رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تمتد نشأة فكرة عقد القرض البحري – قرض المخاطر الجسيمة أو قرض المخاطر العظيمة – إلى زمن الإغريق؛ فقد ابتكروا في القرن السادس قبل الميلاد فكرة تعد نواة نظام التأمين البحري، وتقوم على أن يقرض شخص مبلغًا من النقود للربان في مقابل رهن السفينة أو البضاعة أو الاثنين معًا؛ لكي يتمكن من تجهيز سفينته للإبحار بها للقيام بالتجارة والاستغلال البحري، وإذا وصلت السفينة من رحلتها بسلام، يدفع الربان مبلغ القرض مضافًا إليه فائدة تتجاوز كثيرًا سعر الفوائد السائدة، في حين لو هلكت السفينة أو غرقت ضاع على المقرض قرضه والفائدة التي عليه، لذلك يرتبط مصير القرض بمصير الرحلة البحرية. وقد قيل في أصل هذا العقد، إنه جاء نتيجة التحايل على تحريم الربا في العصور القديمة. وهناك أوجه شبه تجمع عقد القرض البحري مع عقد التأمين؛ فمبلغ القرض يوازي مبلغ التأمين ولو دفع مقدمًا، والمقرض يقوم مقام المؤمن من خلال دفع مبلغ التأمين في صورة قرض، ومن ثم يأخذ هذا المبلغ مع فائدة مرتفعة، والفارق يكمن بينهما فيما يأتي: أولًا: أن المؤمن في عقد التأمين لا يلتزم بدفع مبلغ التعويض إلا عند تحقق الخطر، بينما يدفع المقرض مبلغ القرض مقدمًا وإن كان سيستوفيه عند وصول السفينة بسلام. ثانيًا: مبلغ القسط الذي يلتزم به المؤمن له يكون واجب الدفع سواء تحقق الخطر أم لا، في حين لا يلتزم المقترض بدفع الفائدة في عقد القرض إلا عند عدم تحقق الخطر. وقد أضفى المشرع في المادة (6/2) من القانون التجاري القطري الصفة التجارية على عقود القرض المبرمة في نطاق الملاحة البحرية والجوية، وتنص المادة أعلاه على أنه "يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: 2- الإقراض والاستقراض". ولم ينتهج المشرع القطري في القانون البحري نهج القوانين العربية المقارنة بالنسبة إلى تعريف عقد الإقراض والاستقراض، أو ما يعرف بعقد القرض البحري، قرض المخاطر الجسيمة؛ بل إنه لم ينظم أساسًا هذا العقد في القانون البحري وأشار إليه بطريقة غير مباشرة عندما وضع حدًا أعلى لسعر الفائدة، فلا تتجاوز 12%من قيمة القرض المضمون برهن السفينة. وقد وردت هذه الإشارة في المادة (40) من القانون البحري القطري التي نصت على أنه "لا يجوز أن يزيد سعر الفائدة الاتفاقية في القرض المضمون برهن على 12%". ولم يعالج المشرع القطري عقد القرض البحري، وهو قصور ملحوظ يحتاج إلى تدخل تشريعي. وفي نظرنا أن مفهوم هذا العقد لا يخرج عن معنى عقد القرض وفق القواعد العامة – القانون المدني – مع إضفاء الخصوصية التي يمتاز بها محيط الملاحة البحرية. وقد ورد تعريف عقد القرض في المادة (564) من القانون المدني القطري؛ حيث نصت على أنه "عقد يلتزم به المقرض أن ينقل إلى المقترض ملكية مبلغ من النقود أو أي شيء مثلي آخر على أن يرد إليه مثله نوعًا وصفة وقدرًا". وقد عرف بعض الفقه عقد القرض البحري بأنه العقد الذي يبرمه صاحب السفينة أو الربان بضمان السفينة والبضائع أو بهما معًا شريطة أنه إذا هلكت هذه الأشياء الضامنة بسبب كارثة بحرية ضاع على المقرض القرض والفوائد. وفي وقتنا الحالي، تضاءلت أهمية هذا العقد، خاصة مع تطور وسائل التمويل البحري ونضوج نظام التأمين وانتشاره. وهذا القرض من نوع خاص يقترن بضمان رهن السفينة أو البضاعة أو الاثنين معًا، ويتكون العقد من طرفين هما المقرض والمقترض – الذي عادة ما يكون صاحب السفينة وفي بعض الأحيان قد يكون المقترض هو ربان السفينة – يتعاقد بمقتضاه الثاني مع الأول من خلال رهن السفينة أو الشحنة أو كليهما كوسيلة ضمان في مقابل أن يحصل على مبلغ من النقود، وتبرأ ذمة المقترض من مبلغ القرض في حال هلاك السفينة أو الأشياء المضمونة بالرهن لأي سبب كان، كالغرق أو الحريق أو حادث مفاجئ مثلًا، في حين لو تمت الرحلة البحرية بسلام أو لم تتلف البضائع محل الرهن ولم يصبها عيب، يلتزم المقترض بأداء مبلغ القرض مضافًا إليها الفوائد التي تزيد عن الحد القانوني، وفق القواعد العامة. ويفترض ذلك أن المشرع قد منع الفائدة في القانون المدني ولم يتطرق لها في القانون التجاري، وترك مسألة تحديد نسبة الفائدة للبنك المركزي. ولا فارق بين القانون الجوي والقانون البحري من حيث المخاطر التي تتعرض لها المنقولات المسيرة لرحلاتها الملاحية؛ سواء أكانت بحرية أم جوية، وبالتالي تكاد تتطابق الحلول التي وضعت في كم هذين النشاطين. ونظرًا لأن الملاحة البحرية أقدم من الناحية التاريخية في الظهور، تقتبس التشريعات الجوية كثيرًا من أحكامها منها، كتحديد مسؤولية المجهز، وتحديد مسؤولية الناقل، ونظم التأمين البحري على السفينة أو البضاعة، ومن ثم ينطبق في شأن ما ذكرناه بخصوص عقد القرض البحري على عقد القرض الجوي، مع مراعاة الاتفاقيات الدولية التي تنظم الحقوق المتعلقة بالطائرات. وننوه بأن أعمال الإقراض والاستقراض المتعلقة بالملاحة البحرية أو الجوية تعد من قبيل الأعمال التجارية المنفردة؛ فيخضع هذا العمل لأحكام القانون التجاري، وبغض النظر عن صفة القائم عليها سواء كان تاجرًا أم غير تاجر. وبالتالي يعد عقد القرض البحري أو الجوي عقدًا تجاريًا من جانبيه أو طرفيه، فهو تجاري بالنسبة إلى المقرض والمقترض على حد سواء. بالإضافة إلى أن هذا العمل يكتسب الصفة التجارية ولو وقع مرة واحدة، إلا أنه في يومنا هذا أصبح يتصادم مع الواقع؛ حيث إنه عادة ما تقوم بهذه العمليات شركات متخصصة أو مشروعات ضخمة تمارس أعمال القرض والاستقراض على سبيل الاحتراف.
1326
| 05 مارس 2025
تشمل عمليات الإصلاح وتأخذ حكمها الصيانة، سواء كان الأمر لسفينة أو لطائرة، كلَّ الأعمال المتعلقة بأي جزء من أجزاء المنقول، كفكِّ المحرك وتنظيفه أو تبديل الإطارات أو مصابيح الضوء أو الزيت، أو إعادة تعبئة الوقود، ونحوها من أعمال. وبعد سرد العمليات التي أوردتها المادة (6/1) يثور الخلاف حول إضفاء الصفة التجارية لعمليات الإنشاء أو البناء، والبيع أو الشراء، والإيجار أو الاستئجار، والإصلاح أو الصيانة المتعلقة بالسفن والطائرات؛ فيرى البعض أن التطبع بصفة التجارية يشمل جميع هذه الأعمال، وبالتالي تمتد آثار القانون التجاري لهذه العمليات سواء كان القصد التربح منها أم لا، وما يزيد الأمر ضراوةً هو عموم نص المادة (6)، بينما تولي أوجه أخرى الاتجاه المعاكس، ويسلطون الضوء على المادة (3) –وهي المعيار العام لتجارية الأعمال – فلا تفسر المادة (6) بمعزل عن المواد الأخرى؛ فلا تتصف هذه الأعمال بالتجارية إلا إذا كانت الغاية منها تحقيق الربح والمضاربة بها، فتقتصر آثار القانون التجاري على الأعمال التي تستهدف الربح أو النفع المادي منها، ويخرج منها أي عمل لم يتم بقصد الاستغلال التجاري. ونحن نميل للرأي الثاني. بناء على ما سبق، يعد بيع وشراء وإيجار واستئجار السفن والطائرات عملًا تجاريًا بالنسبة إلى البائع والمشتري في حال تمت هذه العمليات بقصد المضاربة وجلب الربح، ولا يعد عملًا تجاريًا أي تصرف في السفينة أو الطائرة غير مقترن بقصد تحقيق الربح، كأن يبيع شخص سفينة أو طائرة ورثها من أبيه، وفي الوقت نفسه قد يعد الشراء من هؤلاء الورثة عملًا تجاريًا، والأمر يتوقف على باعث المشتري إذا ما كان يقصد الاستغلال التجاري والسعي لتحقيق الربح، كذلك لا يعد عملًا تجاريًا شراء أو تأجير سفينة بقصد الاستعمال الشخصي لقضاء بعض من الوقت في العطلة الصيفية بها. ونقول: إن العمليات المتعلقة بأعمال الملاحة البحرية والجوية لا تكتسب الوصف التجاري إلا إذا تمت بقصد المضاربة، والعملية قد تكون في ذاتها تجارية لطرف ومدنية لطرف آخر، وهي ما تعرف بالأعمال المختلطة. وإن جاز لنا أن ندلو بدلونا، فإن الخلاف في تفسير النص ينتج عند البعض بسبب يرجع إلى عدم التفرقة بين توافر قصد الربح وتوافر قصد البيع؛ فالأول أمر لازم ووجوبي في جميع الأعمال التجارية، ومنها الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، والقول بغير ذلك ينافي فكرة التجارة أساسًا، بينما توافر قصد البيع محصور فقط في بعض الأعمال، كاشتراط المشرع حصرًا ونصًا على هذا القصد في المنقولات وقت إتمام التصرف – المادة (4) – خلافًا للأعمال البحرية والجوية – المادة (6) – التي لم تأت بهذا القصد. خلاصة القول، تعد أعمالًا تجارية الأعمال المتعلقة بإنشاء أو إصلاح أو بيع أو شراء أو إيجار أو استئجار السفن والطائرات، وكما أشرنا في مقال سابق إلى أنها أعمال تجارية منفردة، فتخضع لأحكام القانون التجاري ولو وقعت مرة واحدة، سواء كان القائم عليها تاجرًا أم لا.
465
| 26 فبراير 2025
من أهم مصادر كسب ملكية السفينة في وقتنا الحاضر، هو عقد بيع أو شراء السفينة، ومع ذلك لم يعرّف المشرع القطري عقد بيع السفينة – شراء السفينة – في التقنين البحري، ولم يتناول جميع الأحكام الخاصة التي تنظم هذا العقد. والأمر بديهي؛ لأنه ترك المسألة تخضع للقواعد العامة في عقد البيع في القانون المدني، كالأركان العامة من تراضٍ ومحل وسبب، مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصية السفينة كمنقول ذي طبيعة خاصة؛ حيث أضفى المشرع الصفة الرسمية وخاصية الشكلية لعقد شراء السفينة. ويعرف الفقه عقد بيع السفينة بأنه عقد يلتزم بمقتضاه البائع أن ينقل للمشتري ملكية السفينة في مقابل ثمن متفق عليه. والأمر ذاته ينطبق على عقد إيجار السفينة، فلم يقم المشرع القطري بتعريفه، خلافًا للقوانين العربية المقارنة. وقد عُنى بتعريف صور عقد إيجار السفينة بنوعيها المجهزة وغير المجهزة؛ فقد عرف عقد إيجار السفينة المجهزة في المادة (119/1) من القانون البحري التي نصت على أنه «عقد يلتزم المؤجر بمقتضاه تقديم السفينة أو جزء منها للقيام برحلة أو عدة رحلات معينة أو القيام بالرحلات التي يطلبها المستأجر خلال المدة المتفق عليها في العقد وبالشروط المذكورة فيه أو التي يقضي بها العرف». أما عقد إيجار السفينة غير المجهزة فقد عرفه في المادة (114) من القانون المذكور على أنه «عقد يلتزم بمقتضاه المالك بتمكين المستأجر من الانتفاع بسفينته دون أن يجهزها بمؤن أو لوازم أو بحارة». ولم تعرف القوانين الوطنية – ومنها القانون القطري – عقد بيع الطائرة، كما لم يتناول قانون الطيران المدني القطري أحكامًا تفصيلية لهذا العقد، وبالتالي يخضع للقواعد العامة لعقد البيع في القانون المدني، بالإضافة إلى الأحكام الخاصة الواردة في قانون الطيران المدني القطري، ومنها على سبيل المثال عدم نفاذ أي تصرف قانوني متعلق بطائرة إلا عن طريق القيد في السجل الخاص لتسجيل الطائرات، ومن هذه التصرفات البيع، وقد ذكرها المشرع نصًا في المادة (37/2) من قانون الطيران المدني القطري بقوله: «لا يجوز التصرف القانوني في أي طائرة مسجلة في السجل الوطني إلى شخص آخر، سواء بالبيع أو الرهن أو الإيجار أو أي تصرف قانوني آخر، إلا بعد موافقة سلطات الطيران المدني. ويبقى مالك الطائرة مسؤولًا في جميع الأحوال عن تشغيلها عملًا بأحكام هذا القانون. ولا يكون لهذا التصرف أي أثر بين المتعاقدين وتجاه الغير إلا بعد قيده في السجل». كذلك لم يعرف المشرع القطري عقد إيجار الطائرة، خلافًا لبعض القوانين العربية المقارنة. وقد عرف الفقه عقد إيجار الطائرة بأنه عقد يلتزم بمقتضاه المؤجر بوضع الطائرة تحت تصرف المستأجر للانتفاع منها، وتمكينه من استغلالها لفترة يحددها الاتفاق في مقابل أجر معين.
2016
| 20 فبراير 2025
إنشاء السفن والطائرات على الغالب يتم من خلال مشروعات ضخمة تمارس أعمالها بطريق الاحتراف وبشكل مستمر، يأخذ صورة شركات متخصصة أو مصانع تسمى بالترسانات تتولى عملية الإنتاج. أما بيعها وشراؤها فهي الطريقة الأكثر شيوعًا لاكتساب ملكية أي سفينة أو طائرة، إلا أن مفهوم البيع ليس هو ذاته المعلوم في القواعد العامة؛ وذلك لما لهذه المنقولات من خصوصية تضفي من طبيعتها الخاصة على أحكام عقد البيع، فتوجب التوثيق على سبيل المثال، بينما يعد إيجار السفينة أو الطائرة واستئجارها من أبرز صور استغلالهما من خلال الرحلة البحرية أو الجوية، وهو الهدف الأساس من وراء جريانها في البحر أو تحليقها في الجو. وجميع ما سبق يكتسب الصفة التجارية في حال كان القصد من ورائه جلب الربح أو المنفعة المادية، مما يفيد أن الاستغلال التجاري أمر لازم حتى توسم هذه العمليات بالتجارية. وقد أقر المشرع القطري ذلك في نص المادة (6/1) من القانون التجاري بقوله: "يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: 1- إنشاء السفن أو الطائرات، وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها". أولًا: إنشاء وبناء السفن والطائرات: لم يأت التقنين البحري القطري بتعريف لعقد بناء السفينة مع أنه أشار إليه في مواضع عدة؛ بل أبعد من ذلك، لم ينظمه ولم يخصص له أحكامًا خاصة يتفرد بها كعقد مسمى، تاركًا هذه المهمة إلى القواعد العامة، مكتفيًا بإضفاء الصفة التجارية على كل عمل يتعلق بإنشاء السفن. والأمر ذاته بالنسبة إلى عقد بناء الطائرة. وفي هذا الصدد، يمكن تعريف عقد بناء السفينة بأنه عقد يتعهد بموجبه الباني ببناء سفينة لطالب البناء وفق المواصفات والشروط المتفق عليها بمقابل أداء يلتزم به طالب البناء في مواجهة الباني. ويأخذ عقد بناء السفن إحدى صور ثلاث، هي: البناء المباشر أو الاقتصادي؛ عقد الاستصناع؛ البناء غير المباشر أو البناء بثمن جزاف. ويعد عقد بناء السفينة عملًا تجاريًا وفق المادة (6/1) من القانون التجاري القطري؛ حيث نصت على أنه "يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: 1- إنشاء السفن أو الطائرات، وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها". وبداية يجب علينا أن نفرق في طبيعة هذا العمل بالنسبة إلى طرفيه؛ وهما الباني وطالب البناء، فالأول وفقًا للمعيار العام للأعمال التجارية – المضاربة والتداول – يعد عمله دائمًا عملًا تجاريًا، فهو يقصد إزاء قيامه بهذا العمل تحقيق الربح من خلال المضاربة على المواد اللازمة لإتمام عملية البناء، كما أنه يضارب على عمل المهندسين والعمال، ولا تتأثر الصفة التجارية في كون من قدم مواد البناء هو طالبها، بحيث يقتصر عمل الباني على تقديم خبراته الفنية وجهد المهندسين والعاملين لديه، إذ هو في هذه الحالة يضارب على العمل، أما طالب البناء فالأمر يتوقف على الغرض من بناء السفينة؛ حيث إذا خصصت لعمل تجاري، كأن يقصد من بنائها إعادة بيعها بقصد تحقيق الربح أو للاستغلال التجاري، عُدّ عمله كذلك، في حين لو كان الغرض من بناء السفينة مدنيًا، كأن يعدها للاستعمال الخاص فيطلب بناؤها للتنزه مثلًا، فيعد عمله من قبيل الأعمال المدنية. والقول ذاته يسري على عمليات الإنشاء المتعلقة بالطائرات. وتجدر الإشارة إلى أن الصفة التجارية تنسحب على جميع الأعمال المتعلقة بالبناء أو الإنشاء؛ سواء تعلق الأمر بتقديم المواد، أو شراء الأدوات، أو تأجير العمال واستخدامهم.
762
| 05 فبراير 2025
المنقولات هي الأشياء التي يمكن نقلها من مكانها من دون تلف، ومنها السفن والطائرات التي تعد منقولات بطبيعتها، وإن كانت ذات طبيعة خاصة؛ بل إنها تعد تكريسًا واضحًا لهذا المفهوم، وأكثرها قدرة على التنقل والحركة من مكان إلى آخر، وإمكانيتها في قطع المسافات لا تقتصر على منطقة واحدة ولا على دولة، بل باستطاعتها أن تجتاز الأقاليم والمحيطات وتمضي قدمًا على أكثر من نظام قانوني. وحري بنا التطرق لمفهوم السفينة وما يميزها عن غيرها من المنشآت، والطائرة وما يجعلها تتفرد عن مثيلاتها من المركبات. وتعد السفن والطائرات الأدوات أو المحركات الأساسية لأعمال الملاحة البحرية والجوية، وقد خصها المشرع وعدّ الأعمال التي تتم بواسطتها أعمالًا تجارية، فنصت المادة (6) من القانون التجاري القطري على أنه "يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: إنشاء السفن أو الطائرات، وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها. الإقراض والاستقراض. العقود المتعلقة باستخدام ربان السفينة وملاحيها وقائد الطائرة وملاحيها، وسائر العاملين بهما. النقليات البحرية والجوية، وكل عملية تتعلق بها كشراء أو بيع لوازمها من مهمات وأدوات وذخائر ووقود وحبال وأشرعة ومؤن ومواد تموين الطائرات. التأمين البحري والجوي، بأنواعه المختلفة". وفي هذا المقام، عرف المشرع القطري السفينة في المادة (1) من القانون البحري القطري بقوله: "هي كل منشأة صالحة للملاحة تعمل عادة في الملاحة البحرية أو تكون معدة لذلك ولو لم تستهدف الربح. وتعتبر ملحقات السفينة اللازمة لاستثمارها جزءًا منها". وعليه يلزم حتى نميز السفينة عن باقي المنشآت، توافر عدة مقومات لها وهي: أولًا: أن تكون منشأة صالحة للملاحة البحرية: مؤدى هذا الشرط أن تكون المنشأة قادرة على السير في البحار بوسائلها الخاصة، ومخصصة للملاحة البحرية، ولم يعرّف المشرع القطري الملاحة البحرية تاركًا هذه المهمة للفقه، وقد عرفها الأخير – بعيدًا عن الخلافات الفقهية والمستقر عليه – بأنها الملاحة التي تتم بواسطة سفينة بغض النظر عن حجمها في البحر بأوصافه الجغرافية والطبيعية والجيولوجية، وتكون محفوفة بمخاطرها خاصة أثناء رحلتها بين ميناءي القيام والوصول. وتأسيسًا على ذلك، يجب أن تكون السفينة قادرة على الملاحة بوسائلها الخاصة في البحر، ومتصدية للمخاطر البحرية، وبناء عليه يخرج من مفهوم السفينة ما يأتي: المنشأة المخصصة للملاحة الداخلية، وهي ما تعرف باسم المراكب، كالزوارق والقوارب ونحوها. المنشأة العائمة غير القادرة على الملاحة البحرية كالرافعات والأحواض وما إلى ذلك. ثانيًا: أن تعمل السفينة عادة في الملاحة البحرية: من المستقر عليه أنه لا يكفي أن تكون المنشأة صالحة للملاحة البحرية؛ بل يجب أن تخصص وتعد إعدادًا للعمل في هذا النطاق. وبناء عليه، تعد مركبة ولا تأخذ وصف السفينة، المنشآتُ التي تخصص للملاحة النهرية ولو كانت قادرة على الملاحة البحرية، ويلازمها هذا الوصف وإن قامت على سبيل الاستثناء بملاحة بحرية لمرة واحدة أو لعدة مرات متباعدة، والعكس صحيح؛ أي إنه تعد سفينةً المنشآتُ التي تخصص للملاحة البحرية، ولو كانت قادرة على الملاحة النهرية، ولا ينزع هذا الوصف في حال قامت السفينة على سبيل الاستثناء بملاحة نهرية. إضافة إلى ما سبق، تأخذ الملحقات اللازمة لعمل السفينة حكم السفينة تطبيقًا لقاعدة الفرع يتبع الأصل، ويمتد إليها الوصف القانوني باعتبارها جزءًا من السفينة، سواء كانت هذه الملحقات متصلة بها أم منفصلة عنها، كقوارب النجاة والرافعات والآلات، وهذا ما جاءت به المادة (1/2) من القانون البحري القطري؛ حيث نصت على أنه "... وتعتبر ملحقات السفينة اللازمة لاستثمارها جزءًا منها". أما بالنسبة للطائرات فقد عرفها المشرع القطري في المادة (6/1) من قانون الطيران المدني القطري بأنها "كل آلة في استطاعتها أن تستمد بقاءها في الجو من ردود فعل الهواء غير المنعكسة من سطح الأرض، وتشمل جميع المركبات الهوائية، مثل المناطيد والبالونات والطائرات الشراعية والطائرات ذات الأجنحة الثابتة والمتحركة". وعليه يتبين لنا أن هناك عدة أمور يجب توافرها حتى تعتبر المركبة طائرة، وهي: أن يكون رد فعل الهواء هو السبب الرئيس لبقائها في الجو، فيكون بقاؤها في الجو قائمًا على رد فعل الهواء. وبالتالي، يخرج من نطاق وصف الطائرة الآلات التي يكون رد فعل الهواء لبقائها في الجو عاملًا ثانويًا، كالصواريخ والمركبات. ألا يكون رد فعل الهواء منعكسًا من سطح الأرض – بمعناه الواسع حيث يشمل اليابسة والماء – ولذلك ينتفي وصف الطائرة عن الزلاقة والزحافة الهوائية؛ لأن بقاءها في الجو مقاربةً لسطح الأرض راجعٌ إلى رد فعل الهواء الذي يخرج من محركها منطلقًا نحو السطح.
606
| 30 يناير 2025
اتخذ المشرع القطري معيار المضاربة، مضافًا إليه عنصر التداول، الفكرة الأساسية التي تبنى عليها الأعمال التجارية، والأمر على سواء، فلا تمييز بين التاجر وغير التاجر متى مارس هذه الأنشطة قاصدًا بذلك تحقيق الربح من خلال المضاربة في الأسعار وتحريك الثروات. وتطبيقًا لما سبق، نظمت المادة (6) من القانون التجاري القطري أعمالًا تجارية على وجه الخصوص، بناءً على معيار المضاربة والتداول، إلا أن ذلك لا يعني أن هذه الأعمال تكتسب الصفة التجارية فقط من المعيارين الأخيرين، وفي ذلك بيان نشير إليه لاحقًا، وقد نصت المادة أعلاه على أنه «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي: إنشاء السفن أو الطائرات، وبيعها وشراؤها وإيجارها واستئجارها وإصلاحها. الإقراض والاستقراض. العقود المتعلقة باستخدام ربان السفينة وملاحيها وقائد الطائرة وملاحيها، وسائر العاملين بهما. النقليات البحرية والجوية، وكل عملية تتعلق بها كشراء أو بيع لوازمها من مهمات وأدوات وذخائر ووقود وحبال وأشرعة ومؤن ومواد تموين الطائرات. التأمين البحري والجوي، بأنواعه المختلفة». وبداية نود أن نشير إلى عدة ملاحظات قبل أن نلج في بيان وشرح الأعمال التجارية المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية: أولًا: تعد هذه الأعمال من قبيل الأعمال التجارية المنفردة، ونتيجة لذلك فهي أعمال تجارية دون اعتداد بصفة القائم عليها، سواء كان تاجرًا أو غير تاجر، وبغض النظر عن عدد المرات التي يمارس فيها العمل، فتطبع بالصفة التجارية ولو وقعت مرة واحدة أو كانت من باب أولى بشكل متكرر عن طريق احترافها، ولكن يجب أن نستثني أعمال النقل البحري والجوي وما يتعلق بها من أمور ولوازم لقيامها بالملاحة (المادة 6/4)، إضافة إلى عمليات تأمين المخاطر المحيطة بالملاحة البحرية والجوية (المادة 6/5)، فهي لا تعد أعمالًا تجارية منفردة؛ لأن المشرع اشترط فيها الاحتراف حتى تكتسب الوصف التجاري، فأوردها في موضع آخر في المادة (5) في بنديها (7) و(11) من القانون التجاري القطري التي نصت على أنه «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف:.. 7- التأمين بأنواعه المختلفة.. 11- النقل برًا وبحرًا وجوًا». ونستند في قولنا السابق إلى أن نص المادة (6) من القانون التجاري القطري قد جاء مطلقًا عندما قرر الصفة التجارية لطائفة الأعمال المذكورة في متنه، وذلك بقوله «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص»، والمطلق يجري على إطلاقه، خلافًا للأعمال التجارية المذكورة في المادة (5) من القانون السابق التي اشترط فيها الاحتراف حتى تكتسب الصفة التجارية؛ حيث جاء في مقدمتها «تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف». ثانيًا: الواقع العملي يقضي بأن أعمال الملاحة البحرية والجوية عادة ما تتم من خلال مشروعات ضخمة. وغالبًا - وأكاد أن أقول دائما - ما تأخذ هذه الأعمال صورة شركات متخصصة تمارس أعمالها بطريق الاحتراف، هادفة من جراء أعمالها تحقيق الربح. وعلى إثر ذلك يتعجب البعض من تصنيف الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية بأنها أعمال تجارية منفردة. ولكن من رأينا أنه تظل أعمال الملاحة البحرية والجوية في كنف الأعمال المنفردةـ نظرا لما يحيط بها من مخاطر ولضمان حقوق الطرف الأخر فيها كالراكب أو الشاحن، فإنه يكون من المستحب أن تظل أعمالاً منفردة. ثالثًا: الأعمال التجارية المذكورة في المادة (6) من القانون التجاري القطري جاءت على سبيل المثال لا الحصر، ويفهم ذلك من مقدمة نص المادة (6) بقولها «يعد عملًا تجاريًا جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، وبوجه خاص، ما يلي...». فالنص جاء عامًا يستوعب جميع الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية، ولا يُقصِر الوصف بالتجارية على الأعمال المذكورة فيه حصرًا، وكذلك المادة (8/1) من القانون التجاري القطري التي تقضي بأنه «يعتبر عملًا تجاريًا كل عمل يمكن قياسه على الأعمال المذكورة في المواد السابقة للتشابه في الصفات والغايات». وبالتالي، لا يمنع من إضافة أعمال أخرى لم تأت بها المادة في حال إذا اتفقت في الصفات والغايات. والأمر ليس محصورًا ومقصورًا على العقود المتعلقة بالتجارة البحرية والجوية؛ بل هناك اتفاق على أن الطابع التجاري يطال ويمتد إلى كافة الالتزامات التي تنشأ جراء القيام بأعمال الملاحة البحرية والجوية، وبغض النظر عن مصدرها، سواء أكان تصرفًا قانونيًا أم فعلًا ماديًا. رابعًا: يبسط النص نطاق تطبيقه على الأعمال المتعلقة بالملاحة البحرية والجوية التجارية، ولا يدخل من ضمنها الملاحة العلمية والبحثية أو الملاحة القائمة بغرض الاستخدام الخاص أو النزهة أو الملاحة التي تقوم بها سفن أو طائرات الدولة للدفاع والمراقبة أو لمكافحة التهريب؛ وذلك لانتفاء عنصر المضاربة. فالطابع التجاري لا يستقر إلا للأعمال ذات الصلة بالاستغلال البحري والجوي التجاري، بينما الأعمال المتفرعة عن الملاحة غير التجارية، كالأمثلة السابقة، لا يتناولها النص، وتظل محتفظة بطابعها المدني.
933
| 23 يناير 2025
يعد الشيك أكثر الأوراق التجارية تداولًا في الأيدي، وذائع الصيت في العمل مع كونه أحدث الأوراق التجارية نشأةً وظهورًا مقارنة بالأخرى. والحاصل عملًا في دولة قطر أن جميع الأوراق التجارية تستخدم بين التجار، كالكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله – وقد قل استعمالها اليوم – باستثناء الشيك الذي يلعب دورًا أساسيًا في تحريك النشاط الاقتصادي من قبل عامة المجتمع؛ فنرى الفرد العادي يستخدم الشيك من أجل شراء السيارة، والمستأجر يضمن قيمة الوفاء بالأجرة من خلاله، والأب الذي يدفع قيمة التكاليف الدراسية لابنه عن طريقه، والبنك يدفع قيمة الشيك قبل ميعاد استحقاقه إلى المستفيد منه أو حامله في مقابل تظهيره للبنك تظهيرًا ناقلًا للملكية، وهو ما يعرف بعملية الخصم. وقد ظهر الشيك بمفهومه الحديث في إنجلترا بنهاية القرن السابع عشر، ثم انتقل فيما بعد إلى أمريكا الشمالية وسائر الدول الأوروبية، وتأخر ظهوره في فرنسا إلى القرن التاسع عشر، ويرتبط الشيك في ظهوره بذيوع العادة المصرفية في كل دولة، وبقدر إقبال المجتمع على إيداع نقودهم وثرواتهم لدى البنوك. وفي هذا الصدد، عرف المشرع القطري الشيك في المادة (452) من القانون التجاري القطري بأنه «ورقة تجارية تتضمن أمرًا صادرًا من الساحب إلى البنك المسحوب عليه بأن يدفع في اليوم المبين فيه كتاريخ لإصداره مبلغًا معينًا من النقود لأمر شخص ثالث هو المستفيد أو لحامله». ويتشابه الشيك مع الكمبيالة – من حيث الشكل – في كونهما أوراقًا ثلاثية الأطراف، هم الساحب، والمستفيد، والمسحوب عليه، كما أنه يتفق مع الكمبيالة في كونه ورقة تجارية مطلقة؛ أي بغض النظر عن صفة القائم عليها، ولا أثر لطبيعة العمل الذي حُرّرت من أجله. ويختلف الشيك عن الكمبيالة من عدة نواحٍ: أولًا: يفترض في المسحوب عليه في الأول أن يكون شخصًا معنويًا يأخذ شكل البنك، بخلاف الكمبيالة التي تجيز أن يكون المسحوب عليه فيها شخصًا طبيعيًا؛ لأن المشرع خصص في المادة (452) عند توجيه الأمر الذي يصدر من الساحب اتجاه المسحوب عليه بقوله «الشيك ورقة تجارية تتضمن أمرًا صادرًا من الساحب إلى البنك المسحوب عليه»، خلافًا للأوراق التجارية الأخرى التي جاء فيها المسحوب عليه دون تخصيص وبلفظ العموم. ثانيًا: يعد الشيك أداة وفاء فقط بينما تعد الكمبيالة أداة وفاء وائتمان في آنٍ واحد. ونتيجة لذلك لا يوجد بالشيك تاريخ محدد للاستحقاق؛ مما لا يعطي الساحب القدرة على توفير أجلٍ للوفاء به، ويُكتفى فقط بتاريخ تحريره، فيكون تاريخ تحريره هو تاريخ إصداره، ويكون مستحقًا لدى الاطلاع، والأمر خلاف الكمبيالة تمامًا حيث يوجد بها تاريخ تحرير وتاريخ استحقاق. ثالثًا: يستلزم كتابة الشيك على نموذج خاص يصدر من بنك من خلال دفتر يطبعه المصرف المسحوب عليه ويسلمه لعميله، أما الكمبيالة فتحرر على أي ورقة عادية، سواء أكانت عرفية أم رسمية. رابعًا: يفرض الشيك عقوبة جنائية على كافة الأطراف القائمين عليه، وذلك في مختلف القوانين، خلافًا للكمبيالة التي تنتفي عنها الحماية الجنائية. علاوة على أنه قد تقدم الكمبيالة للقبول للمسحوب عليه، على نقيض الشيك الذي لا مجال فيه للقبول. وأحيانًا ما يقدم للاعتماد وهو ليس قبولًا بل تأكيد من البنك على وجود المبلغ المسحوب به الشيك. أما بالنسبة إلى صفة التجارية، فالأمر نفسه الذي ينطبق على الكمبيالة يتمثل أيضًا في الشيك. وبناء على ذلك، فأي عمل يتعلق بالشيك يعد من قبيل الأعمال التجارية، بغض النظر عن صفة محرره سواء كان تاجرًا أو غير تاجر، وسواء كان قد حُرّر لأجل عمل تجاري أم مدني.
1098
| 21 يناير 2025
عرف المشرع القطري السند لأمر في المادة (450) من القانون التجاري القطري بأنه «ورقة تجارية بمقتضاها يتعهد محررها بأن يدفع مبلغًا من النقود بمجرد الاطلاع أو في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر شخص آخر هو المستفيد». يتضح من خلال هذا التعريف أن السند لأمر يختلف عن الكمبيالة من حيث أطرافه؛ فالأخيرة تتضمن ثلاثة أطراف، هم الساحب والمستفيد والمسحوب عليه، بينما يفترض السند لأمر وجود شخصين؛ الأول يدعى بالمتعهد ويأخذ حكم الساحب والمسحوب عليه في الكمبيالة، والثاني يسمى بالمتعهد إليه ويأخذ حكم المستفيد. كما أنه لا يتضمن أمرًا بالدفع لشخص ثالث؛ لأن من يقوم بتوجيه الأمر هو ذاته الذي يتعهد بدفع أو سداد المبلغ النقدي، فكأنما يوجه الأمر لنفسه. ويتفق السند لأمر مع الكمبيالة في كونهما أداة وفاء وأداة ائتمان. وقد أسبغ المشرع القطري الصفة التجارية بشكل مطلق لجميع الأوراق التجارية بمقتضى نص المادتين (7) و(448) من القانون التجاري، وبذلك يشمل الحكم السند لأمر. وبناء على ذلك، فإن سحب السند لأمر يعد عملًا تجاريًا مطلقًا، أيًا كانت صفة ذوي الشأن، وبغض النظر عن طبيعة العمل الذي نشأ من أجله، فالأمر على سواء بين العمل التجاري والعمل المدني. وكما تقدم، ولما كان المشرع القطري قد أعتبر الكمبيالة هي النموذج الرئيس الذي تقوم عليه باقي الأوراق المذكورة في قانون الصرف، فإنه قد أحال إليها فيما يخص القواعد التي تنظم السند لأمر، فعالجه في أربع مواد فقط، هي المواد (556-559) من القانون التجاري القطري. وهنا يثور التساؤل حول القواعد الخاصة بالكمبيالة التي يجب تطبيقها على السند لأمر؟ أحال المشرع إلى تطبيق أحكام الكمبيالة إلا أنه لم يشمل جل المسائل ودقها، فاقتصرت المادة (559) من القانون التجاري القطري على بعض من الأمور بقولها «تسري على السند لأمر، بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع ماهيته، الأحكام المتعلقة بالكمبيالة فيما يختص بأهلية الالتزام بها، وتعدد نسخها وصورها وتظهيرها، واستحقاقها، ووفائها، والرجوع بسبب عدم الوفاء، وعدم جواز منح مهلة للوفاء، والحجز التحفظي، والاحتجاج وحساب المواعيد وأيام العمل، والرجوع بطريق إنشاء كمبيالة رجوع، والوفاء بالتدخل والتقادم. وتسري كذلك على السند لأمر الأحكام المتعلقة بالضمان الاحتياطي، مع مراعاة أنه إذا لم يذكر في صيغة هذا الضمان اسم المضمون، اعتبر الضمان حاصلًا لمصلحة محرر السند». ولا يزال السؤال مطروحًا: ما حكم المسائل التي لم ينص عليها المشرع القطري، كالتضامن الصرفي بين المدينين مثلًا، وهي المنطقة الرمادية الفاصلة بين أحكام كل من الورقتين؟ وهنا نؤكد على أن المشرع بدأ في النص أعلاه بقاعدة أساسية نبني عليها جواب هذا التساؤل بقوله: «تسري على السند لأمر، بالقدر الذي لا تتعارض فيه مع ماهيته». وعليه نقول – على سبيل المثال – إنه لا وجود لمقابل الوفاء في السند لأمر بسبب اندماج شخصية الساحب بالمسحوب عليه في شخص المتعهد، وبالتالي لا مجال للقبول، فالمحرر هو الملتزم الأول والأخير. ومن ثم تسري جميع أحكام الكمبيالة على السند فيما لا يتعارض مع طبيعته. حرى بالذكر أن المشرع القطري قد أستعمل مسمى السند لأمر، وهو ذاته ما درج العرف والفقه على تسميته بالسند الإذني ـ وهو يتداول عن طريق التظهير، أما السند لحامله فهو يتداول عن طريق المناولة يدًا بيد، فيأخذ حكم المنقول المادي. ولما كان السند لحامله يأخذ ذات حكم السند لأمر فيما عدا طريقة تداوله، فإنه تسري عليه ذات القواعد السابقة.
1842
| 08 يناير 2025
نشأت الكمبيالة خلال القرنين الثاني والثالث عشر الميلادي، وذاع صيتها في الأسواق الواقعة بين إيطاليا وفرنسا. ومن المتفق عليه أنها أقدم الأوراق التجارية ظهورًا، وتتجلى أهميتها نتيجة الحاجة إلى نقل مبالغ طائلة من النقود من مكان إلى آخر دون التعرض لمخاطر تؤدي إلى الإنقاص منها أو عدم ضياعها. فمثلًا، إذا أراد تاجر، يسكن في جنوه بإيطاليا، إبرام عملياتٍ تجارية في سوق شمبانيا بفرنسا، بطبيعة الحال لن يحمل معه كل تلك النقود التي سيشتري بها البضائع؛ مخافة ضياعها أو لصعوبة حملها أثناء الطريق، وبذلك يلجأ إلى الصيرفي في جنوه ويقدم له المبلغ الذي سيتم به العمل التجاري، فيسلمه الصيرفي رسالة تسمى «رسالة الوفاء»، فتتقلص النقود في ورقة واحدة يذهب بها إلى شمبانيا ويأمر فيها بأن يدفع للتاجر مبلغًا من النقود. ولذا سميت بأداة صرف في بعض الأوقات. نجد في المثال السابق أن أصل نشأة الكمبيالة جاء من رسالة الوفاء، وبناء على ذلك يتبين لنا أن الكمبيالة في بدايات ظهورها كانت تستخدم لدرء المخاطر القائمة أثناء السفر وتنفيذًا لعقد الصرف، ومع توالي الليل والنهار، تطورت هذه الورقة إلى أن أصبحت أداة لمنح الائتمان أو أداة تقوم مقام النقود. وقد عرف المشرع القطري الكمبيالة في المادة (449) من القانون التجاري القطري بأنها «ورقة تجارية تتضمن أمرًا من الساحب إلى المسحوب عليه بأن يدفع مبلغًا معينًا من النقود بمجرد الاطلاع أو في تاريخ معين أو قابل للتعيين لأمر المستفيد». يتبين لنا من خلال هذا التعريف أن الكمبيالة تفترض وجود ثلاثة أطراف، وهم: الساحب، والمستفيد، والمسحوب عليه. والأول هو من يحرر الكمبيالة ويوقع عليها ويصدر الأمر بالدفع، أما المستفيد فهو من يقبض قيمتها ويصدر الأمر بالدفع لصالحه، بينما المسحوب عليه هو من يدفع قيمتها من خلال صدور أمر بالدفع في مواجهته. ونضرب مثلًا حتى يتسنى لنا فهم آلية عملها. يقوم محمد (الساحب) بشراء سيارة من خالد بقيمة 500 ألف ريال قطري، فيلتزم محمد بدفع هذا المبلغ لخالد (المستفيد)، وفي الوقت نفسه يعد محمد دائنًا في علاقة مع سعد بمبلغ 500 ألف ريال قطري نتيجة إبرام عقد إيجار عمارة سكنية، وبالتالي يلتزم سعد (المسحوب عليه) في مواجهة محمد بمبلغ 500 ألف ريال قطري، فبدل أن يقوم محمد بقبض الثمن من سعد يقوم بتنفيذ التزامه في مواجهة خالد، فيقوم محمد (الساحب) بتحرير كمبيالة بقيمة 500 ألف لخالد (المستفيد) يأمر بها سعدًا (المسحوب عليه) بأن يدفع ما في ذمته لخالد. بناء على ما سبق، ينتج عن سحب أو تحرير الكمبيالة ثلاث علاقات أساسية: أولًا: العلاقة بين الساحب والمستفيد (علاقة الأساس): هي العلاقة الأصلية التي بسببها حُرّرت الورقة التجارية بهدف تسوية الدين الناشئ بينهما أو للحصول على الائتمان من المستفيد، والأسباب في تحرير الكمبيالة بغاية تسوية الدين قبل المستفيد لا حصر لها، فقد تكون هذه العلاقة مثلًا ناتجة عن عقد بيع أو إيجار أو توريد أو مقاولة أو هبة أو قرض، بينما تحرير الكمبيالة من أجل الحصول على الائتمان، قد يكون في صورة سحبها من قبل الساحب، ومن ثم يعين نفسه مستفيدًا، يلي ذلك خصمها من قبل أحد البنوك – بعد توقيع المسحوب عليه بالقبول – من خلال تظهيرها للبنك تظهيرًا ناقلًا للملكية في مقابل تعجيل الثمن بعد أن يأخذ البنك نسبة من قيمتها. ثانيًا: العلاقة بين الساحب والمسحوب عليه (علاقة المديونية): لا يلجأ الشخص إلى سحب الكمبيالة إلا إذا كان الساحب دائنًا للمسحوب عليه جراء علاقة سابقة، باستثناء حالة كمبيالة المجاملة. ونستنتج أن الساحب يكون دائنًا ومدينًا في آنٍ واحد؛ فهو دائن في مواجهة المسحوب عليه، ومدينًا بتنفيذ التزامه في مواجهة المستفيد. ثالثًا: العلاقة بين المسحوب عليه والمستفيد: تنشأ هذه العلاقة بقبول المسحوب عليه الكمبيالة، ومن ثم يتحول إلى المدين الأصلي والمسؤول عن الوفاء بقيمة الكمبيالة؛ إذ يعد أجنبيًا في العلاقة بين الساحب والمستفيد إلى حين قبوله فيحل محل الأول، ويصبح مدينًا أصليًا. ومتى تم تحرير الكمبيالة بشكل صحيح، فإنها تصبح جاهزة للتداول والانتقال من مظهر لآخر عن طريق التظهير أو التسليم وهكذا دواليك إلى أن تستقر في يد الحامل الأخير، وتقدم للمسحوب عليه في ميعاد الاستحقاق لقبولها متى كانت تتضمن أجلًا ومن ثم الوفاء بقيمتها، وخلال تلك العمليات قد يتدخل شخص في الكمبيالة، كالضامن الاحتياطي أو القابل بالواسطة أو بالتدخل، وكلما انتقلت هذه الورقة من يد إلى أخرى اقتنصت توقيعًا جديدًا، فتحمل توقيع الساحب والمظهرين المتتابعين والمسحوب عليه القابل، أو القابل بالتدخل، أو الضامن الاحتياطي، وتكتسب جميع الأعمال السابقة، من السحب والتظهير والقبول والضمان الاحتياطي وما إلى ذلك، الصفة التجارية المطلقة، ويستفاد ذلك من جملة «جميع الأعمال» المذكورة في المادة (7) من القانون التجاري القطري. ونتيجة للمرونة والفعالية التي تتمتع بها الكمبيالة، بأن تكون تارة أداة ائتمان؛ لأنها تتضمن أجلًا للسداد، وتارة أداة وفاء تقوم مقام النقود، فقد آثرها المشرع التجاري بقواعد خاصة تميزها عن القواعد العامة التي جاء بها المشرع المدني بشأن حوالة الحق. وتظهر أهمية الكمبيالة في كون المشرع اعتبرها القاعدة العامة والأساس لجميع الأوراق التجارية. «إذ تعتبر الكمبيالة المثال الفذ للأوراق التجارية وأهمها على الإطلاق». كما أسلفنا فيما تقدم، فإن أي عمل يتعلق بالكمبيالة يعد من قبيل الأعمال التجارية، بغض النظر عن صفة محررها سواء كان تاجرا أو غير تاجر، وسواء كانت حررت لأجل عمل تجاري أم مدني.
1935
| 01 يناير 2025
أبرز تطبيق يكرس علة انشقاق القانون التجاري عن الشريعة العامة – القانون المدني – يتمثل في الأوراق التجارية، فالأخيرة لا يعدو إلا أن تكون ترسيخًا وتدعيمًا واضحًا لفكرتين أساسيتين يتحلى بهما القانون التجاري وهما الائتمان والسرعة، وهي بذل تشكل الخصائص التي يقوم عليها أي تشريع تجاري. ونجد أن هاتين الخصيصتين تتجسدان بشكلٍ جلي في الأوراق التجارية. استنادًا إلى ما سبق، تعد الأوراق التجارية أحد أبرز المقومات في الحياة التجارية، بيد أن اصطلاح «الأوراق التجارية» لا يعني حصرها على التعاملات التجارية وقصرها على التجار فقط، فالواقع يقول غير ذلك؛ حيث يشمل نطاق استعمالها التعاملات المدنية، وتمتد إلى غير التجار، وأبرز دلالة على ذلك الشيك؛ إذ إنه يستعمل بمناسبة القيام بعملٍ مدني أو تجاري، وقد يكون بيد التاجر أو غيره. ولا بد من التأكيد على أن تحرير الأوراق التجارية أو سحبها يعد من قبيل الأعمال التجارية الشكلية المنفردة، مع أن المشرع لم يذكرها مع تلك الفئة بل أفرد لها نصًا في المادة (7) من القانون التجاري القطري؛ حيث جاء فيها «تعتبر أعمالًا تجارية جميع الأعمال المتعلقة بالأوراق التجارية». ويتضح أن جميع الأعمال المتعلقة بالأوراق التجارية تكتسب الصفة التجارية، ويترتب على صيغة العموم التي جاء بها المشرع في المادة السابقة، أن العمل يعد تجاريًا سواء قام بها تاجر أم غير تاجر. وتأكيدًا على ذلك، نص المشرع في المادة (448) في الباب الخامس من القانون السابق على أنه «تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق التجارية الأخرى أيًا كانت صفة ذوي الشأن فيها أو طبيعة الأعمال التي أنشئت من أجلها». وقد عدد المشرع صور الأوراق التجارية، وهي الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك، كما أنها وردت على سبيل المثال لا الحصر، ويستفاد ذلك من كلمة «وغيرها» في المادة السابقة. وتناول المشرع القطري تنظيم أحكام الأوراق التجارية بالباب الخامس في المواد (447-605) من قانون رقم (27) لسنة 2006 بإصدار قانون التجارة، وتمثل هذه المواد المشار إليها أحكامًا خاصة يطلق عليها اسم «قانون الصرف». وقد خصَّ الفصل الأول للكمبيالة في المواد (453-555) وعدها الأساس الذي يشمل جميع بيانات الصرف ومن ثم أحال إلى بعض أحكامها في بعض الأوراق التجارية الأخرى، بينما خص الفصل الثاني للسند لأمر وعالجه في المواد (556-559)، وأخيرًا الفصل الثالث للشيك وذلك في المواد (560-605). ولا بد أن ننوه بأن المشرع القطري قد استمد بعضًا من القواعد الخاصة المنظمة لأحكام الكمبيالة والسند لأمر والشيك من اتفاقية جنيف الموحدة. ولم يأت قانون المواد المدنية والتجارية القطري (الملغى)، بتعريف للأوراق التجارية، والأمر ذاته بالنسبة إلى معظم قوانين التجارة العربية المقارنة، وحسنًا فعلوا؛ لأن تعريف المصطلحات من المهام الملقاة على عاتق الفقهاء، وبها تنشط حركات الاجتهاد الفقهية والدراسات البحثية، وهي أقرب إليهم من المشرع. ومن جهة أخرى، فإن فرض تعريف للأوراق التجارية من شأنه أن يقيد الحياة الاقتصادية والاجتماعية التي تتسم بالتغير المستمر، فتصبح جامدة لا تتغير إلا بإجراءات معقدة وقد تأخذ وقتًا طويلًا من الزمن. بينما الأمر على النقيض تمامًا في القانون التجاري القطري؛ حيث عرف الأوراق التجارية في المادة (447) التي نصت على أن «الأوراق التجارية صكوك مكتوبة وفق أشكال حددها القانون، تمثل حقًا موضوعه مبلغًا معينًا من النقود، يستحق الأداء بمجرد الاطلاع أو بعد أجل معين أو قابل للتعيين، وهي قابلة للتداول بالطرق التجارية». ويرى البعض من الفقه القطري، أن المشرع قد وفق بوضع تعريف عام للأوراق التجارية؛ لأنه بذلك يسهل تطبيق النصوص على القضاة، وينبه المتعاملين بها – وبالأخص التجار – أن بيدهم صكًا يمثل ورقة تجارية مؤداها الدخول في نطاق القانون الصرفي الذي يتسم بالتشدد. وتطبيقًا لتعريف المشرع القطري للأوراق التجارية، قد يعتقد أن قسائم أرباح الأسهم وقسائم فوائد السندات أوراق تجارية؛ لأنها تتضمن ذات الخصائص، وهي في الواقع غير ذلك؛ لأن العرف في دولة قطر لم يجرِ على استعمالها كأدوات وفاء للديون. والغريب أن المشرع القطري قد أكد على هذه الخاصية – قبول العرف للورقة التجارية – في موضع آخر؛ حيث اعتمد على ما تعارف عليه التجار في اعتبار الأوراق التجارية أداة تجري في العمل خلفًا للنقود.علاوة على أن المشرع القطري قد أكد على خاصية قبول العرف التجاري للورقة التجارية كأداة وفاء أو ائتمان عندما أورد أنواع الأوراق التجارية على سبيل التمثيل لا الحصر في نص المادة (448) من القانون التجاري القطري بقوله «تشمل الأوراق التجارية الكمبيالة والسند لأمر والسند لحامله والشيك وغيرها من الأوراق التجارية الأخرى أيًا كانت صفة ذوي الشأن فيها أو طبيعة الأعمال التي أنشئت من أجلها». وهذا يفهم ضمناً من عبارة وغيرها، وبذلك أجاز إضافة أوراق تجارية أخرى قد تظهر في المستقبل، والسؤال كيف يكون ذلك؟ هل عن طريق قيام الشخص متفردًا ومن تلقاء نفسه باستعمال صك مكتوب وفق القانون، وقابل للتداول، ومحله مبلغ من النقود معين المقدار؟ والإجابة قطعًا لا بالطبع؛ إذ يجب أن يجري العرف باعتبار أن هذا الصك يعد من قبيل الأوراق التجارية، ويقوم المجتمع بإدراجه في تعامله محل النقود. وندلل على ما سبق بما سار عليه العرف في فرنسا ولبنان بقبول صك رهن البضاعة المودعة في مخزن عام واعتباره أداة للوفاء، مما يجعله ورقة تجارية.
900
| 29 ديسمبر 2024
عرفت المادة (682) من القانون المدني القطري المقاولة بأنها "عقد يلتزم بمقتضاه أحد الطرفين أن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا للطرف الآخر لقاء أجر، دون أن يكون تابعًا لهذا الطرف أو نائبًا عنه". يتضح لنا من هذا النص أن المقاول يتعهد بأن يصنع شيئًا أو أن يؤدي عملًا، وفي نهاية المطاف يعد صنع الشيء عملًا يقوم به الصانع، فهو إذًا يلتزم دائمًا بتأدية عمل، والعمل الذي يقوم به يختلف باختلاف نوع المقاولة، فتتباين أنواع المقاولة وتتنوع. على إثر ذلك تنقسم المقاولة من حيث طبيعة العمل إلى عمل مجرد غير متصل بشيء، كنقل الأشخاص أو الرسم أو أعمال المحامي والمحاسب، وقد يكون العمل متصلًا ومقترنًا بشيء، سواء كان هذا الشيء موجودًا أم لا، كالنجار الذي يصنع الأثاث من الخشب أو يرممه، والحائك الذي يخيط الثوب من القماش أو يرقعه، وما إلى ذلك. وتنقسم المقاولة من حيث حجم العمل إلى مقاولة صغيرة وكبيرة، ومثالًا على الأولى أعمال النجار والخياط والمحاسب والسباك، أما الثاني فمثل مقاولات تشييد الملاعب ومجمعات التسوق الضخمة والمشاريع الكبرى كالطائرات والبواخر، كما تتعدد المقاولة من حيث جنس العمل؛ فهناك مقاولات معروفة لانتشارها، خاصة إذا قلنا كلمة "مقاولات" انصرف الذهن إلى مقاولات البناء إلا أنه هناك مقاولات لها وضعها الخاص واستقلاليتها عن القواعد العامة. وللمشرع القطري موقف مغاير، ووجهة نظر خاصة عن التشريعات العربية المقارنة بالنسبة إلى أعمال المقاولة؛ حيث نصت المادة (4/6) من القانون التجاري القطري على أنه "تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 6- مقاولات الأعمال. وعليه نجد أن هذا النص ليس له مثيل في أقرانه من التشريعات العربية، والمقصود بالمقاولات في متن المادة مفهوم المقاولة الذي جاء به القانون المدني القطري. ووفقًا لنص المادة، تعد جميع أعمال المقاولات التي يتعهد بها الشخص من الأعمال التجارية؛ لأن النص جاء عامًا، وتطبيقًا لقاعدة المطلق يجري على إطلاقه، ونأخذ بعين الاعتبار أن المشرع صنف هذا الأعمال مع الأعمال التجارية المنفردة؛ أي أن الصبغة التجارية تكون ملازمة لها، وبغض النظر عن صفة القائم عليها؛ سواء كان تاجرًا أم غير تاجر، وسواء وقعت مرة واحدة أم بشكل متكرر. لكن يرى جانب من الفقه القطري أن هذه الأعمال ليست أعمالًا تجارية منفردة؛ بل إن استخدام المشرع للفظ "مقاولات الأعمال" يدل على قيام الشخص بهذه الأعمال بصفة دائمة وبشكل متكرر وليس مرة واحدة وبشكل متفرد، وفقًا لمظاهر ملموسة وواضحة، مما يؤدي لوصولها إلى حد الاحتراف، ويكون الاحتراف هو الأساس لإضفاء الصبغة التجارية لهذه الأعمال. وكان من المفترض أن تنظَّم هذه الاعمال في المادة (5) من القانون التجاري القطري التي جاءت بالأعمال التجارية بطريق الاحتراف. واستثناء من القاعدة العامة، التي تقضي بأن أعمال المقاولة تعد أعمالًا تجارية بغض النظر عن صفة القائم وسواء تمت بصفة منفردة أم بطريق الاحتراف، فإن المشرع اشترط نوعًا معينًا من أعمال المقاولات لا يكتسب الصفة التجارية إلا إذا تم ممارسته بطريقة الاحتراف، وهي المقاولات المتعلقة بالتشييد والإنشاءات، وهذا ما نصت عليه المادة (5/16) بقولها "تعد أعمالًا تجارية الأعمال الآتية إذا تمت على وجه الاحتراف: 16- الأعمال المتعلقة بمقاولات التشييد والإنشاءات وترميمها وهدمها". وتكمن الغاية من إدراج هذا الأعمال ضمن الأعمال التجارية في حماية أفراد المجتمع من المقاولين، بانصياعهم جبرًا لقواعد القانون التجاري التي تفرض ثمة التزامات على أي شخص يكتسب صفة التجار كمسك الدفاتر التجارية، والخضوع إلى نظام الإفلاس، وغيرها من القواعد. وهذه الغاية تظهر جليًا في مقاولات التشييد والبناء؛ فقد أصبحت مرتعًا حقيقيًا لفرص الاستثمار والاستغلال التجاري. وتجدر الإشارة إلى أن المهن الحرة تدخل في نطاق أعمال المقاولات بمعناها الواسع، والنص كما تقدم جاء مطلقًا، فيفترض أن تكون المهن الحرة من قبيل الأعمال التجارية، لكن المشرع القطري قد استثناها بنص خاص، والخاص يقيد العام. خلاصة الأمر، تعتبر أعمال المقاولات أعمالًا تجارية ولو تمت مرة واحدة. واستثناء من ذلك، تعد أعمال التشييد والإنشاء والبناء أعمالًا مدنية لو تمت مرة واحدة، وإذا مارس المقاول هذه الأعمال على وجه الاحتراف عدت تجارية، ودخلت نطاق القانون التجاري، وبناء عليه تخضع لقواعده، كأن يكتسب المقاول صفة التاجر، وما إلى ذلك. أما بالنسبة إلى المهن الحرة فالأصل العام أنها أعمال مدنية إلا أنها تخرج من دائرة القانون المدني في بعض الفروض وتدخل ميدان القانون التجاري، وسبق أن أشرنا لذلك في مقال سابق.
1587
| 12 ديسمبر 2024
تعد الشركات سابقًا وخاصة في عصور الاستعمار – بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر – من أفضل الوسائل التي تلجأ لها الدولة المستعمرة لبسط نفوذها وبناء مستعمراتها في الدول النائية كالهند والدول الأفريقية، أما في وقتنا الحاضر فتقوم الشركات بأثمن الأعمال وأعظمها، والتي عجزت النفس البشرية عن القيام بها وحيدة، كشركات المياه والكهرباء، وشركات التأمين، والبنوك، والشركات العاملة في مجال الصناعة والزراعة وغيرها. وفي هذا المقام، جاء المشرع القطري وأسبغ الصفة التجارية على عمليات تأسيس الشركات، وعدّها من الأعمال التجارية المنفردة، ويترتب على ذلك أن العمل يكتسب الصفة التجارية بغض النظر عن صفة القائم عليه، إضافة إلى أن العمل يكتسب الصفة التجارية ولو تم مرة واحدة أو بشكل متكرر وعلى سبيل الاحتراف من باب أولى. وهذا ما نصت عليه المادة (4/5) من القانون التجاري القطري بقولها «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 5- تأسيس الشركات التجارية». وفي الواقع نجد أن هذا النص يشترط، حتى يصبغ العمل بالصبغة التجارية، أن يكون محل التأسيس هو الشركات التجارية وليس الشركات المدنية، وبالتالي نستبعد أعمال تأسيس الشركات المدنية من نطاق تطبيق القانون التجاري. وعرفت المادة (2/1) من قانون الشركات القطري الشركة التجارية بأنها «عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر من الأشخاص الطبيعيين أو المعنويين، بأن يسهم كل منهم في مشروع يستهدف الربح، وذلك بتقديم حصة من مال أو عمل واقتسام ما ينشأ عن المشروع من ربح أو خسارة». واستثناء من ذلك يجوز تأسيس الشركات بالإرادة المنفردة لشخص الواحد، وهذا ما أكدت عليه المادة (2/2) من القانون أعلاه؛ حيث نصت على أنه «يجوز أن تؤسس الشركة من شخص واحد وفقًا لأحكام الباب الثامن من هذا القانون». ويقصد بتأسيس الشركات مجموعة الأعمال المادية والتصرفات القانونية التي تفرضها طبيعة كل شركة على حدة لإنشاء كيانها القانوني من قبل المؤسسين، على النحو الذي أراده المشرع. ويسري نص المادة (4/5) من القانون التجاري القطري على جميع عمليات التأسيس، بداية من إبرام عقد الشركة، وصولًا إلى إشهارها عن طريق قيدها بالسجل التجاري، علاوة على أن عملية التأسيس تتضمن تقديم الحصص وتقويمها إذا كانت عينية، وعمليات الاكتتاب، وإجراء النشر في الصحف، والدعاية والإعلان عن الشركة، والترويج عن الأسهم، وما إلى ذلك من عمليات تتعلق بتأسيس الشركات التجارية. وبالتالي تعد جميع أعمال تأسيس الشركات التجارية من قبيل الأعمال التجارية. ويطلق على من يقوم بإجراءات التأسيس لفظ المؤسسين، وهم الأشخاص الذين يأخذون زمام المبادرة في عملية تأسيس الشركة؛ فيجمعون الأموال، ويخاطبون الأشخاص، ويستوفون الإجراءات اللازمة لقيامها. وتجدر الإشارة إلى أن نص المادة (4/5) الذي أضفى الصفة التجارية على عمليات تأسيس الشركات التجارية، ينصرف إلى الشركاء الذين اشتركوا فعلًا في تأسيس الشركة، واتجهت نيتهم إلى تحمل المسؤولية الناشئة جراء عملية التأسيس، وبذلك لا تعد أعمال المحاسبين والمحامين الذين اشتركوا في عملية التأسيس لحساب المؤسسين من قبيل الأعمال التجارية. والشركات التجارية محددة على سبيل الحصر في القانون القطري، وهي التي ذكرت في المادة (4) من قانون الشركات القطري، وهي: 1- شركة التضامن، 2- شركة التوصية البسيطة، 3- شركة المحاصة، 4- شركة المساهمة العامة، 5- شركة المساهمة الخاصة، 6- شركة التوصية بالأسهم، 7- الشركة ذات المسؤولية المحدودة. وبناء على ذلك يجب أن تنصبّ عملية التأسيس على أحد هذه الأنواع حتى يعد العمل تجاريًا، وإلا كانت عملية التأسيس عملا غير تجاري، مما يرتب قيام مسؤولية المؤسسين وبالتضامن عن أي التزام ينشأ جراء هذا العقد، وهذا ما نصت عليه المادة (5) من قانون الشركات القطري بقولها «تكون باطلة كل شركة لا تتخذ أحد الأشكال المشار إليها في المادة السابقة، ويكون الأشخاص الذين تعاقدوا باسمها مسؤولين شخصيًا وبالتضامن عن الالتزامات الناشئة عن هذا التعاقد». وهكذا يتبين لنا أن الصفة التجارية لأعمال تأسيس الشركات تكون مفترضة بمجرد وقوعها، وسواء استكمل المؤسسون إجراءات التأسيس أو باءت إجراءاتهم بالفشل لأي سبب كان؛ وافتراض الصفة التجارية جاء جراء قيام المسؤولية الشخصية والتضامنية للشركاء المؤسسين عند عدم اكتمال الإجراءات بسبب عدم اتخاذ الشكل الذي حدده القانون في المادة (4) من قانون الشركات. وحسنًا فعل المشرع القطري بقصره الصفة التجارية على أعمال التأسيس ولم يضف إليها بيع وشراء الأسهم، كما فعلت بعض من التشريعات التجارية العربية كالقانون التجاري الكويتي؛ فلا حاجة لبيان تجارية العمليات الأخيرة لأنها من قبيل المنقولات المعنوية، التي نص المشرع على تجاريتها في المادة (4/1) من القانون التجاري القطري حيث تقول «تعد، بوجه خاص، أعمالًا تجارية، الأعمال الآتية: 1- شراء السلع وغيرها من المنقولات، أيًا كان نوعها، بقصد بيعها، سواء بيعت على حالتها أو بعد تهيئتها في صورة أخرى». ولا يوجد داعٍ لأن يسلك نهج التشريعات العربية المقارنة ويؤكد على تجارية عمليات بيع وشراء الأوراق التجارية كالأسهم والسندات والصكوك الإسلامية؛ لأن المشرع كما هو معلوم منزه عن اللغو.
432
| 07 ديسمبر 2024
مساحة إعلانية
في ركنٍ من أركان ذاك المجمع التمويني الضخم...
1017
| 16 فبراير 2026
تهاوي هياكل الظلم والظلام واللاإنسانية أرثت عوالق ما...
1008
| 23 فبراير 2026
مرحبًا رمضان، رابع الأركان وطريق باب الريان. فالحمد...
885
| 18 فبراير 2026
لقد نظم المُشرع القطري الجرائم التي يتم ارتكابها...
822
| 16 فبراير 2026
كلنا يعلم الرابط القوي والعلاقة المميزة بين القرآن...
645
| 20 فبراير 2026
أخطر ما يهدد المؤسسات اليوم لا يظهر في...
627
| 16 فبراير 2026
كشف التقرير السنوي لقطر للسياحة أن عدد الزوار...
501
| 22 فبراير 2026
انبلاجُ الوعي اليومي لا يقدّم الجسد بوصفه حضورًا...
498
| 19 فبراير 2026
يشهد قطاع التعليم تحولاً رقمياً متسارعاً يهدف إلى...
483
| 16 فبراير 2026
شهر رمضان ليس مجرد موعدٍ يتكرر في التقويم،...
477
| 17 فبراير 2026
تُعد دولة قطر شريكاً محورياً في الجهود الدولية...
450
| 20 فبراير 2026
تمثل القيم الثقافية منظومة من المعتقدات والأعراف والممارسات...
435
| 16 فبراير 2026
مساحة إعلانية