رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
يحتفل العالم اليوم الخميس باليوم العالمي لحرية الصحافة كتقليد سنوي يهدف إلى التذكير بالدور المهم والفاعل الذي تضطلع به الصحافة تحديدا ووسائل الإعلام بصفة عامة في تعزيز حرية الرأي والتعبير والديمقراطية البناءة التي تشجع التنمية والتطور في كافة أرجاء العالم، وفي البداية لا بد من تدوين تحية للذين اختاروا القلم سلاحا في عالم الإعلام الواسع بمختلف وسائله، الذين انتهجوا نهج الكلمة الحرة لوضع بصماتهم في هذه الحياة، وإيصال المعلومة بكل أمانة وصدق ومسؤولية، على كل الجهود التي يبذلونها لتطوير الأداء الإعلامي ونشر الوعي بحرية حقوق التعبير في أوساط مجتمعنا، باعتبار أن معيار حرية الصحافة في المجتمع يعد مؤشرا على الحريات العامة للشعب.
ويعتبر هذا اليوم الاحتفائي فرصة مناسبة لإلقاء الضوء على أوضاع حرية الصحافة العربية ومسيرة حرية الإعلام العربي لاستحضار تلك المهام والأدوار الشاقة والخطيرة التي يؤديها الصحفي والإعلامي العربي وهو يقوم بدوره الرسائلي في تقصي الحقائق من أجل تزويد القارئ أو المستمع أو المشاهد العربي بالأخبار اليومية مهما كلفه ذلك من تضحيات. كما يعد هذا اليوم، الذي يحتفل به العالم منذ إعلان الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1993 تسميته بيوم الصحافة العالمي، مناسبة للتعريف بالدور الذي يمكن لوسائل الإعلام القيام به تحقيقا لمصلحة المواطنين ولتعريف الشعوب العربية بانتهاكات حرية الصحافة وحق التعبير عن الرأي، حيث لا تزال تقارير المنظمات الدولية تصنف المنطقة العربية بالجزء المعتم من العالم سواء من حيث غياب وسائل الإعلام المستقلة أو الاستمرار في فرض رقابة حكومية تصل أحيانا إلى حد القمع.
وبإلقاء نظرة عن قرب لحال الإعلام العربي اليوم وعلى مدى عام كامل منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، نجد أن الإعلام قد صنف نفسه بنفسه إلى قسمين لا ثالث لهما، فإما إعلام ينقل ويغطي الحدث فقط، أو إعلام فعال يلعب دورا كبيرا في حث الشعوب المضطهدة على الاحتجاج من أجل التغيير في العالم العربي، حيث لا يوجد في فقه ثورات الشعوب حياد بين الضحية والجلاد، رغم أن هذا الإعلام الفعال ربما يخفي وراء فعاليته مصالح وأهدافاً وأجندات خفية.
إن الإعلام العربي الفعال قد حقق مكاسب جمة، ربما سلبا أو إيجابا، بعد ثورات الربيع العربي على صعيد حرية الرأي والتعبير، رغم مواقف عدد من وسائل الإعلام المتباينة والمتأرجحة ما بين الغناء المترف عند الجلاد والإضراب جوعا في ميدان الصمود تضامنا مع الضحية، ورغم أن هذه الثورات قد مثلت فألاً غير حسن وكانت بمثابة نذير شؤم على بعض وسائل الإعلام والإعلاميين، فلقد تمثل نجاح الإعلام العربي الفعال في مواقف بعض وسائل الإعلام الداعمة للشعوب العربية الثائرة، والتي لعبت دورا سياسيا وإعلاميا وإنسانيا مقدرا على الصعيد الدولي في حشد وبلورة الرأي العام العالمي من أجل الوقوف مع مبدأ حق الإنسان العربي في ثورته، وقامت بتعرية حقائق ظلت طي التكتم وحرصت بكل ما أوتيت من خبرات مهنية وفنية على كشف زيف وتضليل أبواق الإعلام المناهض والمضاد لحراك الثورات العربية وعلى إبراز الحقيقة من قلب الأحداث في ساحات تلك الثورات، في الوقت الذي كانت فيه الأنظمة الحاكمة ووسائلها الإعلامية أكثر حرصا على إخفاء تلك الثورات وإظهار عكسها.
ونجد في ذات الوقت أن بعض وسائل الإعلام قد فقدت مصداقيتها خلال تغطيتها أحداث الربيع العربي، وذلك بتحيزها الواضح للأنظمة الديكتاتورية وإثارتها لبعض المشاكل واختلاق الأكاذيب وابتعادها عن مبادئ المهنية والحياد في تناولها الإعلامي للأحداث، للدرجة التي أصبح معها ذلك الإعلام سببا رئيسيا في عدم شعور المواطن العربي بالأمن والأمان، بل وإصابته بفوبيا الأحداث، فهل هناك احتمال لقيام ثورات إعلامية تطالب بإسقاط وسائل الإعلام هذه كما سقطت من قبل بعض الأنظمة والحكومات؟
ومثلما أسهمت وسائل الإعلام المستقلة بقوة في إحداث الربيع العربي، فلقد أسهمت ثورات الربيع العربية أيضا في تحرير وسائل الإعلام المحلية في بلدانها، ولم تكن عملية تغيير أنظمة وسائل الإعلام والبيئة الإعلامية السائدة في البلدان التي تنفست الصعداء وأقامت كرنفالات النصر احتفاء بسقوط حكومات دكتاتورية دامت لفترات طويلة بالأمر السهل، فقد استمرت ذات وسائل الإعلام التي تديرها الدولة تعمل كما في السابق بعد الثورة مع بعض التعديلات البسيطة، ورغم اختفاء بعض القيادات الإعلامية وكبار المحررين أو الناشرين في دول الربيع العربي، إلا أن غالبية قوة العمل بالإضافة إلى السياسات الإعلامية ما تزال على ما هي عليه ولم تتغير بشكل كبير.
وفي الوقت نفسه ورغم أن كل دول الربيع العربي قد استعادت حقها في الحرية، فلا يزال بعض صحفيي ومراسلي تلك الدول، لم يستعيدوا حقهم في حرية التعبير، فحتى الآن ما زالت هناك صعوبات جمة تقف حائلا دون تحرير الإعلام في العالم العربي بصورة كاملة رغم الثورات، ولذلك نجد أن حرية الإعلام تواجه خطرا محكما في تلك البلدان، لأن رياح الربيع العربي يفترض بها أن تجتاح الإعلام أيضا لتحدث فيه تغييرا جذريا، وألا يقتصر التغيير على مستوى القصور الرئاسية فقط.
ولا بد لكثير من حكومات البلدان التي لم تجتاحها رياح الثورات العربية أن تعي هذه الدروس والعبر المستقاة من واقع سياسات القمع والتضييق على الناس وتقييد حقوقهم في حرية التعبير عن آرائهم، وأن تبدأ من الآن - إن لم تكن قد بدأت - في انتهاج سياسة إعلامية مختلفة وعمل الإصلاحات اللازمة في قوانين الصحافة وحرية التعبير التي من شأنها زيادة هامش حرية التعبير والرأي.
ورغم النقلة النوعية للإعلام القطري الذي يمثل أحد الركائز الأساسية لمناخ حرية الإعلام التي أرسى دعائمها حضرة صاحب السمو الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني أمير البلاد المفدى، فإن دور الإعلام يتطلب من وسائل الإعلام القطرية جهدا أكبر لإبراز دور قطر الكبير في كل المجالات والمحافل، ويجب ألا ينسَ الناس أن لقطر علينا كإعلام وإعلاميين حقا لا بد من الوفاء به، فالاستقلالية التي ينعم بها الإعلام القطري اليوم في ظل أجواء حرية التعبير والرأي التي عمت أرجاء البلاد عقب الخطوات التي اتخذها صاحب السمو الأمير بإلغاء الرقابة على وسائل الإعلام كأول خطوات إصلاحية من نوعها في المنطقة، إنما تؤكد أن رياح التغيير والحرية قد بدأت انطلاقتها من قطر.
ومع انتشار وسائل الإعلام الحديث من مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، فإننا الآن في أمس الحاجة لوجود إذاعات وصحافة وقنوات تليفزيونية ومراكز إعلامية قطرية فعالة، تعبر بكل كفاءة وشفافية ومهنية عالية عن التطورات السريعة التي تشهدها الدولة والمجتمع القطري في ظل مناخ الأمن والاستقرار الذي تنعم به البلاد، وتبرز الإنجازات القطرية على المستوى الإقليمي والعالمي، وتسوِّق أفكار ورؤى الدولة المستقبلية في تخطيط وتمويل ووضع اللبنات الأساسية للمشاريع الضخمة التي قامت وتقوم قطر حاليا بتنفيذها على أرض الواقع.
والتحديات التي يواجهها الإعلام القطري كثيرة، تتطلب الكثير من المعاناة وتكبد المشاق، فالرحلة طويلة ولا تحتمل التباطؤ أو التخاذل، فلابد من وجود أذهان متحررة من قيود الرسائل والنماذج الإعلامية المملة التي تقدم لأهل قطر والمنطقة إعلاما منزوع الدسم الثقافي ودون هوية. وهذه دعوة لكافة الإعلاميين القطريين وغير القطريين للمساهمة في بذل المزيد من الحب والخير لقطر، ذلك الحب الذي يضطرنا لأن نعلنه ونصرح به للعالم أجمع.
إن التوجه الإعلامي الحالي في قطر لا يسير متوازيا مع النهضة الحضارية الكبرى التي تخطوها الدولة بخطوات رائدة نحو المستقبل المشرق الذي تشرئب إليه أعناق وقلوب أهل قطر بكافة أطياف فئاتهم العمرية، شيبا وشبابا وأطفالا. وحتى توجه قناة الجزيرة الإخباري نجده أيضا لا يعبأ كثيرا بما يدور في قطر من إشراقات اقتصادية واجتماعية يمكن لها أن تضيء ظلمات ما وراء البحار والمحيطات إن وجدت ما تمتلكه الجزيرة ووسائل الإعلام القطرية الأخرى من إمكانات احترافية كبيرة وقاعدة تقنية تكنولوجية متطورة ومهارات مهنية وآلية تحليل ورصد.
إن انعقاد عدد من المؤتمرات الدولية في فترة وجيزة في قطر في الآونة الأخيرة يعتبر وحده دليلا على أن سقف حرية الرأي والتعبير بها عالي المكانة والقيمة، الشيء الذي منحها ثقة المجتمع الدولي، ولكن هذا الانفتاح على العولمة لا بد أيضا أن يواكبه مزيد من الممارسة المجتمعية لثقافة حرية التعبير والرأي، فحرية الرأي هي أساس حياة المجتمع، وهي لا تأتي إلا بممارسة الشعب القطري لها من خلال الانتخابات البرلمانية ومنظمات المجتمع المدني، وهنا يأتي الدور المتعاظم للحكومة القطرية في تثقيف المجتمع ونشر وعي ثقافة حرية الرأي والتعبير في أوساط المجتمع ووضع الآليات المطلوبة لدعم حرية الإعلام بما يتماشى مع مبادئنا وقيمنا الإسلامية، ومنها قانون الأنشطة الإعلامية، الذي ما زلنا نسمع باللقاءات والنقاشات حوله ولا نراه، حيث لا يزال القانون معلقا ينتظر إنزاله إلى أرض الواقع، ونتمنى صادقين أن يرى النور. لقد خطونا خطوات واسعة في الاتجاه الصحيح تستشرف المستقبل المفعم بالأمل والتفاؤل والطموحات والواقعية، ولكننا نشعر بأن خطواتنا تلك ما زالت بطيئة في عالم متسارع.
الذكاء الاصطناعي في قطاع العلاقات العامة
يشهد مجال العلاقات العامة ثورة كبيرة يقودها الذكاء الاصطناعي، لتتحول الى إدارة أكثر تفاعلاً وإنتاجاً وتطوراً، من خلال... اقرأ المزيد
4782
| 17 مارس 2024
الذكاء الاصطناعي وقمة الويب
الأسبوع الماضي، استضافت الدوحة فعاليات قمة الويب قطر 2024، وهو أكبر مؤتمر في قطاع التكنولوجيا في العالم يناقش... اقرأ المزيد
792
| 03 مارس 2024
فلسطين والذكاء الاصطناعي والقانون الدولي الإنساني
أدى التطور السريع للذكاء الاصطناعي إلى إشعال نقاش محتدم حول كيفية استخدامه في الحروب الحديثة، خاصة فيما يتعلق... اقرأ المزيد
2511
| 25 فبراير 2024
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في نهاية كل عام، تعقد المؤسسات اجتماعاتها، وتراجع أرقامها، وتحدد أهدافها، ثم تصدر وثيقة أنيقة تضم المبادرات ومؤشرات الأداء. وبعد اعتمادها، يعود الموظفون إلى مكاتبهم، وتعود المؤسسة تدريجيًا إلى أسلوب عملها المعتاد. وعندما يحين موعد المراجعة، يتبين أن جزءًا كبيرًا من الخطة لم يُنفذ. غالبًا ما يوصف ذلك بأنه ضعف في التنفيذ، مع أن الخلل قد يبدأ من الخطة نفسها. فبعض الخطط تُعد لتبدو مقنعة عند عرضها، لا لتساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات واضحة. وقد تتحدث عن تحسين الكفاءة، ورفع رضا العملاء، وتسريع التحول الرقمي، من دون أن تحدد المشكلة الأساسية، أو الخيارات التي ستتبناها المؤسسة، أو الأعمال التي ستتوقف عنها. يرى المفكر الاستراتيجي ريتشارد روملت أن الاستراتيجية الجيدة تبدأ بتشخيص التحدي، ثم اختيار النهج المناسب للتعامل معه، وتحويل هذا النهج إلى أعمال مترابطة. لذلك لا تكفي قائمة طويلة من الأهداف لصنع خطة جيدة. فعندما تعلن المؤسسة أن لديها عشر أولويات، فهي غالبًا لم تحسم أولوياتها بعد؛ لأن التخطيط الحقيقي يعني تقديم بعض الملفات وتأجيل ملفات أخرى. وتبدأ المشكلة أحيانًا من طريقة إعداد الخطة. فقد تُكتب داخل إدارة التخطيط، أو بمساعدة مستشارين، ثم تُرسل إلى الإدارات الأخرى للتنفيذ. تبدو افتراضاتها منطقية على الورق، لكنها عند التطبيق تصطدم بإجراءات بطيئة، أو نقص في المهارات، أو أنظمة لا توفر المعلومات المطلوبة، أو أهداف متعارضة بين الإدارات. بل إن تضخم إدارات التخطيط والاستراتيجية قد يصبح جزءًا من المشكلة. فعندما يزيد عدد العاملين فيها على الحاجة الفعلية، تزداد الاجتماعات والنماذج والتقارير التي لا تضيف قيمة إلى القرار ولا تسهل التنفيذ. ومع الوقت، قد تنشأ وظائف وإجراءات هدفها تغذية منظومة التخطيط نفسها، فتتوسع بسبب المتطلبات التي تنتجها، لا بسبب حاجة العمل. وفي المقابل، تنشغل الإدارات التشغيلية بإعداد البيانات وحضور الاجتماعات بدلًا من التركيز على مهامها. وجود إدارة للتخطيط ضروري، لكن دورها ينبغي أن يكون تبسيط القرار وتحديد الأولويات، لا إضافة طبقات جديدة من التعقيد. ولا تعني المشاركة في التخطيط فتح القرار أمام الجميع، بل الاستماع في الوقت المناسب إلى من يعرفون تفاصيل العمل. هؤلاء يستطيعون كشف العقبات مبكرًا واقتراح وسائل أكثر واقعية للتنفيذ. كذلك يجب تحويل كل هدف إلى مسؤولية واضحة: من يملكه؟ وما الصلاحيات والميزانية المتاحة له؟ وما أول نتيجة يفترض أن تظهر؟ إذا بقيت هذه الأسئلة بلا إجابة، أصبح الهدف عبارة يرددها الجميع ولا يتحمل مسؤوليتها أحد. وقد تكون المسؤوليات واضحة داخل كل إدارة، ثم تضيع عند انتقال العمل من إدارة إلى أخرى. في مصانع البتروكيماويات مثلًا، تسعى إدارة الإنتاج إلى تشغيل الوحدات بأقصى طاقة، بينما تطلب إدارة الصيانة إيقاف وحدة لمعالجة مؤشرات مبكرة على تدهور معدة رئيسية. وفي الوقت نفسه، تؤجل الإدارة المالية بعض المصروفات، وتحاول المشتريات الحصول على قطع الغيار بأقل سعر. وقد يتزامن ذلك مع خطة لخفض التكلفة تعتمد على تقليص أعداد الموظفين ذوي الخبرة والاستعانة بعمالة المقاولين حتى في بعض أعمال الصيانة الأساسية. الاستعانة بالمقاولين قد تكون ضرورية ومفيدة، لكن الخطر يبدأ عندما يصبح السعر المنخفض هو المعيار الأهم، من دون التحقق الكافي من خبرة العمال وتدريبهم وقدرتهم على الالتزام بإجراءات العمل والسلامة. بهذا الأسلوب، قد تنجح كل إدارة وفق مؤشراتها الخاصة: يحقق الإنتاج الكميات المستهدفة، وتخفض المالية المصروفات، وتحصل المشتريات على سعر أقل، وتقلص الموارد البشرية عدد الموظفين. ومع ذلك، يصبح المصنع أكثر عرضة لضعف الصيانة، وتكرار الأعطال، وأخطاء قد تمس السلامة. وقد يسبب توقف مفاجئ واحد خسائر تتجاوز جميع الوفورات. الخلل هنا ليس في أداء إدارة بعينها، بل في خطة جزأت أهداف المؤسسة ولم توازن بين خفض التكلفة والمحافظة على الخبرة وجودة الصيانة وسلامة الأصول. وتتعثر الخطط أيضًا عندما تضيف المؤسسة مبادرات جديدة من دون إيقاف أعمال قديمة، فتتوزع الموارد على عدد كبير من المشروعات ولا يحصل أي منها على ما يكفي. التخطيط الجاد لا يحدد ما ستفعله المؤسسة فقط، بل يحدد أيضًا ما ستتوقف عن فعله، ثم يوجه المال والكفاءات والوقت الإداري إلى الملفات الأهم. وتدعم ذلك دراسة حديثة لماكنزي شملت أكثر من أربعمائة شركة. فقد ظهر أن الفارق الأبرز لدى المؤسسات المتفوقة كان في تهيئة المنظمة للتنفيذ، ولا سيما تحويل الاستراتيجية إلى مبادرات محددة، وتوزيع المسؤوليات، وإعادة تخصيص المال والكفاءات والاهتمام الإداري. لذلك تظل الخطة التي لا تغير طريقة توزيع الموارد مجموعة من النوايا الجيدة مهما بدا عرضها مقنعًا. كذلك قد تُبنى الخطة على افتراضات غير مكتوبة، مثل استمرار الطلب أو توافر التمويل أو قدرة الأنظمة على دعم التنفيذ. ولهذا ينبغي تحديد الافتراضات الأساسية ومراقبتها من خلال مؤشرات مبكرة. فإذا تغيرت الظروف، يصبح تعديل الخطة تصحيحًا طبيعيًا للمسار، لا اعترافًا بالفشل. ولا تكفي لوحة مؤشرات ملونة لضمان التنفيذ. فكثير من اجتماعات المتابعة تنشغل بنسبة الإنجاز، لكنها تتجنب الأسئلة التي تحتاج إلى قرار: لماذا تأخر العمل؟ ما العائق الذي لا يستطيع الفريق إزالته؟ وهل ما زال المشروع يخدم الأولوية الأساسية؟ الاجتماع المفيد لا يراقب التنفيذ فقط، بل يزيل عوائقه ويتخذ القرارات اللازمة لاستمراره. ولتحويل الخطة إلى أداة عمل، يمكن اختصار كل مبادرة في صفحة واحدة تجيب عن سبعة أسئلة: ما النتيجة المطلوبة؟ لماذا تُعد مهمة؟ من يملكها؟ ما القرارات والموارد اللازمة؟ ما الإدارات التي يعتمد عليها التنفيذ؟ ما العلامات المبكرة للتقدم أو التعثر؟ ومتى نراجع قرار الاستمرار أو التعديل أو الإيقاف؟ الخطة الجيدة لا تتنبأ بالمستقبل بدقة، فهذا مستحيل، لكنها تساعد المؤسسة على اتخاذ قرارات متناسقة في ظل مستقبل غير مؤكد. وهي لا تُقاس بجمال عرضها أو بعدد مبادراتها، بل بما تغيره فعليًا في توزيع الوقت والمال والمسؤوليات. فإذا لم يعرف الموظف ما الذي سيفعله بصورة مختلفة في صباح اليوم التالي لاعتماد الخطة، فالأرجح أن المؤسسة لم تنته من التخطيط بعد.
8937
| 20 سبتمبر 2026
قد يدخل رجلان إلى اجتماع واحد، ويقدم كل منهما عرضًا متقاربًا في السعر والجودة، ثم يخرج أحدهما بصفقة جديدة، بينما يخرج الآخر من دونها. وقد لا يكون الفارق في العرض نفسه، بل في تفاصيل صغيرة: طريقة الاستقبال، ونبرة الحديث، والقدرة على الاستماع، واحترام الوقت، والشعور الذي تركه كل منهما لدى الحاضرين. فالناس في عالم الأعمال لا يشترون منتجًا أو خدمة فقط، بل يختارون أيضًا الشخص الذي يطمئنون إلى التعامل معه. وقد يربح رجل الأعمال صفقة بقوة السعر أو النفوذ، لكنه لا يضمن تكرارها إلا إذا شعر الطرف الآخر بالتقدير والثقة. ومن هنا يصبح حسن التعامل جزءًا من النجاح التجاري، لا مجرد صفة شخصية جميلة. وعندما نتحدث عن نجاح رجل الأعمال، تتجه الأنظار عادةً إلى حجم استثماراته وعدد مشروعاته وأرباحه. غير أن لديه رأس مال آخر لا يظهر في الميزانية: رصيده لدى الناس. هذا الرصيد يتكوّن من كلمة صادقة، ووعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموقف حُفظت فيه كرامة إنسان. وقد تفتح السمعة الطيبة لصاحبها فرصًا لا يصل إليها بالمال وحده. والاختبار الحقيقي لأخلاق رجل الأعمال لا يكون دائمًا في قاعة الاجتماعات الكبرى، بل في تعامله مع من لا ينتظر منهم مصلحة مباشرة: موظف الاستقبال، والسائق، والعامل، وصاحب الشركة الصغيرة. ففي هذه المواقف تظهر شخصية الإنسان بعيدًا عن المجاملات والمصالح. وقد ينسى الناس ما قيل في الاجتماع، لكنهم يتذكرون من استقبلهم باهتمام، ومن أنصت إليهم، ومن تركهم ينتظرون بلا اعتذار، أو ظل ينظر إلى هاتفه أثناء حديثهم. ومن أهم التفاصيل احترام الوقت والكلمة. قد يحدث ما يسبب التأخير، لكن الاعتذار والإبلاغ المبكر يصنعان فرقًا. وحين يقول رجل الأعمال إنه سيرد غدًا، أو يسدد مستحقًا في تاريخ محدد، تصبح كلمته جزءًا من سمعته. وإذا تعذر التنفيذ، فالمصارحة المبكرة أفضل من الصمت والتسويف. فالناس قد يتفهمون تغير الظروف، لكنهم لا يتقبلون تجاهلهم. وتزداد أهمية ذلك مع الموردين والشركات الصغيرة. فقد تكون الدفعة المتأخرة بندًا بسيطًا لدى مؤسسة كبيرة، لكنها قد تعني رواتب شهر كامل لدى شركة صغيرة. لذلك، لا ينبغي أن يستخدم القوي قدرته المالية للضغط على الأضعف أو تأخير حقوقه. فدفع المستحقات في مواعيدها ليس إجراءً ماليًا فقط، بل معيار يكشف عدالة المؤسسة وطريقة تفكير قيادتها. أما في التفاوض، فليس النجاح أن يخرج أحد الطرفين منتصرًا والآخر مثقلًا بالشعور بالغبن. صحيح أن كل طرف يسعى إلى أفضل شروط ممكنة، لكن الصفقة التي يشعر بعدها أحدهما بأنه استُغل قد تتم مرة واحدة ولا تتكرر. المفاوض الذكي لا يسأل فقط: كم ربحت؟ بل يسأل أيضًا: هل سيرغب الطرف الآخر في التعامل معي مجددًا؟ فالصفقة الجيدة تحفظ المصالح وتترك الباب مفتوحًا لعلاقة أطول. ومن حسن التعامل ألا تتغير أخلاق رجل الأعمال إذا لم تتم الصفقة. فقد لا يتفق الطرفان اليوم، لكنهما قد يلتقيان في فرصة أخرى غدًا. أما تجاهل الرسائل أو إظهار الضيق لمجرد أن الاتفاق لم يكتمل، فقد يغلق بابًا كان يمكن أن يُفتح لاحقًا. وتظهر شخصية رجل الأعمال بوضوح عند الخلاف. ففي أوقات النجاح يسهل إظهار الهدوء، لكن الأخلاق المهنية تُختبر عند تأخر المشروع، أو وقوع خسارة، أو تقصير موظف، أو اختلاف الشركاء. هنا يظهر الفرق بين الحزم والإهانة؛ فالحزم يعالج المشكلة ويحفظ مكانة الإنسان، أما الإهانة فتضيف إلى المشكلة مشكلة أخرى. يستطيع رجل الأعمال أن يرفض عرضًا، أو ينهي عقدًا، أو يتخذ قرارًا صعبًا من دون رفع صوته. ومن أكثر الأخطاء ضررًا توبيخ الموظف أمام زملائه أو العملاء. فإذا كان هناك خطأ يستحق التصحيح، فالأفضل مناقشته على انفراد، أما التقدير فيمكن أن يكون أمام الجميع. وقد ينسى الموظف مكافأة حصل عليها، لكنه يتذكر طويلًا مديرًا حفظ له مكانته في موقف صعب. وهنا يأتي الإتيكيت بوصفه تعبيرًا عن التقدير، لا مجموعة من المظاهر المتكلفة. فهو لا يقتصر على أناقة الملبس أو ترتيب الجلوس، بل يبدأ بأن يعرف رجل الأعمال أسماء ضيوفه وصفاتهم، ويقف لاستقبالهم، ويعرّف الحاضرين بعضهم إلى بعض، ويضع هاتفه جانبًا، ولا يقاطع المتحدث أو يحتكر الحوار. ومن اللباقة ألا يبدأ اللقاء بالحديث المباشر عن الصفقة، بل يترك مساحة قصيرة للترحيب والتعارف، ويختار مكانًا يناسب ضيوفه، ويراعي اختلاف الثقافات والعادات، ثم يشكرهم بعد اللقاء. وفي الاجتماعات، لا يترك الانطباع الأفضل من يتحدث أكثر، بل من يعرف متى يتكلم ومتى يستمع؛ فالإنصات الحقيقي قد يكشف فرصة لم تكن ظاهرة في العرض المكتوب. ولا تكتمل جودة التعامل من دون حفظ الأسرار. ففي مجالس الأعمال تناقش أوضاع مالية وخطط مستقبلية وخلافات داخلية. ومن ينقل هذه المعلومات ليبدو واسع الاطلاع قد يجذب الانتباه مؤقتًا، لكنه يفقد ثقة الناس تدريجيًا. فمن يتحدث أمامك عن أسرار غيرك، سيجعلك تتساءل: ماذا سيقول عني عندما أغادر؟ وعلى رجل الأعمال أن يختار من يمثله بعناية. فقد يكون هو لبقًا، لكن مديرًا متعاليًا أو مساعدًا سيئ الأسلوب يستطيع أن يهدم في دقائق صورة بُنيت خلال سنوات. فالناس ينسبون تصرف الموظف إلى المؤسسة وصاحبها، ولذلك يجب أن يصبح حسن التعامل ثقافة واضحة، لا سلوكًا يظهر في حضور المالك ويختفي في غيابه. ومع ذلك، فإن حسن التعامل لا يعني المجاملة على حساب المصلحة أو العدالة. فلا يصح توظيف شخص غير مؤهل إرضاءً لصديق، أو منح عقد لمن لا يستحقه، أو السكوت عن تقصير متكرر. يمكن الاعتذار عن طلب، ورفض وساطة، وإنهاء تعاون، من دون خصومة أو إساءة. فالوضوح المهذب أفضل من موافقة مؤقتة تنتهي بخلاف أكبر. ولعل من المفيد أن يراجع رجل الأعمال نفسه بعد كل لقاء مهم، فيسأل: هل كنت واضحًا؟ هل استمعت جيدًا؟ هل راعيت وقت الآخرين ومكانتهم؟ وهل سيشعرون بالارتياح إذا تعاملوا معي مرة أخرى حتى لو لم تتم الصفقة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تكشف ما لا يظهر في التقارير والأرقام. في النهاية، لا تُبنى السمعة بحملة إعلامية، بل بمواقف صغيرة تتكرر كل يوم: وعد تم الوفاء به، ومستحق دُفع في موعده، وموظف عومل بإنصاف، ومورد لم تُستغل حاجته، وضيف شعر بأن وقته محل تقدير. رجل الأعمال الناجح لا يسأل فقط: ماذا ربحت من هذه الصفقة؟ بل يسأل أيضًا: ما الانطباع الذي تركته بعد انتهائها؟ فالصفقة قد تضيف رقمًا إلى أرباح العام، أما الثقة فتضيف إلى اسمه قيمة لا تظهر في الميزانية، لكنها تفتح له أبوابًا قبل أن يطرقها. وفي عالم تتقارب فيه الأسعار والمنتجات، قد تصبح طريقة التعامل هي الميزة التي لا يستطيع المنافسون تقليدها بسهولة. وقد سمعت من والدي، أحمد حامد المرواني، رحمه الله، هذه الحكمة الشعبية: «تاخذ بالطيب من الناس اللي ما تقدر تاخذه بالقوة». وهي حكمة تختصر الكثير في عالم الأعمال؛ فما يُبنى بالاحترام يدوم، وما يُنتزع بالقوة قد يتحقق مرة، لكنه لا يصنع ثقة ولا علاقة طويلة.
4854
| 22 سبتمبر 2026
نعلم جميعًا أن كأس الخليج هي المظهر الأبرز لوحدة شعوب دول مجلس التعاون، ولصِلات الأخوة التي تربطنا باليمن والعراق. وأنها قمة شعبية نتحاور فيها، خليجيًا، بلغة كرة القدم. ولعل دور الإعلام هو الدور الأهم في ترسيخ مفاهيم وحدة المصير والعيش المشترك، وسأناقشه في نقاط كالتالي: 1 - على الخطاب الإعلامي أن يكون رياضيًا مطلقًا، فالَّلعبُ أداءٌ يُـظْهِـرُ مدى تقدُّم كرة القدم في الدول المشاركة. ولذلك، ينبغي أن يرتكز التحليل الرياضي على تبيين الجوانب الفنية، وعوامل القوة والضعف، والحالات التي أخطأ فيها المدربون واللاعبون والحكام، بحيث يُستفاد من ذلك في زيادة الوعي الرياضي وتثقيف العقل الجمعي للناشئة والشباب. 2 - لا أحد يستطيع منع التعصب المعتدل في تشجيع الجماهير لفرقها الوطنية، إلا أن دور الصحافة ووسائل الإعلام لا ينبغي أن يُمارس بهذه الصورة، وإنما يكون الرافعة التي يُستند إليها في تهذيب النفوس، وتقوية الروح الرياضية، والتقريب بين الشعوب. والملاحظ في بعض صحافتنا الخليجية أنها تُقوّي النزعات التعصبية بعناوينها ومقالاتها الرنانة التي لا تخدم إلا زيادة توزيعها، لكنها تُسهم في إضعاف الروح الرياضية وتؤثر سلبًا في نفوس بعض قرائها. 3 - حبذا لو استثمر الإعلام البطولة في الدعاية للاستثمار، وتشجيع التجارة البينية، والسياحة من خلال مقالات تستخدم خطابًا بسيطًا يتحدث عن الدول المشاركة واقتصاداتها وقوانينها التشجيعية لغير مواطنيها، فهذا مجال يخدم ما تسعى إليه الشعوب وقياداتها الحكيمة في دول مجلس التعاون. 4 - ما أروع لو تبنّى الإعلاميون الخليجيون خطابًا مرافقًا للخطاب الرياضي، فيه دعوة للمشاركة في البنى الرياضية الأكاديمية في دولنا، وتشجيع الهيئات الرياضية الرسمية على إيفاد الشباب للدراسة فيها، كأسباير على سبيل المثال، لأن الدارسين هم القادة الرياضيون والمجتمعيون في بلادهم، وستكون دراستهم مجالًا لتمتين الروابط بين شعوبنا مستقبلًا. كلمة أخيرة: نتمنى لمنتخبنا الوطني والمنتخبات المشاركة التوفيق، وتقديم صورة مشرقة عن كرة القدم في بلداننا، تُسهم في استكمال الصورة الحضارية التي ترسمها الجماهير.
4173
| 23 سبتمبر 2026