رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قوام التجارة يقوم على الثقة والائتمان بين المتعاملين، ولتوضيح ذلك، نضرب المثال التالي حتى يتسنى فهم "الائتمان والثقة" كخاصية مميزة للقانون التجاري، يقوم التاجر ببيع وشراء البضائع لكن هذا لا يحدث بصورة فورية بل بأجل معين غالبًا، فلا يتم دفع الثمن في حال إبرام البيعة أو الصفقة، وفي حين أخرى قد لا يصل إلى هذا الأجل الذي يمهله حتى يدفع ثمن البيعة أو الصفقة، فيقوم التاجر باللجوء إلى أحد البنوك ويقترض منه حتى يتمم هذه الصفقة الذهبية التي لا تُفوت، ويقوم البنك هنا بتقديم القروض للتجار من خلال فتح الاعتمادات التي تخوله استيراد البضائع من الخارج. وهلم جره، فتترابط العلاقات ببعضها البعض، وكل منهم يصبح دائنًا ومدينًا في آنٍ واحد، لكن ماذا إذا تخلف تاجر عن الوفاء بالتزامه! يترتب على ذلك تخلف التجار الآخرين عن الوفاء أيضًا، وهذا ما يسمونه الائتمان والثقة، التجار يتعاملون بما يفوق قدرتهم المالية، فلا حاجة إلى سيولة مالية؛ لأن الائتمان والثقة يحلان محلها.
وعصب الحياة التجارية هو الائتمان، فالقانون التجاري يقوم على توفير الائتمان عن طريق توفير الضمانات للدائن التجاري، فكلما زاد الضمان زادت فرصة الحصول على الحق، بل كان إضافة إلى ذلك يكون التاجر معطاء لهذا الضمان لمن يريده، والائتمان مصلحة لكل من الطرفين الدائن كما سلفنا ذاكرين، والمدين فهو يحصل على الائتمان في آخر الأمر.
وتوجد عدة صور لدعم الائتمان والثقة في القانون التجاري ومنها، جاءت المادة (74) من القانون التجاري لتؤكد على دعم الائتمان والثقة، فنصت على أن "الملتزمين معًا بدين تجاري، يسألون على وجه التضامن، ما لم ينص القانون أو الاتفاق على خلاف ذلك"، وهو ما يعرف بالتضامن المفترض بين المدينين، ففي الالتزامات التجارية يكون التضامن مفترضاً دون حاجة إلى اتفاق، وذلك على خلاف الالتزامات المدنية التي يجب أن يكون للتضامن فيها مصدرًا كالعقد أو القانون، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على وجود ضمان كاف للدائن، حيث يمكن له الرجوع على أي من المدينين ويذهب على الأرجح أنه يذهب إلى المدين الملاءِ حتى يقتضي حقه.
كذلك الإفلاس يعد من أهم صور دعم الائتمان والثقة في القانون التجاري، ودعمًا لذلك، توجد قواعد قاسية للمدين التاجر الذي يتخلف عن دفع ديونه ويخالف هذه الثقة الممنوحة من قبل الدائن، حيث قضت هذه القواعد بإشهار إفلاس التاجر الذي توقف عن دفع ديونه، ويترتب على الإفلاس مصائب ومصاعب في حياة التاجر، فيحرم من الحقوق ويصاب بالعار. ولكي نبين مدى خطورة ذلك وكيف يساهم شهر إفلاس التاجر في رفع سقف الائتمان في القانون التجاري، ندلل أن الذي يصدر حكم في شأنه بإفلاسه، تغل يده عن إدارة أمواله، ويعين ويقوم ويتصرف فيها وكيل الدائنين (وكيل التفليسة)، وتكون جميع التصرفات التي أبرمت من تاريخ توقفه عن دفع ديونه إلى تاريخ صدور الحكم بإفلاسه غير نافذه وجوبًا وفي حالة أخرى غير نافذة جوازًا، وتسقط منه بعض الحقوق المهنية والسياسية المكتسبة، بل تقع عليه عقوبات جنائية في حالة ما إذا قصر أو دلس في إفلاسه ويلصق به العار.
ونضرب عدة أمثلة من القانون التجاري تؤكد على أن الإفلاس يعد وسيلة داعمة للائتمان والثقة، فجاء المشرع في نص المادة (618) من القانون أعلاه، ونص على أن "تعين المحكمة مديرًا للتفليسة، وتأمر بوضع الأختام على محال تجارة المدين وخزائنه ومخازنه، وتندب المحكمة أحد قضاتها ليكون قاضيًا للتفليسة...". وعند التقدم قليلا نجد المادة (626) تنص على أنه "لا يجوز لمن شهر إفلاسه أن يكون ناخبًا أو عضوًا في مجلس الشورى أو المجلس البلدي المركزي أو غرفة تجارة وصناعة قطر أو الجمعيات ولا أن يكون مديرًا أو عضوًا في مجلس إدارة أية شركة أو مديرًا لها، ولا أن يشتغل بأعمال الوكالة التجارية أو التصدير أو الاستيراد أو السمسرة في بيع أو شراء الأوراق المالية أو البيع بالمزاد العلني.
كما لا يجوز لمن شهر إفلاسه أن ينوب عن غيره في إدارة أمواله، ومع ذلك يجوز للمحكمة أن تأذن له في إدارة أموال أولاده القصر، إذا لم يترتب على ذلك ضرر بهم، وذلك كله إلى أن يرد إلى المفلس اعتباره وفقًا لأحكام القانون".
ومن الخصال التي تفرض دعم الائتمان والثقة في لب القانون التجاري، هي التزام التاجر بمسك الدفاتر التجارية، حيث تكون الدفاتر مرآة تعكس مركز المالي ونشاطاته التجارية وتقييم أوضاعه، وما يدون فيها يعبر عن أمانة التاجر وصدقه، وعدم الالتزام بهذا الفرض يترتب عليها جزاءات مدنية وعقوبات جنائية.
وتدليلًا على ما سبق جاء المشرع في المادة (21) من القانون التجاري، ونص على أنه "على كل من تثبت له صفة التاجر، طبقًا لأحكام هذا القانون، أن يمسك الدفاتر التجارية التي تستلزمها طبيعة تجارته وأهميتها، بطريقة تكفل بيان مركزه المالي بدقة".
ومن أهم مظاهر دعم الائتمان والثقة التجارية، العلانية التجارية، وحماية الوضع الظاهر؛ فالقانون يُلزم التاجر بقيد مجموعة من المعلومات والبيانات المتعلقة بالنشاط التجاري التابع له، وذلك بهدف حماية الغير. ومن أهم صور حماية الأوضاع الظاهرة، هي الشركة الفعلية، وهي الشركة التي لاحقها البطلان لسبب ما إلا أن البطلان لا يرتد للماضي وإنما ينال مستقبل الشركة فحسب.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4461
| 06 مايو 2026
تمر قطر بمرحلة استثنائية تتشابك فيها التوترات الإقليمية مع ضغوط على أسواق الطاقة والنقل الجوي وحركة التبادل التجاري. غير أن التحليل الاقتصادي المتأني يكشف صورة أكثر توازناً مما توحي به حالة القلق السائدة: فالموارد السيادية وافرة، والإطار المالي راسخ، والقيادة أثبتت مراراً قدرتها على اجتياز محطات أشد وطأة والخروج منها باقتصاد أعمق تنوعاً وأكثر متانة. يمكن قراءة المشهد عبر ثلاثة ضغوط متمايزة: ضغط في جانب العرض لسوق الغاز الطبيعي المسال وتأثيره على الإيرادات السيادية، وتزايد المنافسة في تلبية الطلب الخارجي، وضغط الاستجابة المالية أي خيارات الحكومة في ضبط إنفاقها في ظل تراجع الإيرادات المالية في الربع الأول والثاني من 2026. الضغطان الأول والثاني خارجيان لا سبيل إلى درئهما، أما الثالث فخيار سياسي داخلي قابل للمراجعة، وفيه يكمن هامش المناورة الذي تنفرد فيه السياسة المالية القطرية بفعل حقيقي. وتشير التقديرات في ضوء ثلاثة سيناريوهات لمدة الأزمة إلى أن الفارق بين أكثر الخيارات تشدداً وأكثرها توسعاً قد يبلغ قرابة 2.5 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي1، أي نحو 5.8 مليار دولار. وأمام صانع القرار ثلاثة مسارات: التوسع في الإنفاق مع تدخل معاكس للدورة الاقتصادية، وترشيد الإنفاق على نحو ما أوصت به مشاورات المادة الرابعة لصندوق النقد الدولي في فبراير 2026، ومسار توفيقي يجمع توسعاً معتدلاً في 2026 يعقبه ترشيد مالي موثوق بين 2027 و2029. والتجربة الخليجية تُرجح أن المسارات التوفيقية هي الأنجح. وتقوم قطر على هامش مناورة مالية واسعة تراكم عبر عقود من الإدارة الرشيدة: احتياطيات مصرف قطر المركزي نحو 71 مليار دولار تغطي أكثر من ثمانية أشهر من الواردات، وأصول جهاز قطر للاستثمار نحو 557 مليار دولار. وما قد تحتاج إليه قطر لا يتجاوز قرابة 1% من أصول الجهاز في أعلى التقديرات، ونصف ذلك في المسار التوفيقي- نسبة تقل عن العائد السنوي المعتاد لمحفظة بهذا الحجم، فلن يتأثر الجهاز في قدرته على خدمة الأجيال القادمة. وتدل السوابق الإقليمية على نمط متكرر: الكويت بعد 1990–1991، والسعودية بعد 2014، وعُمان بين 2020 و2024- ضغط حاد، فاستجابة متوازنة، فتعافٍ أمتن. وقطر تدخل المرحلة من موضع أمتن. والمنظومة المؤسسية - وزارة المالية ومصرف قطر المركزي وجهاز قطر للاستثمار- أثبتت كفاءتها خلال حصار 2017 وجائحة 2020 دون أن تحيد عن مسار التنمية. فالموارد متاحة، وهامش المناورة واسع، وصنع القرار في أيدٍ راسخة. قطر ستخرج من هذه المرحلة أقوى وأكثر تنوعاً وأعمق استعداداً لما يأتي بعدها، لأن القيادة تملك من الوعي والبصيرة ما يكفيها، وسجل الإنجاز القطري شاهد على ذلك أكثر من مرة.
4185
| 04 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
2082
| 07 مايو 2026