رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
على طريق صلاح سالم إلى جوار أبراج قلعة صلاح الدين بالقاهرة، منحدر بمجرد أن تنهيه وتصل إلى أدنى نقطة فيه وتترك السيارة بدون تعشيق، حتى تعكس السيارة حركتها صاعدة المنحدر عكس قوانين الطبيعة. البعض يحيل الأمر إلى وجود قوة مغناطيسية، وكان يمكن رصدها بوسائل أخرى إن كانت موجودة. والبعض الآخر يحيل الظاهرة إلى وجود تركيب جيولوجي يقع فيه المنحدر الظاهر على منحدر آخر عكسي. والظاهرة لا تخلو شعبيا من الإحالة إلى الجن والعفاريت، هروبا من عجز التفسير. هذا واقعنا الحالي، نحن نصر على صعود منحدر ونفسره بتأويلات لا علاقة لها بالإرادة ولا بالعلم، وكأننا نحيا في كوكب القرود، أو احتلت القرود كوكبنا، ولسنا من البشر، وكأن هناك غزوة "من وهم الخلافة" تسعى أن تطيح بمن خلق الله من بشر فوق أرض مصر، خارجها.
أعرض هنا لرأي اثنين من الأصدقاء حول جوهر الخلاف في مصر، ولأن الآراء لا تكفي فسأعرض لموقفين في واقعة محددة، إيضاحا لما نحن مقبلون عليه.
قال الأستاذ محمد عبدالكريم المحامي، إن جوهر الخلاف بين الجمهورية والخلافة الإسلامية أن الصراع الآن بين حقيقة تحاول أن تتمكن من مكانها فوق أرض مصر "الجمهورية"، ومكوناتها ثلاثة: "الشعب" مصدر السلطة، و "تكافؤ الفرصة" بين أبنائه وهي العنصر الثاني المكون لمعني الجمهورية وعنصرها الثالث هو "جيش وطني قوي" يعي أن الوطنية ليست مجرد مواجهة الخطر الخارجي المسلح ولكن للأخطار الخارجية استراتيجيات، تملك الأدوات الأعمق من السلاح ومن مجرد الحرب. وطرف الصراع الآخر فكرة "الخلافة"، جاءت من كهوف لم تقرأ التاريخ، حتى تاريخ الخلافة، ولكنها تهرب من واقع حياتي معاصر يتطلب إمكانات ورقيا وعلما وتجددا في المفاهيم وخروجا من غياهب التنظيمات السرية وقوانينها، إلى استدعاء لتاريخ لا تملكه وحدها بل تملكه البشرية كلها والعرب جميعا، هم يحاولون صعود منحدر حضاري يدفعوننا إليه. هروب إلى الأمام وليس تحمل لمسؤوليات واقعة أمام الأعين والإرادة، بعد أن سرقوا الثورة، يغتالون الجمهورية، وكل الخلافات الجارية هي مظهر من مظاهر الاغتيال.
وتدخل المهندس محمد السباعي في الحوار مبديا رأيه "Top of Formحين يظن البعض أننا ندفع بصخرة الوطن في منحدر الصعود فإننا أمام من يرى الوطن "صخرة" ويرى طريق الصعود "منحدر" وأعتقد أن من أطلق هذا التشبيه، قد خانه التعبير فلا يمكن شرح السقوط الحر بمعادلات قانون الطفو فالسقوط الحر يرتبط بعجلة الجاذبية الأرضية بينما قانون الطفو يتعلق بحجم الجسم الطافي وكثافة المائع. وعلى ذكر المائع فإننا أمام مائع عالي اللزوجة يدفعنا للتفكير في قوانين حركة الموائع والعلاقة العكسية بين الضغط والحجم ودرجة الحرارة.
الواقع يشير أن الضغط يقع فقط على الشعب وتُمارِس فنونه ببراعة الإغواء والتصيد من كافة الأطراف التي تملك منابر نظامية كانت أو شعبية أو تحت الطلب وكلما يزيد الضغط يقل الحجم وتقل درجة الحرارة لكن السرعة تزيد، والسرعة هي معدل تغير المسافة هي حركة في اتجاه، ومن الصعب التصور أن الاتجاه هو منحدر الصعود!! والحقيقة أنها حركة بلا اتجاه فقط تحفيز لعناصر متحركة تتطاير بعشوائية بطاقتها المكتسبة من الضغط وقد تصيب إليكترونا فتطرده من مداره وتحول عنصرا خاملا لعنصر نشط وقد تؤدي لانشطار أو اندماج ينتج عنه مالا يمكن احتواؤه من طاقة. وأما الحجم فهو الخدعة الحقيقية فالبالون قبل ملئه بالهواء يمكن وضعه في حقيبة صغيرة لكن وهو ممتلئ يبدو عملاقاً، وهذا حال كل ما يدور في حلقات السياسة يستغلون حيز من الفراغ بقدر ما بهم من هواء وبتسخين الهواء، يرتفع البالون ويسيطر على ما حوله لكن مع أول اختبار لتسرب الهواء الساخن من أعلى يحترق البالون ويسقط كبالون الأقصر، وبرغم أنه بالون هواء ساخن إلا أن الإعلام يقرر أنه بالون هيليوم، وبرغم أن الهيليوم غاز خامل لا يشتعل ولا يساعد على الاشتعال إلا أنهم أقنعوا الشعب أن البالون انفجر وأنه كان بالون هيليوم.
المشكلة التي نواجهها كـ"شعب" أننا لا نعرف الحجم الحقيقي لكل البالونات الممتلئة من حولنا ولا نراها إلا ممتلئة بالهواء ومحلقة في السماء فلا نعرف قدرة أجهزتنا السيادية لمقاومة تسريب الهواء الساخن من أعلى ولا قدرة قواتنا المسلحة في بقاء منطادها محلقاً. ونأتي لدرجة الحرارة، رفع درجة الحرارة يحتاج للطاقة فيبدو أن كل الطاقة المتوفرة يتم استخدامها في العبث بدرجة حرارة الشارع فليس كل ما يتم سرقته يتم تهريبه وبيعه في غزة.
وبالنظر لحالة تميع الشارع وتعرضه للضغط والحرارة وخداعه بالحجم نجدنا أمام حوار ثنائي بين أنظمة وتنظيمات، ودون أي تحفظ أو تريث فإن تنظيم الإخوان يدفع بالمائع الأعظم نحو أممية الخلافة ويتجاوز العقبات المتتالية بتمرير قانوني أو قرارات نصف إلهية أو بالضغط في الشارع سواء بالترهيب أو استخدام العنف المباشر. ونرى النظام متمثلا في مؤسسات سيادية وفي القوات المسلحة تحاول الدفع بالمائع الأعظم نفسه للتمسك بالجمهورية في مواجهة الأممية وكلما يزيد المائع في الفوران تصدر بيانات أو إشاعات أو تصريحات تمر أو حتى يتم تكذيبها للتشكيك في "الحجم" الحقيقي للتنظيم أو للنظام وآخرها وأكثرها فجاجة هو ما قيل عن المخابرات العامة، لم تكن الفجاجة من طرف من قال فقط، بل أتت ردود الأفعال لتدين من تحدثوا بها، فيخرج بعض وكلاء الجهاز ليطمئنوا "الشعب" أن المخابرات العامة لديها كل ملفات الإخوان خاصة منظمة حماس الإخوانية وأعتقد أن هذا ليس تهديداً للإخوان بقدر ما أراه تخاذلا وإدانة لتلك الأجهزة السيادية ذاتها، فما هي تلك الملفات، ولو كانت تدين تنظيم الإخوان فكيف سمحت تلك الأجهزة لتنظيم مدان أن يصل لحكم مصر وما صلاحية هؤلاء الوكلاء لإصدار تلك التصريحات وماذا يمكن أن يحدث لو فتحت تلك الملفات؟ والأدهى هو ظهور الأجهزة السيادية والقوات المسلحة بدور "المراقب" وكأن قضية الحفاظ على الجمهورية هي قضية شعبية وليست سيادية وكأن مقاومة الأممية هي هدف جماهيري وليست حفاظا على عقيدة وطنية هي صلب بناء تلك المؤسسات.
أعتقد أن صخرة الوطن تم إلقاؤها لأعلى وهي في حالة سقوط حر ما بين خلافة مصطنعة وبين جمهورية منكسرة وكلما سقطت بينهما يتم إلقاؤها مرة أخرى وأثناء صعودها وهبوطها يستمر العبث بتميع الشارع. حوار أطرافه ترى الواقع وتتلمس حدود المسؤولية، وبلغ الأمر التفكير في دعوة لتأسيس "حركة حماية الجمهورية". هي محاولة لتجاوز التفاصيل والأطراف المتعددة والتي لا يمنح الواقع وتاريخ السنوات الممتدة منذ إعلان الجمهورية في يونيو 1953 لها حق الولاية عليها، فأغلب المواقف لأغلب أطراف الصراع الآن كانت منذ اللحظة الأولى لإعلان الجمهورية في موقف معاد لها، خاصة جماعة الإخوان التي كانت رهينة وراثة الخلافة العثمانية.
يرى الأستاذ محمد عبدالكريم، أنه قبل إعلان الجمهورية كان الشعب يطيب له أن يكون من "عبيد إحسانات مولانا الملك"، بينما كان شعار الثورة "كلنا سيد في ظل الجمهورية"، غير أن طرح الخلافة الحالي يعيد الشعب إلى حالة الإحسان والزكاة بديلا عن ملكية السلطة ومصدرها، والتشارك في تنمية الإنتاج داخل المجتمع سبيلا لتحقيق العدالة الاجتماعية وتحت مظلة تكافؤ الفرص لكل الشعب وبدون تمييز على أساس ديني أو مذهبي.
كان هذا محاولة استطلاع قد يمتد بها الحوار لتستكمل أركانها، غير أن الواقع يعطي لنا مثالا لعل به بصيص نور، وجرت وقائعه في احتفال أقامه مجلس نقابة المهندسين بيوم المهندس المصري، لن نناقش دعوة الرئيس المنتخب إلى الاحتفال وتحويله إلى مظاهرة تأييد إخوانية له، ولكن سأعرض لموقفين ولهما دلالتهما على القادم في المستقبل ومن سيتحمل مسؤوليته؟ وفارق الإدراك للذات وقيمتها.
الموقف الأول من عضو مجلس النقابة مهندس عمر عبدالله والذي تولى مسؤولية ملف النقابة لعشر سنوات بجماعة الإخوان، وكان قبل الاحتفال بأسبوعين قد قدم استقالته مسببا لها "بعدم القدرة على التكيف مع متخذ القرار بالنقابة"، ثم يقبل من ذات "متخذ القرار" دعوته وتكريمه أيا كان مبرر التكريم، وأظن أن الاستقالة وقبول قرار التكريم يتناقضان لكونهما يتعارضان مع سبب الاستقالة.
الموقف الثاني اتخذته مهندسة شابة تولت أمانة سر لجنة انتخابات النقابة لأول انتخابات بعد 20 عاما، وهي المهندسة سمر المرزوقي، حيث تلقت اتصالا تليفونيا لدعوتها لحضور الحفل، وطلب منها المتصل الرقم القومي لعرضه على أمن الدولة. وكان الرد على الطلب علامة فارقة من شباب جيل جديد يعي قيمته ويحترم ما لديه من معلومات، فقد أجابت بأن الطلب للرقم القومي يدل على أنكم لا تعلمون أن الرقم القومي لكل المهندسين قد تم الحصول عليه أثناء الإعداد للانتخابات وهو متوفر بالنقابة وهذا في حد ذاته مشكلة، والمشكلة الأخرى عندما ادعي كمهندسة لحفل تقيمه نقابتي لا يجري عرض أمري على أمن الدولة ليرى إن كنت أحضر أم لا، وعليه رفضت المهندسة حضور المؤتمر "للتصفيق بعد استئذان أمن الدولة". نعم في ظل الثورة والجمهورية، يدرك المؤمنون بها قيمة أنفسهم، وحقهم، تدرك أنك "سيد" ولست "عبدا" أو "تابعا". أن تكون حرا هو شعاع النور الذي يؤكد أن للمستقبل صُنَاعه، وهم أصحابه ومالكيه، وسيبقى دائما في مصر طريقا للغد مهما كان الثمن، وللطريق حراسه وجنوده، ويملكون القدرة للدفاع عن أنفسهم وأمانيهم ولا يتعاملون بالقطعة، فالأشياء عندهم مترابطة غير قابلة للانفصام ولا للتبدل أو التنازل.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
حين تبنّى الأمير الوالد المغفور له بإذن الله صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، فكرة إنشاء قناة الجزيرة عام 1996، لم يكن يؤسس مجرد قناة إخبارية تضاف إلى قائمة أرقام الفضائيات، بل كان يضع حجر الأساس لمشروع إنساني ووطني وعروبي وإسلامي، يتجاوز حدود الجغرافيا، ويعيد للعربي حقه في أن يرى العالم بعينيه، ويسمع أخبار أمته بلغته، دون أن يبقى أسيرًا للرواية الغربية، يستجدي منها الحقيقة، أو ينتظر منها إنصافًا قد يأتي وغالبًا لا يأتي. ليس لأني قطري أقول إن الجزيرة أعادت للعقل العربي ثقته، وللمشاهد احترامه، وللإنسان البسيط مكانه المُغتصب. فلم تعد القضايا العربية مجرد أحداث ترويها عواصم العالم وفق مصالحها، بل أصبح للعرب منبر يحمل روايتهم إلى العالم، ويسائل الأقوياء، ويواجه الروايات المتناقضة، ويمنح المظلوم حق الصوت بعدما اعتاد الآخرون الحديث نيابة عنه. ولأن الحقيقة ليست دائمًا موضع ترحيب، فقد دفعت قطر ثمن احتضان هذا المشروع. تعرضت لضغوط سياسية وإعلامية كبيرة ووصل الأمر إلى المطالبة بإغلاق الجزيرة بل والتدخل في خطها التحريري. لكن صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، أدرك أن استقلالية الجزيرة ليست تفصيلًا إداريًا يمكن التفاوض عليه، بل هي جوهر المشروع وروحه وسبب احترامه. ولعل أعظم ما في هذا المشروع أن استقلاليته لم تكن شعارًا يُرفع، بل مبدأ خُلق ليصمد أمام الضغوط والأزمات. وهنا تتجلى قيمة القيادة التي تدرك أن النفوذ الحقيقي لا يتحقق بإسكات الأصوات، وإنما بإتاحة المجال لها. ثم جاءت السنوات الأخيرة بما حملته من حروب وتحولات وتحالفات واضطرابات، لتضع الجزيرة أمام اختبار أكثر صعوبة. فالوصول إلى القمة إنجاز نعم، لكن البقاء عليها مسؤولية أشد وأثقل، فكيف حين تكون في مواجهة قوى تسعى إلى التحكم بالرواية، أو حجب ما لا تريد للعالم أن يراه؟ وهنا تبرز مسؤولية الاستمرار التي حملها حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى حفظه الله في صون الإرث الذي أسسه الأمير الوالد رحمه الله، والمحافظة على استقلالية هذا الصرح، رغم تعاظم التحديات وتبدل موازين القوى. فالإنجاز ليس أن تحمي المشروع حتى ينجح فحسب، بل أن تحمي مبادئه بعد أن يصبح مؤثرًا إلى الحد الذي يثير قلق القوى الكبرى. لقد أثبتت الجزيرة أن القوة الناعمة قد تبلغ من التأثير ما لا تبلغه أدوات القوة التقليدية. فالكاميرا التي تنقل مأساة طفل، والميكروفون الذي يحمل صرخة مظلوم، والصورة التي تفضح انتهاكًا، قد تغيّر وعي الملايين، وتفرض على أصحاب القرار مواجهة أسئلة كانوا يبقونها في الظلام. غير أن هذه المسيرة لم تُكتب بالحبر وحده، بل امتزجت بدماء صحفيين ومصورين ومراسلين قضوا وهم يؤدون رسالتهم، نحسبهم شهداء عند الله. وآخرين ما زالوا يواجهون الخطر، ويواصلون العمل بإيمان مهني بأن الحقيقة تستحق التضحية. ولكل من عمل خلف الشاشة وأمامها نصيب أصيل من هذا الإنجاز وهذا ما أكده الشيخ ناصر بن فيصل آل ثاني مدير شبكة الجزيرة في كلمته أمام حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى الأحد الماضي 1-11-2026. أما نحن القطريين وبعد ثلاثين عامًا يحق لنا أن نفخر بأن من أرضنا انطلقت تجربة إعلامية غيّرت وجه الإعلام العربي، وأصبح لها حضور وتأثير يتجاوز حدود الوطن. وهو فخر يشترك معنا فيه كل عربي وجد صوته، وكل إنسان وجد في الجزيرة نافذة لقضيته. إن الجزيرة ليست مجرد قناة تبث من قطر، بل مسؤولية تاريخية حملتها قطر، وأمانة مهنية دفع ثمنها رجال ونساء من أعمارهم ودمائهم. وفي ذكراها الثلاثين، لا نحتفي بثلاثة عقود من البث، بل بثلاثة عقود من الدفاع عن الإنسان والحق في أن يعرف، وأن يسمع، بل وأن يُسمَع. رحم الله مؤسس هذا المشروع العظيم، وحفظ الله من صان استمراره، ورحم من رحلوا وهم يحملون الحقيقة إلى العالم. فالجزيرة لم تكن يومًا مجرد شاشة، بل كانت، وما زالت، شاهدًا على عصر، وصوتًا للإنسان، ورسالةً أكبر من الحدود.
17835
| 03 نوفمبر 2026
تسعى الدول، بلا استثناء تقريبًا، إلى حجز موقع أفضل على خريطة التجارة الدولية، وبناء مزايا تنافسية تمكنها من زيادة صادراتها والحصول على نصيب أكبر من الأسواق العالمية. ومع التحولات السريعة في هيكل التجارة الدولية، يلاحظ النمو المتزايد للخدمات الرقمية، مثل البرمجيات والحوسبة السحابية والخدمات المالية والاستشارية والبحث والتطوير. ففي عام 2025 تجاوزت قيمة الصادرات العالمية من هذه الخدمات 5.4 تريليون دولار، وأصبحت تمثل نحو 56 % من إجمالي صادرات الخدمات عالميًا. الدخول إلى هذا السوق لا يحتاج إلى موانئ ضخمة أو قاعدة سكانية كبيرة بقدر حاجته إلى بنية رقمية متقدمة، وكفاءات بشرية، وبيئة تنظيمية موثوقة، وقدرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. و عند النظر إلى قطر نجد أنها تبدأ من موقع متقدم بالفعل في هذا المجال، فقد سجلت في عام 2026 نحو 98.4 نقطة من أصل 100 في مؤشر تنمية تكنولوجيا المعلومات والاتصالات الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات، محققة سادس أعلى نتيجة بين 159 اقتصادًا. تجربة سنغافورة تستحق التأمل، فرغم ضيق مساحتها ومحدودية سوقها المحلية، أصبح الاقتصاد الرقمي يمثل نحو 18.6 % من ناتجها المحلي الإجمالي في 2024، بعدما كان 14.9 % قبل خمس سنوات. ولم تتحقق هذه النتيجة من خلال شركات التكنولوجيا وحدها، وإنما من خلال انتشار التكنولوجيا داخل التمويل والتجارة والصناعة والخدمات، إلى جانب بناء شركات قادرة على الوصول إلى الأسواق الخارجية. محدودية السوق الداخلية لا تمنع الدولة من بناء قطاع رقمي كبير إذا نجحت في تحويل العالم نفسه إلى سوق لمنتجاتها وخدماتها. وفي قطر تتوافر بالفعل عناصر تجعل هذا الطموح واقعيًا. البنية الرقمية ورأس المال، والأهم توفر الطاقة. وهذه النقطة تستحق اهتمامًا خاصًا؛ فاقتصاد الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات يحتاج إلى كميات كبيرة من الكهرباء، وإلى استثمارات طويلة الأجل. وهنا يمكن لقطاع الطاقة القطري أن يؤدي دورًا يتجاوز الحصول على عائدات تصدير الغاز، عبر دعم صناعات رقمية جديدة تعتمد على الطاقة كأحد أهم مدخلاتها. وقد بدأت ملامح هذا الاتجاه تظهر بالفعل، فقد وقعت شركة «ميزة» في سبتمبر 2026 عقدًا تتجاوز قيمته مليار ريال، هذه في حقيقتها صفقة تصدير، حتى وإن لم تغادر قطر شحنة مادية واحدة. الخدمة تُنتج في قطر، والعميل العالمي يحصل عليها ويدفع مقابلها. ومع تكرار هذا النوع من العقود، يمكن أن تتوسع قائمة الصادرات القطرية لتشمل القدرة الحاسوبية والخدمات السحابية إلى جانب الصادرات التقليدية. هناك المزيد من الأمثلة على نجاح ذلك النوع من التوجه الاقتصادي، فقد أُطلقت شركة Qai، كما دخلت في شراكة مع Brookfield تستهدف استثمارات بقيمة 20 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي داخل قطر وأسواق دولية مختارة. وفي الوقت نفسه توسعت الحوافز الموجهة لقطاع التكنولوجيا ومراكز البيانات والحوسبة السحابية والأمن السيبراني. هذه الخطوات تعطي فرصة حقيقية لانتقال قطر من منتج للطاقة ومستخدم للتكنولوجيا، إلى إنتاج خدمات رقمية يمكن بيعها عالميًا. ولا أعتقد أن الاقتصاد الرقمي ينبغي أن يكون بديلًا لصادرات الغاز. فالغاز مصدر قوة كبير للاقتصاد القطري، وليس عبئًا يجب التخلص منه. الفكرة الأكثر جدوى هي استخدام جزء من القوة التي وفرها هذا القطاع في بناء مصادر دخل إضافية. وتنسجم هذه الفرص مع الأجندة الرقمية 2030، التي تستهدف إضافة نحو 40 مليار ريال إلى الناتج غير الهيدروكربوني، وتوفير نحو 26 ألف فرصة عمل. إن الأهمية الاقتصادية لهذا التوجه لا تقتصر على تنمية القطاع الرقمي داخل قطر، بل تمتد إلى قدرته على المنافسة في الأسواق العالمية. وهنا سيكون التحدي الحقيقي هو تحويل الاستثمارات في البنية التحتية والتكنولوجيا إلى خدمات رقمية قابلة للتصدير، بما يفتح أمام الاقتصاد القطري أسواقًا جديدة ومصادر إضافية للدخل. السباق العالمي على الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية ما زال في بداياته، قطر أثبتت خلال العقود الماضية أنها قادرة على بناء مكانة عالمية في سوق الطاقة. والفرصة المتاحة اليوم هي أن تستخدم ما راكمته من رأس مال وطاقة وبنية أساسية في بناء مصدر قوة آخر، بحيث تصبح الخدمات الرقمية والقدرات الحاسوبية جزءًا مما يعرف العالم قطر به ويشتريه منها.
4074
| 06 نوفمبر 2026
ليست كل فرصة تستحق أن نقتنصها، حتى لو بدت مربحة. فقد يجد رائد الأعمال أمامه عقداً كبيراً، أو سوقاً جديداً، أو فرصة للتوسع السريع، وتكون المؤشرات مشجعة، ومع ذلك يصبح قبولها قراراً خاطئاً. فالفرصة الجيدة لا تعني بالضرورة قراراً جيداً؛ إذ قد يكون توقيتها غير مناسب، أو تتطلب التزامات تفوق العائد الذي تبرره، أو تستند إلى افتراضات لم تُختبر بعد. وهنا تكمن إحدى مفارقات ريادة الأعمال: فالجرأة التي تفتح أبواب النجاح قد تقود إلى الفشل إذا تحولت إلى اندفاع لا تحكمه الحسابات. وليس المطلوب أن يخشى رائد الأعمال المخاطرة، فدونها يصعب الابتكار والنمو، وإنما أن يميز بين قرار ينطوي على قدر مقبول من عدم اليقين وآخر يراهن فيه على أن تسير الأمور جميعها كما يتمنى. لقد اعتدنا الاحتفاء برواد الأعمال الذين يتوسعون بسرعة ويدخلون أسواقاً جديدة، لكننا نادراً ما نسأل عن جودة القرارات التي صنعت هذا النمو. فليس كل توسع نجاحاً، وليس كل تراجع فشلاً؛ وقد يكون تأجيل الاستثمار أحياناً أكثر حكمة من التعجل في تنفيذه. فالفرق بين المخاطرة المحسوبة والتهور ليس في الجرأة على اتخاذ القرار، بل في الانضباط الذي يسبقه. وقد طورت الباحثة سارا ساراسفاثي، من جامعة فرجينيا، ضمن أبحاثها في ريادة الأعمال، مبدأ «الخسارة الممكن تحملها» (Affordable Loss). ويقوم على أن رائد الأعمال لا ينبغي أن يعتمد فقط على تقدير الأرباح المتوقعة، بل عليه أن يحدد مسبقاً مقدار الموارد التي يستطيع خسارتها إذا لم تنجح التجربة. وهذا لا يلغي أهمية دراسة الجدوى، وإنما يضيف إليها سؤالاً حاسماً: ما الثمن الذي نقبل دفعه مقابل تجربة قد لا تنجح؟ عندما تصبح الفرصة أكبر من المشروع. لنفترض أن شركة قطرية تعمل في خدمات الصيانة، وتحقق إيرادات سنوية تبلغ أربعة ملايين ريال، عُرض عليها عقد بقيمة 12 مليون ريال. تبدو الفرصة استثنائية، لكنها تتطلب توظيف عمالة إضافية، وشراء معدات، وتقديم ضمانات مصرفية، مع احتمال تأخر تحصيل المستحقات. ورغم جاذبية الأرباح المتوقعة، تكشف الدراسة عن أن شروط العقد تنقل إلى الشركة أعباء مالية وتشغيلية كبيرة، وقد تؤثر في جودة خدماتها لعملائها الحاليين. هنا يتخذ صاحب المشروع قراراً قد يبدو غير متوقع: يرفض التوقيع بالشروط الأصلية، ويقترح تقسيم التنفيذ إلى مراحل وتخفيف الالتزامات المسبقة، حتى لو أدى ذلك إلى انخفاض هامش الربح. وإذا لم يقبل العميل، فإنه ينسحب. هذه حالة افتراضية من بيئة الأعمال القطرية، لكنها توضح درساً مهماً: ليست قيمة العقد هي التي تحدد جودته، بل العائد الذي يحققه مقارنة بالمخاطر والالتزامات المصاحبة له. لا تنخدع بالأرباح المتوقعة قد تبدو الأرقام مشجعة في دراسة الجدوى، لكن التوقعات ليست حقائق مؤكدة. فالأسعار قد تتغير، وتكاليف التشغيل قد ترتفع، والعملاء قد يتأخرون في السداد، والمنافسة قد تكون أشد مما تشير إليه الدراسات الأولية. ولهذا لا يكفي إعداد سيناريو متفائل، بل ينبغي اختبار القرار في ظروف أقل ملاءمة. فماذا يحدث إذا انخفضت المبيعات عن المتوقع؟ أو تأخر تنفيذ المشروع؟ أو ارتفعت تكاليفه بنسبة مؤثرة؟ وتكمن أهمية هذا الاختبار في كشف نقاط الضعف قبل الالتزام، وتحديد ما إذا كان الأفضل تعديل حجم الاستثمار، أو تغيير توقيته، أو إعادة التفاوض على شروطه. فدراسة الجدوى الجيدة لا تكتفي بتوضيح أسباب النجاح المحتمل، بل تكشف أيضاً الظروف التي قد تجعل القرار غير مجدٍ. اختبر الفكرة قبل أن تدفع ثمنها كاملاً من المبادئ المهمة في الإدارة الريادية تحويل الافتراضات إلى اختبارات محدودة قابلة للقياس. فمن يريد إطلاق منتج جديد ليس مضطراً إلى استئجار مصنع أو تكوين مخزون كبير قبل التأكد من وجود طلب حقيقي. يمكنه البدء بنموذج أولي، أو إنتاج كمية محدودة، أو الحصول على طلبات شراء مؤكدة قبل التوسع. والاختبار الجيد لا يهدف إلى تأكيد قناعة صاحب المشروع، بل إلى اكتشاف ما قد يكون خاطئاً فيها بأقل تكلفة ممكنة. فقد تكشف تجربة صغيرة عن ضعف الطلب قبل أن يتحول إلى خسارة كبيرة. المنافسة… ما قد تغفله التوقعات المتفائلة قد ينجح رائد الأعمال في تقدير تكاليف مشروعه، ويتأكد من وجود طلب على منتجه، ثم يفاجأ بأن السوق لا يمنحه الحصة التي توقعها. فوجود الطلب لا يعني بالضرورة أن العملاء سيختارونه، خصوصاً عندما يواجه منافسين يتمتعون بعلاقات راسخة مع العملاء، أو تكاليف أقل، أو قدرة أكبر على خفض الأسعار. وهنا يقع بعض رواد الأعمال في خطأ شائع، حين يبنون توقعاتهم على حجم السوق، دون أن يدرسوا نصيبهم الواقعي منه. فقد يكون السوق كبيراً وينمو بسرعة، لكن ذلك لا يضمن نجاح كل من يدخله. ولهذا لا يكفي أن يسأل رائد الأعمال: هل يوجد طلب على المنتج؟ بل ينبغي أن يسأل أيضاً: لماذا سيشتري العميل مني بدلاً من المنافس؟ وهل أستطيع المحافظة على هذه الميزة إذا خفض المنافسون أسعارهم أو قدموا خدمة أفضل؟ وتزداد المخاطرة عندما يعتمد المشروع على السعر المنخفض وحده لجذب العملاء، دون امتلاك ميزة في الجودة أو الكفاءة أو الخدمة. فقد ينجح هذا الأسلوب مؤقتاً، لكنه قد يتحول إلى منافسة سعرية تستنزف الأرباح. فالفرصة الاستثمارية لا تُقاس بحجم الطلب وحده، بل بقدرة المشروع على الحصول على حصة مربحة منه والمحافظة عليها في مواجهة المنافسين. أربعة معايير تفصل المخاطرة المحسوبة عن التهور يمكن التمييز بين المخاطرة المحسوبة والمغامرة غير المدروسة من خلال أربعة معايير مترابطة. أولها حد الخسارة، أي تحديد حجم الخسارة المحتملة في ظروف سلبية معقولة، ومقارنتها بالموارد التي يمكن تخصيصها للمشروع دون الإضرار بالأنشطة القائمة. وثانيها القدرة على الاستمرار، ويقصد بها توافر الموارد المالية والتشغيلية اللازمة للوفاء بالالتزامات إذا تأخرت النتائج أو تغيرت ظروف السوق. أما المعيار الثالث فهو التحقق من الطلب والميزة التنافسية، فلا يكفي وجود سوق للمنتج أو الخدمة، بل ينبغي التأكد من وجود عملاء مستعدين للشراء، وسبب واضح يجعلهم يفضلون المشروع على منافسيه. ويأتي المعيار الرابع، وهو إمكانية التراجع، ليحدد مدى سهولة تعديل الاستثمار أو تقليصه أو إيقافه إذا لم تتحقق النتائج، والتكاليف المترتبة على ذلك. وتكمن قيمة هذه المعايير في أنها تنقل النقاش من الحماس للفكرة إلى تقييم شروط تنفيذها، وتساعد على الاختيار بين المضي في الاستثمار أو تنفيذه تدريجياً أو إعادة تصميمه. متى يتحول الإصرار إلى خطأ إداري؟ من أصعب القرارات التي يواجهها رائد الأعمال الاعتراف بأن مشروعاً لم يحقق النتائج المتوقعة. فبعد استثمار الوقت والمال والجهد، قد يشعر أن التوقف يعني ضياع كل ما أنفقه. وهنا يظهر ما يعرف في الاقتصاد السلوكي بمغالطة التكاليف الغارقة، عندما تؤثر الأموال التي أُنفقت ولا يمكن استردادها في قرار الاستمرار، رغم أنها لا ينبغي أن تحدد جدوى الإنفاق المستقبلي. ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس: كم أنفقنا حتى الآن؟ بل: هل ما سننفقه من اليوم فصاعداً يبرره العائد المحتمل والمخاطر المتبقية؟ وقد يكون الاستمرار في بعض المشروعات قراراً سليماً إذا ظهرت مؤشرات جديدة تدعم نجاحها، بينما يصبح التوقف في مشروعات أخرى ضرورة اقتصادية. فالقرار الرشيد لا يستند إلى الرغبة في إثبات صحة الاختيار السابق، وإنما إلى مقارنة البدائل المتاحة في الوقت الحاضر. كما أن الاقتراض ليس تهوراً في ذاته، والتوسع السريع ليس خطأً دائماً؛ فكلاهما قد يكون مناسباً إذا استند إلى مبررات اقتصادية واضحة وإدارة فعالة للمخاطر. من ثقافة المغامرة إلى ثقافة القرار تحتاج الاقتصادات الحديثة إلى رواد أعمال مستعدين لتجربة أفكار جديدة، ودخول أسواق غير مألوفة، وتطوير منتجات وخدمات تخلق قيمة اقتصادية حقيقية. لكن تشجيع ريادة الأعمال لا ينبغي أن يتحول إلى تمجيد للمغامرة دون تمييز. فالمجتمع الذي يحتفي بسرعة النمو وحدها قد يغفل أهمية المشروعات التي تتطور بتدرج، وتتعلم من تجاربها، وتبني ميزتها التنافسية على أسس متينة. كما أن نجاح قرار محفوف بمخاطر غير مدروسة لا يجعله قراراً سليماً بالضرورة، تماماً كما أن خسارة مشروع مدروس لا تعني أن صاحبه كان متهوراً. فالنتائج تتأثر بعوامل لا يمكن السيطرة عليها بالكامل، أما جودة القرار فتُقاس بالمعلومات والبدائل والتقديرات المتاحة وقت اتخاذه. ولهذا فإن بناء بيئة ريادية ناضجة يتطلب تغيير السؤال الذي نطرحه على أصحاب المشروعات. فبدلاً من الاكتفاء بالسؤال عن حجم الاستثمارات وعدد الفروع ومعدلات النمو، ينبغي أن نسأل عن جودة القرارات التي أنتجت هذا النمو. فليست كل خسارة فشلاً، لكن الخسارة التي تحرم رائد الأعمال من فرصة المحاولة مجدداً تكشف خللاً في إدارة المخاطرة. والنجاح الحقيقي لا يقاس بما يحققه المشروع في فرصته الأولى وحدها، بل بقدرته على التعلم والتطور واغتنام الفرص التالية.
1212
| 03 نوفمبر 2026