رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لقد اعتنى الإسلام بالأخلاق عامة في جميع جوانب الحياة وأولى الأخلاق السياسية اهتماماً فائقاً وجعل الحكمة في فم هذه الأخلاق وأقام عليها حارسا يقظا سماه الأمانة واعتبرها من أبرز القيم الخلقية للحاكم خاصة ولبني البشر عامة (إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا)، "الأحزاب: 72"، وحرم الله الخيانة في أي مجال كانت، خاصة إذا نجمت بين الحاكم والشعب لأنها بذلك خيانة لمجموع الأمة لا لفرد وجماعة بعينها قولا أو فعلا أو حالا وتصرفا أو مشت على رذيلة السياسة الميكيافيلية: الغاية تبرر الوسيلة لأن الإسلام يعتبر النفس الإنسانية وحدة لا تتجزأ ومتى استحلت لنفسها وسيلة خسيسة فلا يمكن أن تظل محافظة على غاية شريفة كما قال سيد قطب في الظلال 3/1542 ولأن الغاية واحدة عند الحاكم والمحكوم في الإسلام وهي ابتغاء مرضاة الله، فالحاكم يسهر على مصلحة المحكوم والمحكوم يطيع الحاكم في غير معصية والذريعة الميكيافيلية كلها معصية وجناية وخيانة لأنها تفصل بين غايات الجانبين، إذ غاية الحاكم فيها العظمة بل جنون العظمة والغطرسة، كما نرى اليوم عند البعض وكذلك محبة الشهرة والزعامة وإن كانت زائفة وكذلك القوة التي ترهب المحتجين والمخالفين له في الآراء فلا يحاور إلا بالتهديد والسلاح متجاهلا أن الحق بطبيعته أشد من القوة وأن الشعب أقوى من السلطة في نهاية المطاف، ومن هنا رأينا أن الحق تعالى يبغض كل خائن لأنه لا يمكن وصفه بالإيمان والإسلام ما لم يتب إلى الله (إن الله لا يحب الخائنين)، "الأنفال: 58"، والحاكم الخائن يزيد سوءاً حينما يعلم الناس أن الأمانة خيانة وأن الخيانة أمانة، كما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن علامات آخر الزمان الذي يخون فيه الأمين ويؤتمن الخائن، وهكذا يصبح الإنسان الخلوق الملتزم خائنا وإذا تحرك بأي قول أو عمل ضد الحاكم فهو الخائن الذي يجب أن يلجم ويسجن ويعذب بل يقتل بل يمثل به، وبالعكس يوصف كل خائن مرذول عديم الدين والخلق متآمر على ثوابت الأمة هو المعتمد سندا وبوقا دائما لهذا الحاكم فيقدم ويكرم وهكذا يرتفع التحوت على الوعول في آخر الزمان كما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل: وما التحوت؟ قال: أسافل الناس، قيل وما الوعول؟ قال: كرام الناس وإنه كم يؤسفنا ويؤسف كل حر ما نراه في بلدنا الغالي سوريا من مظالم وجرائم وفظائع يندى لها جبين الإنسانية والأخلاق الفاضلة في هذه الأحداث التي تعصف بالوطن والشعب في معظم المحافظات والقرى مثل دمشق وحمص وحماه وحلب أحيانا واللاذقية وبانياس وتلبية وطرطوس وجبلة وسلمية والرستن ودوما والتل وجوبر وداريا والكسوة والسويداء والجولان.. خاصة درعا البطلة التي كانت مهد الاحتجاج الثوري المسالم عن طريق الجهاد المدني التي لم تعد تحتمل الجور والتجاوز وقدمت الشهداء بالدم الغزير مع أخواتها كبعض ثمن للحرية، وظن المساكن الطيبون أن الحاكم وحزبه يمكن أن يرضوهم ببعض الإصلاحات الشكلية كتغيير المحافظ مثلا لا التغيير الحقيقي بتلبية مطالب المحتجين الاجتماعية والسياسية وجعل سوريا بلدا للحرية والعدالة لا سجنا كبيرا لأهلها فما كان ممن وصف درعا بالشهامة والكرامة والشجاعة قولا إلا أن رجع إلى طبيعته فجهز عدته بالدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة يوجهها إلى حوران ودرعا فيها لا إلى الجولان المحاذية لها، حيث لا يستطيع ومن معه حتى أن يحملوا بندقية صيد فيها فضبط النفس مطلوب بكل إتقان حيالها أما على شعبه وبلده فلا كما قال الشاعر:
كل امرئ راجع يوما لشيمته
وإن تخلق أخلاقا إلى حين
ثم لا يهم بعد ذلك أن يجري الذعر في درعا وتحاصر من كل المنافذ وتغلق الحدود مع الأردن ويقطع الماء والكهرباء عن أهلها وتشح المواد الغذائية بما فيها حليب الأطفال ويصرخ الكهول وتستغيث ذوات الخدور والعجائز ولكن أين الرحمة، إذ فاقد الشيء لا يعطيه وإذا عرف السبب بطل العجب فلا مكانة للأخلاق السياسية عند هؤلاء أبدا، القتلى في الشوارع والجثث تتفسخ والجرحى لا يعالجون ومن يمضي لينقذ هؤلاء لابد من اصطياده حتى لو كان من النساء بل خرجت مظاهرة نسائية صامتة منذ يومين في دمشق تضامنا مع درعا لفك الحصار عنها فاعتقلت الإحدى عشرة امرأة منهن وما زلن في السجن فأين المعتصم وشهامته، كما قال أبوريشة:
لامست أسماعهم لكنها
لم تلامس نخوة المعتصم
ولم تجد عشرات آلاف الحناجر في جمعة الغضب أن فكوا الحصار عن درعا أبدا، وكأن درعا هي تل أبيب معاذ الله فدولة المقاومة والممانعة شعارها أنه لابد من تطهير درعا الحدودية الباسلة وإبادة ضميرها ثم يأتي دور إسرائيل على مزاعمهم التي لم تطلق رصاصة واحدة على أهلها لا في الجولان ولا غيره منذ أكثر من أربعة عقود والذي أقنع الجميع كما قال عدة مفكرين صهاينة إن الحكم في دمشق اليوم هو أفضل لنا لأن الجبهة هادئة مع سوريا وما ندري من يأتي غير هؤلاء وكيف ستصير الأمور بعد ذلك؟
إن الأبواق التي تدخل على القنوات الفضائية وتمثل وجهة النظر الرسمية للنظام لا تفتأ تكذب كرؤسائها وتفتري وتبدل وتغير في الكلام وتدافع عن مواعيد عرقوب الإصلاحية وتخون معهم الأمانة لهي الصفات الذميمة التي تحققت قبل ذلك في أمثالهم ممن نعتهم رسول الله بقوله: "آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان" وإن قوات الأمن التي لم تقصر في إزهاق أرواح شباب الثورة المؤمنين واعتقال آلاف الشرفاء الأحرار بدرعا وهي تبحث في هجمتها التفتيشية الشرسة عن أعضائها الذين استقالوا طوعا من حزب البعث الحاكم وتبحث عن المفتي البطل الذي ستقال أيضاً لتؤدبهم أو تقتلهم أو... لأنها لا يمكن أن تتفهم الرأي الآخر وكان ما كان ويكون إذ ما زال الحصار مستمرا ومازال العديد من الأسر تهرب باتجاه الأردن، ثم يتوج هذا النصر لهؤلاء الظلمة بأنهم اقتحموا المسجد العمري في درعا.. إنه لنصر كبير إذ أن هذا المسجد هو منطلق احتجاجات الشباب وهو الذي ادعت السلطة كذبا وزورا أن فيه مسلحين وأسلحة.
نعم لقد وضعوا فيه الأسلحة من قبل وهربوا وادعوا أن هذه هي أسلحة الشعب وتلك وأمثالها رواياتهم الكاذبة التي لا تعرف الحقيقة أبدا وقد بات الجميع يعرفون أن الإعلام السوري الرسمي كذاب بامتياز ولا أدل على ذلك بأنهم لم يسمحوا ولن يسمحوا لأي إعلام عربي أو غربي محايد بالاطلاع على الأوضاع كيلا يفتضحوا ويدعوا دون خجل أن التلفزيون السوري وحده الذي يعرض الحقيقة كبرت كلمة من أفواههم وأفواه الطبالين الزمارين منهم الذين سبقوا مسيلمة في الكذب وخانوا الله ورسوله والجماهير في سوريا وغيرها ولم يعولوا في جميع مداخلاتهم إلا على الشخصية ومدح سيادة الرئيس المعجزة.
ولم يميزوا بين الوفاء والغدر والاستقامة والانحراف وحفظ الدماء أو التعطش لها بكل قسوة ووحشية بل لم يترحموا على شهداء الشباب لأنهم في عرفهم أعداء ولم ينصحوا الراعي الذي يجب أن يكون رحيما شفافا حريصا على النفوس بل كان متوعدا بأنه جاهز للمعركة، إنها شجاعة لم يصل إليها شارون من قبل!
ومع ذلك يستشهد بالقرآن وهو كما قال علي: من ضيع الأمانة ورضي بالخيانة فقد تبرأ من الديانة ولذلك كان المتظاهرون محقين في شعاراتهم: كل من يقتل شعبه خائن والراعي الذي يفتخر بالذئب لا يحب الخراف كما قال ديدرو وإنه ربما تنجح الخيانة مؤقتا كما في حصار درعا ولكن النتيجة أن الخائن يكرهه الجميع وللتاريخ الذي يسجل حساب عسير لمن ليس له أخلاق في السلم والحرب.
Khaled-hindawi@hotmail.com
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
تتردد بين المستثمرين مقولة قديمة مفادها أن «العقار يمرض ولا يموت». وقد أثبتت السنوات صحة هذه العبارة في كثير من الأحيان، فالعقار ظل لعقود طويلة أحد أهم أوعية الادخار والاستثمار وحفظ الثروة، واستطاع تجاوز أزمات اقتصادية وتقلبات مالية عديدة. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم في السوق القطري هو: هل ما زال العقار يحقق الثروة كما كان يفعل في السابق؟ من وجهة نظري، ما زال العقار أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه لم يعد الاستثمار السهل الذي كان يحقق المكاسب بالطريقة نفسها التي عرفها المستثمرون خلال العقود الماضية. فالسوق العقاري القطري أصبح أكثر نضجاً واستقراراً، وأصبح المستثمر مطالباً بالنظر إلى الأرقام والعوائد الفعلية أكثر من اعتماده على توقعات ارتفاع الأسعار. ومن السمات الطبيعية لأي سوق عقاري أنه يمر بمراحل مختلفة، ففي المراحل الأولى من النمو والتوسع العمراني تكون مكاسب ارتفاع الأسعار كبيرة نسبياً، مدفوعة بزيادة الطلب وتطوير البنية التحتية ودخول رؤوس أموال جديدة، أما بعد وصول السوق إلى مرحلة أكثر نضجاً، فإن وتيرة الارتفاعات السعرية تميل إلى التباطؤ، ويصبح العائد التشغيلي عاملاً أكثر أهمية في القرار الاستثماري. وقد دخل السوق العقاري القطري إلى حد كبير هذه المرحلة من النضج، ولم تعد مكاسب ارتفاع الأسعار التي اعتاد عليها المستثمرون في الماضي أمراً يمكن التعويل عليه بالدرجة نفسها. وهذا النضج لا يُعد مؤشراً سلبياً، بل يعكس انتقال السوق من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة أكثر استقراراً وقابلية للتنبؤ. ولا يعني ذلك أن السوق ضعيف أو يعاني من تراجع. فعلى العكس، فقد تجاوزت التداولات العقارية في قطر 26 مليار ريال خلال عام 2025، كما تم تنفيذ آلاف الصفقات العقارية خلال العام نفسه، بينما تجاوز المخزون السكني في الدولة 400 ألف وحدة سكنية. وهنا نصل إلى النقطة الأهم: العائد الحقيقي. فمتوسط العائد الإيجاري الإجمالي في السوق القطري يدور حول 5% إلى 5.5% سنوياً، وقد يصل في بعض الحالات إلى نحو 6% قبل احتساب المصروفات، لكن المستثمر لا يعيش على العائد الإجمالي، بل على العائد الصافي الذي يبقى في حسابه البنكي بعد خصم جميع التكاليف. ولنفترض أن مستثمراً يمتلك مليون ريال ويرغب في استثمارها في شقة استثمارية، إذا حققت هذه الشقة عائداً إيجارياً إجمالياً بنسبة 6%، فإن الدخل السنوي الظاهر سيكون 60 ألف ريال. لكن بعد احتساب رسوم الخدمات والصيانة وفترات الشغور والمصاريف المختلفة، قد ينخفض العائد الصافي إلى ما بين 4% و5% فقط. كما أن هناك فرقاً جوهرياً آخر يغفل عنه كثير من المستثمرين، وهو الفرق بين امتلاك الأرض وامتلاك الوحدة العقارية فقط. لكن ربما يكون التطور الأبرز خلال السنوات الأخيرة هو ظهور منافس حقيقي للعقار في المحافظ الاستثمارية، وهو سوق السندات. فلسنوات طويلة كان العقار يمثل الخيار الأول لمن يبحث عن دخل دوري أو استثمار طويل الأجل. أما اليوم فقد أصبحت السندات وأدوات الدخل الثابت تستحوذ على اهتمام متزايد من المستثمرين حول العالم، بمن في ذلك المستثمرون في منطقتنا. بل إن بعض المستثمرين المؤسسيين حول العالم أصبحوا يقارنون العقار بالسندات من زاوية التدفقات النقدية أكثر من مقارنة أسعار الأصول نفسها. وتتميز السندات بأنها توفر تدفقات نقدية دورية معروفة مسبقاً، ولا تتطلب إدارة مستأجرين أو متابعة أعمال صيانة أو تحمل فترات شغور. كما أن المستثمر يستطيع في كثير من الأحيان معرفة العائد المتوقع منذ اليوم الأول للاستثمار. وفي الوقت الحالي توفر بعض السندات الحكومية الخليجية عوائد تقارب 4% إلى 5% بحسب مدة الاستحقاق، بينما تقدم بعض سندات الشركات الكبرى ذات التصنيف الائتماني الجيد عوائد تتراوح بين 5% و7%. كما توفر بعض الصناديق المتخصصة في أسواق الدين الناشئة عوائد أعلى من ذلك، وإن كانت مصحوبة بمستويات أعلى من المخاطر. وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المستثمر سيحقق من عقار معين عائداً صافياً يتراوح بين 4% و5% بعد احتساب الرسوم والصيانة والشغور، فهل من المنطقي ألا يقارن ذلك بالعائد المتاح في السندات؟ ولنعد إلى مثال المليون ريال مرة أخرى. فإذا استثمر شخص مليون ريال في عقار يحقق عائداً صافياً قدره 4.5% سنوياً، فإنه سيحصل على نحو 45 ألف ريال سنوياً. وإذا استثمر المبلغ نفسه في أداة دخل ثابت تحقق 6%، فإن الدخل السنوي سيرتفع إلى 60 ألف ريال. أما إذا تحقق عائد 7% فسيصل الدخل إلى 70 ألف ريال سنوياً. وبالطبع لا تعني هذه المقارنة أن السندات أفضل من العقار، كما لا تعني أن العقار فقد جاذبيته. فالعقار أصل حقيقي يمكن استخدامه أو تطويره أو توريثه للأجيال القادمة. لقد تغيرت قواعد اللعبة الاستثمارية. ففي الماضي كان السؤال الذي يطرحه المستثمر هو: «في أي منطقة أشتري؟» أما اليوم فأصبح السؤال الأهم: «أين يحقق رأسمالي أفضل عائد معدل بالمخاطر؟» ومن هنا فإن مستقبل الاستثمار العقاري لن يكون لمن يشتري أكثر، بل لمن يحلل أفضل ويختار بدقة أكبر. فالعقار سيبقى أحد أهم الأصول الاستثمارية، لكنه أصبح جزءاً من منظومة أوسع من الفرص والبدائل التي تتنافس جميعها على رأس مال المستثمر. وهذا ربما هو أهم ما يجب أن ندركه في المرحلة الحالية: أن الثروة لا يصنعها العقار وحده، بل يصنعها القرار الاستثماري الصحيح.
6906
| 14 يونيو 2026
في ليلةٍ ستظل محفورة في ذاكرة الجماهير العربية، كتب المنتخب القطري فصلاً جديداً من تاريخه الكروي، بعدما انتزع أول نقطة له في بطولة كأس العالم بتعادلٍ ثمين أمام سويسرا، في مباراة جسّدت معنى الإيمان والقتال حتى اللحظة الأخيرة. لم يكن الأمر مجرد نقطة تُضاف إلى جدول الترتيب، بل كان إنجازاً معنوياً كبيراً يعكس حجم التطور الذي بلغته الكرة القطرية وقدرتها على مقارعة المنتخبات الكبرى في أعظم محفل كروي في العالم. ومن بين نجوم تلك الأمسية التاريخية، برز الحارس محمود أبو ندى كأحد أبرز عناوين النجاح. فقد قدّم أداءً استثنائياً بين الخشبات الثلاث، وتصدى لعدة محاولات خطيرة كانت كفيلة بتغيير مسار اللقاء. لم يكن حضوره مقتصراً على الجانب الفني فحسب، بل منح زملاءه الثقة والهدوء في أصعب اللحظات، ليصبح أول لاعب قطري يحصد جائزة أفضل لاعب في مباراة ضمن نهائيات كأس العالم، مؤكداً أن الأبطال الحقيقيين يظهرون عندما تكون الضغوط في أعلى درجاتها. لكن أجمل مشاهد المباراة جاء في الوقت الذي ظن فيه الجميع أن صافرة النهاية ستعلن خسارة العنابي، حين رفض اللاعبون الاستسلام وتمسكوا بالأمل حتى آخر ثانية. وبينما كانت عقارب الساعة تقترب من النهاية، ارتقى الأسطورة خوخي بوعلام إلى الموعد، وسجل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع، مطلقاً فرحة عارمة داخل المدرجات وخارجها. كان هدفاً تجاوز قيمته الفنية، ليصبح رمزاً للروح القتالية والحضور الذهني والإيمان الذي لم يغادر قلوب اللاعبين. وفي جانب آخر من البطولة، قدّم المنتخب المغربي عرضاً مبهراً أمام البرازيل، في مواجهة أكد خلالها أنه لم يعد مجرد ضيف شرف في المنافسات الكبرى. بل إن أسود الأطلس كانوا الطرف الأفضل خلال فترات طويلة من اللقاء، ونجحوا في فرض شخصيتهم وأسلوبهم أمام أحد أكثر المنتخبات تتويجاً وتأثيراً في تاريخ كرة القدم. وزادت روعة المشهد بهدف عالمي حمل توقيع إسماعيل الصيباري، الذي أودع الكرة بهدوء وذكاء من فوق الحارس، وأشعل حماس الجماهير. كان هدفاً يجمع بين الجرأة والمهارة والثقة، ليؤكد أن المغرب يمتلك جيلاً قادراً على صناعة الفارق في أكبر المحافل الدولية. كلمة أخيرة: هكذا كانت ليلة الأبطال؛ قطر تقاتل حتى النهاية وتكتب صفحة تاريخية، والمغرب يفرض حضوره بثقة الكبار. وبين تصديات أبو ندى، وهدف خوخي بوعلام القاتل، وتحفة الصيباري الخالدة، أثبتت الكرة العربية أن الأحلام الكبيرة لا تتحقق بالصدفة، بل تُصنع بالإيمان والعمل والروح التي لا تعرف المستحيل.
4293
| 15 يونيو 2026
كلما ظهر تطور تقني جديد، تكررت المخاوف نفسها، حدث ذلك مع الآلة الصناعية، ثم مع الحاسب الآلي، ثم مع الإنترنت، واليوم يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي. فمنذ أن أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي متاحة للجميع، امتلأت وسائل الإعلام بعناوين تتحدث عن اختفاء وظائف ومهن كاملة، وأصبح كثير من الموظفين يتساءلون: هل سيأتي يوم يحل فيه الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ لكن اللافت أن عدداً متزايداً من المحللين والخبراء الاقتصاديين يتفقون على أن السؤال الأهم ليس ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيأخذ الوظائف، بل من سيكون أكثر قدرة على الاستفادة منه. فالتقارير الصادرة عن مؤسسات عالمية مثل ماكينزي وجولدمان ساكس وصندوق النقد الدولي تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في عدد كبير من الوظائف الحالية، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى اختفاء معظمها. بل إن الأثر الأكبر قد يتمثل في إعادة تشكيل طريقة العمل ورفع الإنتاجية وتغيير المهارات التي ستحدد الفائزين في سوق العمل خلال السنوات المقبلة. لقد علمنا التاريخ أن التكنولوجيا لا تلغي الحاجة إلى الإنسان، بل تغير طبيعة مساهمته في الاقتصاد، فعندما انتشرت الحواسيب في الثمانينيات والتسعينيات، سادت مخاوف من اختفاء عدد كبير من الوظائف المكتبية. وعندما ظهر الإنترنت، توقع البعض أن تتراجع قطاعات بأكملها. لكن ما حدث في الواقع كان مختلفاً؛ فقد بقيت الوظائف، إلا أن العاملين فيها اضطروا إلى اكتساب مهارات جديدة للتكيف مع البيئة الجديدة. واليوم يبدو أن الذكاء الاصطناعي يسير في الاتجاه نفسه. لنتخيل موظفين يمتلكان المؤهل العلمي ذاته والخبرة نفسها، أحدهما يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في البحث وتحليل البيانات وإعداد التقارير، بينما يصر الآخر على الاعتماد على الأساليب التقليدية فقط. بعد فترة من الزمن سيصبح الفرق بينهما واضحاً في سرعة الإنجاز، وجودة المخرجات، والقدرة على التعامل مع حجم أكبر من الأعمال. وهنا تكمن الفكرة الأساسية التي يتحدث عنها كثير من المحللين. فالمنافسة المقبلة قد لا تكون بين الإنسان والآلة، بل بين إنسان يستفيد من الذكاء الاصطناعي وإنسان يختار تجاهله. وتؤكد شركة ماكينزي في عدد من دراساتها أن القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في استبدال الموظفين، بل في تمكينهم من أداء أعمالهم بكفاءة أعلى. كما يرى محللو جولدمان ساكس أن هذه التقنية قد تسهم في رفع الإنتاجية الاقتصادية العالمية بصورة ملموسة خلال السنوات المقبلة، وهو ما يفسر حجم الاستثمارات الضخمة التي تتدفق اليوم نحو هذا القطاع. ولا يقتصر الأمر على قطاع معين. ففي المحاسبة والتمويل تساعد هذه الأدوات على تحليل كميات ضخمة من البيانات خلال وقت قصير. وفي القانون تساهم في مراجعة الوثائق والعقود. وفي القطاع العقاري أصبحت تساعد على دراسة الأسواق وتحليل الاتجاهات وتقييم الفرص الاستثمارية. أما في التعليم والإعلام والإدارة، فالقائمة تطول يوماً بعد يوم. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيستبدل الإنسان بالكامل يبدو مبالغاً فيه. فما زالت هناك أمور يصعب على الآلة القيام بها بالكفاءة نفسها، مثل القيادة، واتخاذ القرارات المعقدة، وفهم العلاقات الإنسانية، والتفاوض، وتحمل المسؤولية. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم معلومات واقتراحات، لكنه لا يتحمل نتائج القرار ولا يمتلك الخبرة الإنسانية المتراكمة التي يحتاجها كثير من المواقف. ومن هنا تظهر قضية أخرى لا تقل أهمية، وهي فجوة المهارات. ففي الماضي كانت الفجوة الأساسية بين المتعلم وغير المتعلم، أما اليوم فقد بدأت تتشكل فجوة جديدة بين من يعرف كيف يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لا يعرف ذلك. ويشير المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن السنوات المقبلة ستشهد تغيراً كبيراً في المهارات المطلوبة في سوق العمل، وأن التعلم المستمر والتكيف مع التقنيات الجديدة سيصبحان من أهم عوامل النجاح المهني. كما حذر صندوق النقد الدولي من أن المؤسسات والدول التي تتأخر في تبني هذه التقنيات قد تواجه فجوة متزايدة في الإنتاجية مقارنة بمنافسيها. هذا لا يعني أن جميع الوظائف ستكون بمنأى عن التأثير. فبعض الأعمال الروتينية والمتكررة قد تشهد تراجعاً خلال السنوات المقبلة، خصوصاً تلك التي تعتمد على إدخال البيانات أو معالجة المعلومات بصورة نمطية. لكن التجارب السابقة تشير إلى أن التكنولوجيا لا تلغي وظائف بقدر ما تعيد تشكيلها، وتخلق في المقابل فرصاً جديدة لم تكن موجودة من قبل. وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس ما الذي سيحدث بعد عشر سنوات، بل ما الذي يمكن أن نفعله من الآن. فالتعرف على أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها في العمل اليومي لم يعد رفاهية تقنية، بل قد يصبح خلال سنوات قليلة جزءاً من المهارات الأساسية المطلوبة في معظم المهن. لقد أثبت التاريخ أن التكنولوجيا لا تكافئ الأقوى، بل تكافئ الأسرع في التكيف معها. وكما تجاوز مستخدم الحاسب الآلي من تمسك بالآلة الكاتبة، وكما تفوق من أتقن الإنترنت على من تجاهله، فإن الفائز في سوق العمل خلال السنوات القادمة لن يكون بالضرورة الأكثر خبرة أو الأعلى شهادة، بل الأكثر قدرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع إنتاجيته وتعزيز قيمته. ولذلك، قد لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه هو: هل سيأخذ الذكاء الاصطناعي وظيفتي؟ بل: ماذا أفعل اليوم حتى لا يأخذها شخص يستخدمه أفضل مني؟. باحث اقتصادي
3672
| 10 يونيو 2026