رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

تنصيح الرحمن الوافي

مساحة إعلانية

مقالات

231

تنصيح الرحمن الوافي

في زمن الضجيج الرقمي: لماذا أصبح العمل العميق فعلَ مقاومة؟

02 يناير 2026 , 01:27ص

أصبح التركيز في عصر الشاشات والخوارزميات من أندر الموارد التي يمتلكها الإنسان المعاصر. ففي زمن يُمجَّد فيه الانشغال الدائم، يُغترّ كثيرون بمفهوم «تعدد المهام» بوصفه علامة على الكفاءة، بينما هو في الحقيقة أحد أبرز أسباب تآكل الإنتاجية وضياع الجهد. يظن الإنسان أنه يعمل لساعات طويلة، وربما يمكث أمام الشاشات عشر ساعات أو أكثر، متنقلًا بين نوافذ مفتوحة وإشعارات متدفقة، لكنه يكتشف في نهاية اليوم أنه كان مشغولًا لا منتجًا. المشكلة هنا ليست في غياب الجِدّ، بل في فقدان القدرة على التركيز العميق. وتشير الجمعية الأمريكية لعلم النفس إلى أن تبديل المهام يمكن أن يُخفض الإنتاجية بنسبة تصل إلى 40٪، وهو رقم كافٍ لإعادة التفكير في هذا الوهم الشائع.

ما العمل العميق؟

العمل العميق مفهوم قدّمه الباحث الأمريكي كال نيوبورت، ويعني القدرة على التركيز الكامل — دون تشتيت — في مهمة تتطلب جهدًا ذهنيًا عاليًا. هذه الممارسة لا ترفع جودة العمل فحسب، بل تُنمّي المهارات وتُنتج قيمة يصعب تقليدها في عالم سريع الاستهلاك. غير أن العمل العميق لا يُبنى على قوة الإرادة وحدها، بل على نظام واضح. أولى خطواته تحديد «المنطقة الزمنية» الأنسب للتركيز، وهي تختلف من شخص إلى آخر: صباحًا أو ظهرًا أو مساءً. يلي ذلك تهيئة البيئة المناسبة عبر إبعاد الهاتف أو ضبطه على الصامت، وتنظيم مكان العمل ليقتصر على الأدوات الضرورية فقط. ومن المهم تحديد هدف واضح لكل جلسة عمل.

بيولوجيا التركيز

الابتعاد عن الإشعارات لا يغيّر نمط العمل فقط، بل يُحدث تحوّلًا داخليًا مهمًا. فهو يوقف تدفّق جرعات الدوبامين السريعة المرتبطة بالتنبيهات، ما يسمح للدماغ بالدخول في حالة تركيز أعمق تُعرف بـ«حالة التدفق». في هذه الحالة يتلاشى الإحساس بالوقت، وتزداد جودة الأداء بفعل إفراز مواد كيميائية عصبية مثل الدوبامين والنورإبينفرين، التي تعزّز الانتباه والإنجاز.

خاتمة

العمل العميق إعلان صريح بأنك تتحكم في انتباهك، ومن يتحكم في انتباهه يتحكم في حياته. فالمبتدأ في هذه العادة، لا يبدأ بأكثر من ثلاثين دقيقة يوميًا،تُخصّص لأهم مهمة ذات قيمة مستقبلية. ومع الاستمرار، تتحول هذه العادة إلى نمط حياة يُنتج إنسانًا منضبطًا، يحقق إنجازات حقيقية، بدل أن يقضي عمره في ملء «دلوٍ مثقوب» لا يمتلئ أبدًا.

(باحث في قسم العقيدة والفلسفة – جامعة الأزهر الشريف)

مساحة إعلانية