رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من خلال متابعتنا لما يدور حول التعليم المستقل "المدارس المستقلة" من جدل وجدال وضجة إعلامية صحفية وإذاعية عبر صحفنا المحلية وبرامجنا الإذاعية باعتباره النظام التعليمي الوحيد المتاح حاليا، واعتبارا من بداية العام الدراسي القادم وفقا لآخر التصريحات الرسمية، والتي أعقبت جلسة مجلس الشورى التي تمت فيها مناقشة القضية وتقييمها من وجهة نظر أعضاء المجلس لما لاحظوه من شكاوى وتذمر وإحباط واستياء وسخط أولياء الأمور في جميع مراحل التعليم من سلبيات هذا النظام وما يشوبه من قصور، لاحظنا أن هناك أخذاً ورداً، وشداً وجذباً، وغمزاً ولمزاً، وتصريحاً وتلميحاً، وتشكيكاً وتجريحاً، واتهام أولئك الكتاب أصحاب الأقلام الحرة بالتخلف أحيانا، وبمعاداة التجديد والتغيير والتطوير والنجاح أحيانا أخرى من قبل أصحاب التراخيص والمؤيدين لهذا النظام، والمدافعين عنه ضد كل ما يكتب من وجهات نظر لا تتوافق مع وجهات نظرهم الشخصية.
وتعليقا منا على ذلك، فلا نرى ما يدعو لكل هذا التشنج والتعصب والغضب غير المبرر على ما يكتب من نقد بنّاء يخدم القضية الوطنية الأولى (التعليم) في نهاية المطاف. فكلنا مع التغيير والتجديد والتطوير، ولكننا لسنا مع التجديد لمجرد التجديد، ولسنا مع أي تغيير، بل مع التغيير للإصلاح والتحسين والارتقاء بالعملية التعليمية، ونرى أن كل ما يكتب من آراء ووجهات نظر تصب جميعها في هذا الاتجاه حيث الحرص على الأداء الأفضل، ووفقا لمعايير المنطق والموضوعية المبنيّة على الأسس العلمية للتغيير المستهدف.
ونتيجة لما كُتب، وما أُذيع من انتقادات موضوعية مستندة إلى واقع ملموس ومحسوس يراه كل متابع لسير العملية التعليمية من أفراد المجتمع، واستجابة لنداء التقطير، وتقطير الهيئة التدريسية في المدارس المستقلة، اتخذت هيئة التعليم خطوتها الأولى إلى الأمام لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة المدارس المستقلة، وما يرافقها من دعاية وإعلان وتلميع وبهرجة إعلامية، والعمل على حل مشكلاتها التعليمية وغير التعليمية مع الطلبة وأولياء أمورهم، وتحسين صورتها في عيون أفراد المجتمع القطري الساخط، فبادرت بمد جسور الاتصال والتواصل مع موظفي وزارة التعليم والتعليم العالي من خلال اجتماع موسع جمع قادة المجلس الأعلى للتعليم بأقطاب الوزارة أملا في استقطاب ما يمكن استقطابه من الكوادر الوطنية التربوية المؤهلة من معلمين وموجهين وإداريين وخبراء تعليم، وتشجيعهم على العمل في التدريس في المدارس المستقلة بهدف التقطير من جهة، وتطبيب التعليم المستقل العليل من جهة أخرى.
ويبدو للعيان، والمتابعين لمجريات الأحداث من خلال الصحف المحلية، ووسائل الإعلام الأخرى، أن البادرة جيدة لاحتوائها على مضامين مشجعة كثيرة معلنة بوضوح، مثل الراتب الأساسي وفقا لبنود ومواد قانون الموارد البشرية، وما يرافقه من بدلات وعلاوات، ومكافآت، واستحقاقات، وغيرها. ناهيك عن العلاوات التشجيعية المقترحة من قبل هيئة التعليم، مع التأكيد على ضمان الأمن الوظيفي للعاملين بهذه المدارس، وكل هذه مضامين مادية. أما فيما يتعلق بالمضمون المعنوي، غير المباشر، فيكمن في الاجتماع ذاته، فمجرد الاجتماع مع أطباء التعليم القدامى وخبرائه لبحث مشكلات التعليم الجديد وعلله، وتشخيصها لعلاجها، يعتبر في حد ذاته رد اعتبار لكل معلم محيّد ومغيّب عن مشروع التعليم الجديد منذ انطلاقته الأولى سنة 2004، حيث ينظر إليه على أنه عبء على التعليم لمرحلة جديدة، ودواء قديم لا يصلح لعلاج العلة الجديدة. ففي العرض من وجهة نظرنا المتواضعة رد اعتبار للمعلم الممارس لعمله حاليا (المتواجد على الساحة التعليمية، وعلى رأس عمله) من جهة، وللمعلم المُسَرّح من الوظيفة، والمحال على التقاعد أو على البند المركزي لعدم صلاحيته لمرحلة تعليم جديدة من جهة أخرى. وهذا يعني أنه لا غنى عنك أيها المعلم في أي مرحلة تعليمية كانت، فأنت الطبيب المداوي، والقادر بعلمك وخبراتك الميدانية على تشخيص العلل والمشاكل التعليمية، وتحديد أسبابها، والعمل على علاجها من جذورها.
ولنا مع هذا العرض التشجيعي وقفة. فلا شك أن هذه الإغراءات سخية ومجزية، ولكنها لا تتعدى في مضمونها العام الإطار المادي البحت لتعلقها في المقام الأول بالناحية المالية للمعلمين، وتحسين أوضاعهم الاقتصادية، وهذا مطلوب دون شك، ولكنه ليس بالضرورة أن يكون مغريا لكل الكوادر التربوية الوطنية، ولذا، فربما تكون هذه المغريات كفيلة باستقطاب بعض هؤلاء المعلمين والمعلمات للعمل في المدارس المستقلة، إلا أنها غير كافية لاستقطاب كل الكوادر الوطنية الجيدة، وذلك لأنها لم تدق على الجرح الحقيقي لمشكلة العزوف عن المهنة والنزوح منها. وذلك لأن الوضع المادي للمعلم في هذه المرحلة التعليمية ليس هو السبب الوحيد في رفض الالتحاق بالتدريس في هذه المدارس، بل هناك سبب وجيه آخر، وربما رئيسي، ويشكل هاجسا كبيرا لفئة ليست بالقليلة من هؤلاء المعلمين، وهي لغة التدريس الأعجمية (الإنجليزية)، وليست العربية حيث يجد الكثير من المعلمين والمعلمات انفسهم أمام عقبة كبيرة في التعامل والتواصل مع بني جنسهم والمتحدثين بلغتهم الأم ومواطنيهم بلغة غير لغتهم الأصلية القادرين من خلالها على الاتصال والتواصل وتوصيل المفاهيم بسهولة وسلاسة وطلاقة دون تعثر وارتكاب أخطاء لفظية وارتباك وحرج، وربما سخرية في كثير من المواقف من قبل المتعلمين الذين ربما يكونون ملمين بهذه اللغة بحكم مراحلهم السنية والتصاقهم بوسائل الاتصال المعاصرة مثل الكمبيوتر والانترنت والقنوات الفضائية والإعلام الغربي وثقافته غيرها.
ومن هنا، وتعزيزا لمحاولة الاستقطاب هذه، نناشد قادة التعليم لمرحلة جديدة أن يحَكّموا العقل ويسيّدوا المنطق، ويصححوا المسار، ويتخلوا عن المكابرة، ويكملوا إحسانهم، ويعزّزوا عرضهم السخي ويوسعوه ليشمل لغة التدريس وتعريبها، وتعظيمها حيث عظمها الله سبحانه وتعالى وكرمها باختيارها لغة لكتابه العزيز "القرآن الكريم". وفي هذا التزام بقرار مجلس الوزراء الخاص باعتماد اللغة العربية لغة رسمية للدولة، وتفعيل لقرار وزيرة التربية والتعليم السابقة من بعده باعتماد اللغة العربية لغة اتصال وتواصل داخل الصفوف الدراسية في المدارس المستقلة. وبذلك تلقى هيئة التعليم قبولا لعرضهم السخي من قبل معلمي ومعلمات الوزارة دون تردد خصوصا في ظل ما رافق هذا العرض من امتيازات وضمانات، وإغراءات مالية، وعلاوات، وبدلات، وأمن وظيفي، واستقرار نفسي. فالتدريس بلغة غير لغة المعلم والمتعلم الأصلية عبث واستهزاء ومهانة لكرامة المعلم غير المتقن لهذه اللغة، وتشويه لصورته أمام المتعلمين، وخصوصا أننا أمة "اضحك".. نضحك على بعضنا البعض عند ارتكابنا لأي خطأ، ونتصيد أخطاء بعضنا البعض، ونسخر من بعضنا البعض في حالات التعثر في الحديث، وغياب الطلاقة والسلاسة في المواقف التعليمية أمام المتعلمين. فالمعلم بمظهره وعلمه وأساليب تدريسه ولغته الواضحة وطلاقته وسلاسة حديثه يعتبر نموذجاً وقدوة حسنة للمتعلم، وبذلك ترتقي مكانته الاجتماعية، وتتشكل صورته في ذهن المتعلمين، وأي خدش في هذه الصورة يؤثر سلبا على مكانته في الصف أمام المتعلمين أولا، وفي المجتمع ثانيا. أما التدريس باللغة العربية من قبل المتحدث بها والمتقن لمفرداتها بنسبة 100%، والملم بصغائرها، والمطلع على خفاياها، يضمن تفاعلا صفيا، وتعليما جيدا، وتعلما نافعا. وذلك نتيجة لقدرة المعلم القطري، بحكم ثقافته العربية على توصيل الرسالة العلمية والمحتوى العلمي التعليمي من حقائق ومفاهيم ومبادئ وقيم تربوية بكفاءة عالية إلى جمهوره وتلاميذه المتحدثين بنفس اللغة، والمنتمين إلى نفس الثقافة، والملمين بمفرداتها حيث إنها بالنسبة لهم لغة اتصال وتواصل فعالة. وليس هذا فحسب، بل هي لغتهم الأولى، ولا يعرفون غيرها في التواصل مع بعضهم البعض في الصف والمدرسة والحي والبيت، فلماذا التواصل بينهم وبين معلمهم بلغة غيرها. وما ذنب المعلم القطري المتميز والملم لمادته العلمية إذا لم يتقن التحدث باللغة الإنجليزية والتواصل من خلالها؟ وهل يعقل لهذا المعلم القطري في بلده وعلى أرضه في هذه المرحلة الجديدة من التعليم أن يختار بين التدريس باللغة الإنجليزية أو الخروج من الميدان التربوي لأن لغته العربية لا تصلح للتدريس في هذه المرحلة؟ فأين يذهب هذا المعلم؟ وأي باب يطرق في ظل غياب الخيارات الأخرى من نظم التعليم؟ فهذا يعني أنه لا مكان لهذا المعلم في بلده وعلى أرضه؟ وهناك حالة واقعية ماثلة أمامنا وردت عبر برنامج "وطني الحبيب صباح الخير" في أسبوعه الأخير لهذه الدورة الإذاعية، وهي حالة معلم الأحياء القطري المؤهل الذي تقدم لوظيفة مدرس في مدرسة مستقلة، ولم يقبل طلبه لأنه لا يتقن التحدث والتدريس باللغة الإنجليزية؟ فما مصير هذا المعلم "المواطن"، وغيره من المعلمين الآخرين من أمثاله؟ سؤال يبحث عن إجابة منطقية تخاطب العقل وتحترمه، ولا تغيبه وتستغفله.
وختاما، نضم صوتنا إلى صوت زميلنا في الميدان التربوي السيد راشد الفضلي، ونتفق معه في كل مقترحاته الرامية إلى تحسين الوضع التعليمي والارتقاء بالعملية التعليمية، واستقطاب الكوادر الوطنية للمساهمة في التعليم لمرحلة جديدة. (جريدة الشرق.. العدد رقم 7672.. الخميس 18 يونيو 2009).
ترامب.. والمعادلة المتناقضة الأطراف
يرى المتتبع لتصريحات الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» منذ ترشيح نفسه للرئاسة الأمريكية إلى الآن، وبعد تنصيبه بشكل رسمي... اقرأ المزيد
930
| 19 فبراير 2025
أمة تائهة بين السبات والممات
لا يخفى على أحد ما تمر به الشعوب العربية والإسلامية من حيرة تجاه حال أمتها من غياب فعلي... اقرأ المزيد
1869
| 09 أبريل 2024
حماس وداعش.. والمقاربة الباطلة
في ظل غياب القيم الأخلاقية، تضيع المبادئ، وتُزدوج المعايير، وتختل الموازين، وتختلط بعد ذلك الأمور، وتُغلب المصالح، ويسود... اقرأ المزيد
2466
| 30 نوفمبر 2023
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
(ضاعوا عيالنا) عبارة أصبحت تقال كثيرًا في المجالس واللقاءات ومواقع التواصل يقولها الآباء والأمهات وهم يتحدثون عن أبنائهم، وهي عبارة تختصر حجم المشكلة التي نعيشها اليوم. فالأبناء لم يضيعوا منا لأنهم بعيدون عن بيوتنا واعيننا، بل المؤلم أنهم بين أيدينا، وأمام ناظرينا، ويجلسون معنا تحت سقف واحد، ومع ذلك نشعر بأنهم مختطفون منا. لقد سُلبت حرية أبنائنا، وتم السطو على أوقاتهم وتفكيرهم وسلوكهم، حتى أصبحنا نرى آثار ذلك داخل بيوتنا بأشكال كثيره: ضعف في التركيز، وضعف في الحفظ، وحالة من عدم الانتباه والإدراك لما يدور حولهم، وعصبية، وعزلة عن الأسرة، وضعف في الحوار والتواصل، حتى أصبح الجهاز في بعض البيوت المهدئ لهذا الادمان وفقده يجعل الطفل في حالة استنفار وغضب. والمؤلم أننا كأولياء أمور نشعر بالعجز وهذه حقيقه لا نكابر فيها. لقد حاولت الأسر المنع، وحاولت تحديد الساعات، وحاولت سحب الأجهزة، وحاولت الترغيب والترهيب، ولكننا أمام حرب أكبر من قدرة الأب والأم وحدهما، اصبح الواقع السباحة عكس التيار. ولذلك نسمع في كل مجلس تلك العبارة المؤلمة: (ضاعوا عيالنا). والمفارقة أننا في الماضي كنا نخاف على أبنائنا من الشارع، ومن اللعب بعيدًا عن البيت، ومن الخروج دون اذن، وكنا نطمئن عندما يعود الطفل إلى المنزل ونغلق عليه الباب، معتقدين أنه أصبح الان في المكان الأكثر أمانًا. أما اليوم فقد انقلبت المعادلة، وأصبح الخطر يدخل عليه ويأتيه وهو في بيته، بل وهو في غرفته. قد لا يخرج الطفل أو الشاب من المنزل يومًا كاملًا، وربما لا يغادر غرفته لساعات طويلة، فنظن أنه أمام أعيننا وفي أمان، بينما هو عبر هاتفه يتجول في أماكن أبعد وأخطر من الشارع الذي كنا نخاف عليه منه. يستطيع في دقائق أن يعبر حدود الوطن، وأن يدخل مجتمعات افتراضية لا نعرف عنها شيئًا، وأن يتعرف إلى أشخاص من دول وثقافات وأفكار مختلفة. وليس الخوف هنا من اختلاف الثقافات في حد ذاته، وإنما ممن قد يستغل براءة الطفل أو اندفاع الشاب، أو يستدرجه ويبتزه أو يدفعه إلى سلوكيات وأفعال خطرة، وقد يصل الأمر إلى استغلاله في جرائم أو إقناعه بتصوير أفعال مجّرمه ونشرها عبر مواقع ومنصات محظورة. وهنا يصبح الخطر أكبر، لأن الأب يكون جالسًا في الغرفة المجاورة معتقدًا أن ابنه في أمان، بينما ابنه موجود فعليًا في عالم لا يعرف الأب عنه شيئا. لقد كنا نسأل أبناءنا في الماضي: أين ذهبت؟ ومع من كنت؟ ومتى ستعود؟ أما اليوم فعلينا أن نسأل سؤالًا أصعب: أين كنت وأنت جالس معي وأمامي؟ والخطير ان العالم اليوم قد بدأ يخشى من خروج الذكاء الاصطناعي عن السيطرة، واجتمعت الدول والشركات الكبرى لمناقشة مخاطره ووضع الضوابط والحدود لقدراته، فلماذا لا نتوقف نحن أيضًا أمام ما يحدث لأطفالنا؟ وإذا كانت دول قد بدأت بالفعل في وضع قيود وضوابط على بعض البرامج والمواقع ومنصات الإنترنت بالنسبة للأطفال، فلماذا نترك الأسرة وحدها تخوض هذه الحرب؟ وهي حرب غير متكافئة. ومن هنا فإننا نطلق نداء استغاثة، وليس مجرد اقتراح، إلى الوزارات والمؤسسات والجهات المعنية في الدولة: تدخلوا قبل أن نفقد أبناءنا أكثر. نحتاج إلى آلية واضحة وحقيقية تساعد الأسرة على حماية أبنائها، وإلى قيود وضوابط على البرامج والمواقع والتطبيقات التي يصل إليها الأطفال، وإلى حلول تقنية وتشريعية ورقابية تعيد للأب والأم شيئًا من القدرة على حماية أبنائهم. فالأسرة حاولت كثيرًا، لكنها اليوم تقف بوجه تيار لا تستطيع مواجهته بمفردها. نحن لا نتحدث عن مشكلة عابرة، بل عن جيل كامل يتعرض يوميًا لسيل لا يتوقف من المقاطع والصور والألعاب والرسائل والمحتويات، يدخل إلى عقله وغرفته وبيته دون استئذان حتى منه. إنه تلوث جديد ينساب ببطء إلى فلذات أكباد هذا المجتمع، وقد لا نرى نتائجه كاملة اليوم، لكننا نرى مقدماته واضحة في بيوتنا ومدارسنا ومجالسنا. ولهذا فإن صرخة (ضاعوا عيالنا) التي تتكرر على ألسنة الآباء والأمهات يجب ألّا تبقى شكوى حبيسةً داخل المجالس بل يجب أن تصل إلى أصحاب القرار والجهات المختصة لتتدخل الدولة فالأسرة اليوم تطلب المساندة، وتطلب التدخل، وتطلب حلًا سريعًا. لأن أبناءنا ما زالوا أمام أعيننا، ولكننا نخشى أن يأتي يوم يكونون فيه أمامنا أجسادًا.. بينما عقولهم ووعيهم وحياتهم تخدم أجندة أخرى وربما عدوه.
43515
| 14 سبتمبر 2026
في عام 1997، كان السيد فيصل محمد السويدي يخوض المفاوضات مع الشركات اليابانية بصفته نائب رئيس مجلس إدارة شركة قطر للغاز. ولم يعتمد على الخبرة العملية وحدها، بل اهتم بدراسة الطريقة التي يفكر بها اليابانيون ويديرون بها مفاوضاتهم. وكان كتاب The Japanese Negotiator، للمؤلف روبرت مارش، من الكتب التي استعان بها لفهم ذلك الأسلوب. وقد أهداني نسخة منه آنذاك، كما أهدى نسخًا منه إلى آخرين. وكان، من واقع تجربته المباشرة معهم، يشرح لي أسلوب اليابانيين في التفاوض، وكيف يستعدون ويتشاورون ويتأنون قبل اتخاذ القرار. ولم يكن ذلك مجرد حديث عابر، بل كان يعكس حرصه على ألا تبقى خبرته حبيسة غرف المفاوضات، وأن ينقل ما تعلمه إلى الجيل الذي يليه. بقي هذا الكتاب معي، وبقيت معه تلك الشروح، لكن قيمته لم تكن في وصف المفاوض الياباني وحده، بل في السؤال الذي أثاره لديّ: هل يمكن الحديث، في المقابل، عن أسلوب مميز للمفاوض القطري؟ وإذا كان الياباني يدخل غرفة التفاوض مستندًا إلى الإعداد الدقيق والعمل الجماعي والصبر، فما الذي يميز المفاوض القطري؟ وما الذي يمكن أن يتعلمه كل طرف من الآخر؟ لا تعني هذه المقارنة أن كل مفاوض قطري أو ياباني يتصرف بالطريقة نفسها؛ فالأفراد والمؤسسات والظروف تختلف. ويشير الباحث بيتر بيرتون إلى أن كثيرًا من الممارسات المنسوبة إلى اليابانيين توجد بدرجات مختلفة في ثقافات أخرى، ولذلك لا ينبغي اعتبارها صفات ثابتة. يبين روبرت مارش في كتابه The Japanese Negotiator، ويشرح كازو نيشياما في كتابه Doing Business with Japan، أن الاجتماع الرسمي ليس دائمًا المكان الذي يُصنع فيه القرار. فكثير من العمل يتم قبله، من خلال جمع المعلومات ودراسة المخاطر والتشاور بين الإدارات، وصولًا إلى قدر واسع من التوافق داخل المؤسسة. ولذلك قد يبدو المفاوض الياباني بطيئًا أو متحفظًا، بينما هو يتأكد من أن مؤسسته تستطيع الوقوف خلف القرار. ولا يتعامل أعضاء الفريق الياباني عادةً مع المفاوضات باعتبارها مناسبة لإظهار المهارات الفردية. وقد لا يكون أكثرهم حديثًا هو صاحب القرار، كما أن الصمت لا يعني بالضرورة الرفض، والتأخر في الإجابة لا يدل دائمًا على عدم الاهتمام. فقد يكون المطلوب مزيدًا من التشاور الداخلي قبل تقديم موقف تستطيع المؤسسة الالتزام به. وتقدم مفاوضات الغاز بين قطر واليابان مثالًا عمليًا على ذلك. ففي أواخر الثمانينيات كانت قطر تمتلك احتياطيات هائلة من الغاز، لكنها لم تكن قد بنت بعد سجلًا في تصدير الغاز الطبيعي المسال. وكان نجاح المشروع يتطلب مشتريًا رئيسيًا يلتزم بكميات كبيرة ولفترة طويلة، بما يمنحه الأساس التجاري اللازم لجذب الشركاء والتمويل. ويروي مايكل توسياني وآن ماري جونسون، في كتابهما From Black Gold to Frozen Gas، تفاصيل الطريق الصعب الذي سبق انطلاق أول مشروع قطري للغاز الطبيعي المسال، والدور الذي أدته السوق اليابانية في توفير الركيزة التجارية اللازمة لانطلاقه. وفي عام 1991 وقّعت شركة تشوبو اليابانية خطاب نوايا لشراء أربعة ملايين طن سنويًا لمدة خمسة وعشرين عامًا، رغم ظروف حرب الخليج. ولكن عندما انسحبت شركة BP من المشروع، أثار ذلك مخاوف اليابانيين، وأعادوا تقييم المخاطر، فتأجل توقيع العقد النهائي. وبعد استمرار الاتصالات ومعالجة المخاوف، وُقّع العقد عام 1992، ووصلت أول شحنة من الغاز القطري إلى اليابان في يناير 1997. تكشف هذه القصة أن الجانب الياباني في تلك المفاوضات لم يمنح ثقته بسهولة، لكنه عندما اطمأن إلى قدرة المشروع، التزم بعلاقة امتدت لعقود. كما تكشف جانبًا من التجربة القطرية؛ فلم يكن الفريق القطري يفاوض على سعر الغاز وشروط توريده فقط، بل كان مطالبًا ببناء الثقة في قدرة قطر، التي لم يسبق لها حينذاك تصدير الغاز المسال، على إنجاز مشروع ضخم والوفاء بالتزامات تمتد لعقود. وهنا يظهر اختلاف مهم بين المدرستين: المفاوض الياباني يصنع جزءًا كبيرًا من القرار قبل دخول غرفة التفاوض، عبر الدراسة والتشاور الداخلي، بينما ظهرت قوة الفريق القطري في هذه التجربة داخل عملية التفاوض، من خلال سرعة التواصل وبناء العلاقة وفهم مخاوف الطرف الآخر والبحث عن حلول تحفظ مصالح الطرفين. ومن الناحية العملية، نتعلم من التجربة اليابانية أن الاستعداد لا يقتصر على معرفة السعر والشروط، بل يبدأ بفهم الطريقة التي يتخذ بها الطرف الآخر قراره: من أصحاب التأثير داخل مؤسسته؟ ومن يملك الموافقة النهائية؟ وما المعلومات التي يحتاج إليها ليقنع زملاءه؟ وما المخاطر التي يخشى أن يتحمل مسؤوليتها لاحقًا؟ قد ننجح في إقناع الجالس أمامنا، لكن الصفقة تتعثر لأنه لم يستطع إقناع مؤسسته. فالمفاوض الجيد يسير في مسارين متوازيين: يفاوض الشخص الجالس أمامه، ويساعده في الوقت نفسه على بناء الحجة التي يحتاج إليها لإقناع مؤسسته. وفي المقابل، تكشف التجربة القطرية عن قيمة سرعة التواصل، وبناء القنوات المباشرة، والقدرة على التكيف مع الظروف المتغيرة. فالنجاح ليس في اختيار أحد الأسلوبين ورفض الآخر، بل في الجمع بين دقة الإعداد وسرعة الاستجابة. وتعيدنا تجربة فيصل السويدي إلى درس إداري مهم: فالمعرفة التي تتكون خلال المفاوضات الكبرى يجب ألا تغادر المؤسسة مع أصحابها، بل يجب أن تتحول إلى دراسات حالة وأدلة عمل وبرامج تدريب يستفيد منها المفاوضون الجدد، بدل أن يبدأ كل جيل من الصفر. وقد تجددت الشراكة في فبراير 2026، عندما وقّعت قطر للطاقة وشركة JERA اليابانية للطاقة عقدًا لتوريد ثلاثة ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال سنويًا لمدة سبعة وعشرين عامًا، ابتداءً من عام 2028. وبعد أكثر من ثلاثة عقود على الاتفاق الأول، دخلت العلاقة مرحلة جديدة من الالتزام طويل الأجل. إن أهم ما تعلمناه من هذه التجربة ليس أن المفاوض القطري يجب أن يصبح يابانيًا، بل أن التفاوض الناجح يبدأ قبل الجلوس إلى الطاولة: بدراسة الطرف الآخر، وفهم طريقة اتخاذ القرار داخل مؤسسته، والاستعداد لمخاوفه قبل أن يعبّر عنها. أما الدرس الأهم لمؤسساتنا، فهو ألا تبقى خبرات المفاوضين الكبار حبيسة الذاكرة أو غرف الاجتماعات، بل يجب أن تتحول إلى معرفة موثقة تنتقل من جيل إلى آخر. فالصفقة الجيدة تحقق مكسبًا اليوم، أما المعرفة المتراكمة فتصنع مفاوضين قادرين على تحقيق المكاسب لسنوات طويلة.
7137
| 15 سبتمبر 2026
لم تعد أزمة مضيق هرمز حدثاً سياسياً أو عسكرياً بعيداً عن حياة الناس، فقد امتد أثرها إلى حركة السفن وتكاليف الشحن والتأمين وسرعة وصول البضائع إلى دول المنطقة. ومع استمرار الاضطراب، ارتفعت أسعار بعض السلع، وقد يمتد الارتفاع إلى سلع أخرى إذا طالت الأزمة. وجانب من هذا الغلاء له أسباب حقيقية، فعبور السفن في منطقة عالية المخاطر يرفع أقساط التأمين، وقد يدفع شركات الشحن إلى فرض رسوم إضافية. كما أن تأخر وصول البضائع يزيد تكاليف التخزين والتمويل، وقد يضطر المستورد إلى استخدام طريق أطول أو وسيلة نقل أكثر كلفة حتى يحافظ على توافر السلعة. لكن ارتفاع هذه التكاليف لا يعني أن تصبح أزمة هرمز مبرراً مفتوحاً لزيادة أسعار جميع السلع وبأي نسبة. فليست كل السلع تمر بالطريق نفسه، ولا تمثل كلفة الشحن النسبة ذاتها من سعر كل سلعة. كما أن بعض البضائع المعروضة حالياً وصلت إلى قطر قبل ارتفاع تكاليف النقل والتأمين. ومن هنا يظهر ما يمكن تسميته «غلاء هرمز»، أي الزيادة التي فرضتها الأزمة فعلاً. غير أن هناك فرقاً بين هذه الزيادة الحقيقية وبين استغلال الظروف لرفع الأسعار بما يتجاوز ارتفاع التكلفة. فقد يسارع بعض التجار إلى رفع الأسعار بنسب تتجاوز الزيادة الفعلية أو المتوقعة في تكلفة استبدال المخزون، أو يرفعون أسعار سلع لم تتأثر مباشرة، مستفيدين من توقع المستهلك أن كل شيء سيصبح أغلى. ولا يعني ذلك اتهام التجار والمستوردين عموماً؛ فكثير منهم يواجهون ظروفاً صعبة ويحاولون المحافظة على تدفق البضائع رغم ارتفاع المخاطر. لكن حماية التاجر الجاد لا تتعارض مع مساءلة من يستغل الأزمة لتوسيع هامش ربحه. والفاصل بين الحالتين هو قدرة التاجر على إثبات مقدار الزيادة التي تحملها فعلاً. وقد تحركت الجهات المختصة في قطر مبكراً لمواجهة آثار الأزمة. فدعت غرفة قطر، بالتعاون مع الهيئة العامة للجمارك، شركات الشحن والنقل إلى استخدام المسار البري عبر المملكة العربية السعودية ونظام النقل الدولي البري «TIR»، مع تخصيص مسار سريع وتسريع التخليص من خلال نظام النديب الإلكتروني. وفي الوقت نفسه، كثفت وزارة التجارة والصناعة رقابتها على الأسواق، فنفذت بين 28 فبراير و22 مارس 2026 نحو 50 ألف جولة تفتيشية طارئة، وضبطت منشآت مخالفة وأغلقت منشأتين، في رسالة واضحة بأن ارتفاع التكلفة لا يمنح أحداً الحق في استغلال الأزمة. كما تمتلك قطر قاعدة بيانات للأسعار، بعد إلزام المنشآت التجارية والصناعية بتسجيل أسعار السلع والخدمات وتحديثها إلكترونياً. وهناك أيضاً سلع وخدمات لا يجوز رفع أسعارها من دون موافقة الجهة المختصة. وبذلك تتوافر أدوات لمقارنة الأسعار قبل الأزمة وبعدها، وربط أي زيادة بفواتير الاستيراد والشحن والتأمين. إلا أن استمرار الأزمة يتطلب البناء على هذه الإجراءات، والانتقال من الاستجابة العاجلة إلى خطة أطول مدى. وينبغي أن تسير هذه الخطة في اتجاهين متوازيين: منع استغلال الأزمة داخل السوق، وخفض تكلفة وصول البضائع إلى قطر عبر الطرق البديلة. ففتح الطريق البري خطوة مهمة، لكن نجاحه لا يقاس بوصول البضاعة فقط، بل بالتكلفة التي تصل بها. فإذا كانت كلفة الطريق البديل مرتفعة جداً، فسيدفع المستهلك ثمنها في النهاية. لذلك من المهم مقارنة تكاليف الاستيراد عبر المسارات المختلفة، واختيار الطريق الأنسب لكل نوع من السلع. ومن المهم أيضاً منح الأولوية في النقل والتخليص للغذاء والدواء والسلع الأساسية، وتقليل فترات انتظار الشاحنات عند المنافذ؛ لأن كل يوم إضافي يرفع تكاليف النقل والتبريد والتخزين. ويمكن دراسة تخفيف بعض الرسوم مؤقتاً، متى ثبت أن ذلك سينعكس على السعر النهائي، لا أن يتحول إلى زيادة في هامش الربح. أما داخل السوق، فينبغي أن تركز الرقابة على العلاقة بين ارتفاع التكلفة وارتفاع سعر البيع. فإذا أثبت المستورد أن تكلفة وصول سلعة معينة ارتفعت بنسبة محددة، فمن الطبيعي أن ينعكس جزء من ذلك على سعرها. أما إذا ارتفع السعر بنسبة أكبر كثيراً، فمن حق الجهة الرقابية أن تطلب تفسير الفارق. وفي المقابل، يجب الحذر من تثبيت جميع الأسعار بصورة جامدة؛ لأن إجبار المستورد على البيع بأقل من تكلفته قد يدفعه إلى تقليل الاستيراد، فتتحول مشكلة الغلاء إلى نقص في السلع. فالرقابة الناجحة تقبل الزيادة المبررة، وتكبح الزيادة التي تستغل الأزمة، وتحافظ في الوقت نفسه على استمرار الإمدادات. لقد أثبتت قطر في أزمات سابقة قدرتها على تنويع مصادر الاستيراد وبناء مخزون إستراتيجي والمحافظة على استقرار الأسواق. والمطلوب اليوم هو تطوير الإجراءات الحالية إلى خطة مستمرة لطرق استيراد بديلة ذات تكلفة مقبولة، مع رقابة تمنع استخدام اسم هرمز لفرض زيادات لا تبررها الأرقام. إن مواجهة «غلاء هرمز» تقوم على مسارين لا ينفصلان: تسهيل وصول البضائع إلى قطر بأقل تكلفة ممكنة، ومنع تضخيم هذه التكلفة عندما تنتقل إلى المستهلك. وبهذا التوازن يمكن حماية المستهلك، ومساندة التاجر الجاد، والمحافظة على استقرار السوق في وقت واحد.
5394
| 13 سبتمبر 2026