رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

م. حسن الراشد

مساحة إعلانية

مقالات

522

م. حسن الراشد

البلاستيك إلى منصات التتويج الصناعي

15 يونيو 2026 , 11:07م

إن الصورة النمطية السلبية التي ارتبطت بمادة البلاستيك (Plastic) هي حكم مجتزأ يفتقر إلى الموضوعية إلى حدّ كبير؛ إذ إن انتقاد المادة دون النظر إلى دور الإنسان في إدارتها كقراءة السطر الأول من كتاب وإهمال بقية فصوله التي تشرح الحقيقة كاملة. فالبلاستيك في جوهره هو “اللؤلؤ الصناعي”، وهو الوريث الطبيعي للصناعات البتروكيماوية التي حلّت محل اللؤلؤ الطبيعي الخليجي لقرون مضت. ويمكن القول إن المشكلة ترتبط غالبًا بإدارة المادة واستخدامها أكثر من المادة نفسها؛ فالجاني الحقيقي هو السلوك البشري, والمجني عليها هي البيئة، أما البلاستيك فهو ثروة مهملة تنتظر إطارًا تنظيميًا وهندسيًا يحولها من عبء بيئي إلى منتج ذي قيمة عالية، يجسد المفهوم الحديث للاقتصاد الدائري المستدام (Circular Economy).

وتعزز الدراسات الحديثة هذا الطرح، إذ تشير إلى أن أكثر من ثلث الجزيئات البلاستيكية الدقيقة يأتي من المنسوجات الاصطناعية، مثل الملابس المصنوعة من البوليستر، مما يؤكد أن المشكلة لا تقتصر على النفايات البلاستيكية التقليدية وحدها. ولذلك فإن فهم المصادر الحقيقية للتلوث يُعد خطوة أساسية نحو وضع حلول أكثر فاعلية.

وتتمثل الفكرة التي أود طرحها في هذا المقال في إعادة توجيه هذه المواد وتحويلها إلى منتجات صناعية ذات قيمة مضافة تخدم، على وجه التحديد، قطاع البناء والإنشاءات والبنية التحتية

، مثل حواجز السلامة، وبلاطات الأرصفة، وأنابيب الري والصرف، والأخشاب البلاستيكية، وشباك الحماية، ومواد التغليف، وغيرها، إذ من المعلوم صناعيًا أن العديد من هذه التطبيقات لا تتطلب الاعتماد الكامل على المادة الخام (Virgin Resins)، بل يمكن للمواد المعاد تدويرها، مع إضافة نسبة محدودة من المادة الخام، أن تلبي المتطلبات الفنية بكفاءة عالية. وهنا يبرز دور “المواصفات الفنية المحلية” التي يجب أن تُصاغ بما يتناسب مع الاستخدامات والظروف المناخية من حرارة ورطوبة وأشعة فوق بنفسجية، بما يطيل العمر التشغيلي ويخفض تكاليف المشاريع.

إن هذه الكفاءة الفنية للمنتج المحلي لا تكتمل قيمتها الاقتصادية إلا ببيئة تشريعية تحميها؛ لذا فإن الاستمرار في استيراد المنتجات المصنّعة من مواد معاد تدويرها يُفقد الاقتصاد فرصة صناعية واستثمارية معًا. ومن هنا تبرز الحاجة إلى تنظيم واردات هذه المنتجات بضوابط تحقق توازناً بين دعم الصناعة المحلية، والحفاظ على تنافسية السوق، وتعزيز الأثر البيئي الإيجابي من خلال تقليل النفايات ورفع كفاءة إعادة التدوير؛ إذ من غير المنطقي التخلص منها محليًا ثم استيرادها مجددًا لنفس الاستخدام. ويتطلب هذا التحول دعمًا تشريعيًا يمنع استيرادها لدواعٍ بيئية ويمنح المنتج المحلي الأولوية والدعم.

كما أن أي توسع مستقبلي في صناعة البتروكيماويات، وبالأخص المنتجات البوليمرية، سيواكبه بالضرورة ازدياد في الحاجة إلى إعادة التدوير (Recycling)، بوصفه مسارًا متناميًا ضمن المنظومة الصناعية. ويشمل هذا التكامل أيضًا دراسة احتياجات السوق من المنتجات القابلة للتصنيع من هذه المواد، بما يتيح توجيهها نحو إنتاج محلي يلبّي الطلب الفعلي بكفاءة أعلى؛ إذ إن هذا الربط بين التوسع الإنتاجي والطلب الإنشائي يعزز دور إعادة التدوير كحل مستقبلي لا يمكن فصله عن تطور هذه القطاعات.

وهنا يبرز دور الجامعات والمؤسسات الأكاديمية بوصفها شريكاً استراتيجياً لا غنى عنه؛ إذ يتجاوز إسهامها البحث النظري إلى التطبيق الصناعي، من خلال تطوير مركّبات بوليمرية مُعدَّلة ومعاد تدويرها (Modified Polymer Compounds) تتفوق في خصائصها الميكانيكية والحرارية ومقاومتها المناخية، بما يلائم الظروف المناخية القاسية في منطقتنا. ويمتد هذا الدور ليشمل التعاون مع الجهات المختصة في صياغة المواصفات والأدلة الفنية القياسية، فضلاً عن توظيف الحواضن الجامعية لتحويل براءات الاختراع إلى مشاريع صناعية قابلة للتطبيق. وقد يُفضي هذا التكامل الأكاديمي والصناعي إلى إنتاج مواد أولية مُعدَّلة بخصائص هندسية متقدمة، تحمل قيمة تصديرية عالية، لا سيما في ظل النمو المتسارع لقطاع إعادة التدوير عالمياً.

وفي الختام، فإن منظومة إعادة التدوير الحقيقية ليست مجرد حاويات فرز أو شعارات بيئية، بل نظام صناعي وأكاديمي متكامل ينظم تدفق المواد بين مراحل الجمع والمعالجة والتصنيع. ويطرح هذا المقال رؤية متوازنة تدعو إلى تحويل البلاستيك من عبء بيئي إلى ثروة صناعية، والانتقال من «اقتصاد إعادة التدوير» (Recycling Economy) إلى «الاقتصاد الدائري» (Circular Economy) المستدام، الذي يحوّل التحدي البيئي إلى منجز صناعي واقتصادي ملموس، شريطة أن تتبنى هذه الرؤية جهة تمتلك صلاحيات تنفيذية وتشريعية قادرة على تحويلها إلى واقع عملي.

مساحة إعلانية