رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة ارتباط عميق بين أفعال البشر ومواقفهم، وبين نظام المعاني التي تدلُّ عليها تلك المواقف والأفعال. ينطبق هذا على الأفراد، لكن قيمته الكبرى تظهر حين يتعلق الأمر بالجماعات البشرية.
ومن المؤكد أن الثورة السورية كانت ولاتزال حالةً نموذجية في هذا المجال.
فقد جاء اشتعالُها تعبيراً عن نظامٍ من المعاني الإنسانية النبيلة، على المستوى المحلي، عاشه السوريون لشهور طويلة.
لكن ما لم يكن في حسبان السوريين أن نظامهم الجديد هذا يحمل في طياته خطراً حقيقياً على نظامٍ دولي وإقليمي تحكمه شبكةٌ معقدة من المصالح الأنانية التي تتمحور حول السيطرة والنفوذ والقوة والهيمنة على مختلف المستويات. وهي شبكةٌ تضم أفراداً ومؤسسات ودولاً وتنظيمات، قد يبدو أحياناً أنها مُختلفةٌ ومتصارعة، لكن وجودها، وتحقيقَ مصالحها، كان مضموناً دائماً بمنظومة توازنات مرنة، تُفسح المجال لإظهار الاختلاف والصراع أمام أعين الشعوب وعامة الناس من ناحية، لكنها تسمح، من ناحية ثانية، لمختلف الأطراف بالحفاظ على وجودها ومصالحها تحت سطح (الأخبار) وبعيداً عن عالم الإعلام.
كان الأمر أشبه بمعادلةٍ دقيقة هدَّدَت حساباتها الثورة السورية، وتحديداً بنظام المعاني الذي لم تُظهر الثورة فقط إمكانية وجوده، بل إمكانية اقتباسه وتعميمه، وهنا يكمن الخطرُ الأكبر..
لهذا تحديداً كان ضرورياً أن يتم (اغتيال) نظام المعاني المذكور، وأن يحصل هذا بشكلٍ ساحق، وبأسرع وقت ممكن، وباستعمال كل الوسائل والأساليب، ذلك أن المسألة أصبحت مسألة وجود بالنسبة للآخرين، ولم تعد حتى مسألة حفاظٍ على المصالح.
وفي غضون أشهر من بداية الثورة، استعاد النظام بعض أنفاسه، وأدرك تلك الحقيقة التي كان الآخرون يحاولون إفهامهُ إياها منذ البداية، فبدأت العملية الكبرى والأساسية لوأد الثورة السورية من خلال قلب نظام المعاني الذي خَلَقتهُ رأساً على عقب.
ومع صمود الشعب السوري، وقلةٍ من أنصار ثورته الحقيقيين، بات واضحاً أن العمل في الداخل السوري لم يعد يكفي لنجاح عملية الاغتيال المذكورة، فصار مطلوباً توسيعُ نطاقها من خلال تعميم الفوضى وخلط الأوراق في المنطقة بأسرها.
يعلم هؤلاء أن الثورة لا يمكن أن تموت رغم كل الصعوبات والأخطاء إلا في حالة واحدة: حين يغيب المعنى الحقيقي لها في قلوب أهلها وعقولهم. فإذا مات المعنى هناك ماتت الثورة، ولو بقيت بعض مظاهرها، وإذا بقي المعنى بقيت الثورة واستمرت رغم كل شيء.
من هنا تأتي الضرورة القصوى والأساسية لاستعادة معنى الثورة السورية بين السوريين، لأنها مفرق الطريق.
هل يحصل هذا؟ نعم. لكن مَن يقوم به ليس أبداً تلك الجهات التي يجب أن تقوم بتلك المهمة، بل إن الهيئات الرسمية التي يُفترض بها أن تفعل ذلك تساهم، ولو عن غير قصد، في قتل نظام معاني الثورة السورية بممارساتها. أما (المثقفون) فقد تجد فيهم من يحاول، وهؤلاء قلائل جداً، ثم إن خطابهم (النخبوي) لا يصل إلى جمهور الثورة الواسع.
تبقى النماذجُ التي أوجَدَها للمفارقة، نظام معاني الثورة السورية نفسهُ، ممن يمارسون هذا الدور بلغةٍ هي أقرب لمشاعر الناس وكلامهم. ثمة نماذج عديدة على ذلك، ولا يمكن ادعاء الكمال في نشاطها وخطابها، لكنها أقرب مثالٍ حقيقي لمن يؤدي هذه المهمة الحساسة.
في السطور التالية، ونستميح العذر في نقلها كما هي وبالعامية، يُعبِّر أحد هؤلاء، زياد الصوفي، عن كل ما تحدثنا عنه أصدق تعبير:
"حالة من اليأس تجتاح صفوف السوريين المؤيدين للثورة نتيجة الإحساس المتزايد يومياً بفقدان قدرتهم على التغيير.. هالشي ما اجا نتيجة لقوّة الأسد أو قدرتو على إسقاط الثورة، ولكن هالشعور اجا كنتيجة طبيعية لإحساسنا بعدم امتلاكنا أي أداة من أدوات التغيير اللازمة لإسقاط الأسد..
يا جماعة..
ما بحياتها كانت الثورة لاسترداد أراضٍ محتلة، أو تحرير أراضٍ وبسط السيطرة عليها.. ما خرج الشعب السوري للشوارع ونادى في بداية الثورة "الشعب يريد استرداد دمشق"، طلبنا وشعارنا كان واضحا وبسيطا "حرية وبس"..
شعار الحرية خوّف الجميع، من أقرب جار إلى أبعد صديق.. حاربنا نفوسنا لتطلع كلمة الحرية من صدورنا، وواجهنا كل صنوف الحقد لاستجرار أنفاس الكرامة من قلوبنا..
اللي كان معتقد انو تمن الحرية للشعب السوري رح يكون رخيص، فهاد إما إنسان رومانسي أو إنسان ما بيفهم بالسياسة، أو الاثنين معاً..
خمسين سنة والنظام عم يحبك كل المؤامرات لمواجهة مطلب الحرية.. خمسين سنة والمجتمع الدولي عم يمرر أخطاء النظام الواحد بعد الآخر بحجة دعم الاستقرار في منطقة تعج بالمتناقضات.
منشان حرية سوريا، شفنا المجازر والبراميل والكيماوي، وحضرنا تلاتة فيتو واجتماعين دوليين في جنيف وشهدنا على وجود حالش وداعش..
منشان حرية سوريا. شفنا العراق عم يتفكك، والعسكر كيف رجعوا يحكموا مصر، واليمن كيف صار اتنين، ولبنان أربعة ومن دون رئيس..
منشان حرية سوريا.، وانقلاب بعد التاني في ليبيا،
منشان حرية سوريا. شهدنا ولادة الخلافة بالأنابيب، تقهقُر الأمريكان قدّام مفترق الإنسانية، وانهيار مؤسسة مجلس الأمن، وتخبّط مؤسسات الأمم المتحدة..
منشان حرية سوريا. خسرنا مليون شهيد، ومتلهون معتقل ومفقود، واتشرد عشرة ملايين عن بيوتهون..
منشان حرية سوريا. انهار مفهوم العروبة، وانمحت مرتكزات القومية العربية، وتعرّت المؤسسات الدينية ورجالها..
منشان حرية سوريا. اكتشفنا انو في سوريين مو سوريين، وعرب مو عرب، ومسلمين ما بيتبعوا رحمة الإسلام، ومسيحيين بعيدين عن سلام المسيح..
منشان حرية سوريا.. انهارت مفاهيم المقاومة، وهرّت ورقة توت الممانعة، وانتست القضية المركزية..
يا ابن بلدي..
لا تيأس.. فحريتك الغالية عم تحاربها كل قوى العالم، لأنهون ببساطة بيعرفوا شو يعني يكون السوري حر.. بيجوز تقلّي صارو تلات سنين ونص ولسّا النظام ما سقط، بس رح جاوبك فوراً ومن دون تردد، صارو تلات سنين ونص والعالم ما قدر يكسر إرادتنا.. حرية وبس".
انتهى النقل، ويبقى مطلوباً من السوريين الذين يُعجَبون بهذا الكلام بالآلاف.. ألا يقف (فِعلُهم) عند هذا الإعجاب..
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
2919
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
2889
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1335
| 13 مايو 2026