رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

مساحة إعلانية

مقالات

267

الشيخ د. سعود بن ناصر آل ثاني

حاطب ليل

19 أبريل 2026 , 03:50ص

لا يُعد مصطلح «حاطب ليل» مجرد وصف عابر، بل هي استعارة استُخدمت لتشخيص آفة العشوائية في التلقي ونقل الحديث. يعود أصل الفكرة في التراث العربي إلى تلك الصورة الذهنية الصارخة لرجل يخرج في جوف الظلام الدامس ليجمع الحطب، وبسبب انعدام الرؤية وغياب النور، يشرع في لمّ كل ما تقع عليه يده بلهفة، فيضع في حزمته الغصن اليابس، والعوسج الشائك، والأخطر من ذلك كله: «الأفعى الرقطاء» التي تتوسد الشجر صيفاً وتتخفى فيه شتاءً، فتلدغه وهو يحسبها عوداً صلباً! وقد برع نقاد الأدب وعلماء الجرح والتعديل قديماً في إسقاط هذا الوصف على «الراوي الذي لا يثبت» أو «الكاتب الذي يجمع الغث والسمين» دون تمحيص. فكان يقال: «فلان حاطب ليل»، أي أنه يملأ جعبته الفكرية بكل ما يسمع أو يقرأ، دون أن يفرق بين الحقيقة التي تنفع، والإشاعة التي تقتل. ومن هنا، انتقل المصطلح من الغابة المظلمة إلى فضاءات الفكر والسياسة، ليصبح رمزاً لكل من تخلى عن «بصيرة النقد» واستسلم لعشوائية «الجمع».

إن المتأمل في إيقاع العصر يدرك أننا نعيش «ليلاً حضارياً» طويلاً، لا بسبب غياب الشمس، بل بسبب كثافة الدخان المعلوماتي الذي حجب الرؤية. لقد فُرض علينا مبدأ «الحطابة» فرضاً؛ فالسرعة الجنونية التي يتطلبها العصر تجعل التأني والتدقيق ترفاً لا يملكه الكثيرون. إننا نعيش تحت ضغط «الآنية»؛ فالخبر يموت بعد دقائق، و» التريند « يختفي ليحل محله آخر. هذا الضغط ولّد حالة من «الاستلاب الفكري»، حيث يشعر الفرد أنه إذا لم يجمع كل ما يلقى في طريقه من أفكار وتصورات، فإنه سيُعزل خلف جدار الزمن. هنا، يصبح «حطب الليل» هو الزاد الوحيد للبقاء في دائرة الضوء، حتى وإن كان هذا الحطب مليئاً بالأفاعي.

هذا الخلط العشوائي أدى إلى ما يسميه الفلاسفة بـ «العالم السائل»، حيث لا توجد عقيدة صلبة تصمد أمام موج التشكيك، وحيث تصبح الثوابت مجرد وجهات نظر قابلة للتفاوض، لأن «الحطاب» في عماية الليل لم يعد يفرق بين جذع الشجرة الراسخ وبين القش الذي تذروه الرياح. إن العقائد والثوابت ليست مجرد نصوص، بل هي «هوية». وحين نُجبر على التخلي عن «المصباح» (المنهج النقدي) لصالح «السرعة» (الحطابة العشوائية)، فإننا نفتح حصوننا الذهنية للاختراق.

لقد باتت منظومتنا الأخلاقية والاجتماعية مهددة لأننا لم نعد نملك ترف «الفرز». نستهلك النمط المعيشي الغربي، والمنظور المادي للحياة، والسيولة الجندرية، وغيرها من «الأفاعي» التي تسللت إلى سلالنا بينما كنا نظن أننا نجمع حطباً لتدفئة عقولنا. هل نحن مجبرون؟ نعم، الضغط الخارجي هائل، لكن الاستسلام له خيار. إن صراعنا الحقيقي اليوم هو «صراع على البصيرة». إن استعادة الثوابت تبدأ من التوقف عن الهرولة، والاعتراف بأن «الجوع الفكري» خير من «التسمم المعلوماتي إن ما يحدث اليوم في عقولنا من تلاطم للأفكار وتداخل للثوابت، يشبه إلى حد بعيد تلك التوترات الجيوسياسية التي تخنق الشرايين الحيوية للعالم.

مساحة إعلانية