رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ما إن حدث التحول العظيم في سوريا قبل أسابيع قليلة، والانهيار الدراماتيكي لنظام فاسد ظالم جثم على صدور الناس عقوداً خمسة مظلمة، حتى صار ذلكم الانتصار المدوي لثلة مؤمنة مجاهدة، حديث العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه.
لو أن الذي حدث في موقع جغرافي بعيد عن العالم العربي المسلم، ما كان جل العالم سيهتم به كثيراً كما هو الحاصل الآن مع الثورة السورية، بل ويدقق في تفاصيل الحياة اليومية للثلة المنتصرة، ولم يكن كذلك ليهتم كثيراً كيف ستدير تلك الثلة المنتصرة بلادها، ولن يهتم بمن سيتولى الحقائب الوزارية في حكومة مؤقتة أو دائمة.. لم يكن ليهتم بكل تلك التفاصيل التي تغرقنا بها وسائل الإعلام العالمية، لاسيما الغربية منها وتلك التابعة لها من الإعلام العربي..
كل هذا الاهتمام دون أن ندخل في كثير تفصيلات وشروحات، سببه واحد متكرر منذ أن عرف العالم هذا الدين. إنه الإسلام أو روحه التي ما إن تكون بالأجواء في أي موقع أو أي حدث، إلا ورأيت العالم كله يهتم ويجلس إلى تفاصيل التفاصيل، يريد أن يدقق فيها ويتعرف عليها، بل والأكثر من ذلك، يريد أن يتدخل في كل دقائق الأمور ويفرض رأيه بصورة وأخرى، وكأنما هذا العالم خلا من مشكلاته وقضاياه من تلك التي تحتاج لكثير اهتمام ومتابعة..
ولكن لأن الإسلام ظاهر في الحدث السوري وبشكل واضح للعيان، وجدت كل ذئاب وثعالب العالم وقد تجمعت وترادفت وتعاونت لكبح جماح هذا السيل الهادر، الذي جاء من أقصى الشمال السوري واجتاح كل ما يجد في طريقه حتى الساحل.
دعم الشرع واجب شرعي
لا يهمنا الآن هذا التكالب الغربي وبعض العربي على الدولة السورية الجديدة، والمحاولات التي تجري في السر والعلن لضبط مسارها لتتوافق مع ما تم رسمه للمنطقة منذ قرن بائس من الزمان.. ما يهم الآن أولاً هو كيفية دعم بناء هذه الدولة من منطلق شرعي كما في الحديث الصحيح «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». فالدولة السورية تمر بمنعطف مهم، بعد أن عبث بها العابثون سنين طويلة. مطلوب ذلكم التداعي الأخوي الصادق، بعيداً عن أي حسابات وأجندات سياسية، من أجل تثبيت أركان سوريا الجديدة وبناء مؤسساتها وفق نظام راسخ قائم على العدالة، حتى يتفرغ الشرع وإخوانه ثانياً للعلاقات مع الخارج.
ما يقوم به السيد أحمد الشرع وإخوانه من خطوات بنَّاءة هادئة في ضبط الشؤون الداخلية، وإعادة الأمن والأمان إلى البلاد تدريجياً رغم تحديات الخارج والداخل، هو عمل كبير يستحق كل دعم وتأييد، سياسياً واقتصادياً وإعلامياً وغيرها. إنهم يسيرون كما يبدو للمراقب، وفق شرع الله في اختياراتهم للأكفاء وذوي القدرات والمهارات في إدارة البلاد، رغم العويل والضجيج الذي يحدثه كل عمل يقوم به السيد الشرع وإخوانه، قبل وبعد العمل.
لكن من طريف ما يمكن ذكره ضمن سياق حديثنا عن ترتيبات البيت الداخلي، أن تتدخل دول عربية وغربية في كيفية بناء الدولة السورية الجديدة، وكيفية إدارتها، وقد تناست تلك الدول أنها أكثر بؤساً وفقراً في فكرها وعقيدتها وقيمها ومبادئها، بل وأكثر حاجة لأن تتولى أمورها وتهتم بشؤونها قبل أن تتدخل في أمور غيرها.
إعادة مفهوم الربيع العربي
ما يعمل عليه السيد الشرع وإخوانه على نار هادئة، رغم النيران المشتعلة في نفوس كثيرين حوله خوفاً ورهباً، هو ما كان الجمهور العربي الثائر يأمله بعد انتهاء ثوراتهم في تونس ومصر وليبيا واليمن منذ أن اشتعلت شرارة الربيع العربي أواخر عام 2010.
إنه يقوم بترتيب البيت الداخلي وتكليف القوي الأمين في كل موقع، لا يهمه إن كان فلاناً ابن علان، أو إن كان صاحب مال أو جاه، بقدر ما يهمه أن يكون من يختاره ذا سابقة في الجهاد، وصاحب فكر وعقيدة صافية، وكفاءة قيادية ومهارة إدارية. إنه يعلم أن تلك المعايير لن تعجب كثيراً من الحضر ولا الغجر، لكنها تتوافق مع شرع الله، وما توافق مع الشرع الحنيف، حصل التوفيق والسداد بإذن الله، وهذا هو المقصد والهدف.
من هنا لا أشك لحظة في أن السيد الشرع وإخوانه يدركون في عملية البناء أهمية البطانة الصالحة، فإن أول ما يمكن أن يبدأ به أي مسؤول عمله هو القيام بالاختيار الدقيق لبطانته، أو من سيكونون حوله، أو بتعبير إداري أدق، يختار فريق العمل الخاص به، الذي معه يتحرك ويعمل. فإن نجح في هذه الخطوة، فالخطوات القادمات تكون سهلة يسيرة. أما إن فشل في هذه البداية، فالطريق سيكون شاقاً غير يسير.
الله الله في البطانة
مما سبق نرى أهمية بالغة قيام أي مسؤول بتشكيل أو اختيار البطانة أو فريق العمل، قبل أن ينطلق نحو تحقيق الأهداف والمهام الموكولة به. القرآن الكريم أشار إلى أهمية هذه الفئة، وضرورة الاعتناء بمسألة الاختيار كما في قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا) حيث ينهى الله المؤمنين بهذه الآية – كما يقول القرطبي - أن «يتخذوا من الكفار واليهود وأهل الأهواء دخلاء وولجاء، يفاوضونهم في الآراء ويسندون إليهم أمورهم».
عمر بن عبد العزيز رحمه الله، نموذج إداري قيادي ناجح بعد الخلافة الراشدة. اختياره الموفق لبطانته، لعب دوراً في الرخاء والعدل والأمن الذي حدث للأمة في عامين هي مدة خلافته. فلم يكن رحمه الله يتحرك وفق أهواء وأمزجة متقلبة، بل وفق علم وفقه وإيمان، تسانده بطانة صالحة كانت أكثر كفاءة وعلماً منه، وليس في ذلك ما يعيب المسؤول، فإن قوة وكفاءة البطانة هي في صالحه قبل صالح الأمة.
وليس شرطاً أن تكون البطانة جيشاً من خبراء ومستشارين، فقد تكون البطانة رجلاً واحداً، لكنه بألف رجل. ولنا في موسى - عليه السلام - النموذج، فقد كان هارون - عليه السلام - هو البطانة، وهو المستشار. ولنا كذلك قبل أي أحد، رسولنا الكريم - صلى الله عليه وسلم - ثم خلفاؤه الراشدون، القدوة الحسنة في هذا الأمر. والله بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
العلم يموت بصمت... فمن يسمع؟
في زمنٍ تاهت فيه المعايير، واختلطت فيه القيم، نقف اليوم على مفترق طريق خطير؛ طريقٍ يُرفع فيه الجهل،... اقرأ المزيد
72
| 30 يناير 2026
أهمية دور الشرطة المجتمعية فى المدارس
دور الشرطة المجتمعية مهم فى تحقيق الأمان لأولياء أمور الطلاب والمراهقين بالأخص، نظراً لبعض الحالات الاجتماعية المتعددة، فالاعتراف... اقرأ المزيد
69
| 30 يناير 2026
روبلوكس ضد الواجب.. تربية قطر تحسم اللعبة
تدخل لعبة «روبلوكس» إلى حياتي فجأة بلا استئذان، مثل ساحرٍ رقميٍّ يلوّح بعصاه فيختفي الواجب ويتبخر التركيز، ويبدأ... اقرأ المزيد
54
| 30 يناير 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
يمثّل فوز الشيخ جوعان بن حمد آل ثاني برئاسة المجلس الأولمبي الآسيوي لحظة تتجاوز منطق التغيير الإداري إلى أفق أوسع من المعنى والمسؤولية. فالمجلس، بوصفه المظلة الأعلى للحركة الأولمبية في آسيا، ليس مؤسسة رياضية فحسب، بل هو كيان يعكس توازنات القارة، وتحدياتها، وقدرتها على تحويل الرياضة إلى لغة تعاون لا صراع، وإلى مساحة بناء لا تنافس سلبي. آسيا، بتنوعها الجغرافي والثقافي والسياسي، تضع رئيس المجلس أمام مهمة دقيقة: الحفاظ على وحدة رياضية لقارة تتباين فيها الإمكانات، وتختلف فيها الرؤى، وتتقاطع فيها المصالح. ومن هنا، فإن الثقة التي مُنحت للشيخ جوعان ليست ثقة بمنصب، بل ثقة بقدرة على الإصغاء، وإدارة الاختلاف، وبناء مساحات مشتركة تضمن عدالة الفرص وتكافؤ الحضور. التجربة القطرية في المجال الرياضي، والتي كان الشيخ جوعان أحد أبرز مهندسيها، تقدّم مؤشراً مهماً على فهم العلاقة بين الرياضة والتنمية، وبين التنظيم والحوكمة، وبين الاستثمار في الإنسان قبل المنشأة. هذا الفهم يُنتظر أن ينعكس على عمل المجلس، ليس عبر قرارات سريعة أو شعارات واسعة، بل من خلال تراكم هادئ لإصلاحات مؤسسية، وبرامج مستدامة، وشراكات تحترم خصوصية كل دولة آسيوية دون أن تعزلها عن المشروع القاري. الأمل معقود على أن تكون المرحلة المقبلة مرحلة إعادة تعريف للدور الآسيوي في الحركة الأولمبية العالمية؛ ليس من حيث عدد الميداليات فقط، بل من حيث جودة التنظيم، ونزاهة المنافسة، وتمكين الرياضيين، ودعم الرياضة النسائية، وتوسيع قاعدة الممارسة في الدول الأقل حظاً. فالقوة الحقيقية للمجلس لا تقاس بقمته، بل بقدرته على رفع أطرافه. إن الثقة بالشيخ جوعان تنبع من هدوئه الإداري، ومن ميله إلى العمل بعيداً عن الاستعراض، ومن إدراكه أن الرياضة، حين تُدار بحكمة، يمكن أن تكون جسراً سياسياً ناعماً، وأداة تنمية، ورسالة سلام. والتمنّي الأكبر أن ينجح في تحويل المجلس الأولمبي الآسيوي إلى منصة توازن بين الطموح والواقع، وبين المنافسة والإنصاف، وبين الحلم الأولمبي والالتزام الأخلاقي.
2427
| 28 يناير 2026
تخيل معي هذا المشهد المتكرر: شركة كبرى ترسل موظفيها ومديريها في دورات تدريبية باهظة التكلفة لتعلم «المهارات الناعمة» (Soft Skills)، و»الذكاء العاطفي»، و»فن الإتيكيت». يجلسون في قاعات مكيفة، يستمعون لمدرب يشرح لهم بلغة أجنبية ومصطلحات معقدة كيف يبتسمون، وكيف ينصتون، وكيف يقرأون لغة الجسد ليكونوا قادة ناجحين. إنه مشهد يدل على الرغبة في التطور، بلا شك. ولكن، ألا تشعر ببعض المرارة وأنت تراه؟ ألا يخطر ببالك أن كل هذه النظريات التي ندفع الملايين لتعلمها، كانت تُوزع «مجاناً» وبجودة أعلى في مجالس آبائنا وأجدادنا تحت اسم واحد يختصر كل تلك الكتب: «السنع الخليجي»؟ مشكلتنا اليوم أننا نقع في فخ كبير حين نظن أن «السنع الخليجي» مجرد كلمة عامية دارجة، أو تقاليد قديمة لصب القهوة. نحن نختزله في «شكليات»، بينما هو في الحقيقة «نظام تشغيل» اجتماعي وإداري فائق التطور، وله جذور لغوية تكشف عن عمقه الفلسفي. السنع.. جمال الروح لا الجسد المفاجأة التي يجهلها الكثيرون هي أن كلمة «السنع» ليست عامية دخيلة، بل هي فصحى قحة. ففي قواميس العرب، الجذر (س ن ع) يدور حول معاني «الجمال» و «الارتفاع». كان العرب يقولون «امرأة سَنعاء» أي جميلة القوام، ويقولون للنبت إذا طال وحسن شكله «أسْنع». وهنا تتجلى عبقرية العقل الخليجي؛ فقد أخذ أجدادنا هذه الكلمة التي تصف «جمال الشكل»، ونقلوها بذكاء لوصف «جمال الفعل». فأصبح «السنع» عندهم هو: «فن صناعة الجمال في السلوك». فالشاب الذي يوقر الكبير، ويخدم الضيف، ويثمن الكلمة، هو في الحقيقة يرسم «لوحة جمالية» بأخلاقه توازي جمال الخِلقة. ذكاء عاطفي.. بلهجة محلية إذن، السنع الخليجي هو «الجمال السلوكي»، وهو ما يطلق عليه الغرب اليوم «الذكاء العاطفي». عندما يعلمك والدك أن «المجالس مدارس»، وأنك لا تقاطع الكبير، هو يعلمك «أدبيات الحوار والتفاوض». وعندما تتعلم أن «الضيف في حكم المَضيف»، وأنك تقوم لخدمته بنفسك مهما علا شأنك، أنت تمارس «القيادة بالخدمة» (Servant Leadership) التي تتغنى بها كتب الإدارة الحديثة. وعندما تتعلم «الفزعة» والوقوف مع ابن عمك أو جارك في مصيبته دون أن يطلب، أنت تمارس «المسؤولية الاجتماعية» و «بناء روح الفريق» في أنقى صورها. المأساة اليوم أننا أصبحنا نستورد «المسميات» وننسى «المعاني» التي تجري في عروقنا. بتنا نرى جيلاً من الشباب يحملون أعلى الشهادات الأكاديمية، يتحدثون لغات العالم بطلاقة، لكنهم «أمّيون» اجتماعياً. يدخل أحدهم المجلس فلا يعرف كيف يُحيّي،.... ولا أين يجلس، ولمن يقوم..، وإذا تكلم «جرّح» دون أن يشعر، لأنه لم يتعلم مهارة «وزن الكلام» التي هي جوهر السنع الخليجي. خاتمة: العودة إلى «جامعتنا» نحن لسنا ضد العلم الحديث، ولا ضد كتب «هارفارد». ولكننا بحاجة ماسة لأن نعود إلى «جامعتنا» المحلية. نحتاج أن نعيد الاعتبار لمفهوم «السنع» ليس كتراث فلكلوري، بل كمنظومة قيم وسلوك حضاري تعبر عن «الجمال المعنوي». أن تكون «متطوراً» لا يعني أن تنسلخ من جلدك. قمة التطور هي أن تجمع بين «كفاءة» الإدارة الحديثة، و»أصالة» السنع الخليجي. فالشهادة قد تجعلك «مديراً» ناجحاً، لكن السنع وحده -بما يحمله من جمال وتواضع وذكاء- هو الذي يجعلك «قائداً» يأسر القلوب، ويفرض الاحترام بلا سطوة. فلنعلم أبناءنا أن «السنع» هو الإتيكيت الخاص بهويتنا، وأنه الجمال الباقي حين يذوي جمال الوجوه.
1998
| 28 يناير 2026
برحيل والدي الدكتور والروائي والإعلامي أحمد عبدالملك، فقدت الساحة الثقافية والإعلامية قامةً فكرية استثنائية، كرّست حياتها للعلم والمعرفة والكلمة المسؤولة، رحل بعد مسيرة حافلة بالعطاء، امتدت لعقود، ترك خلالها إرثًا معرفيًا وأدبيًا وإعلاميًا سيظل شاهدًا على حضوره العميق وتأثيره المتواصل. كرّس الراحل حياته للعلم والتعليم، فعمل أستاذًا جامعيًا وأسهم في تكوين أجيال من الطلبة، مؤمنًا بأن المعرفة ليست ترفًا، بل مسؤولية ورسالة، وإلى جانب عمله الأكاديمي، كان شغوفًا بالكتابة، فأصدر ما يقارب ثمانيةً وخمسين كتابًا في مجالات متعددة، عكست عمق رؤيته الفكرية واهتمامه بالإنسان والمجتمع، كما كان أحد الأسماء البارزة في الإعلام الخليجي والعربي، إذ بدأ مشواره مذيعًا، ثم تدرّج في المناصب حتى أصبح رئيس تحرير، وتقلّد مناصب إعلامية مهمة، حافظ خلالها على المهنية والصدق، رافضًا التنازل عن مبادئه مهما كانت التحديات. لم يكن أحمد عبدالملك مجرد مثقف أو مسؤول إعلامي، بل كان نموذجًا للإنسان الملتزم بقيمه، علّم من حوله أهمية التمسك بالمبادئ، وعدم تقديم التنازلات على حساب الكرامة، والإيمان بأن الكبرياء الأخلاقي قد يكون مكلفًا، لكنه الطريق الوحيد للسلام الداخلي، غرس في أسرته وتلامذته قيم الصدق، وحب المعرفة، والنظام، والدقة، والالتزام، والأمانة، فكان حضوره التربوي لا يقل أثرًا عن حضوره المهني. في الأشهر الأخيرة من حياته، خاض الراحل معركة قاسية مع مرض السرطان، الذي تمكن من جسده خلال سبعة أشهر فقط منذ لحظة تشخيصه، كانت صدمة المرض مفاجئة، لكنها كشفت عن صلابة نادرة في مواجهة الألم، خضع للعلاج الكيماوي، متنقّلًا بين المواعيد الطبية وجلسات العلاج، متحليًا بالصبر والرضا، محافظًا على هدوئه وإيمانه، دون شكوى، في تلك الرحلة المؤلمة، لم يكن وحيدًا؛ فقد رافقته في كل تفاصيل العلاج، وحفظت أدويته، وكنت معه في كل موعد، وكل جرعة كيماوي، وكل يوم ثقيل كان يعيشه. وفي أيامه الأخيرة التي قضاها في المستشفى، ازداد حضوره الروحي صفاءً وطمأنينة، وفي آخر يوم من حياته، حرصت على تلقينه الشهادة طوال اليوم، وكان يطلبني الذهاب للمنزل، ولكني لم اكن اعلم أنه ذاهب لمنزل آخر، رحل بكل هدوء وسلام، كما عاش حياته ملتزمًا بالقيم، تاركًا خلفه حزنًا عميقًا، وذكريات تسكن الأمكنة، ووجعًا لا يُختصر بالكلمات. رحل الدكتور أحمد عبدالملك، لكنه ترك بصمة ثقافية وأدبية راسخة، وإرثًا إعلاميًا مهمًا، ومحبةً صادقة في قلوب كل من عرفه أو قرأ له أو تعلم على يديه، سيبقى اسمه حاضرًا في كتبه، وفي ذاكرة طلابه، وفي الضمير الثقافي العربي. رحمه الله رحمةً واسعة، وجعل علمه وعمله في ميزان حسناته، وأسكنه فسيح جناته. كابنة، لم أفقد والدي فقط، بل فقدت سندي الأول ومرشدي في دربي الإعلامي والثقافي، كان الداعم الأكبر لشغفي بالكتابة، والمعلّم الذي غرس فيّ أصول التقديم الإذاعي والتلفزيوني والإنتاج الإعلامي، بفضله تعلّمت أن الإعلام مسؤولية، وأن الكلمة موقف قبل أن تكون مهنة، رحل، لكنه تركني واقفة على أسس إعلامية متينة، أحمل إرثه وأمضي به بثقة وامتنان.
714
| 25 يناير 2026