رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كشفت الاستجابة السريعة للمؤسستين الإعلاميتين قناة تي آر تي التركية وفرانس 24 في إيقاف أو طرد إعلاميتيهما كانتا أساءتا للسوريين ولثورتهم بمستويات مختلفة، كشفت عن مدى تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وتأثير مستخدميها في القدرة على خلق رأي عام مؤثر وسريع وعاجل وضاغط على القنوات الفضائية بحيث يتم وقف عاجل وسريع ودون تأخير لإعلاميتين لديهما، وهو أمرٌ لم يكن وارداً بهذه السهولة، لو لم يرافقه حملة إعلامية شنها إعلاميون وناشطون سوريون على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية مما أوجد رأياً عاماً مناهضاً.
كانت المذيعة أحلام العجارمة الذي أنا شخصياً لم أسمع بها من قبل لولا القصة التي فبركتها عن اختطاف ابنها، محمّلة إدلب الحلقة الأضعف اليوم في توجيه الاتهامات بحقها في مسائل وقضايا كهذه، ليظهر بعد ساعات ويكذبها زوجها، ويعلن للملأ بأن الولد كان عنده الذي سبق وقد طلّق زوجته أحلام، والتي لم تجد أحداً "تفشّ خلقها" فيه إلاّ مدينة إدلب التي تزامن اتهامها لها، بوليمة شواء خمسة أجساد من أطفالها بطيران المحتل الروسي!!، والأطفال الخمسة بعضهم على الأقل، بعمر ابنها التي ادّعت خطفه، ورغم إعلان زوجها كذب وفبركة القصة من أساسها، وما رافق ذلك من الضجة الكبيرة التي أحدثتها على مواقع التواصل الاجتماعي، وخديعتها لمؤسسات إعلامية كبرى نقلت الخبر، ثقة بها على أنها إعلامية تعمل في قناة محترمة، إلاّ أن ذلك لم يحرّك في جسدها شعرة واحدة في أن تعتذر عما أقدمت عليه وهو بالأصل يمسّ شخصيتها الإنسانية أولاً ثم الإعلامية، ويمس كذلك مؤسسات إعلامية وقيما إعلامية من المفترض أن تلتزم بها. فجاء قرار القناة التركية بوقفها عن العمل، ليضع حداً لاستغلال المهنة في تسجيل نقاط شخصية.
أما المثال الآخر الذي استأثر باهتمام الناشطين السوريين على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام الماضية فكان جبهة أخرى، لكنها هذه المرة قناة 24 فرنسية والتي لم تجد إلاّ مراسلة تلفزيون البراميل المتفجرة ومسالخ قيصر، ونظام الكيبتاغون رنا زنون المعروفة بتبجحها وعلى الهواء مباشرة في دعم العصابة الطائفية بقتل وسحل الشعب السوري، فقامت بتعيينها مراسلة لها في دمشق، مما تسبّب بعاصفة انتقادات حادة ضد القناة، أرغمتها بعد 48 ساعة على صدور التعيين على طردها من عملها.
هذان الحدثان أثبتا للسوريين ولغيرهم أن الكلمة مسؤولية، وأن التفاعل على السوشيال ميديا ليس ترفاً، وليس ضياعاً للوقت، خصوصاً وأن مؤسسات إعلامية كبرى مثل القناة التركية والقناة الفرنسية استجابتا للضغوط، وهو ما يوفر لنا وللأحرار في ربيع الثورات العربية فرصاً مهمة ونوافذ لا تزال مفتوحة في إيصال أصواتنا، بل وتغيير المشهد، فلم يعد الإعلام الرسمي الاستبدادي هو من يرسم المشهد، في ظل انفجار معلوماتي، وانكباب حتى أشخاص في عقود متأخرة من حياتهم على مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن هجروا المحطات الفضائية، وهو ما عزز دور منصات التواصل الاجتماعي على حساب مؤسسات الإعلام الرئيسية.
تظهر قيمة الإعلام الشخصي، أو ما أطلق عليه إعلام المواطن، حين تتصفح حسابات بعض الفضائيات فلا تجد تفاعلاً مع تغريداتها، وقد تخلو بعض التغريدات من إعادة التغريد لمرة واحدة، وهو ما يعكس ضعف ثقة حتى العاملين فيها بالمحتوى الذي يقدمونه، بالمقابل نرى تفاعلاً ضخماً مع حسابات شخصية وكأنه بمقياس تفاعل المؤسسات الإعلامية لا يقارن، مما يعكس مؤشرات على تراجع ثقة الرأي العام ببعض المؤسسات الإعلامية وتوجهاتها، وهو ما يستوج أن يقرع أجراس الخطر في الغرف التحريرية لهذه القنوات، فالإصرار على معاداة الشعوب وربيعها وحريتها وديمقراطيتها سيكون له أثمان كبيرة، لاسيما بعد أن انحازت الشعوب العربية إلى ربيعها وحريتها وكرامتها.
أتذكر أن شخصية كبيرة ظهرت على قناة فضائية غير مشهورة وهو يقدم حلقات عن حياته، ليفاجأ أنه لم يتابعها أحد، ولم يسأله أحدٌ عنها، فضلاً أن يتفاعل معها أحد على منصات التواصل الإجتماعي، وأجزم لو أن هذه المادة التي قدمها ظهرت على حسابات شخصية لكان تفاعلها ضخماً جداً.
اتخاذ التويتر وغيره من إحدى المدن العربية مقراً له عكس مدى أهمية هذه المواقع الاجتماعي، وأظهر بالمقابل خوف وخشية الاستبداد العربي من هذه المنصات، فقد بان لكل ذي عينين مسألة التلاعب باللوغاريتمات للتويتر ولغيره، حيث بدا يشكو الكثير من المغردين من تقييد حساباتهم، مما أفقدهم متابعين بشكل يومي، أو تم حجب تغريداتهم عن متابعيهم، وهي عملية بالمجمل تعكس مدى تأثير الإعلام الاجتماعي، وتأثير المغردين المستهدفين من وراء هذه العملية، الأمر الذي يستلزم أن يدعم المغردون الأحرار بعضهم بعضاً عبر دعم الحسابات المستهدفة وغيرها.
لقد رأينا تماماً كيف لجأ الفيس بوك إلى محاربة الثورة السورية وغيرها حين استهدف كل من يكتب أو يشير إلى الثورة، أما اليوتيوب فكان أشرس منه حين حذف مقاطع الثورة السورية، وكل ما يتعلق بجرائم النظام السوري، فكانت عملية غسل لجرائم النظام قامت بها منصة اليوتيوب، وهو ما عكس مدى الألم الذي لحق منظومة الاستبداد العربي، مما دفعها إلى الصراخ عبر حذف كل هذه المقاطع.
ما أُصطلح عليه بالذباب الإلكتروني غدا مصاحباً لجميع الدول، وقلّما تجد دولة ليس لها جيش الكتروني يقوم بالتجسس والتجسس المضاد جرياً على أصول عمل المخابرات التقليدية، وهي جيوش الكترونية محترفة باتت تقوم على دراسة المحتوى المضاد للرد عليه، والذي تأكد اليوم تماماً أن منصات التواصل الاجتماعي بعد أن كانت في بداية الربيع العربي منصات للحرية والديمقراطية، تحوّلت بعد فترة إلى أدوات للإستبداد والقمع ومساندة المحتلين والمستبدين، وربما ما حصل بغزو روسيا لأوكرانيا قد خفّف بعض الضغوط على المغردين والفيسبوكيين الذين يهاجمون بوتين، لكن ذلك فقط من أجل عيون أوكرانيا، وإلاّ لولا الحدث الأوكراني لكان من الصعب على هذه المواقع أن تتساهل مع ما يتم نشره اليوم عن روسيا وبوتين وحلفائهم.
تحرير دمشق والنظريات التآمرية التي لا تنتهي
أتفهم حالات التشكيك بأي انتصار للأمة المستضعفة، فقد عاشت الأمة منذ وقت طويل حياة الانكسارات والهزائم والخيبات، حتى... اقرأ المزيد
1050
| 01 يوليو 2025
تفجير كنيسة مار إلياس.. لا عودة إلى الوراء
التفجير الإرهابي الإجرامي الذي استهدف يوم «الأحد الأسود» كنيسة مار إلياس في منطقة الدويلعة بالعاصمة دمشق، والذي راح... اقرأ المزيد
909
| 24 يونيو 2025
سوريا.. الجمهورية الثانية
في الثامن من ديسمبر/ كانون أول من العام الماضي، كانت سوريا والعالم العربي والإنساني على موعد جديد في... اقرأ المزيد
1566
| 17 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4614
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3312
| 02 أكتوبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1278
| 28 سبتمبر 2026