رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي وطن من ؟ المحروسة وطن من ؟ هي لك ولي وللجميع , فيها ما يحتوينا ويبعث على اللقاء ويفجر الطاقات ويوقظ الخمود والترهل المتجذر فينا, فلم هذا الغياب للروح الجماعية ؟ ولم هذا الحضور للتشظي والانقسام والرغبة في المضي باتجاه الأوراق المبعثرة ؟.
هل شهوة السلطة التي يشترك فيها الكل سواء من يقيم بداخلها أو من يترقب القفز إلى داخل أسوارها ,هي المسؤولة عن تمدد حالة اللامبالاة والنظر فقط تحت الأقدام والركون إلى إثارة المخاوف مما هو قائم وفقدان الأمل في الزمن الآتي وأحيانا التجبر باسم السلطة أو التجبر باسم معارضتها .
ليس ثمة من هو بريء , الكل يشترك في مسؤولية إهدار قيمة الثورة وتآكل تجلياتها فغابت عن مفردات الواقع ودخلت منطقة الميتافيزيقا رغم أن الجميع يتحدث باسمها ويتبنى الدفاع عنها سواء بالحق أو بالباطل وبالطبع ثمة كثيرون امتطوا موجتها فباتوا من فرسانها رغم أنهم لا يمتلكون سوى القدرة على الصياح ورفع الشعارات وتسويق أنفسهم في فضائيات انطلقت بالأساس لمحو صورتها وفض بكارة بهائها .
كنا في حاجة إلى ثورة تقيلنا من عثراتنا ,تعيد البهجة التي غابت عن قسمات الوجوه ,والتوهج إلى الأرواح الباهتة , والدفء إلى نبض القلوب التي توحشت وقست من فرط القهر والكبت والجوع والتهميش والانزواء والازدراء ,وسطوة عصابة الحكم التي تمددت في كل الأنحاء ,فصار الوطن منجما والدولة أشبه بالعزبة الخاصة والشعب مجرد عبيد ينتظرون الإحسان .
كنا في حاجة إلى هذه الثورة فخرج شبابنا ثم ملايين من الشعب الصابر والمثابر والحالم والمسكون بالأشواق الكبرى إلى الحرية والعدالة والكرامة والعيش , بيد أن ما وقع فيما بعد أدخل الثورة في أفق الانقسام والتواري خلف الأهواء الفردية والحزبية والسياسية الضيقة للأسف مصحوبا ذلك بضبابية في المشهد وتخبط في الأداء مع متطلبات المرحلة الانتقالية , مما أدى إلى تراجع ونكوص فتلاشت أهداف الثورة الرئيسية وبقيت مرفوعة في الرؤوس ومآقي العيون وربما الجدران التي ما زالت محملة ببعض من شعاراتها وأحلامها وأشواقها.
غير أن ثمة أملا بدأ في فضاء المحروسة مع الدخول في مرحلة الانتخابات الرئاسية, والتي أحدثت انقساما هائلا لدى النخبة السياسية بكل توجهاتها وكاد الأمر يحسم لصالح الثورة المضادة لولا بقية من ضمير لدى اللجنة القضائية المشرفة عليها , فانحازت إلى الأرقام والوقائع الصحيحة وأنقذت الثورة من براثن العودة إلى محددات ورجالات النظام الذي أجبر على الرحيل.
منحتنا نتيجة الانتخابات أملا في أن الثورة بدأت التحرك في الاتجاه الصحيح ,بعد أن أفرزت رئيسا مدنيا منتخبا حاصلا على نسبة تزيد قليلا عن الخمسين في المائة وهو ما يعني أنه لم يكن ثمة تزوير أو تشويه أو سرقة لأصوات الناخبين مثلما كان يحدث في زمن مبارك.
لقد دخلنا عبر هذه الانتخابات التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية العالمية إلى خانة الكبار ديمقراطيا الذين يعلون من قيمة صندوق الاقتراع السري ويجعلونه معيارا وحيدا لاختيار من يرأس البلاد ويدير أحوال العباد وتلك واحدة من أهم نتائج ثورة الخامس والعشرين من يناير التي تنهي حقبا امتدت أكثر من أربعين عاما في التزوير والاختيار القائم على عكس إرادة الشعب .
ولكن المدهش أن ثمة تيارات عديدة تتعامل مع هذه الحقيقة بنوع من الغبن السياسي - إن جازلي القول - فأخذت تطلق سهامها عليها, تشوه مساراتها وتضفي عليها أنواعا من العتمة .بل وتتظاهر لإسقاطها من الواقع تحت حجة هيمنة تيار واحد على السلطة ,وهو ما لا ينسجم مع القبول بقواعد الديمقراطية التي توافقنا عليها جميعا بعد انبثاق ثورة 25يناير إطارا لاختياراتنا وخارطة طريق تحدد فضاءات العملية السياسية التي نسعى إلى إطلاقها, في وطن ظل مخاصما لها بل ومتعجرفا في تعامله معها.
إن الميزة النسبية التي تحققت بإجراء أول انتخابات رئاسية في المحروسة تتمثل في أنها جعلت الشعب هو صاحب القرار في اختيار رئيسه وفي التخلص منه في الآن ذاته , ووفق محددات صندوق الاقتراع السري ,وبالتالي ليس ثمة معضلة مما تطرحه بعد الدوائر الآن التي تواصل بث الفزاعة من جماعة "الإخوان المسلمون" بما يعيد إنتاج نفس الخطاب الذي كان يستخدمه نظام مبارك على نحو يسعى إلى محاولة الترسيخ في الأذهان أن عناصر وكوادر وقيادات هذه الجماعة هم بشر مرعبون وقادرون على التمدد في مفردات الدولة المصرية بهدف الاستحواذ على مقدراتها وتحديد مساراتها بما يتوافق مع توجهاتها, بينما هم في حقيقة الأمر أفراد عاديون من صنف المصريين وليسوا دخلاء عليهم ولهم توجهاتهم التي ينبغي احترامها ولهم مشروعهم في صياغة مسارات الواقع المصري غير أن ذلك لا يتعين أن يخيفنا من قدرات خارقة لديهم للهيمنة على مقدرات الوطن ومكونات الدولة لسبب يتعلق أولا بأن الشعب المصري يمتلك درجة من الوعي بما يمكنه من الفرز بين مشروع للنهوض يخدم الأمة أو يخدم أصحابه ثانيا هذا الشعب هو الذي اختار الرئيس الذي ينتمي إلى الجماعة ومن قبل اختار النواب الذين ينتمون إليها في الانتخابات البرلمانية التي جرت وفق قواعد النزاهة والشفافية غير أن مجلس الشعب الذي أفرزته تعرض للإجهاض لأسباب تتصل بصراع الإرادات الذي كان قائما قبل قرارات الرئيس محمد مرسي بتغيير القيادة العسكرية التي كانت – شئنا أم أبينا – مهيمنة على المشهد والقرار في آن.
قد أتفهم مخاوف وهواجس بعض القوى مما يجري الآن في المحروسة , بيد أن الأمر لا يصل إلى حد الخوف على الأمة من تعرضها لمحاولة الاستحواذ أو الهيمنة من قبل جماعة الإخوان المسلمون فهذا من الصعوبة بمكان لأن التدين متجذر في تكوين الشعب المصري والذي يمتلك في الوقت نفسه القدرة على امتصاص أي أفكار أو أيديولوجيات وتجييرها لصالحه ولا يسمح لها مهما كانت بالتجبر وامتلاك السطوة عليه وأظن أن سلوك المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة ,هو الذي فرض على جماعة الإخوان المسلمين البقاء في منطقة الوسطية والاعتدال من حيث الخطاب الديني وهو ما ميزها عن الجماعات التي ربما انبثقت عنها في سبعينيات وثمانينيات القرن الفائت ,ودفعها إلى الدخول في دائرة العمل المجتمعي ومقاربة أحوال الناس والإسهام في تخفيف معضلاتهم اليومية على نحو وسع من مصداقيتهم, بينما القوى الأخرى بما فيها اليسار بأشكاله المختلفة والليبراليون بمختلف اتجاهاتهم ,ظلوا قابعين في مكاتبهم بالعاصمة ويثرثرون عبر وسائط الإعلام دون أن تكون لهم مقاربات واقعية تتماس مع مشاكل الناس.
ومع ذلك لا أتورع - وقد قلت ذلك مبكرا عندما رحبت بصعود الإسلام السياسي إلى صدارة المشهد في المحروسة ليس من منطلق أيديولوجى فأنا أنتمي لفكر ثورة الثالث والعشرين من يوليو وإن كنت لا أرتبط تنظيميا بأي حزب يعبر عنها - عن مطالبة الرئيس مرسي بفك ارتباطه بجماعة الإخوان المسلمين على الصعيد التنظيمي بما لا يجعلها - على أي مستوى فيها سواء مكتب الإرشاد أو مجلس الشورى - مرجعية لقراراته وتوجهاته , وعليه أن يعلن في خطاب عام للأمة ذلك ,وفي الوقت نفسه فإن قيادات الجماعة وذراعها السياسية: حزب الحرية والعدالة مطالبون بأن ينأوا بأنفسهم عن الرئيس خاصة أن ثمة من يزعم في جلساته الخاصة أنه قريب منه ويستمع إليه بل ويأخذ بنصيحته وهنا أنصح بوجه خاص بضرورة النأي بشخصية الرجل الذي يوصف بأنه القوي في الجماعة - المهندس خيرت الشاطر عن أي ارتباط بمؤسسة الرئاسة - خاصة أن مرسي انتهى قبل أيام من تشكيل فريقه الرئاسي المعاون وهيئة المستشارين ومن ثم فهو ليس في حاجة إلى نصائح ومقاربات من داخل الجماعة التي قد تضر دون أن تفيد.
وأظنه – أي الرئيس – لم يعد في حاجة إلى أحد من داخل الجماعة أو غيرها فهو لديه من يعضده بالرؤية والاستشارة والتي أتمنى أن تكون صادقة وبعيدة عن الهوى والأجندات الخاصة
السطر الأخير:
أنتمي إليك
يسكنني بهاؤك
في عينيك أقيم حقول عشقي
أيا صانعة شعري
أتمدد بسواحلك
تمنحينني صيرورة الكتابة
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3423
| 02 أكتوبر 2026
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
3171
| 06 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1227
| 01 أكتوبر 2026