رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ضوء الوصول السلمي للسلطة الذي حققه "الإخوان المسلمون" عبر صناديق الاقتراع في بلاد الربيع العربي وقبل ذلك في فلسطين وتركيا وما تبشر به نجاحاتهم في بلاد أخرى.. وفي ضوء الحرب المفتوحة والمنفلتة التي يخوضها ضدهم خصومهم والتي تجاوزت كل معاني الوطنية إلى استعداء وتحريض الخارج والداخل ضدهم.. وفي ضوء ضعف أداء إسلاميين آخرين يعملون على ذات الساحة منذ عشرات السنين، وانحياز بعضهم إلى هؤلاء الخصوم.. ثمة خلاصتان – وأكتفي بهما - لا يجوز أن تشردا عن الملاحظة أوتغيبا عن التنبيه..
الخلاصة الأولى: أن تجربة "الإخوان المسلمون" في العمل الإسلامي والسياسي وما تمخضت عنه من إنجازات ونجاحات، ثم قدرتهم على مواجهة رياح ومؤامرات الثورات المضادة دون أن يقدموا تنازلا جوهريا واحدا ودون أن يعقدوا اتفاقات من تحت الطاولة ولا من فوقها مع المهيمنين على المنطقة المتحكمين في تفاصيلها.. هذه التجربة يجب أن يضعها على بساط الدرس والبحث مع التواضع وعدم الإنكار إسلاميون آخرون لم يحققوا الكثير من النجاحات وربما لم يتجاوزا مرحلة إثبات الوجود بعد عشرات السنين من العمل والجهد والجهاد وأسباب النجاح والتشابه في البيئات والتحديات وتلقي بعضهم الدعوم من نظم وقوى رسمية مقتدرة..
1- تجربة "الإخوان المسلمون" التي وصلوا عبرها إلى قصر رئاسة الجمهورية في أكبر وأمنع بلد إسلامي علماني مخضرم كتركيا، وأكبر وأمنع بلد عربي علماني مخضرم كمصر، ورئاسة جمهورية السودان، وإلى رئاسات وزارة في بلاد أخرى لا تقل عنفا واستهدافا للإسلاميين.. يجب أن يدرسها الإسلاميون الذين اشتغلوا على قضية الخلافة وهي قضية مهمة ومع كل اليقين بإخلاصهم وكل الاحترام لجهودهم وجهادهم وعواطفهم ثم ظلوا يؤصلون لها ويدورون حولها ويتخيلون ما بعدها دون أن يقدموا فكرة عملية واقعية واحدة لكيفية تحقيق هذا الوصول..
2- تجربة "الإخوان المسلمون" وقناعة الناس بهم ليس كدعاة وخيرين فقط بل وكسياسيين وسطيين موثوقين، وقدرتهم على حشد الملايين في الدفاع عنهم وعن برنامجهم وإنجازاتهم ومواقفهم يجب أن يدرسها ويستفيد منها إسلاميون ظلت أفكارهم ومناهجهم رغم عمقها وعلميتها مجرد نخبوية (صالوناتية) ولو عرضوا على صناديق الاقتراع ما فازوا بقليل ولا بكثير..
3- تجربة "الإخوان المسلمون" وثقة الناس بعدالتهم ووعيهم وبقدرتهم على الجمع بين الإسلامية الواعية والعالمية الواسعة وعلى التخطيط والتنفيذ وإدارة الدولة والحفاظ على مقدراتها والحرص على إنجازاتها.. جديرة أن يدرسها إسلاميون ارتبطت صورتهم النمطية بالإرهاب والخوف بسبب تصريحاتهم الفجة ومغامراتهم غير المحسوبة أو العنف الذي مارسوه أو اتهموا به ظلما وزورا..
4- تجربة "الإخوان المسلمون" وقدرتهم على الانتقال السريع والنوعي والواعي من بيئة وأفكار ونفسية السجون والمعتقلات والإقالات إلى سدة الحكم والعمل السياسي الرسمي والعلني وأن تسعى إلى مجاملتهم والبحث عن تقاطعات معهم أحزاب ونظم ممتدة يجب أن يدرسها وأن يفهمها إسلاميون ظنوا أن النجاح لا يصير ممكنا إلا إذا تخلوا عن كذا من الإسلام أو تساهلوا في كذا من مفاهيم الحاكمية لله أو كانوا تحت جناح فلان الظالم أو علان المستبد..
الخلاصة الثانية: وعلى "الإخوان المسلمون" أن يدرسوا تجربتهم بعجرها وبجرها، وأن يستمعوا للنصح من الأولياء بقدر ما يستفيدوا من نقد وتشهير الخصماء والأعداء.. بعيدا عن الرفض والإنكار وعن الغرور والانبهار..خاصة أن:
1- "الإخوان المسلمون" يحملون مشروعا إصلاحيا تغييريا، وأن الصورة الذهنية عنهم ارتبطت بالإسلام ذاته وشرفه ونزاهته وكماله والثقة فيه..
2- مركز انطلاق "الإخوان المسلمون" في برنامجهم هو الإخلاص واتهام الذات والإحساس الدائم بالخوف من عدم القبول (والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون).
3- " الإخوان المسلمون " بشر يجتهدون، وقد يكونون تسرعوا فيما كان حقه التريث، أو أحسنوا الظن فيما كان حقه الحذر، أو اختصوا أنفسهم بأشياء كان يمكن تعميمها، وقد يكونون استفزوا خصوما كان ممكنا التوود إليهم وكسبُ قلوبهم ومواقفِهم أو بعضها، أو يكونون قدموا أمورا كان حقها التأخير أو أخروا أمورا كان محلها التقديم، ولعلهم رأوا أمورا على أنها أساسية وخاضوا عليها صراعات وفقدوا بسببها ولاءات وما هي إلا فرعية تائهة.. هذه التجربة بكل مالها وما عليها يجب أن تشكل منعطفا في طرائق التفكير والإصلاح وعقد التحالفات وخوض المغامرات بالنسبة للإخوان وبالنسبة لغيرهم..
4- وعلى "الإخوان المسلمون" أن يدرسوا تجربتهم لأن الإسلام أغلى وأعلا من كل ذواتنا وأحزابنا واتجاهاتنا، وهو أكبر من أن يكون موقفا شخصيا أو مناورة سياسية، ولأن الحياة معه ليست هبة ريح لا تكاد تثور حتى تهدأ، ولكنه مسار طويل والتمكين له شاق ومرير، وليس ينفع فيه الاستعجال ولا النزق.. ولأن للمواجهة مع الخصوم قوانينَها وعدتها وأصولها ومناوراتِها وما تقوم على أساسه من الولاء والبراء والتجرد للحق والأخذ بالأسباب وحسن التخطيط والحرص على عدم الانجراف أو الانجرار للصدام ما أمكن تجنبه.. وكل ذلك ممكن فيه الخطأ والاستعجال..
آخر القول: إن تجربة "الإخوان المسلمون" وكل تجربة أخرى إن كانت إسلامية أو إنسانية، وبالأخص عندما تكون ناجحة كتجربة " الإخوان المسلمون " وتحت نفس الظروف.. يجب على كل الإسلاميين والإصلاحيين والتغييريين المخلصين لفكرتهم ولأنفسهم دراستها وأخذ خلاصاتها على أنها الحكمة (ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا) و " الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق بها "
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4599
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3198
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1245
| 28 سبتمبر 2026