رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ميزة هذه الأمة هي الوسطية، التي تعني بكل وضوح واختصار، المنزلة التي تقع بين الغلو والإفراط. فالإسلام دين الاعتدال في كل تعاليمه وشرائعه وقوانينه. وتلك نعمة أنعمها الله على هذه الأمة، أن جعلها وسطاً في كل أمور الدين – كما جاء في تفسير السعدي - ووسطاً في الأنبياء بين من غلا فيهم كالنصارى وبين من جفاهم كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك. ووسطاً في الشريعة، لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى.
هذه الأمة ليست كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وفوق كل ذلك، حُرمت عليهم الطيبات عقوبة لهم، وليست كذلك مثل النصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج.
لكن طهارة هذه الأمة أكمل طهارة وأتمها. فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلّها، ومن الأعمال أفضلها. وقد وهبهم الله من العلم والحلم والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا أمةً وسطا. هكذا دار المفسرون حول آية (وكذلك جعلناكم أمة وسطا).
• ولا تحمل علينا إصرا
أما آية (ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا. ربنا ولا تحمل علينا إصراً كما حملته على الذين من قبلنا..) فهي نموذج لما كان عليه غير هذه الأمة في الأزمنة الغابرة. حيث شددوا، فشدد الله عليهم وأمرهم بتكاليف شاقة لا يقدر بنو البشر عليها. فقد عبد بنو إسرائيل العجل من بعد أن أضلهم السامري. لكنهم تابوا من بعد ذلك، فهل كانت توبتهم واستغفارهم وعودتهم إلى جادة الصواب كافية؟ بالطبع لا، لم تكن كافية. حيث أمرهم الله عز وجل، وحتى يتطهروا من ذلك الذنب العظيم، أن يقتلوا أنفسهم، بأن يجتمعوا في ظلمة من الليل، يحمل كل أحد منهم سكيناً أو ما شابه، فيقتل من يجد أمامه، مستمراً هكذا حتى يطلع الفجر، بغض النظر من يكون المقتول. فقد يقتل الأب ابنه أو الابن أباه أو أحداً من أقاربه وهو لا يدري ولا يرى. لا شك أنه أمر شاق لا يمكن أن تطيقه النفوس البشرية.
غنائم المعارك مثال آخر لدى الأمم السابقة، التي لم يكن من المسموح لها الانتفاع بها، بل كان يتم جمعها في موقع ما، لتأتي نار من السماء فتحرقها. والأمثلة من تلك التكاليف الثقيلة كثيرة، ليس المجال ها هنا لحصرها والتوقف عندها كثيراً، لأن العبرة أو المقصد الرئيسي من حديثنا هو أن نرى منزلة هذه الأمة، وكيف أن الله سبحانه رفع عنها تلك الأثقال أو التكاليف المرهقة الثقيلة، واستجاب سبحانه للدعوات المخلصة كما في الآيات أعلاه، حتى صار التائب من الذنب في هذه الأمة المسلمة، كمن لا ذنب له. والغنائم ننتفع بها، وأحل الله لنا كل الطيبات دون استثناء.
• الإسلام دين الأنبياء
الإسلام هو الدين الثابت القائم من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنه الدين الذي بعث الله الأنبياء والرسل جميعاً لتبليغه للناس أجمعين (إن الدين عند الله الإسلام) والإسلام يعني الاستسلام لله والانقياد له بالطاعة. وهذا تعريف مختصر واضح لمعنى الدين، كما أجمع المفسرون. وقد جمع الله فيه الشرائع السماوية السابقة، وختم به الرسالات، وبالتالي صار هو الدين الوسط، ومعتنقوه هم أمة الوسط. ومن جميل كرم الله أن جعل هذه الأمة هي المكلفة بحمل ودعوة الناس إلى الدين الوسط، لتنال منزلة الوسطية والخيرية بين العالمين.
أما الدين الذي يتعرض للتلاعب والتحريف، من حذف لآيات وأحكام، أو إضافة هنا وتعديل هناك حسب أهواء القائمين عليه، فإنه ما إن يتعرض لكل تلك الأعمال حتى يخرج عن هذا التعريف، وبالتالي لا يمكن أن يسمى ديناً.
لهذا كله، كما يقول ابن كثير في تفسيره:" من لقي الله بعد بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - بدين على غير شريعته، فليس بمتقبل، كما قال تعالى (ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين).
• شهداء على الناس
الأمة المسلمة ولأن الله ميزها بالوسطية والخيرية في العاجلة، فإنها ترتقي في المنزلة في الآخرة، لتكون أمة شاهدة فتأتي وتشهد على الأمم السابقة حين تعترض على أنبيائها من أنهم لم يبلغوا الرسالة، ولم يؤدوا الأمانة المفترضة عليهم. ستأتي أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – لتشهد على الأمم التي تعترض على أنبيائها يوم القيامة، وتشهد أمام الله لصالح كل نبي يواجه اعتراضاً من أمته، وبأنه قد بلغ الأمانة، ونصح قومه، وجاهد في سبيل ذلك حق الجهاد.
في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُدعى نوحٌ فيُقال: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيُدعى قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد ! فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمدٌ وأمته. قال: فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلّغ. فذلك قول الله تعالى (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا).
إنها منزلة عظيمة اختص الله بها أمة محمد من بين كل الأمم السابقة. ووجودك ضمن هذه الأمة، هو شرف لا يمكن بلوغه من قبل آخرين، إلا أن يستسلموا لله جميعاً مثلك، وترك ما كانوا عليه قبل الإسلام من شرائع وعقائد وأفكار مختلفة.
• أهكذا نجازي نبينا؟
يكفيك فخراً فوق هذا كله، وعزة وشرفاً أيها المسلم، أن نبيك هو خاتم الأنبياء والمرسلين. يكفيك طمأنينة وسلاماً أنه مهما بلغت ذنوبك وسيئاتك، فإنه – صلى الله عليه وسلم – المخلوق الوحيد الذي يبقى ساجداً لله ما شاء له أن يسجد يوم القيامة، يدعو ويبتهل ويتوسل إليه سبحانه مالك يوم الدين، ومردداً: أمتي أمتي، في الوقت الذي ترى كل نبي ورسول يردد: نفسي نفسي.
تجده – صلى الله عليه وسلم – يسأل الله القدير يومئذ أن يُخرج من النار كل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، حتى تفرغ من كل مسلم، ثم يتم بعد ذلك غلقها على من فيها، خالدون مخلدون. فهل جزاء مثل هذا النبي الكريم الحريص على أمته، الرحيم بهم، الإعراض عن سنته وهديه، بل والتطاول عليه من شرذمة قليلة منحرفة، وأخرى تكذب عليه ليلاً ونهارا؟
لا شك أنه – صلى الله عليه وسلم - لا يستحق كل هذا أبداً.
من هنا وكخلاصة لهذا الحديث، أقول: افتخر بأنك مسلم وفرد من أمة محمد – صلى الله عليه وسلم – خير الأمم. الأمة الوسط، الأمة التي تكون شهيدة على الأمم، ويكون الرسول الكريم شاهداً عليهم جميعا، صلى الله عليه وسلم. فاللهم صل وسلم عليه في الأولين والآخرين، وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين. آمين آمين.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
د. عـبــدالله العـمـادي
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
سينهي الحرب من يملك أوراق الصمود، فإذا نظرنا للمواجهات بين ايران وامريكا واسرائيل وإذا أخذنا العناصر الأساسية للصمود من الطبيعة الجغرافية التي هي مسرح العمليات فنحن نتحدث عن إيران كمساحة تبلغ حوالي 1.7 مليون كم2 تنتشر فيها القوات والقدرات الايرانية محصنة بسلاسل جبلية يصعب اختراقها ولذلك فإن القوتين المحاربتين لإيران في حاجة لتغطية كل هذه المساحة واختراق القمم الجبلية. وهذا سيكون من الصعب خاصة عند الحديث عن آلاف المواقع التي تحتاج تغطيتها وقد تعود عدة مرات لمثل هذه المواقع لكي تتأكد انه تم تدميرها وفي الكثير من هذه المواقع يصعب الوصول لها إما لأسباب طبيعية أو التمويه من قبل القوات الإيرانية، في المقابل مساحة فلسطين تعتبر صغيرة والقدرات الإسرائيلية متكدسة ومكشوفة فيسهل لإيران الوصول لكل هذه الأهداف بشكل ميسر إما لقلة عدد الاهداف او لتواجدها قريبة من بعضها او لكون إيران تستخدم الصواريخ الدقيقة للوصول لها. في الجانب الآخر وخاصة استخدام سلاح الطيران والذي تعتمده اسرائيل وامريكا سيكون شاقا عليهم مثل هذه الحركة لمسافة آلاف الكيلومترات فيستنزف الكثير من الوقود ويستنزف الكثير من طاقة الطواقم او يكون مكلفا باستخدام حاملات الطائرات وتكون معرضة للهجمات. ويرفع المخاطر عليهم بسبب تقادم مثل هذه الطائرات، إذن مسافات خطوط الامداد تبدو في صالح الطرف الايراني وايران هي المصنعة لصواريخها ومنصات انطلاقها، فبالامكان تسمية هذا انه "مسافة السكة" لايران بينما يعاني الطرف الاخر من تعقيدات خطوط الامداد التي تزيد عن احد عشر الف كم. واذا اضفنا الى هذه المسافة مساحة ايران تبرز مدى الصعوبة في السيطرة على الأحداث في الارض بالنسبة لسلاحي الطيران، اذن اذا كانت المساحة في صالح ايران وخطوط الإمداد في صالح ايران والمخزون أيضا في صالح ايران فبعد ان انهكت اسرائيل وامريكا في حرب غزة واوكرانيا وعلى مدى سنتين أو أكثر فإن مخزونهما من الذخيرة ومستوى استنزافهما بلغ درجات قصوى ولذلك فاعتمادهما استراتيجية الصدمة والترهيب قد تكون مفيدة في حال كانت فترة المواجهات قصيرة. اما اذا امتدت فترات اطول فإنها قد تعرضهما اما لزيادة الانهاك بالنسبة للطواقم والتهالك بالنسبة للطائرات والاجهزة والحالة الثالثة نفاد مخزون الذخيرة وهذه ثلاثة عوامل جد خطيرة بالاضافة إلى عاملين اخرين يخدمان ايران وهما التكاليف المنخفظة مقارنة بانتاج الذخيرة الامريكية التي تبلغ اكثر من خمسين ضعفا مقارنة بانتاج الذخيرة الايراني وعمليات الانتاج الايراني المستمرة وهو انتاج حربي في مقابل الشركات الامريكية والتي تحتاج خطوط انتاجها فترات زمنية طويلة للانشاء والانتاج. فإذا أضفنا لكل هذه العوامل الجبهة الداخلية بالنسبة لايران تبدو صلبة وأما الجبهات الداخلية بالنسبة للولايات المتحدة فإن الشعب الأمريكي يرفض مثل هذه الحرب وقد تؤدي بالادارة الامريكية لفقدان الانتخابات النصفية وما بعدها أيضا فقدان الكونغرس وكذلك الحال بالنسبة لاسرائيل فالجبهة الداخلية متشظية ومنهكة وتتجاذبها الايديولوجيات من العلمانية الى الليبرالية والمذاهب المختلفة من الحسيدية الى الحريدية. فاذا نظرنا وجدنا أن العامل الزمني يخدم ايران، فمع مرور الزمن تتراجع مكانة وقدرات أمريكا واسرائيل فلا هما قادران على فك حصار مضيق هرمز ولا قادران على الدفاع عن نفسيهما امام صواريخ ايران الفرط صوتية ومسيراتها، وبما ان أمريكا واسرائيل هما من بدأتا هذه الحرب بظروف غير مواتية لكلتيهما اصبح الرأي العام العالمي داعما لإيران بما انه اعتدي عليها من قبل امريكا واسرائيل، والأخطر ان ايران تملك ايضا ورقة الطاقة خاصة لموقعها الجغرافي على مضيق هرمز. وهذا سيجعل من الأوضاع في الاقتصاد الأمريكي جد صعبة فأي زيادة في أسعار الطاقة سيكون لها تداعيات بالغة على الاقتصاد وعلى الإدارة الامريكية. الخلاصة، الجغرافيا تخدم إيران، الديموغرافيا تخدم إيران، خطوط الإمداد تخدم إيران، الأوضاع النفسية في داخل إيران او خارجها تخدم ايران، الاسلحة الدقيقة القادرة على ضرب أصول القوات الامريكية والاسرائيلية في صالح إيران، وورقة الطاقة في صالح ايران، واذا استطاعت ايران ضبط معدل اطلاق الصواريخ والمسيرات مع معدل الإنتاج فستملك إيران أوراق الصمود وهي من سينهي الحرب.
2727
| 16 مارس 2026
من أعظم النِّعم نعمة الأمن والأمان، فهي الأساس الذي تقوم عليه حياة الإنسان وتستقيم به شؤون المجتمعات وتزدهر الأوطان، وعندما يفقد الأمن تضطرب الحياة وتتبدل الطمأنينة خوفًا والاستقرار قلقًا، ولذلك فإن ما تشهده منطقتنا في هذه الأيام من حروب وصراعات مؤلمة يمثل شاهدًا حيًا ودليلًا واضحًا على أن الأمن ليس أمرًا عابرًا أو واقعًا مفروضاً، بل هو نعمة عظيمة تستحق أن تُحفظ وأن يُشكر الله عليها في كل وقت، فالمشاهد التي نراها والأوضاع التي نشهدها تذكرنا بأن الأمن هو الشريان الأساسي الذي تتدفق من خلاله الحياة في كل وطن، وبدونه تتعطل التنمية وتتراجع مسيرة التقدم ويعيش الإنسان في قلق دائم على نفسه وأسرته ومستقبله. إن استقرار الأوطان وطمأنينة الشعوب لا يتحققان صدفة، بل هما نتيجة منظومة متكاملة من الجهود الأمنية والتنظيمية التي تعمل ليل نهار عليها الدولة لحماية البلاد وصون سلامته والحفاظ على استقراره من كل الجوانب الأمنية واللوجستية، ولذلك فإن الواجب على كل مواطن ومقيم أن يستشعر عظمة هذه النعمة وأن يدرك قيمتها الحقيقية، خاصة في هذه الأيام المباركة من العشر الأواخر من شهر رمضان، وهي أيام عظيمة يتضاعف فيها الأجر ويقبل فيها المسلمون على الدعاء والاستغفار والتقرب إلى الله، ومن أعظم ما ينبغي أن يحرص عليه الإنسان في هذه الأيام أن يسأل الله دوام الأمن والاستقرار وأن يحفظ الأوطان من الفتن والاضطرابات وأن يوفق القائمين على أمنها لما فيه الخير والصلاح، فالدعاء للأوطان واستقرارها ليس مجرد كلمات تقال بل هو تعبير صادق عن وعي الإنسان بقيمة الأمن وأثره في حياة الجميع. كما أن شكر نعمة الأمن لا يقتصر على الدعاء فقط، بل يظهر كذلك في سلوك الإنسان وتصرفاته اليومية، فالمجتمع يقوم على وعي أفراده والتزامهم بالقوانين واحترامهم للأنظمة وتعاملهم المسؤول مع كل ما يمكن أن يؤثر في استقرار المجتمع، ومن مظاهر شكر هذه النعمة الابتعاد عن السلوكيات التي تعكس اللامبالاة أو الاستهتار، لأن الأمن مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع، وكل فرد في الوطن يعد شريكًا في الحفاظ على استقراره وطمأنينته. ومن الواجب أيضًا أن يقدّر الجميع الدور الكبير الذي تبذله الدولة وأجهزتها المختلفة في حماية الوطن وصون أمنه، فهناك جهود كبيرة وخطط دقيقة وإجراءات مستمرة تُبذل من أجل الحفاظ على سلامة البلاد واستقرارها، وهذه الجهود تتطلب دعم المجتمع وثقته وتعاونه، لأن الأمن لا يتحقق إلا بتكامل الجهود بين الجهات المسؤولة وأفراد المجتمع. كما ينبغي على الجميع التحلي بالوعي والمسؤولية في التعامل مع الأخبار والمعلومات، والابتعاد عن نشر الشائعات أو تداول الأخبار غير الموثوقة، فهناك جهات رسمية في الدولة مكلفة بمتابعة الأحداث ونقل المعلومات الصحيحة للمجتمع، ونشر الأخبار دون تحقق قد يؤدي إلى إثارة القلق والارتباك ويؤثر في استقرار المجتمع، ولذلك فإن الالتزام بالمصادر الرسمية والابتعاد عن تداول الأخبار دون تأكد يعد جزءًا مهمًا من المسؤولية الوطنية. وفي النهاية يبقى الأمن والأمان أعظم ما يمكن أن ينعم به أي وطن، وما يحدث الآن في المنطقة يذكرنا كل يوم بأن هذه النعمة تحتاج إلى شكر دائم ووعي حقيقي للحفاظ عليها، وأن مسؤولية حمايتها لا تقع على جهة واحدة فقط بل هي مسؤولية الجميع، مواطنين ومقيمين، بالدعاء الصادق والالتزام الواعي والتعاون الصادق مع الجهود التي تبذلها الدولة، فالأوطان الآمنة لا تُبنى فقط بالقوة والإمكانات بل تبنى أيضًا بوعي أبنائها وإحساسهم العميق بقيمة الأمن وأهميته في حياتهم ومستقبل أوطانهم.
1500
| 11 مارس 2026
حين وضعت الدول أنظمة التقاعد عند سن الستين، كان لذلك وجاهته الإدارية ومنطقه السليم. فالدماء الجديدة تحتاج لفرص لتتدفق، والهياكل الإدارية تحتاج لتجديد، وسنة الحياة تقتضي التداول. لا أحد ينكر أن «تدوير المناصب» هو الرئة التي تتنفس بها المؤسسات الحية. ولكن، في سياقنا الخليجي الخاص، هناك معادلة اقتصادية وإنسانية تستحق التأمل بحكمة وهدوء. نحن في دول أنفقت بسخاء منقطع النظير على الإنسان. استثمرنا في صحته، فارتفع معدل الأعمار واللياقة، واستثمرنا في تعليمه وتدريبه عقوداً طويلة. وحين يصل هذا «الاستثمار» إلى ذروة نضجه في الستين، نجد أنفسنا أمام معضلة: كيف نوفق بين «حاجة الشباب للمنصب» وبين «خسارة المؤسسة لهذا العقل الناضج»؟ إن الاستغناء التام والفوري عن هؤلاء بمجرد بلوغ رقم معين، هو نوع من «البتر» الإداري المؤلم. فنحن هنا لا نتحدث عن موظفين عاديين، بل نتحدث عن ثلاث عملات نادرة يصعب تعويضها: 1. ذاكرة المؤسسة: الشخص الذي يمثل «الأرشيف الحي»، ويعرف لماذا اتخذنا هذا القرار قبل عشرين سنة، فيحمينا من تكرار الأخطاء المكلفة. 2. الخبير المحلل: الذي عاركته التجارب، فصار يملك «حدساً» إدارياً يقرأ ما خلف السطور والأرقام. 3. المستشرف الحكيم: الذي تجاوز مرحلة «التنفيذ» اليومي الغارق في التفاصيل، وصار يرى الصورة الكبرى والمستقبل بوضوح. لذلك، ومن منطلق الحفاظ على هذه الثروة الوطنية، نقترح الانتقال من «التقاعد الإجباري» وفقاً لتاريخ الميلاد، إلى «التقاعد المرن» وفقاً للقدرة والعطاء. وبالموازاة مع هذا التعديل النظامي، نقدم مقترحاً آخر يتعلق بالجانب البشري، وهو معالجة «الفجوة السلوكية» التي تفشل بسببها عادةً فكرة الاستعانة بـ «الخبراء» أو «المستشارين» في مؤسساتنا. نحن نعاني من عدم وضوح في «تأهيل الأدوار» حين ينتقل الموظف من كرسي الإدارة إلى كرسي الاستشارة. المؤسسات لا تهيئ أبناءها لهذا التحول الحرج في آخر سنواتهم الوظيفية. فمن جهة، «الخبير المتقاعد» لم يتدرب على خلع «عباءة التنفيذي». يجد صعوبة نفسية في التنازل عن سلطة «الأمر والنهي»، فيتدخل في التفاصيل، ويحاول إدارة الدفة، مما يخلق صداماً مع المدير الجديد. هو لم يتعلم أن دور المستشار هو «الإضاءة» لا «القيادة». ومن جهة أخرى، «المدير التنفيذي» الشاب لم يتدرب على «كيفية استثمار الحكماء». قد يرى في الخبير تهديداً لسلطته، أو عبئاً قديماً، ولا يعرف كيف يستخرج منه العصارة الذهبية دون أن يسلمه المقود. لذا، نقترح اعتماد برامج تطويرية في السنوات الأخيرة من الخدمة لتهيئة الطرفين. برامج تعلم الموظف الخبير مهارات التوجيه (Mentoring)، وفن تقديم النصح دون فرض الرأي، وكيفية التحول من «لاعب» يسجل الأهداف، إلى «مدرب» حكيم يصنع النجوم. حين نجمع بين «نظام مرن» يحفظ الكفاءات، وبين «وعي سلوكي» يوضح الأدوار، سنحفظ لمؤسساتنا «ذاكرتها» و»حكمتها»، ونفسح في الوقت ذاته المجال لشبابنا ليقودوا الدفة بطاقة متجددة. هكذا نتحول من «هدر الثروة» البشرية، إلى «توارث الحكمة» بسلاسة ورقي.
1257
| 11 مارس 2026