رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
الحدث التونسي الذي ترددت أصداؤه في أنحاء العالم ينبغي أن تقرأ وقائعه جيدا من جانبنا، خصوصا أنه يبعث إلينا بعدة رسائل مهمة جديرة بالاستلام والاستيعاب.
ــ1ــ
أتحدث عن نتائج الانتخابات التي جرت هناك يوم الأحد قبل الماضي (23/10)، وفاز فيها حزب النهضة بتسعين مقعدا من أصل 217 مقعدا للجمعية التأسيسية. متقدما على مجموع ما حصلت عليه الأحزاب الليبرالية واليسارية الأربعة التي لم تحصل على أكثر من 73 مقعدا. بل إن حصول حزب النهضة على ما يعادل 41? من المقاعد فاجأ المسؤولين التونسيين أنفسهم، لأن رئيس الوزراء الحالي الباجي السبسي كان قد صرح بأن الحزب لن يحصل على أكثر من 20?.
هذه النتائج وضعت حزب النهضة في قلب أول تجربة من نوعها في التاريخ العربي المعاصر. ذلك أنها المرة الأولى التي تتمكن فيها حركة إسلامية من الوصول إلى السلطة من خلال انتخابات ديمقراطية، ويسمح لها بأن تواصل مهمتها والنهوض بمسؤولياتها. (فوز حركة حماس بأغلبية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني له وضعه الخاص الذي يعرفه الجميع وقد عوقب قطاع غزة بالحصار بسببه) فالإسلاميون وصلوا إلى السلطة في السودان عام 1989 في أعقاب انقلاب قاموا به بالتعاون مع بعض ضباط الجيش، وحين فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات التي أجريت عام 1991 فإن الجيش انقلب عليها ولم يسمح لحكومتها بأن تقوم. وفي إيران تولى الفقهاء السلطة في أعقاب ثورة 1979. وفي تركيا تولى حزب العدالة والتنمية السلطة بعد فوزه في انتخابات عام 2002، لكن الحزب لا يعتبر نفسه إسلاميا، وإن لم يختلف أحد من الباحثين على أن جذوره كذلك.
هذه الخلفية تعزز القول إن حزب النهضة بمرجعيته الإسلامية المعلنة أصبح في قلب أول تجربة ديمقراطية من نوعها تجرى في العالم العربي. الأمر الذي يوفر فرصة اختبار مشروعه الإصلاحي المتفتح، الذي بلورته في بداية ثمانينيات القرن الماضي حركة «الاتجاه الإسلامي». وهي الحركة التي أسسها الشيخ راشد الغنوشى، في أعقاب عودته من دراسته للفقه والفلسفة في مصر وسوريا، وشروعه في طرح أفكاره عبر مجلة «المعرفة» التونسية.
لم يكن فوز حركة النهضة بهذه النسبة العالية هو المفاجأة الوحيدة (للعلم فازت في الانتخابات 49 امرأة 42 منهن على لائحة حزب النهضة). ولكن الإقبال الشديد من الجماهير التونسية على التصويت بنسبة تجاوزت 80? كان مفاجأة أخرى. أما المفاجأة الثالثة فقد تمثلت في التقدم النسبي لتيارات الاعتدال العلماني واليساري ويرمز للأول حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة الدكتور المنصف المرزوقي الذي حصل على 30 مقعدا. كما مثل الثاني حزب التكتل من أجل العمل والحريات بزعامة الدكتور مصطفى بن جعفر، الذي حصل على واحد وعشرين مقعدا. المفاجأة الرابعة كانت في حصول حزب العريضة الشعبية على 19 مقعدا، ولكن لجنة الانتخابات استبعدته بعدما تبينت علاقته بحزب الرئيس بن علي المنحل (التجمع الدستوري)، أما المفاجأة الخامسة فقد تمثلت في تدني عدد المقاعد التي حصل عليها الحزب الديمقراطي التقدمي الذي يقوده أحمد نجيب الشابي، إذ فاز بسبعة عشر مقعدا. أما الحزب الديمقراطي الحداثي فلم يحصل إلا على خمسة مقاعد فقط. وحزب العمل الشيوعي حصل على 3 مقاعد. وهذه الأحزاب الأخيرة تمثل التطرف العلماني بجناحيه الليبرالي والماركسي.
ــ2ــ
صحيح أن حزب النهضة فاز بأكبر عدد من الأصوات والمقاعد، لكن الأصح والأدق أن الجماهير التونسية صوتت للاعتدال بشقيه الإسلامي والعلماني، وهذه نقطة بالغة الأهمية وعميقة الدلالة في ذات الوقت، ذلك أن تونس يحكمها منذ الاستقلال (عام 1956) نظام علماني متشدد ازداد غلوا واستبدادا منذ تولي الرئيس السابق زين العابدين بن علي السلطة قبل 23 عاما. إذ لم يقف عند حد محاربة مظاهر التدين وإغلاق جامعة الزيتونة، وإنما عمد النظام التونسي إلى ملاحقة الحركات الإسلامية واحتجاز بعض قادتها في السجون، الأمر الذي اضطر البعض الآخر النزوح إلى خارج البلاد والاستقرار في فرنسا وإنجلترا وسويسرا. وفي الوقت الذي حظر فيه النشاط الإسلامي، وفتح المجال واسعا لنشاط الحزب الشيوعي، فإن الإعلام التونسي عن طول الوقت عمل على تشويه الهوية الإسلامية، والربط بين التدين والتخلف والظلامية والانحطاط بكافة صوره.
هذه الأجواء لم تتغير كثيرا بعد ثورة 14 يناير، صحيح أن النظام سقط وأن نسائم الحرية التي سادت سمحت لحركة النهضة بأن تكتسب شرعية وتنشط في الساحة كما سمحت لقادتها المنفيين بأن يعودوا إلى ديارهم، إلا أن النخبة العلمانية ظلت متحكمة في المجال العام وفي وسائل الإعلام بوجه أخص، وبسط اليساريون سيطرة مطلقة على هيئات السلطة الانتقالية مثل المجلس الأعلى لتحقيق أهداف الثورة والهيئة المستقلة لتنظيم الانتخابات وظلت الدعايات الانتخابية التي أدارتها أبواق التطرف العلماني تخوف الناس من التصويت لحركة النهضة، بدعوى أن فوزها يعني أن حريات الناس في خطر. وأن تطبيق الحدود قادم مع «النهضة». وفرض الحجاب في الطريق ومكتسبات المرأة مهددة بالزوال، كما أن الفنون سيقضي عليها، والبنوك ستغلق أبوابها، والسياحة ستتوقف..إلخ، ولم يكن خطاب التطرف العلماني وحده الذي تبنى هذه المقولات، ولكن الإعلام الفرانكوفوني أسهم في ترديدها والترويج لها طوال الوقت أيضا.
في مواجهة حملة التخويف فإن حملة حركة النهضة بذلت جهدا كبيرا لطمأنة الناس وإزالة آثار ترويعهم. وكانت المفاجأة ــ الصدمة عند البعض ــ أن الجماهير لم تستجب للتعبئة المضادة والتحريض، وأن حركة النهضة فازت بأعلى نسبة من الأصوات، الأمر الذي يكاد يكرر ما حدث بمصر في شهر مارس الماضي، حين جرى الاستفتاء على تعديلات الدستور وانحاز الإعلام ومعه قطاع واسع من المثقفين والسياسيين إلى رفض التعديلات، لكن الرأي العام لم يستجب لحملة التحريض والتخويف، وأيدها أكثر من 70? من المصريين.
ــ3ــ
عديدة هي أوجه التشابه بين الحالتين التونسية والمصرية. فقد عاش كل من البلدين تحت نظام بوليسي اختلف في الدرجة فقط، حيث كان أكثر شراسة في تونس لكنه كان أشد مكرا في مصر، والبلدان خضعا لنظام علماني كان فجا ومتطرفا في تونس، لكنه كان خجولا ومتواريا في مصر. والبلدان حظرا العمل السياسي على التيار الإسلامي، لكنهما أباحا أنشطة الأحزاب الشيوعية. وكان ذلك صريحا ومعلنا في تونس، لكنه أيضا كان ملتويا وخجولا في مصر. كل من البلدين استخدم فزاعة الإسلاميين لتسويغ حظرهم وإقناع الدول الغربية بأنهم البديل الذي يهدد مصالحهم. ولكي ينفذ سياساته ويحشد الرأي العام وراءها، فإن كلا من البلدين استعان بعدد كبير من المثقفين العلمانيين والشيوعيين السابقين، ومكنهم من منابر الإعلام والثقافة حتى صاروا جزءا من النظام وأحد أهم ركائز استمراره.
من أوجه التشابه أن الثورة السلمية نجحت في البلدين، وأن الجماهير هي التي حملتها وقادتها. الجيش في مصر انحاز إلى الثورة وشكل مجلسا عسكريا لإدارة البلاد، لكنه وقف محايدا في تونس، وتولى السلطة رئيس مجلس النواب طبقا للدستور. وفي كل من البلدين كان هناك حزب محتكر للسلطة يقوده الرئيس، وأحزاب هامشية حوله تستكمل «الديكور» الديمقراطي، وبعد الثورة حدثت اندفاعة قوية لتشكيل الأحزاب، التي بلغت 115 حزبا في تونس، واندفاعة مماثلة في مصر التي أعلن فيها عن تشكيل خمسين حزبا بعد ظهور 120 ائتلافا. ومن المفارقات في هذا السياق أن السلفيين في مصر خاضوا غمار المعركة الانتخابية وقرروا إنشاء حزبين يمثلانهما. في حين أن أقرانهم في تونس رفضوا المشاركة في الانتخابات ووزعوا منشورات دعت إلى مقاطعتها قبل 48 ساعة من إجرائها. وللعلم فإن التيار الإسلامي المنخرط في العمل السياسي ممثل وحيد هو حركة النهضة. أما في مصر فللتيار الإسلامي سبعة أحزاب.
في تونس سلكوا بعد الثورة ذات النهج الذي اتبعوه بعد إعلان الاستقلال عام 1956. فقرروا أولا انتخاب جمعية تأسيسية تمثل القوى الحية في المجتمع، لتتولى تعيين الرئيس وتشكيل الحكومة وإصدار القوانين ووضع الدستور وذلك لكي تتولى سلطة مدنية إدارة البلد في الفترة الانتقالية لحين إصدار الدستور الجديد. لكننا في مصر ضيعنا وقتا طويلا في الجدل أيهما أولا الانتخابات أم الدستور، رغم أن الاستفتاء على التعديلات الدستورية أيد البدء بالانتخابات، وبسبب الضجة التي أحدثها ذلك الجدل تم تمديد الفترة الانتقالية وظل المجلس العسكري قابضا على السلطة وليس معروفا على وجه التحديد متى تجرى الانتخابات الرئاسية، ومن ثم متى ستسلم السلطة إلى المدنيين؟
ــ4ــ
تجنبوا أي شيء من شأنه أن يشعل حربا مدنية بين العلمانيين والإسلاميين. كانت تلك هي النصيحة الثمينة التي وجهها إلى الليبراليين والوطنيين العرب الدكتور المنصف المرزوقي، المناضل المخضرم وزعيم حزب المؤتمر من أجل الجمهورية، وهو الحزب الذي يمثل الاعتدال العلماني، ويحتفظ بعلاقات إيجابية مع حزب النهضة، ويرشحه المعلقون السياسيون هو والدكتور مصطفى بن جعفر زعيم حزب التكتل من أجل العمل والحريات، لكي يشكل مع حزب النهضة جبهة قوية في المجلس التأسيسي والحكومة وقد سمعته أكثر من مرة وهو يدعو إلى إبعاد الأيديولوجيا عن التنافس الانتخابي والإبقاء على ذلك التنافس في حدود الصراع السياسي وليس العقائدي.
هناك رسائل أخرى مهمة ودروس مستفادة يستخلصها المرء من التجربة الانتخابية التونسية يمكننا اختزالها في النصائح التالية:
< لا تفقدوا ثقتكم في المواطنين العاديين. فهم أكثر ذكاء ووعيا مما تشي بهم مظاهرهم البسيطة ورغم الضجيج والطنين الذي يملأ الفضاء من حولهم، فإنهم قادرون على التمييز بين الأصيل والدخيل، وبين الحقيقة والزيف.
< المعتدلون في كل فصيل علماني أو إسلامي أو يساري أقرب إلى بعضهم البعض من المتطرفين في كل فصيل. وسفينة الوطن لن تواصل الإبحار إلا إذا تواصل المعتدلون فيما بينهم وشكلوا جبهة واحدة.
< الوطن ملك لكل أبنائه وليس بوسع أي فصيل أن يقوده وحده، فضلا عن أنه لا يحق له ذلك أصلا. وللوصول إلى بر الأمان، فلا بديل عن ائتلاف المختلفين الذين يمثلون قوى المجتمع الأساسية.
< لأنه لا خلاف حول الأهداف الوطنية المرحلية، المتمثلة في الديمقراطية والاستقلال والعدالة الاجتماعية، فإن الاستغراق في الكلام عن الهويات والأهداف النهائية يفجر الخلاف ويبدد الجهد ويبعثر القوى.
< لا تهملوا شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أثبتت جدواها في اصطفاف الجماهير واحتشادها خصوصا قطاعات الشباب الذي يعول عليهم في المستقبل.
< الإسلاميون المنشغلون بالعمل السياسي مطالبون بأربعة أشياء هي: 1ــ طمأنة الناس وإزالة مخاوفهم 2ــ الانشغال بخدمتهم وليس بوعظهم
3ــ الكف عن الحديث عن مصائر الخلق في الآخرة وتوزيعهم على الجنة والنار 4ــ احترام الحياة الخاصة للناس التي ينبغي ألا تمس طالما أنها تمارس في حدود القوانين المطبقة.
< جيد أن نتلقى الدروس. لكن الأجود أن نستوعبها ونتعلم منها.
في الخوف من القانون
حين يصبح القانون مصدرا للخوف والقلق فإنه يفقد شرعيته ويجهض المراد منه. ذلك أننا نفهم أن القانون وسيلة... اقرأ المزيد
2630
| 03 يونيو 2017
عن البيئة المنتجة للإرهاب
هل أصبح التعصب مشكلة مصرية؟ ــ هذا السؤال نبهتني إليه بعض الكتابات والتعليقات التي حفلت بها الصحف ومواقع... اقرأ المزيد
1015
| 29 مايو 2017
في ضرورة المراجعة
بعد الفاجعة التي شهدتها محافظة المنيا، ما عاد هناك بديل عن إعادة التفكير والمراجعة. لا أجادل في أن... اقرأ المزيد
663
| 28 مايو 2017
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
5484
| 23 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4911
| 22 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3024
| 24 سبتمبر 2026