رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
امتعضت جداً وأنا أتابع السيد "حافظ الميرازي" وهو يجامل المدعو "توفيق عكاشة" صاحب قناة "المواعين" ويقول "إنه يغبط عكاشة كإعلامي حظي برنامجه بمتابعة ضخمة، ودخل اسمه كل بيت في مصر وخارجها" وكنت أتمنى أن يوضح مقدم برنامج "بتوقيت القاهرة" أسباب شهرة عكاشة التي تفوق شهرته!
إن كان أغفل الأسباب عامداً أو ناسياً أذكره بأن شهرة "توفيق" الذي لم يحالفه التوفيق أبداً في ما كان يقدم ما كانت إلا لنهجه الشاذ في الحوار بطريقة ممجوجة لاتتناسب إلا مع (حكاوي) المصاطب، غير أن نسيج برنامجه اليومي كان موجهاً للسب، والقذف، والشتائم التي لا تليق، بل إنه ذهب بعيداً في قذفه الخصوم فوصف زميلاً له بأنه (قواد) يصدر الحريم للأثرياء العرب دون أي خوف من مساءلة، ثم ذهب أبعد فحرض على قتل رئيس الجمهورية وقلب نظام الحكم بحقد لا يخطئه متابع، هذا غير الاجتهاد في إشعال الفتن، ورمي الوطن الجريح بسهام مسمومة، وتأجيج نار الخلاف والاختلاف دون أي رعاية لمصالح الوطن العليا، لم يأبه بمصر الجريحة، لم يأبه بوطن يقع وينهار، كانت عينه على أطماعه هو وتنفيذ أجندته الشخصية، كان يحلم بحكم مصر وها هو يعلنها بعد طول مراوغة، آخر صبرنا يحكمنا عكاشة!
المذهل أكثر أن يختم السيد "حافظ الميرازي" لقاءه مع "الشتام" الذي ضرب مصر في قلبها في الداخل ومع محيطها العربي كله فلم يترك أحداً يسلم من أذاه، المذهل أن يقول "الميرازي" أنا متعاطف مع عكاشة الحبس والتخويف والبلطجة غير مطلوبة أنا مع حرية التعبير!
وللأخ حافظ أقول ليست حرية تعبير ما كان يفعله عكاشة إنما حرية قلة الأدب، والاعتداء بالسب والقذف والتجريح على من يروقه، مستغربة جداً من موقف مقدم البرنامج، وعموماً قالوا زمان من أمن العقاب أساء الأدب، ولقد أمن صاحب قناة "المواعين أو الثعابين" من العقاب طويلاً وقد صال وجال ممتطياً لسانه ليُسمع متابعيه وصلات (ردح) تفوق فيها على أحسن (رداحة) في الحواري حتى أوقفه د. مرسي رئيس مصر عند حده وقدمه لمحاكمة عادلة تقتص منه، وضروري جداً أهدى صاحب الفراعين الكلمات التالية بما أنه كان أحياناً يأخذ دور الشيخ الواعظ لتكون هذه الكلمات أول فقرة من فقرات برنامجه لو خففوا عنه الحكم وفتحوا القناة التي لن ينسى كل مصري أنها مساحة بث متخصص في ضرب أمن مصر، فلتقدم يا سيدنا هذه الفقرة التي قرأتها فوجدت أنها أصلح ما يناسبك (جعل الله اللسان ممر توحيده، ومردد ذكره، وتالي كتابه، وداعية دينه، به نسبحه ونقدسه، وجعل الكلمة الطيبة صدقة، أيليق بعد هذا بعاقل أن يطلقه يكشف العورات، ويحيك الافتراءات، ويسوق الشتائم، واللعنات، الإثم مرتعه، والخبث مجاله، أيكون صاحبه مسلماً وما سلم الناس من لسانه؟ هذا إن فتحت قناة الفراعين أبوابها بعد المحاكمة، أما إذا أراحنا القضاء من مساحة الفتن والدسائس وضرب مصرنا الغالية فسنكون أوفياء لك نعدك بزيارة ومعنا العيش والحلاوة.
•
كلام في السياسة
• في قمة عدم الانحياز هل صدم الرئيس المصري إيران وهو يندد بالنظام السوري ويصفه بالقمعي معلناً رفضه قتل الشعب برصاص الجيش؟ أتصور أنه أحدث صدمة، ولعل التغيير المتعمد في خطاب الرئيس محمد مرسي يشي بحجم الصدمة، تحياتي وتقديري للرئيس الشجاع الذي لم يبخل بكلمة حق في محفل دولي له تأثيره.
• اجتهد عكاشة طويلاً وكثيراً لضرب علاقة مصر بقطر بشتى الوسائل، أعتقد لو رأى صورة أمير قطر ورئيس مصر وهما يتصافحان في المؤتمر بود ملحوظ لأصابته سكتة قلبية.
• هل يهدأ المصريون الآن؟ هل نطمئن بعد أن اخضرت الأسهم وربحت البورصة 8 مليارات جنيه في أسبوع لتحقق ثاني أكبر مكاسب في تاريخها؟
• هل يطمئن المصريون عندما يقول اللواء الدكتور أحمد البدري رئيس أكاديمية الشرطة لأولياء الأمور اطمئنوا الكفاءة هي المعيار الوحيد للالتحاق بالأكاديمية وأن عهد الوساطة قد ذهب دون رجعة؟
• سيكون الاطمئنان شاملاً إن شاء الله بالقبض على كل الحرامية وتقديمهم للمحاكمة وتنظيف مؤسسات الدولة من كل علي بابا والأربعين حرامي اللي معاه.
• تحية لائقة للدكتور علي بن فطيس المري النائب العام لدولة قطر الذي عينته منظمة الأمم المتحدة بمنصب المحامي الخاص لاسترداد الأموال المنهوبة، ربنا يجيب الخير على أيديك.
طبقات فوق الهمس
• كم واحد بيصلي الفجر بعد رمضان؟ سؤال داهمني وقد حنت حوائط المساجد لوجوه روادها، وحن السجاد على الأرض لدموع الباكين عليه!
• غريبة تلك الحياة!! لا يبقى منها إلا ما أعطيته للآخرين!
• إذا عرفت وتعمقت في المعرفة أحسست بأنك بقوة معرفتك (ملك) فماذا لو عرفت الله؟
• يأسرني قول الشافعي (رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب) وكثيراً ما أسأل وقد مرت بذهني هذه المقولة الفاتنة ماذا لو آمنا جميعاً بها؟ وكيف سيكون حال البشر لو لم يتصلبوا، ويتكلسوا، ويتناحروا، ويتخاصموا، ويتقاطعوا، وكل واحد منهم مصمم إنه وحده صح؟ بل كيف سيكون حال الدنيا لو أن ناسها اعترفوا يوماً بأنهم كانوا على خطأ فأصلحوه ولم تأخذهم العزة بالعصبية والتعنت؟!
• لا غلبة لليأس أبداً ما بقي إنسان واحد يؤمن بالرجاء.
• بيتهيألي مهما اشتد العتب يبقى أفضل من الحقد.
• عليك أن تعتقد دائماً أن الذي يغضب منك وقد يقاطعك يحبك وأنه ما غضب إلا لإهمال، أو إهانة، أو ظلم وقع عليه، يبقى أن تبادر بالمصالحة والاعتذار كشأن النفوس النبيلة.
• آلاف الشموس لا تضئ طريق من لا يريد أن يبصر، كذا آلاف النصائح لا تجدي لمن لا يريد أن ينتصح!
• أنا واثقة بأنه حين تبتعد الثقة عن الحب تصبح زهراً بلا عطر.
• أنت أسعد الناس حين يحيطك المخلصون.
• صديقك الحقيقي من أحس بوجعك دون أن تفصح عنه، وكان إلى جانبك لحظة ألم دون استدعاء.
• إذا تكررت الإهانة سينفض عنك الناس حتماً إذ القدرة على التسامح الدائم معجزة!
• أمر من طعم الحنظل.. طعم الجحود!
• ماذا لو (حول) كل من يسلط الكاميرا لمتابعة (الغير) أن يدير (الكاميرا) عليه هو ليرى عيوبه هو، مثالبه هو، سقطاته هو، ويحاول أن ينتصر كل يوم على عيب؟
• كلما فقدنا عزيزاً ارتجفنا، خفنا، طيب مادام الموت حقيقة نخافها لماذا نحضر لرحلاتنا، وسفراتنا، أكثر مما نحضر له؟ صحيح ليه؟!
• أحسن إلى الناس تستبعد قلوبهم، فطالما استعبد الإنسان إحسان.
* رسالة لحماية المستهلك:
الخيار 8 ريالات، خس للرمي 8 ريالات، خس للأكل 13 ريالاً، كوسة تعبانة 11 ريالاً.. هذه عينة لخضراوات أصابها الحمى، أما من دواء يا سادة؟
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
بعد أن نظرنا إلى دور الأسرة، ثم وسَّعنا الدائرة لتشمل المجتمع بكل مكوناته، يبقى طرفٌ ثالث لا يمكن تجاوزه، بل ربما هو الأكثر قدرة على توجيه البوصلة إن أحسن أداء دوره: المؤسسات الرسمية وصنّاع القرار. ليس المقصود هنا جهة بعينها، بل منظومة كاملة تبدأ بالتعليم ولا تنتهي بالإعلام والثقافة والتشريعات والسياسات العامة. هذه الجهات لا تربي بشكل مباشر كما تفعل الأسرة، ولا تؤثر بشكل غير منظم كما يفعل المجتمع، بل تمتلك أدوات منظمة ومقصودة قادرة على صناعة الاتجاه العام. حين نتحدث عن طالب لا يقرأ، أو شاب لا يهتم بالشأن العام، أو جيل لا يمتلك أدوات التحليل، فإننا نتحدث أيضًا عن منظومة تعليمية قدّمت له المعرفة بشكل مجتزأ، أو بطريقة لا تُحفّز الفضول ولا تبني التساؤل. فالمناهج التي تُقدَّم كمواد للحفظ فقط، والاختبارات التي تكافئ الاسترجاع لا الفهم، تخرّج أفرادًا يجيدون الإجابة، لكنهم لا يجيدون التفكير. التعليم ليس كتابًا يُدرّس، بل تجربة تُبنى. وحين يُختزل في سباق درجات، فإنه يفقد جوهره. الطالب لا يحتاج فقط إلى معلومة، بل إلى سياق يفهمها فيه، وإلى مساحة يناقشها خلالها، وإلى بيئة تشجعه على أن يخطئ ويتعلم. أما حين يُربّى على أن الخطأ مرفوض، وأن الإجابة النموذجية هي الطريق الوحيد، فإنه يتوقف عن المحاولة أصلًا. ولا يتوقف الأمر عند التعليم، فالمؤسسات الثقافية، إن وُجدت، يجب أن تكون حاضرة في حياة الناس لا على هامشها. المكتبات، المراكز الثقافية، الفعاليات الفكرية… هذه ليست كماليات، بل أدوات لبناء الوعي. وحين تغيب، أو تصبح نخبوية لا يصل إليها إلا قلة، فإنها تفقد دورها الحقيقي. أما الإعلام الرسمي، فهو أمام اختبار دائم. هل يكتفي بأن يكون صوتًا ناقلًا، أم يتحول إلى منصة توجيه وبناء؟ هل يطرح القضايا بعمق، أم يكتفي بالعناوين؟ هل يُقدّم القدوات الحقيقية، أم يلاحق ما يطلبه الجمهور فقط؟ هنا تتحدد القيمة. لأن الإعلام حين يقرر أن يرتقي بالذائقة، فإنه يساهم في صناعة جيل، وحين يقرر أن يسايرها فقط، فإنه يعيد إنتاج المشكلة. ثم تأتي السياسات العامة، التي قد تبدو بعيدة عن هذا النقاش، لكنها في الحقيقة في قلبه. حين تُتاح فرص حقيقية للشباب للمشاركة، حين يشعر أنه مسموع، وأن له دورًا في صناعة القرار، فإنه يتفاعل. أما حين يُقصى، أو يُختزل دوره في التلقي فقط، فإنه ينسحب تدريجيًا من الاهتمام. الدولة لا تصنع الوعي وحدها، لكنها ترسم الإطار الذي يتحرك فيه الجميع. هي التي تضع الأولويات، وتحدد ما يُدعم وما يُهمّش، وما يُكافأ وما يُترك. وحين تكون الأولوية للعمق والمعرفة، فإن الرسالة تصل. وحين تكون للسطحية أو تُترك دون توجيه، فإن الفراغ يتمدد. المشكلة إذًا ليست في غياب جهة واحدة، بل في غياب التنسيق بين الجهات. أسرة تُحاول، ومجتمع يضغط في اتجاه آخر، ومؤسسات لا تكمل الصورة. النتيجة جيل يعيش التناقض، فلا يعرف أي طريق يسلك. إصلاح هذا الخلل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى وضوح. أن تدرك كل جهة دورها، وأن تعمل ضمن رؤية مشتركة، لا جهود متفرقة. فالتربية تبدأ في البيت، وتتشكل في المجتمع، وتُصقل عبر المؤسسات. وإذا اختل أحد هذه الأضلاع، اختل البناء كله. الجيل القادم لا ينتظر من يُلقي عليه اللوم… بل من يُعيد ترتيب المشهد أمامه.
4536
| 06 مايو 2026
في يوم حرية الصحافة العالمي، تبدو الصورة أكثر تعقيداً من مجرد احتفاء رمزي بمهنة يُفترض أنها تنقل الحقيقة، فالمعيار اليوم لم يعد في حجم ما يُنشر، بل في مساحة الأمان التي تُمنح للصحفي كي يكتب وينشر دون تهديد أو تضييق أو تبعات تطال حياته وحريته. الصحافة لم تعد مجرد مهنة لنقل الخبر، بل أصبحت في كثير من البيئات اختباراً يومياً لحدود القدرة على الاستمرار، فبين ضغط الواقع السياسي والأمني، وتعقيدات البيئة القانونية والإعلامية، تتقلص المسافة بين الكلمة وتكلفتها. في مناطق النزاع، تتجلى هذه الإشكالية بأقسى صورها. وفي فلسطين، وتحديداً في قطاع غزة، تشير تقارير "مراسلون بلا حدود" إلى سقوط عدد كبير من الصحفيين خلال التغطيات الميدانية في سياق العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة على القطاع، في واحدة من أكثر البيئات خطورة على العمل الصحفي عالمياً، حيث يصبح نقل الصورة جزءاً من معادلة البقاء. وفي إيران، تعكس المؤشرات الدولية استمرار التحديات التي تواجه حرية الصحافة، مع تراجع ترتيبها العالمي في ظل قيود قانونية وإعلامية دفعت عدداً من الصحفيين إلى مغادرة البلاد أو تقليص نشاطهم، أو العمل تحت سقف من الحذر الشديد. هذه الوقائع لا تعكس أرقاماً مجردة، بل تشير إلى اتساع الفجوة بين الحق في المعرفة والقدرة على الوصول إليها، وتضع المجتمع الدولي أمام سؤال جوهري: كيف يمكن حماية الحقيقة إذا كان من ينقلها يعيش تحت تهديد دائم؟ إن جوهر القضية لا يتعلق فقط بحرية الصحافة كقيمة مهنية، بل بكونها حقاً إنسانياً أساسياً يرتبط بقدرة المجتمعات على الفهم والمساءلة واتخاذ القرار، وعندما يُستهدف الصحفي أو يُقيَّد، فإن المتضرر الأول هو حق الجمهور في المعرفة. في يوم حرية الصحافة العالمي، تبقى الحاجة ملحّة لتأكيد أن حماية الصحفيين ليست خياراً، بل ضرورة لضمان استمرار الحقيقة، وألا يُترك العالم في فراغ المعلومات أو في ظل رواية واحدة غائبة عنها التعددية والإنصاف.
4143
| 07 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
1215
| 12 مايو 2026