معاد لا يريد أن يستسلم بل يحاول استعادة سيطرته على الواقع الجديد، والغريب أن الانشطار كما نال السياسيون في المجتمع، فقد نالهم أيضا داخل النقابات وأسقطوا من ذاكرتهم علاقة جمعت بينهم وهم يخوضون معركة إنهاء الحراسة على نقابتهم وصار التمايز والانفصال هو السمة الغالبة والدافعة إلى التناحر.
وتبدو الأجهزة الوظيفية داخل هذه المنشآت مماثلة لجهاز الدولة البيروقراطي، لا يرقى إلى مستوى ما يتولاه من مسؤوليات، قدرة وأداء، ولا هو بقابل لتغيير أنماط السلوك إلى الأفضل، فيصبح هو المشكلة التي تستنفذ جهد الأداء بآلياته، وعدم الوعي بضرورة تغييره بما يتوافق والمهام الملقاة علية، والتي يمثل تحقيقها الأساس لإجراء التغيير.
كلما اكتشفنا أن تجاوزا قد جرى بالإهمال أو بعدم التكليف به خلال فترة الحراسة تجاه الإجراءات النمطية للعملية الانتخابية، ردد الكل سواء كانوا من الفلول أو من الشباب المتطوع للأداء، قول: لم يكن الحارس يقصد إجراء الانتخابات ولكن الدعوة إلى فتح باب الترشيح الانتخابات كانت "مناورة" لا تعني دلالة عن يقين بوجوب نقل السلطة إلى مجلس منتخب للنقابة، وصار الأداء بذات الأدوات البشرية والآليات المتاحة نوع من ترقيع ثوب ملئ بالثقوب، وهي ذات الحالة داخل الوطن بأسره.
وبديلا عن مهمة ومسؤوليات إجرائية وفق القانون واللوائح فقط، صارت المهمة إبحار في بحر الرمال المتحركة، إبحارا هو في ذاته مغامرة، حددوا لها زمنا قاطعا وصموا الأذان عن احتياجاتها من وقت وترتيب وقرارات، وانغمسوا في روايات وأداء يحدث من الضجيج ويحمل من الأسماء غير ما ينجز من مهام.
يصطدم الأمل بالواقع الذي يحول دون تحققه بالعجز عن وضع تصور أساسي للمهام، الأمر الذي أدى إلى تضخم المسؤولية، ودفع بالأداء إلى البحث في التفاصيل الدقيقة، بل وترميمها لعبور بحر الرمال المتحركة.
هكذا ساد الاغتراب مناحي الوطن كيانا ومؤسسات، وصارت المسؤولية تتجاوز حد تحقيق أهداف لها بريقها، إلى مسؤولية أخرى تحول دون الغرق في أوهام بحر الرمال المتحركة.
قد يدعي البعض أن هذه الرؤية جاءت ابنة ثقافة الشك ونظرية المؤامرة، ولكن عندما نري أن هذه الرؤية للأحداث يجري تداولها بين شباب دون الثلاثين، ندرك أننا أمام زهور تتفتح تقبل بالتحدي تدركه بالوعي والقدرة على سبر أغوار التصرفات والإجراءات وحتى الكلام الذي يحمل من الهدف الشكل وليس الموضوع والمعني، وغير أنها تقبل بالتحدي، لتحقيق الهدف بأداء أكثر واحتشاد أكبر، كما ونوعا، بينما ينغمس الجيل السابق عليهم في مجرد المهام الانتخابية دون ربطها ببناء أسس متينة تضمن تحقيق مهمة الانتخابات في صورتها الأمثل، وينقسم الجيل السابق بين ساع إلى المنصب، وبين ساع إلى إيقاف العملية الانتخابية بأحكام قضائية، رفاق الأمس فقدوا قدرة الحوار والتفاهم، فمارسوا أداء الخصومة التي أدت إلى تجميد النقابة 16 عاما خارج نطاق خدمة المهندسين أصحاب الحق الأصيل فيها، وخارج مهمتها الوطنية في كونها الاستشاري الأول للدولة في مشروعاتها المهدرة بأيد فسدت ومازالت فاسدة.
الموقف داخل الوطن تجاوز الاحتكام إلى القضاء إلى الاقتتال بين القضاة والمحامين، وبلغ الأمر أن طلقات من الرصاص انطلقت بديلا لحوار العقل، وكأننا بصدد هدم المعبد علي رؤؤسنا، وكأن كل منا قد بلغت به نزواته حد إهدار قيمته الذاتية وقيمة الوطن الذي يحتاج جهدا متصلا ومترابطا، سعيا إلى انتصار لوهم تملكه أن هناك فرصة لقنص الوطن والفرصة المتاحة لإحداث التغيير، حتى التف على جثة الوطن ينهشها وينافس باقي الوحوش المفترسة ليس كما يحلوا للبعض أن يسميه اقتسام التورتة بل أقرب إلى التحول لنهش جسد ملقى في عرض الطريق كما تصور الأفلام مشهد آكلي اللحوم يرقصون حول جسد مقيد لينتهوا به طعاما لهم.
أن تشهد مصر وقائع البلطجة أمر قد نقبل به، ولكن أن نجد صراعا بين جناحي العدالة وبالرصاص بديلا للكلمة فهذا دلالة غياب الوعي وعدم إدراك المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع، وأولهم القضاء الذي يتحمل مسؤولية الفصل بين الثورة والنظام السابق، ويتحمل نفر من المحامين مسؤولية التعبير عن إرادة الثورة في مواجهة محامي القتلة الذين يدعون أنهم يحاولون تحقيق العدالة.
مركب يثقبونه بأعصاب باردة، وليسوا ممن أتاهم الله علما من لدنه.
لم يعد هناك وقت للحديث عما يحدث في الانتخابات النيابية، ولكن من الواضح للعيان أنها السبيل لاستعادة النظام السابق لسلطته، عبر استخدام منحرف لكلمة الديمقراطية، وقعت في براثنه كافة الأطراف، وصار الجميع يضربون بمجاديفهم للإبحار عكس رياح التغيير التي دفع الشعب ثمنها دماء أبنائه.
عكس هذا الثقب الأسود الذي صنعه التباطؤ والتآمر معا، وكانت آلياته نخب وأحزاب وجماعات، عكس ذلك تبرز وبهدوء شمس الحق متمثلة في ذلك اليقين الذي يجمع شبابا يملك جسارة الإصرار على صنع مستقبل جديد، يملك رؤية، يدير مهامه، يتحاور ولا يميز بينه جنس ولا دين، يحمل الهوية المصرية الخالدة ولديه قدرة التعبير عنها، بل إنه لا يحده طاغوت ولا يخاف الموت ويقبلها شهادة في سبيل وطنه.
هذا الجيل يحتاج أن يجد بيئة تستطيع أن تسمع له، دون كبر ولا إحساس بالتمايز عنه، يحتاج من الجميع أن يرتقي إلى مستوى يقينه ووعيه وأمله، لأنه معهم يستطيع أن يختصر الزمن، وبدونهم سيصل إلى هدفه مهما طال به الزمن، فالأولى بنا أن نكون معه في ذات المركب لنتجاوز الطوفان، ولبناء دولة عصرية شابة قادرة أن تواجه التحديات المحيطة والتي تقترب منا كما حبل الوريد، وصارت إرادة الوطنية المصرية مطالبة بالتصالح مع النفس لتستطيع مواجهة التحديات الخارجية.
واقع مرير كما الحنضل، وأمل مشرق يواجهه، ومسؤوليات ملقاة على الطريق تبحث رجالها، فهل آن لنا أن نبلغ بالثورة سن الرشد، ندركها وننجز مهامها، ونبتعد بها عن لعبة القتل والإفساد؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8940
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4857
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4206
| 23 سبتمبر 2026