رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تعتبر ميزانية السنة المالية 13-2012 الأكبر على الإطلاق في تاريخ قطر وتعكس التوجهات المستقبلية للبلاد أي الإصرار على تحقيق أفضل نسب النمو الاقتصادي. تم إعداد الميزانية الجديدة بزيادة 27 في المصروفات فضلا عن 26 في المائة في الإيرادات مقارنة بالأرقام المعتمدة للسنة المالية 12-2011. يؤكد نمو من هذا المستوى للنفقات والدخل من حالة تميز الاقتصاد القطري.
في المجموع تبلغ قيمة النفقات المقدرة نحو 48.9 مليار دولار مقابل إيرادات قدرها 56.6 مليار دولار ما يعني توقع فائض قدره 7.7 مليار دولار. المشهور عادة توقع تسجيل عجز عند إعداد المالية العامة لكن الأمر يختلف بالنسبة لقطر صاحبة الاقتصاد الأكثر نموا على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.
يعد هذا الفائض جوهريا كونه يشكل قرابة 4 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بأسعار السوق. فحسب رصدنا لأحدث الإحصاءات يبلغ حجم الناتج المحلي الإجمالي لقطر نحو 197 مليار دولار أي في المرتبة الثالثة بين دول مجلس التعاون الخليجي بعد كل من السعودية والإمارات. تحل الكويت في المرتبة الرابعة من حيث الترتيب الاقتصادي في المنظومة الخليجية بناتج محلي إجمالي قدره 181 مليار دولار.
يشار إلى أن مشروع الاتحاد النقدي الخليجي يلزم الدول الأعضاء بتقييد عجز الميزانية العامة عند حد 3 في المائة للناتج المحلي الإجمالي. لكن كما أسلفنا تتمتع المالية العامة في قطر بفائض وليس عجزا.
بل ليس من المستبعد حصول ارتفاع لمستوى الفائض بالنظر لتوقع تعزيز الإيرادات النفطية في حال محافظة أسعار النفط على مستوياتها المرتفعة. يشكل الدخل النفطي بشقيه النفط والغاز نحو ثلاثة أرباع إيرادات الخزانة العامة.
وقد افترضت السلطات متوسط سعر قدره 65 دولارا للبرميل للسنة المالية والتي بدأت في أبريل 2012 وتنتهي في مارس 2013. حقيقة القول يعد هذا الرقم أعلى من ذلك الذي تم افتراضه للسنتين الماليتين الأخيرتين وتحديدا 55 دولارا للبرميل.
بيد أنه يبقى الرقم الجديد أقل بشكل نوعي من الأسعار السائدة في أسواق المال حيث من المتوقع أن يتراوح المتوسط ما بين 100 إلى 107 دولارات للبرميل خلال العام الجاري. تساهم التوترات من قبيل الحظر الغربي المفروض على توريد لنفط الإيراني فضلا عن ظاهرة انتعاش الاقتصاد العالمي في بقاء أسعار النفط مرتفعة نسبيا.
من جهة أخرى تشكل النفقات العامة قرابة ربع الناتج المحلي الإجمالي للبلاد الأمر الذي يعكس الأهمية النسبية الكبيرة للدولة في الاقتصاد المحلي. بل ترتفع هذه النسبة بعد إضافة النفقات المؤسسات المملوكة أو شبه المملوكة أو تلك التي تحتفظ فيها الحكومة بنسب مؤثرة.
تساهم النفقات العامة في إقناع مستثمري القطاع العام باتخاذ خطوات مماثلة وفي ذلك خدمة للاقتصاد الوطني برمته. بمعنى آخر من شأن رفع مستوى مصروفات القطاع العام تعزيز الثقة لدى القطاع العام حيال الآفاق الاقتصادية للبلاد.
بالتأمل في تفاصيل النفقات العامة يلاحظ تسجيل قفزة نوعية قدرها 48 في مخصصات الرواتب إلى نحو 10 مليارات دولار. وجاءت هذه الخطوة بعد توجه الدولة لإجراء زيادة كبيرة في رواتب المواطنين العاملين منهم في القطاع العام. كما شملت الزيادة المتقاعدين من المواطنين في إطار تعزيز مستوى الرفاهية من جهة وعملا بمبدأ توزيع الثروة من جهة أخرى.
يبقى أنه تحمل هذه المخصصات على وجه التحديد تهديدا لارتفاع الأسعار وبقائها مرتفعة وفي ذلك تعريف للتضخم. يشكل التهديد أكبر تهديد لديمومة ورفاهية أي اقتصاد محلي بل أكثر من البطالة لأنه يصيب الجميع ولو بمستويات متفاوتة. لكن الحال ليس كذلك بالنسبة للبطالة حيث يقتصر الضرر على العاطلين والأطراف ذات العلاقة مثل الأسر ومؤسسات التمويل.
وكان الاقتصاد القطري قد عان الأمرين خلال العام 2007 بسبب معضلة التضخم المستورد في ظل ضخامة أسعار النفط بالتوازي مع تدني قيمة الدولار وارتفاع أسعار بعض المنتجات المستوردة. عموما ليس من المتوقع البتة العودة لظاهرة التضخم التي سادت قبل عدة سنوات بالنظر لعامل التجربة فضلا عن انخفاض مقصود لمستوى النمو الاقتصادي.
حقيقة القول يتوقع صندوق النقد الدولي تسجيل نسبة نمو في حدود 6 في المائة خلال 2012 مقارنة بأكثر من 10 في المائة في السنوات القليلة الماضية. ومن شأن الحد من النمو الاقتصادي وضع سقف لمستوى التضخم لأن هناك عادة أخذ وعطاء بين الأمرين.
ويعود تراجع النمو الاقتصادي بشكل أساسي لتوجه السلطات للحد من توسعة الطاقة الإنتاجية للغاز. ففي غضون عدة سنوات لا أكثر ارتفعت الطاقة الإنتاجية للغاز من 38 مليون طن متري إلى 54 مليون طن ومن ثم 77 مليون طن مع بداية 2012. يندرج التوجه الجديد في إطار الاستفادة القصوى من مستويات الحالية للإنتاج في القطاع النفطي برمته بما في ذلك النفط الخام.
ختاما يتوقع أن عملية رفع مستويات النفقات العامة وتسجيل نسب نمو مريحة للاقتصاد الوطني في تعزيز ترتيب قطر على مؤشر التنمية البشرية. وكانت قطر قد حلت في المرتبة رقم 37 دوليا أي الثاني عربيا بعد الإمارات في التنمية البشرية للعام 2011. يعتمد التقرير السنوي ومصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي على ثلاثة متغيرات وهي مستوى الدخل والصحة والتعليم.
وقد حصلت على أعلى متوسط دخل في العالم في التقرير الأخير وتحديدا 107 آلاف دولار للفرد الواحد. وليس من الخطأ توقع المزيد من ارتفاع مستوى الدخل كنتيجة مباشرة لزيادة النفقات العامة ولكن ليس على حساب التضخم. باختصار يعيش الاقتصاد القطري ظروفا إيجابية بشكل نوعي في ظل رعاية حكومية ملتزمة بتحقيق أعلى مستويات الرفاهية المعيشية للمواطنين. فمرحبا بميزانية 13-2012 أو ميزانية التنمية بكافة أبعادها.
معالم من بدر
إنها معركة بدر، إنها معركة الفرقان، إنها فاتحة معارك النصر والعزة في الإسلام، قائدها رسول الله صلى الله... اقرأ المزيد
165
| 05 مارس 2026
الدبلوماسية الخليجية خط الدفاع الأول في زمن الحرب
تشهد منطقة الخليج تصاعدًا ملحوظًا في حدة المواجهة بين إيران والولايات المتحدة؛ فلم يعد المشهد مجرد توتر سياسي... اقرأ المزيد
144
| 05 مارس 2026
الكلمة دائما لـ «صحاب الأرض»
منذ أسابيع أصابتني قفلة من القراءة. تركت نفسي للأفلام والمسلسلات. سأقف عند مسلسل واحد هو «صحاب الأرض». حقق... اقرأ المزيد
162
| 05 مارس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
أحد الجوانب الهامة التي بنيت عليها فلسفة الصيام في الإسلام، هو أنه عبادة تقوم على مبدأ اتخاذ القرار بمحض الإرادة، فهو العبادة الوحيدة التي تؤدى في الخفاء بعيدًا عن أعين الناس، وكل امرئ يمكنه أنه يظهر صيامه للناس ويأكل ويشرب كما يحلو له إذا ما توارى عنهم، ومن ثم كان رمضان بأيامه الثلاثين محضنا يعود الصائم على اتخاذ القرار، أو بمعنى آخر يقوي لديه الإرادة. الصائم طيلة شهر رمضان يتخذ يوميًا قرارًا جديدًا بأن يصوم، هذا التكرار اليومي للاختيار يعيد تشكيل الشخصية ويمنحها صلابة هادئة في تدريب النفس على أن تقول لا، حين ينبغي الرفض، ونعم، حين يستدعي الأمر الإقدام. وها هنا يقول صاحب وحي القلم: «وهنا حكمة كبيرة من حكم الصوم، وهي عمله في تربية الإرادة وتقويتها بهذا الأسلوب العملي، الذي يدرب الصائم على أن يمنع باختياره من شهواته ولذة حيوانيته، مصرا على الامتناع، متهيئا له بعزيمته، صابرًا عليه بأخلاق الصبر، مزاولا في كل ذلك أفضل طريقة نفسية لاكتساب الفكرة الثابتة ترسخ لا تتغير ولا تتحول، ولا تعدو عليها عوادي الغريزة». ما ينشده المرء من تعزيز الإرادة من خلال كتب التنمية البشرية وإدارة الذات، يجده دون عناء في هذه المدرسة السنوية المفتوحة، والتي يعد كل يوم من أيامها الثلاثين كبسولة لتقوية الإرادة واستعادة السيطرة على الذات، وتحرير القرار من أسر العادة. تعزيز الإرادة من خلال الصيام أعمق من وصف قمع الرغبات، فهو إدارة واعية لها، تظهر في الامتناع الطوعي الذي يزرع في النفس يقينًا نادرًا: أنا أستطيع. وهذه الجملة ينبثق عنها تغيرات جمة، فمن يستطيع ضبط حاجاته الأساسية على مدى نصف يوم أو يزيد، يمكن له أن يضبط غضبه ويكبح اندفاعه وينظم وقته ويدع فوضويته. الإرادة التي يكتسبها العبد بالصيام إرادة رحيمة، لا تقوم على القسوة مع النفس، بل على تهذيبها، هي ليست معركة مع الجسد لكنها حوار مع الجسد يتعلم من خلاله الإنسان أن يستمع إلى احتياجاته ويتفهمها دون أن يخضع لسيطرتها، وتلك هي كلمة السر في السلام الداخلي والصحة النفسية. ليس الصيام أداء بيولوجيا بقدر ما هو يقظة أخلاقية ضابطة لسلوك المرء، وهنا يتجلى البعد الحضاري للإرادة، فهي ليست صراعًا يخوضه المرء داخل جسده في صمت، بل هي سلوك في الفضاء العام يقوم على مبدأ ضبط النفس وترك الرفث والصخب والسباب، والتحلي بالسكينة والرحمة في المعاملة كما جاء في الحديث (فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم). وتتسع فرصة تعزيز الإرادة من خلال الصوم، من خلال إحدى خصائص هذه المدرسة، وهي الجماعية، حيث يتشارك الملايين في تلك العبادة في التوقيت نفسه، والامتناع ذاته، أو بمعنى آخر يجد الصائم سندًا اجتماعيًا محرضًا على الاستمرار. هذا التشارك يخلق بيئةً داعمة للانضباط، ويجعل الالتزام أسهل. الإنسان بطبعه يتأثر بالجماعة، فإذا كانت الجماعة منضبطة، ارتفعت فرص نجاحه في الانضباط، وهكذا تتحول الإرادة الفردية إلى طاقة جماعية، ترفع مستوى الوعي والسلوك العام. وإن الصيام ليجود برسالة عميقة حول مفهوم الحرية، أن يكون المرء سيد قراره لا عبدًا لعادته، يتحكم في رغباته لا أن تتحكم فيه رغباته، بهذا المعنى يصبح شهر الصيام تحريرًا للإرادة من ربقة التلقائية وإعادتها إلى موقع القيادة. شهر الصيام فرصة عظيمة لترجمة المشاريع المؤجلة وجعْلها واقعًا، فالبعض يتخذ قرارًا مؤجلا بالإقلاع عن التدخين مثلا، أو صلة الأرحام التي قطعها، أو البدء في عمل ما، أو الحصول على دورات متخصصة، لا يمنعه من تحقيق ما يرنو إليه سوى ضعف الهمة والإرادة، فتأتي أجواء الصيام الداعمة للإرادة لتكون فرصة للبدء في تنفيذ ما تراكم من أحلام وطموحات. لكن ثمة شيئا ينبغي الانتباه له، أن مدرسة الصيام وكبسولات الثلاثين يومًا لا ينبغي النظر إليها على أنها تستبدل الإرادة بأخرى، أو بمعنى آخر هي دفعة قوية لكنها تحتاج إلى أن يستثمرها الصائم وينطلق منها في حياته بعد رمضان، وإلا وقف الصيام عند كونه تجربة موسمية مثيرة للحماس.
2883
| 01 مارس 2026
الواقع يفرض على أنديتنا الرياضية أن تمارس أنشطة اقتصادية تعود بمدخولات مالية تساعدها في تمويل أنشطتها، وتخرجها من حالة التقيد بالموازنة السنوية المحددة لها من قبل الدولة، وتجعل من دعم الممولين فائضًا يتيح لها تفعيل خططها لتطوير فرقها الرياضية والوصول بها إلى مستوى عالٍ من الاحتراف. والحديث هنا عن استثمارات في المنشآت كبداية، بحيث تتجه الأندية للاستثمار في القطاع الإسكاني أو في المجمعات التجارية ذات المردود الثابت والمتزايد بمرور الزمن، ثم الانتقال تدريجيًا للانخراط في مشروعات الصناعة الرياضية التي ننتظر أن ترى النور خلال عقدين. وهو استثمار بعيد المدى يهدف إلى تخليق موارد مالية مستقبلًا، تجعل من الممكن وضع خطط على مراحل زمنية للنهوض باللعبات وتأمين موازنات تؤمن استقطاب لاعبين محترفين ذوي كفاءات ومهارات فنية عالية. بالطبع سيقال إن هذا الطرح نظري لأنه يتحدث عن مشاركة في أنشطة اقتصادية دون أن يتطرق إلى كيفية توفير رؤوس الأموال اللازمة لذلك. وهنا نؤكد أنه عملي وواقعي لعدة أسباب، أهمها أن القيادة الحكيمة حريصة على تذليل كل المعوقات التي تعترض سبيل النهضة الرياضية، وتسخر وزارات الدولة لخدمة أي توجه تنموي، ولن تألو جهدًا في الإيعاز إلى توفير دعم مالي لأي نشاط اقتصادي مدعوم بمخططات تفصيلية ودراسات جدوى محكمة. وقد يكون الدعم في هذه الحالة دينًا طويل الأجل يسدد للدولة من الريع المنتظر للأنشطة. وبالإضافة إلى ذلك يمكننا الحديث عن تمويل الأنشطة عبر إقامة صناديق مساهمة يشترك فيها المواطنون، بحيث تعود الفائدة منها على الأندية والإنسان القطري والمجتمع كله. ولأن الحديث في الاقتصاد، فإن من واجب إدارات الأندية أن يكون فيها خبراء في الاقتصاد والتسويق يستطيعون استجلاب دعم الشركات للأنشطة الاقتصادية، بحيث تستفيد الأندية والقطاع الخاص، وتكون العلاقات بين الطرفين علاقات مصلحية بناءة لا تتأثر بالمستوى الفني المتذبذب صعودًا أو هبوطًا للأندية، وخاصة في اللعبة الجماهيرية الأولى. كلمة أخيرة: عصر الاحتراف تقوم مبادئه على روح المبادرة الخلاقة، والذين يصرون على البقاء في نفس المربع ويتعذرون بالواقعية هم أول الخاسرين الذين سيجلسون على قارعة الطريق يخفيهم غبار قافلة النهضة التي تسير قدمًا بخطى واثقة ثابتة.
2820
| 27 فبراير 2026
في رمضان، حين يخفُّ صخبُ العالم وتعلو همساتُ الروح، تتبدّى حقيقةٌ لا تخطئها البصيرة: أن الزمن لا يستقيم على حال، وأن الحياة لا تعرف السكون ولا الجمود. الدهر نهرٌ جارٍ، لا يستقر على ضفة، ولا يكرر إنتاج موجةً مرت. وما الأمس إلا ظلٌّ انزوى، وما الغد إلا وعدٌ يتشكّل في رحم الغيب. بقاء الحال من المحال… ليست عبارةً تُقال، بل قانونٌ يسري في الذرّة كما يسري في الفرد والمجتمعات والدول، في القلب كما في العروش. الإنسان يتقلّب كما يتقلّب الليل والنهار؛ عافيةٌ تعقبها شدة، وغنىً يعقبه فقر، وسلطانٌ يليه أفول، وربما فرج لا يعقبه ضيق بل فتح من الله ونصر. من سنن الله الخالدة التدافع، ولولا هذا التدافع، وهذا الاختلاف الذي فطر الله الناس عليه، لتوقّفت عجلة الوجود، وتجمدت المعاني في قوالبها. رمضان يعلّمنا فلسفة الحركة في أروع صورها. نجوع فنشعر بضعفنا، ثم نفطر فندرك قيمة النعمة، وفضل الله علينا بالعافية.. نقوم الليل فتتهدّل أجسادنا، ثم تستقيم أرواحنا. هو تدريبٌ على تقبّل التحوّل، وعلى أن نعيش اللحظة مدركين أنها لن تعود. في سورة يوسف، تتجلى هذه السنّة في رؤيا ملكٍ أرقته صورةُ الزمن وهو يأكل بعضه بعضًا: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَىٰ سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾. لم تكن الرؤيا سوى تجسيدٍ لسنن التحول، ولدورة الحياة: خصبٌ يعقبه جدب، ووفرةٌ يعقبها قحط، ثم عامٌ يغاث فيه الناس. هكذا يكتب الله الفصول، لا على صفحة الطبيعة فحسب، بل على صفحة القلوب أيضًا. يوسف عليه السلام لم يقرأ الرؤيا قراءةَ متصوّفٍ يستسلم للغيب، بل قراءةَ حكيمٍ، بتدبر ويستعدّ له. علّم الناس أن التغيير لا يُدفع، لكنه يُدار. وأن الرخاء ليس زمنَ الدعة والترف، بل زمنَ الادّخار. وأن الشدة ليست نهاية، بل جسرٌ إلى عامٍ يُعصر فيه العنب وتفيض فيه السنابل، ويعم الخير الجميع. من هنا نفهم قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وكرم وجهه: «الدهر يومان، يومٌ لك ويومٌ عليك، فإذا كان لك فلا تبطر، وإذا كان عليك فاصبر». إنها معادلة التوازن: تواضعٌ عند الامتلاك، وثباتٌ عند الفقد. فالبطر يعمي، واليأس يقصم، وكلاهما انحراف عن سنّة التدافع. وقد قالوا: «إنَّ مع اليومِ … غدًا»، لأن الخير والشر يتعاقبان كما يتعاقب المدّ والجزر، والفرج والضيق. ولأن اللحظة التي تضيق اليوم قد تتسع غدًا بما لم يخطر على قلب بشر، وقد يحصل العكس. يا من يظنّ أن الفرح دائم، تذكّر أن الشمس تميل إلى المغيب. ويا من يظنّ أن الحزن أبديّ، تذكّر أن الفجر لا يتخلّف عن موعده. الزمن ليس خصمًا، بل معلّم؛ يأخذ بيد من يفهم حكمته، ويؤدّب من يركن إلى وهم الثبات. رمضان إذن ليس شهر العبادة فحسب، بل شهر الفلسفة الهادئة؛ شهرٌ نُعيد فيه ترتيب علاقتنا بالزمن، كيفما تكون تقلباته، ونتعلم أن نعيش بين قطبين: بين الشكر والصبر، بين العمل والتوكّل، بين التخطيط والرضا. فالدهر يومان… والمؤمن العاقل هو من يقرأ يومه قراءة عابر سبيل، المتدبر، المتحوط لا قراءة المالك، ويتعامل مع النعمة كأمانة، ومع المحنة كرسالة. وبين هذا وذاك، يبقى اليقين الأعظم: أن الأرزاق بيد الله، وأن الأيام دول، وأن في تقلّبها سرًّا من أسرار الرحمة، لو دام لنا الرخاء لفسدت النفوس، ولو دام الضيق لانكسرت الأرواح. فالحمد لله على يومٍ لنا…نشكر والحمد لله على يومٍ علينا…نصبر فكلاهما طريقٌ إليه سبحانه … كيفما تكون الحال …. ختم الله بالصالحات أيامكم
1062
| 26 فبراير 2026