رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
قالت الإذاعة البريطانية إن عدد المتظاهرين في مصر (30/6) هو الأكبر في مظاهرات الأحداث السياسية عبر التاريخ الإنساني، ونقلت الأنباء عن جوجل إرث إحصاء بأن عدد الحشود وصل إلى 14.3 مليون منهم 3.8 مليون بالتحرير و2.6. كانت هناك ابتسامة على الوجوه، وعلق أحد المشاركين "أول مرة ألاقي الناس تبتسم وتسامح من مدة طويلة!"، والظاهرة الرئيسية أن نسبة الأسر في المسيرات كبيرة، وأن أجناب الطرق عليها سكان يقفون أمام المنازل، أو في شرفات المنازل.
هكذا حقق المصريون المفاجأة، ليس في العدد وحالة الثقة والحالة المعنوية لهم، وسلمية المظاهرات، ولكن في أنهم أعلنوا أنهم يخوضون معركة استرداد وطنهم وهويتهم، بينما أن السلطة وجماعتها والموالين لهم، لم يعرضوا سوى أنهم هم الثورة والباقي أعداؤها، وأنهم هم الشرعية ومن يريد مشاركتهم عليه انتظار الانتخابات النيابية القادمة، وثالثة الأثافي أن الدم والرصاص هما الأسلوب للدفاع عما قرروا، زيفا هو أو حقيقة، ولكن ليس لديهم إلا القتل.
ما الذي يدفع بالإخوان والسلطة والجماعات الدينية، إلى الاعتقاد أنه يمكنهم أن يفرضوا وجودهم بالدم على بني جلدتهم؟ من أفتى بهذا؟ وماذا يعرضون؟ المؤلم أن إدراكهم للرفض الشعبي لم يأت عن كفر أو عناد، ولكن الرفض الشعبي نتيجة مباشرة للفارق في مفهوم الصراع، فالشعب يخوض معركة هدفها "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية"، صراع بقاء إنساني مشروع، والإخوان ومن والأهم يخوضون معركة التكفير لمن عداهم والتمكين المطلق لأنفسهم حتى وإن باعوا أنفسهم للشيطان بإراقة الدم الإنساني، غير مدركين أنهم بأيديهم حولوا معركتهم إلى معركة الفناء السياسي، وربما الإنساني.
كان خطاب مرسي في 26 يونيو كمن يرفع الستار عن حقيقة صورة دوريان جراي، حيث تركت كل الأفعال الشيطانية أثرها على صورته بين المواطنين، وكأنه كان يحشد مع إدارة "تمرد" ليوم 30 يونيو، وكان التعبير الأشهر له "كفاية سنة!"، وكأنه يمن على المصريين بأنه صبر عليهم سنة من حكمه، لينطلق بعد ذلك مهددا ومتوعدا الجميع وبلا استثناء، وبالقانون، ولأنه القائد الأعلى للقوات المسلحة ــ وكررها عدة مرات ربما ليقنع نفسه بها ــ فأيضا المحاكم العسكرية موجودة، ولم يأت بكلمة حول جريمة زاوية أبو مسلم حيث قتل أربعة من الشيعة، تحت مظلة حالة تحريضية مذهبية، يمارسها العديد من المشايخ، ومارسوها في حضوره، وردد هو بعضا من هذا التحريض، ليصبح حديثه بعيدا عن أي منطق أو مواكبة للأحداث.
كانت كافة المقدمات تقول إن يوم 30 يونيو قد بدأ قبل موعده، ولكن لأن أي دعوة سياسية، مهما كان صحة منطقها، تظل تحت الاختبار حتى تستجيب الجموع الشعبية لها بالحركة، وتظل محل الشك في تحقيق أهدافها حتى تكتشف آلية التعامل مع الهدف، وأيضا لأن دروس وتجارب الثلاثين شهرا الماضية مازالت مرارتها في الحلق، فإن القلق يتزايد والأسئلة تكثر، وكأنها تحاول أن تستدعي أعلى حالات اليقظة والانتباه:
1. كانت المكالمة من السويس، تسأل ما الأحوال عندكم، ويستكمل دون انتظار رد، "ما يحدث هنا في السويس وهذه الحشود لم تشهدها السويس من قبل، الشعب ده يتجاوز كل التوقعات ومحدش يقدر عليه"، ذات المكالمة جاءت من شباب الفيوم، "مليون في الشارع"، وتعجبت هل الفيوم الوديعة أنتجت مليونا في الشارع، كان هذا إحساس الشباب فوق الأرض، وكانت المعلومات تتوالى بأن الحالة شملت محافظات صعيد مصر، الشعب أعلن أنه يرفض، وأنه أكثر وعيا من قاتليه وسارقي ثورته، وتجاوز بحركته طموحات أكثر المتفائلين.
2. إن الشعب أدرك أن أهدافه في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية تبدأ بإزاحة سلطة الإخوان بل والتنظيم ذاته الذي يتسم بالسرية والارتباط بهياكل خارجية، وكذلك كافة الجماعات التكفيرية والإرهابية في ذات الوقت الموالية لهم وكذلك مجموعات الراقصين تحت عباءة السلطة وأي سلطة.
3. توافقت الوقائع مع كافة السيناريوهات التي كانت تطرح بأن عندها يتدخل الجيش، وهذا في ذاته محل نقاش وإن كان الوعي بدور تأميني وحاسم للجدل للجيش يتزايد، حتى إن آليات الجيش نزلت تحمل شعار "جيش حماية الشعب"، وتوافق موقف الشرطة وكأن حالة من اليقظة استدعتها أحداث الاغتيال والخطف ورعونة قرار السلطة تجاه ذلك، ولتنزل آليات الشرطة تحمل شعار "شرطة الشعب"، هذا التوافق وضع إمكانات النجاح على إطلاق الأصابع.
4. كانت السيناريوهات تشترط الوصول إلى حالة الدولة الفاشلة، وهي حالة تبدأ عند الاحتراب الأهلي بالأساس، وهذا تكفلت به جماعة الإخوان والتنظيمات الإرهابية الموالية لها، وجرت وقائع إسالة الدم من قبل 30 يونيو واستمرت حتى فجر الأول من يوليو، وصار وجوب التدخل هو تنفيذ لكلمة وزير الدفاع بأنهم لا يستحقون الحياة إن هم تركوا الشعب مصدر الشرعية معرضا للتهديد والقتل.
5. استوعب الجميع حقيقة أن البديل ليس أشخاصا، ولكن البديل دستور ينبع من رؤية وطنية جامعة تدرسها العقول المتخصصة والإرادات الشعبية ليتم ترجمتها في دستور ينتجه التوافق الوطني العام، ويصبح هو العقد الاجتماعي لدولة الثورة.
6. نجح العقل الجمعي التخلص من الاتهام بالاتفاق بين الثورة وعناصرها، والشعب، وبقايا النظام السابق، فلم تأخذ بعقله فكرة إعادة الاختيار بين مرسي وشفيق، ولا الاختيار بين نظام الإخوان ونظام مبارك، وأخذت فكرة العدالة الانتقالية تنمو، وتجد لنفسها من يدرك أنها بحث عن الحقوق وليس بيع الثورة بين مجموعات المصالح الجديدة والسابقة.
7. كانت الهجمات على المحافظات بتعيينات المحافظين الجدد، وعلى القضاة، وعلى الثقافة، والإعلاميين، وكأنها أوامر استدعاء لإتمام عناصر وحدة مكونات المجتمع، ومن ناحية أخرى، تجاوزت حركة العمال والفلاحين مجرد المطالب الفئوية، وهو أمر إن جرى التعامل البيني من هذه المكونات وبعضها البعض، لنجح في تكوين سبيكة وطنية تمكن من استثمار المرحلة الانتقالية لتحقيق مهام وضرورات النظام الجديد بعد الثورة.
8. حالة الثقة التي تجلت مساء يوم 30 يونيه، حدت من تأثير تصريحات السياسيين والجماعات حتى الشباب الذي بدأ حركة تمرد، وجعلت ذلك كله إما أن يضيف إلى رؤية تتجسد لإدارة المرحلة الانتقالية وطبيعة المهام الواجبة خلالها، بل وإلغاء فوبيا الزمن والتوقيت، فالمرحلة الانتقالية هي مهام يجب إنجازها، وفي الزمن الملائم لإنجازها.
9. الساعات السابقة على يوم 30 يونيو كانت أيضاً مع اقتراب الدعوة من لحظة التحقق، كانت كاشفة لمواقف عديدة، وفرز للنخب والأحزاب.
10. أثبتت الوقائع أن الرصاص والدم، كل ذلك لا يستطيع أن يرهب الشعب ويواجهه، وأن ما اقترفته جماعة الإخوان والكيانات الموالية لها، قد حكم على مستقبلها، وأن الشرعية الشعبية تلفظهم خارج المجتمع.
11. إن مهام التمسك بالأرض والصمود حتى تحقيق هدف رحيل النظام، هي الأكثر وجوبا الآن، وأن حالة العصيان المدني المتدرج هو أمر واجب أيضا.
الشعب دائما يدفع الثمن مقدما، وصورة المرأة المصرية في مقدمة المظاهرات، وأمهات الشهداء تتقدمن الصفوف، يعني أن التمايز الإرهابي بالجنس قد انتهى مع نهاية هذا النظام اللقيط.
الثقة بالنفس، وإدراك حقيقة مكونات الدولة المصرية، وإدراك مهام المرحلة الانتقالية، ثم تحويل أرواح الشهداء إلى رقيب على النفس المصرية، كل ذلك هو ضمانة إيجاد البديل الوطني لمصر الثورة.
إن أصابع الاتهام التي تشير إلى سلطة الإخوان تتجاوزها إلى تلك الجماعة من المثقفين الذين ضللوا الوعي العام، سواء في بداية الثورة، أو خلال المرحلة الانتقالية السابقة، وفترة حكم مرسي، لعلهم يتقون الله في أمر وطن هو علامة في تاريخ البشرية، كما هي إبداعات شعبه مدرسة الصبر والصمود والوعي خارج محافلهم وبفطرة الإنسان السليمة.
الاقتراب من لحظات الإزاحة لنظام الإخوان يجب أن تعي أن الشعب هو مصدر السلطة، وعند ذلك سيحترم العالم إرادة الشعب وما ينتج عنها، والاعتقاد في ضرورة المباركات الخارجية لفعل يستوجبه النضال الوطني هي أول خطوة لتجديد الصراع مع الإرادة الشعبية، لأنها تفريط واستجداء وانطواء تحت إرادة الأجنبي.
طريق واحد لحسم معركة البقاء المصرية التي طالت لثلاثين شهرا، هي الإيمان بأن إرادة الشعب جزء من إرادة الله.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كل عام وقبل العودة إلى المدارس يبدأ الاستعداد المعتاد في كل بيت، ملابس جديدة، حقائب، أحذية، كتب، أقلام، أجهزة، ومستلزمات دراسية. لكن هل هذه هي استعدادات العودة إلى المدارس؟ قبل أن تسأل ابنك: ماذا ينقصك للمدرسة؟ اسأله: لماذا تدرس؟ سؤال بسيط جدًا، لكنه قد يكون أهم من كل ما ستشتريه له طوال سنواته الدراسية فهنا الجوهر. لماذا تدرس؟ ماذا تريد أن تصبح؟ ما المجال الذي تحبه؟ ما الذي تجيده؟ أين ترى نفسك بعد الدراسة وكيف ؟ هذه الأسئلة أهم اليوم من أي وقت مضى، لأن العالم تغيّر، وسوق العمل تغيّر، وحتى مفهوم التعليم نفسه يجب أن يتغيّر لدينا. العالم اليوم مليء بالشهادات بل إن الحصول على الشهادة أصبح في بعض الأماكن أسهل وأرخص من مصاريف سنوات الدراسة، ولم تعد الشهادة وحدها ذلك المفتاح الذي يفتح أبواب الوظائف كما كانت سابقاً. الآلاف يتخرجون كل عام والآلاف يسجلون كما نشاهد هذه الايام. بكالوريوس وماجستير ودكتوراه … الخ ولكن السؤال الذي يفرض نفسه في سوق العمل اليوم هو: ماذا تستطيع أن تفعل؟ فالعالم لايبحث عن الشهادة وصاحبها، بل عن الكفاءة واهلها. يبحث عن الإنسان الذي يفهم، ويحلل، ويبتكر، ويتواصل، ويتعلم بسرعة، إنسان يتعامل مع المتغيرات، ويحل المشكلات، ويملك مهارة حقيقية يحتاج لها الواقع. ثم جاء التحدي الأكبر.. الذكاء الاصطناعي. وهو ليس قصة من المستقبل، بل واقع نعيشه الآن. مهام ووظائف كثيرة تغيرت وتقلصت بسبب التقنية والذكاء الاصطناعي، ووظائف أخرى ستتغير بصورة أكبر خلال السنوات القادمة وستنتهي وفي المقابل ستولد مجالات ووظائف جديدة لم نكن نعرفها. وهنا يجب أن نسأل أنفسنا: لأي عالم نُعِد أبناءنا؟ هل نُعد الطالب فقط ليحفظ كتابًا، ويجيب في ورقة الامتحان، ويحصل على درجة عالية، وينتقل من صف إلى صف حتى يحصل في النهاية على شهادة؟ وماذا بعد ؟ فغالب ما يتعلمه الطالب في الحقيقة لا يعمل به في الحياة الطبيعية. ثم ماذا؟ قد يتخرج بعد سنوات ليكتشف أن العالم الذي أعددناه له قد تغيّر! لذلك يجب ألا يكون هدفنا أن يحصل أبناؤنا على الشهادات فقط، وإنما أن يمتلكوا المهارات والقدرات والوعي والفهم وهذا ما تتجه له الدول المتقدمة. علّم ابنك كيف يبحث. كيف يفكر. كيف يناقش. كيف يتحدث أمام الناس. كيف يكتب. كيف يستخدم التقنية. كيف يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ويستفيد منه بدل أن يخشاه. كيف يتعلم مهارة جديدة بنفسه. كيف يحول فكرته إلى مشروع. وكيف يعرف نقاط قوته وضعفه. وانتبه يا ولي الأمر أنت لا تجهز ابنك لاختبار نهاية الفصل. أنت تجهزه لسوق عمل سيدخله بعد سنوات، وقد يكون مختلفًا جذريًا عن سوق العمل الذي تعرفه أنت اليوم. فلا تجعل كل اهتمامك بدرجته، واسأله أيضًا ماذا تعلّم. ولا تسأله فقط: كم حصلت؟ اسأله: ماذا أصبحت تستطيع أن تفعل؟ ولا تخطط له على أساس الوظائف التي كانت ناجحة في جيلنا، بل ساعده على اكتشاف العالم الذي سيعيش هو فيه. نعم التعليم مهم. والشهادة مهمة. والمدرسة والجامعة كذلك. لكن الشهادة بلا مهارة ورقة، والتعليم بلا فهم حفظ، والمعرفة التي لا يستطيع صاحبها استخدامها لن تصنع له مكانًا في عالم شديد التنافس وسريع التغيّر. لذلك عندما تبدأ هذا العام في تجهيز أبنائك للعودة إلى المدارس.. لا تبدأ بالحقيبة. ولا بالحذاء. ولا بالملابس. ابدأ بالسؤال: يا ابني … لماذا تدرس؟ فإذا عرف لماذا يدرس، وماذا يريد، وما الذي يحتاج إلى تعلمه ليصل إليه.. فقد اشتريت له أهم مستلزمات الدراسة دون أن تدفع ريالًا واحدًا.
5664
| 25 أغسطس 2026
-تاريخ للعرب والإسلام لا يمكن أن نقرأه ثم نضعه على الهامش - ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ - أدعو لأفق إستراتيجي لا يبقى فيه اليمن إذا استعاد استقراره خارج منظومة مجلس التعاون - علي عبد الله صالح قرر منحي أعلى وسام يمني لكنه أرجأ تسليمه لي لزيارة قادمة لم تتم - صنعاء مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس - اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى لا يحتاج اليمن إلى من يبحث له عن مكان في التاريخ؛ فمكانه سبقنا إليه القرآن الكريم حين حدثنا عن سبأ وما أنعم الله عليها: ﴿بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾، وسبقنا إليه الحديث النبوي الشريف: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية». وبين «البلدة الطيبة» و«الحكمة اليمانية» يمتد تاريخ بلد لا يمكن أن نقرأ تاريخ العرب والإسلام ثم نضعه على الهامش. سبأ ومأرب وحِمْيَر ليست أسماء من ذاكرة بعيدة، وإنما شواهد على حضارة ضاربة في القدم، وعلى أرض عرفت العمران والزراعة والتجارة. ولم يكن حضور اليمن في الإسلام عابرًا أو متأخرًا؛ فقد وفدت قبائله إلى رسول الله ﷺ ودخل أهله في الإسلام، وبعث النبي ﷺ معاذ بن جبل إلى اليمن معلّمًا وقاضيًا. ومن اليمن خرج رجال وقبائل حملوا الإسلام والعربية معهم إلى الأمصار، وأسهموا في الفتوحات وفي بناء المجتمعات العربية والإسلامية التي نشأت بعدها. وظل اليمن حاضرًا في حواضره العلمية والتجارية والثقافية، من صنعاء وزبيد إلى حضرموت وعدن. وجيلي عرف اليمن من التاريخ، ثم عرفه من السياسة. فقد كنا نتابع منذ شبابنا التحول من الملكية إلى الجمهورية، والتدخل المصري لمساندة النظام الجمهوري الجديد، وما أعقب ذلك من أحداث جعلت اليمن حاضرًا بقوة في المشهد العربي. كنا نسمع بأسماء رجاله ونقرأ عن صراعاته وتحولاته، قبل أن تتيح لي الظروف أن أعرف اليمن عن قرب، وأن أعرف كثيرًا من رجاله. وكانت نقطة التحول في علاقتي المباشرة باليمن عام 1994، عندما جرت محاولة فصل الجنوب عن الشمال. كنت يومها وزيرًا للإعلام في دولة قطر، وكان لقطر موقف واضح في مساندة وحدة اليمن، في وقت كانت فيه مواقف خليجية أخرى مختلفة. وكان الإعلام أحد ميادين تلك المواجهة السياسية، حتى انتهت الحرب ببقاء الوحدة. وفي تلك المرحلة، ومن قبلها ومن بعدها، أتيح لي أن أعرف وأعمل مع عدد من الشخصيات اليمنية البارزة على اختلاف مواقعها واتجاهاتها؛ عرفت حسن اللوزي، الذي كان وزيرًا للإعلام، وجار الله عمر، الذي كان وزيرًا للثقافة، والشيخ عبدالله بن حسين الأحمر، والرئيس علي ناصر محمد الذي بدأت علاقتي به في دمشق، ومحسن العيني، أحد أبرز الشخصيات اليمنية، الذي عرفته زميلًا سفيرًا في واشنطن واستمرت علاقتنا حتى وفاته، ومحمد سالم باسندوة الذي عرفته زميلًا سفيرًا في الأمم المتحدة قبل أن يصبح رئيسًا للوزراء، والدكتور عبدالكريم الإرياني، وغيرهم كثير. رحم الله من توفاه الله منهم وأطال في أعمار الأحياء. ودعاني الرئيس علي عبدالله صالح إلى زيارة اليمن، فعرفته عن قرب ونشأت بيننا علاقة ود. وفي إحدى المرات قال لي إنه قرر منحي أعلى وسام يمني، لكنه سيؤجل تسليمه إلى الزيارة القادمة حتى يضمن عودتي إلى اليمن. ومرت الأيام، وتقلبت الأحوال، وتغيرت الدنيا، ورحل الرئيس، وبقي الوسام حيث كان. ولعل في هذه الحكاية الصغيرة شيئًا من حكاية السياسة نفسها: نؤجل بعض الأشياء إلى الغد، ثم يأتي الغد مختلفًا عما تصورناه. ولم تكن معرفتي باليمن مقصورة على السياسة ورجالها. عرفت بعض كبار مبدعيه، وفي مقدمتهم عبدالله البردوني وعبدالعزيز المقالح، ودعوتهما إلى المشاركة في فعالياتنا الثقافية. وفي زيارتي هذه رتبت الرئاسة جلسة أدبية فنية حضرها عدد من الأدباء والفنانين، لا تزال في ذاكرتي بما عكسته من ثراء الأدب والفن اليمنيين. وفي لحظة عفوية تبادلت ووزير الثقافة الزي؛ ألبسته العقال العربي، وألبسني العمامة والخنجر اليمنيين. صورة صغيرة، لكنها قالت يومها عن القرب بيننا أكثر مما تقوله كلمات كثيرة. اما اليمن الذي رأيناه فله حديث آخر.. رأيت في صنعاء فنًا معماريًا لا أعرف له شبيهًا؛ مدينة تبدو بيوتها كأنها خرجت من كتاب قديم وظلت حية يسكنها الناس. ورأيت في إب وما حولها طبيعة يعجز الوصف عن إعطائها حقها. صعدنا طرقًا متعرجة بين الجبال، ورأيت الفلاحات اليمنيات يتسلقن المرتفعات، يسقين الحقول ويقطفن الثمار، حتى وصلنا إلى غداء أقيم في قمة جبل تحيط به مناظر أقرب إلى الخيال. واستقبلنا عند مدخل المدينة وجهاؤها بملابسهم التقليدية المتنوعة، في مشهد من الألوان والهيبة والجمال، ثم جاءت المائدة اليمنية بما لا يقل ثراء عن المكان. وأقول ذلك وقد جلت العالم شرقًا وغربًا: في اليمن تنوع طبيعي قلّ أن تجده مجتمعًا في مكان واحد؛ شواطئ جميلة، وسهول ووديان، وجبال تكتسي بالخضرة، وأرض زراعية خصبة، وتراث عمراني نادر. ومن يرى كل ذلك يتساءل بألم: كيف استطاع هذا القدر من السياسة والصراع أن يفعل كل هذا ببلد منحه الله كل هذا القدر من الجمال؟ لقد حاصرت الحروب والسياسة اليمن طويلًا، حتى كاد ضجيجهما يحجب حقيقته وعظمته؛ فاختُزل بلد الحضارة والتاريخ والإنسان والجمال في أخبار الصراع، وغاب اليمن الحقيقي خلف أزماته. لكن أهمية اليمن لا تقف عند التاريخ والجمال والإنسان. فالجغرافيا منحته موقعًا لا يستطيع اليمنيون ولا جيرانهم ولا العالم تجاهله. إنه في جنوب الجزيرة العربية، ويشرف على باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والبحر المتوسط. وما جرى في السنوات الأخيرة أكد مرة أخرى أن اضطراب اليمن لا يبقى داخل حدوده، وأن أمن البحر الأحمر والملاحة والتجارة الدولية يتأثر بما يحدث فيه. ولهذا فإن تجاهل اليمن لا يضر باليمن وحده. من يترك جنوب الجزيرة العربية مضطربًا لا يستطيع أن يطمئن إلى استقرار بقيتها. لقد علمتنا تجارب العقود الماضية أن اليمن لا تنفع معه الحلول المؤقتة التي تأتي ردًا على تطور هنا أو أزمة هناك. قد توقف معالجة طارئة جولة من الصراع، لكنها لا تمنع أسباب الصراع من إنتاج جولة أخرى. وما لم تكن هناك رؤية شاملة تعالج بناء الدولة ووحدتها واقتصادها وتنميتها، وتعيد للإنسان اليمني ثقته بمستقبله، فسنبقى ندور في دائرة إدارة الأزمات بدل الخروج منها. كما أن اتساع المشكلات والانقسامات الداخلية يفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. وهنا لا بد من كلمة صريحة إلى أهل اليمن أنفسهم: إن مستقبل اليمن لا يصنعه الآخرون، والمسؤولية الأولى تبقى على اليمنيين؛ أن يقدموا اليمن على ما عداه، وأن يتحرروا من الارتهان والارتباط بالأجنبي أيًّا كان، وأن يجعلوا وحدتهم الوطنية فوق اختلافاتهم. فالارتهان للخارج وصفة داء لا دواء؛ إذ يستعين بك ما دامت له فيك حاجة، فإذا انقضت حاجته انقضى اهتمامه بك، وبقي الوطن وحده يدفع الثمن. وليس المطلوب أن يختلف اليمنيون أقل، بل ألا يجعلوا من اختلافاتهم أبوابًا تعبر منها مصالح الآخرين. فالوحدة الوطنية لا تلغي التنوع، وإنما تحميه وتحمي اليمن معه. وفي المقابل، تقع على محيط اليمن مسؤولية لا تقل أهمية. فلا ينبغي أن ننظر إلى اليمن بوصفه عبئًا ينبغي تحمله، أو مشكلة أمنية ينبغي احتواؤها. اليمن، إذا استقر وأحسن استثمار طاقاته، مكسب كبير للجزيرة العربية: بثروته البشرية، وموقعه، وأرضه، وإمكاناته الاقتصادية والزراعية والسياحية، وتاريخه وحضارته. والخطر ليس في اليمن، وإنما في أن نتركه للفقر والانقسام والاضطراب والتدخلات الأجنبية. ومن بين دول المنطقة تبقى المملكة العربية السعودية الأكثر اتصالًا باليمن جغرافيا وتاريخًا، والدولة المركزية في مجلس التعاون، واستقرار اليمن من استقرارها وأمنه من أمنها. وقد قدمت المملكة لليمن الكثير، لكنني أتطلع إلى أن يأخذ هذا الدور بعدًا استراتيجيًا أبعد؛ فلا يقتصر على التعامل مع الأزمات حين تقع، بل يقود، بالشراكة مع اليمنيين ودول المنطقة، مشروعًا طويل المدى يدعم وحدة اليمن واستقراره، ويساعد في تنميته وبناء مؤسساته، ويهيئه للاندماج المتدرج في محيطه الطبيعي في الجزيرة العربية. وإذا كنا نتطلع إلى المملكة العربية السعودية لتقف إلى جانب اليمن وتأخذ بيده نحو الاستقرار والاندماج، فمن حقها أيضًا أن تجد من اليمنيين تقديرًا لذلك، وأن تُقابل اليد الممدودة بيد ممدودة، والثقة بالثقة. لقد آن لنا أن نفكر في اليمن بمنطق المستقبل لا بمنطق الأزمة. ولِمَ يبقى اليمن، إذا استعاد استقراره وتماسكت دولته، خارج منظومة مجلس التعاون؟ ولماذا لا يكون الأفق الاستراتيجي هو تهيئته يومًا ليصبح جزءًا كاملًا من هذه المنظومة؟ عندها لن يكون الأمر مجرد إضافة دولة إلى مجلس قائم، وإنما خطوة نحو إطار أكثر تعبيرًا عن جغرافية المنطقة ووحدة مصالحها. وقد يأتي يوم نتساءل فيه: إذا أصبح اليمن جزءًا من هذه المنظومة، أفلا يكون «مجلس التعاون لدول الجزيرة العربية» اسمًا أصدق تعبيرًا عن حقيقتها الجديدة؟ هذه ليست دعوة عاطفية، ولا حلمًا يتجاهل صعوبات الواقع. إنها رؤية تنطلق من درس كررته الأحداث: اليمن مكسب كبير إذا احتُضن واستقر وأصبح جزءًا فاعلًا من محيطه، وخطر جسيم على الجميع إذا أُهمل وترك نهبًا للانقسام والفقر والتدخل الخارجي. لقد ظللنا طويلًا نسأل ماذا نستطيع أن نفعل لليمن. وربما حان الوقت لنطرح السؤال بصورة أخرى: ماذا نستطيع أن نفعل مع اليمن من أجل مستقبل الجزيرة العربية كلها؟ فاليمن لم يكن يومًا هامشًا في تاريخها، ولا ينبغي أن يبقى هامشًا في مستقبلها. لا تكتمل الجزيرة العربية دون اليمن..
4770
| 23 أغسطس 2026
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو حاجة المؤسسات المستمرة إلى قيادات جديدة، في وقت لا يكفي فيه انتظار ظهور قائد جاهز. فهل القيادة موهبة فطرية، أم قدرة يمكن بناؤها وتطويرها؟ ولفهم ما إذا كان القائد يُولد أم يُصنع، لا بد أولاً من التعرف إلى الصفات التي تقوم عليها القيادة. ومن أبرزها وضوح الرؤية؛ فالقائد يرى الاتجاه قبل أن ينشغل بالتفاصيل، ويستطيع أن يحوّل رؤيته إلى هدف واضح يفهمه الناس ويعرف كل منهم دوره فيه. وعندما يحين وقت القرار يستمع، ويجمع المعلومات، ويدرس البدائل، ثم يحسم اختياره ويتحمل نتائجه. فإذا تعثرت الأمور، لا يسارع إلى إلقاء اللوم على الآخرين أو البحث عن موظف يدفع ثمن قراره؛ بل يعترف بالخطأ، ويصحح المسار، ويحمي فريقه من الاتهام غير العادل. فالقيادة لا تعني أن يكون القائد مصيباً دائماً، بل تعني القدرة على الاختيار وتحمل المسؤولية والتعلم والتصحيح. غير أن القرارات وحدها لا تكفي لقيادة البشر. فالقائد يحتاج إلى فهم نفسه وضبط انفعالاته وإدراك مشاعر الآخرين، وهو ما وصفه عالم النفس دانيال جولمان بالذكاء العاطفي. وقد تهدم كلمة قاسية في لحظة غضب ثقة بُنيت خلال سنوات، بينما يستطيع القائد المتزن أن يختلف ويحسم من دون أن يهين أو يجرح. وتمنح النزاهة هذه الصفات معناها؛ فالناس قد تعجب بذكاء المسؤول، لكنها لا تثق به إذا طبّق المعايير بحسب الأشخاص. لذلك يكون القائد عادلاً، واضحاً في قراراته، بعيداً عن المحاباة. كما يحسن الاستماع، ولا يخشى أصحاب الكفاءة، بل يختار من يكمله ويمنحه فرصة للمبادرة وتحمل المسؤولية. وعندما يصبح القرار الصحيح غير مريح أو غير شعبي، تظهر شجاعته الأخلاقية في تقديم المصلحة العامة على رغبته في إرضاء الجميع. هذه الصفات ليست حكراً على أشخاص يولدون باستعدادات فطرية، بل يمكن تنمية معظمها بالتعلم والتجربة. ويرى الباحث وارن بنيس أن «القادة يُصنعون ولا يولدون». ولا يعني ذلك تجاهل الاستعداد الفطري؛ فبعض الأشخاص يمتلكون الجرأة أو قوة الحضور وسهولة التواصل، لكن هذه المزايا تحتاج إلى التهذيب. فالجرأة بلا حكمة قد تصبح تهوراً، والثقة بلا وعي قد تتحول إلى غرور، والحزم بلا عدل قد ينتهي إلى تسلط. ووفقاً لنموذج مركز القيادة الإبداعية (CCL)، وهو مؤسسة دولية متخصصة في أبحاث وتطوير القيادات، فإن معظم التعلم القيادي يأتي من المهام والتجارب الصعبة، ثم من العلاقات المهنية والتوجيه، بينما تمثل الدورات الرسمية الجزء الأصغر. وهذا يفسر لماذا لا تُصنع القيادة في قاعة التدريب وحدها. فحين تكلف المؤسسة موظفاً واعداً بإدارة مشروع يتطلب تعاون عدة إدارات، وتمنحه صلاحية حقيقية، ثم تراجع معه قراراته ونتائجها، فإنها تدربه عملياً على التنسيق وحل الخلافات وتحمل المسؤولية، وبذلك تتحول القيادة من معرفة نظرية إلى ممارسة حقيقية. لهذا تبدأ صناعة القادة باكتشاف من يمتلكون القيم والاستعداد للتعلم، ثم منحهم مسؤوليات متدرجة، وإشراكهم في قرارات حقيقية، وتعريضهم لمواقف تتطلب الاختيار وتحمل النتائج. وهم يحتاجون إلى توجيه صادق يكشف نقاط القوة والضعف، وإلى بيئة تسمح بالخطأ المسؤول، لكنها لا تتسامح مع الإهمال. إن إعداد القادة ليس ترفاً إدارياً، بل ضرورة تضمن استمرار المؤسسة وتجددها. فالمؤسسة التي تنتظر قائداً جاهزاً قد تنتظر طويلاً، أما التي تستثمر في موظفيها وتختبر قدراتهم، فإنها تصنع خياراتها بنفسها. قد يبدأ القائد بموهبة، لكنه يكتمل بالتعلم والتجربة والمحاسبة. ولذلك فالسؤال الأجدر بالمؤسسات ليس: أين نجد قائد الغد؟ بل: ما الذي نفعله اليوم لصناعته؟
2241
| 23 أغسطس 2026