رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
سُئِل المُفكِّر المصري الراحل الدكتور عبدالوهاب المسيري في لقاء تلفزيوني، عن أفضل طريق للتخلص من الاحتلال الإسرائيلي، فجاءت إجابته مباشرة ومختصرة إلى حد بعيد قائلًا «المُقاومة ومزيد من المُقاومة».
المسيري- الذي يُعد من أشهر الباحثين في الشأن الإسرائيلي في القرن العشرين من خلال موسوعته المعروفة «اليهود واليهودية والصهيونية» التي قضى ربع قرن في تأليفها- فسَّر رؤيته بأنَّ الجيوب الاستيطانية مآلها إلى الزوال حتمًا؛ حيث قسّم هذه الجيوب إلى قسمين؛ قسم قائم على إبادة السكان الأصليين، وأبرز مثالين على ذلك أمريكا وأستراليا، وقسم آخر لم يتمكن من إبادة السكان الأصليين بحُكم انتشار وسائل الإعلام في العصر الحديث التي لم يُعد ممكنًا معها إخفاء جرائم الإبادة وتمثل هذا القسم الثاني: جنوب أفريقيا وإسرائيل، اللتان تنتميان إلى النمط الإحلالي. ومن هنا تُعتبر إسرائيل كيانًا دخيلًا مثله مثل أي جيب إحلالي لا يمكنه العيش إلّا بالحروب والاستيطان واستجلاب المُهاجرين باستمرار.
وفي حالة توقف أحد هذه العناصر أو أحدهما لا بُد وأن ينتهي هذا الجيب الاستيطاني مهما طال بقاؤه، وهذا ما بدأت تخشاه إسرائيل حاليًا؛ فلم تعد الرغبة في الهجرة من أوروبا وغيرها من الدول مثلما كانت عليه في بداية تأسيس الكيان المحتل، وقد اتضح لكثير من هؤلاء المهاجرين أنَّ إسرائيل لم تعد ذلك الفردوس المفقود الذي يبحثون عنه، وإنما باتت ساحة حرب شرسة ومعركة خاسرة. كما إن مقولة «أرض بلا شعب» لم تكن إلّا كذبة كبرى؛ حيث تبيّن مع الأيام أن فلسطين أرض مليئة بالسكان الأصليين.
وفي إجابة عن سبب هذا التعنُّت الإسرائيلي، أجاب المسيري أن السبب هو الدعم الأمريكي اللامحدود والغياب العربي اللا محدود، وبغياب هذين العنصرين أو أحدهما أيضًا لن تقوم لهذا الكيان قائمة. وبحسب المسيري، فإن أمريكا تنظُر إلى إسرائيل باعتبارها حاملة طائرات، وبدونها ستضطر أمريكا لإرسال 5 حاملات طائرات لحماية مصالحها في البحر الأبيض المتوسط، تُكلِّف كل واحدة منها 10 مليارات دولار؛ بما مجموعة 50 مليار دولار سنويًا، بينما هي لا تمنح إسرائيل سوى 10 مليارات دولار فقط، هذا فضلًا عن المواجهة المباشرة مع العالم العربي التي لا تود أمريكا أن تُجاهر بها علنًا، وهي التي تمثل العالم الحُر المسالم والمتسامح بحسب زعمها.
تشير بعض التقارير إلى أنَّ إسرائيل حصلت منذ الحرب العالمية الثانية على 145 مليار دولار كدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية؛ وهي بذلك تكون أكبر مُتلقٍ للمساعدات الأمريكية الخارجية على مستوى العالم. وقد يُفسِّر لنا هذا الدعم الهائل ما صرّح به الرئيس الأمريكي جو بايدن، عندما كان عضوًا في مجلس النواب في ثمانينيات القرن الماضي، قائلًا بصريح العبارة «لو لم تكن إسرائيل موجودة لكان على أمريكا أن تُوجدها؛ وذلك لحماية مصالحها في المنطقة»، مشيرا في ذات الوقت إلى أن أفضل 3 مليارات استثمرتها أمريكا في حينه هي تلك التي قدمتها دعمًا لإسرائيل، وهذا في سياق الدعم الأمريكي اللامحدود لإسرائيل.
أما في سياق الغياب العربي، فإنَّ الأمر وإن بدا مُحيِّرًا ومُحرجًا على مستوى الشعوب والجماهير، فهو ليس بمستغرب أو جديد على مستوى معظم النخب العربية الحاكمة. فلا يخفى على كل متابع للقضية الفلسطينة منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي إلى اليوم، ما عاناه الشعب الفلسطيني من خذلان. فلم تكن مواجهة الجيوش العربية للجيش الإسرائيلي في حرب 1948 إلّا مواجهة شكلية ضعيفة، افتقدت للقيادة المُوحَّدة والرؤية الواضحة؛ بل وحتى العزيمة الأكيدة للتصدي للاحتلال، لتبدأ نكبة الشعب الفلسطيني إلى يومنا هذا. تلتها حرب 1967، التي وصلت بالأمة إلى أسوأ حالاتها سياسيًا وعسكريًا ومعنويًا؛ حيث استطاعت إسرائيل في ظرف 6 أيام- فيما عرف بـ»نكسة يونيو»- هزيمة كل دول الطوق واحتلال الجولان السورية وسيناء المصرية وجنوب لبنان وغزة؛ لتصيب الأمتين العربية والإسلامية في مقتل، وتُلحق بهما هزيمة نفسية بالغة الأثر.
أما في شأن أحقية الشعب الفلسطيني في الدفاع عن أرضه؛ فهو حقٌ مشروع وعلى ما نراه من خذلان لم نشهد أو نسمع له مثيلا على مدار التاريخ لهذا الشعب الأعزل من قبل الأمة؛ بل وحتى التواطؤ مع الكيان المحتل من قبل بعض الأنظمة، إلّا أن ما تكبدته إسرائيل من خسائر مادية وبشرية لم يسبق أن تعرضت لها حتى في حروبها المذكورة مع كل الدول العربية مجتمعةً، بحسب تقارير مؤكدة، هذا فضلًا عن استعادة القضية الفلسطينة بريقها وألقها عالميًا، وتعرُّف شعوب العالم على عدالتها، بعدما ضلَّلَهُم الإعلام الأمريكي والأوروبي لما يزيد عن 7 عقود.
قد يقول قائل إن الدعوة إلى المقاومة في ظل عدم الاستعداد التام للحرب يُعد ضربًا من التهور وذهابًا إلى الهاوية، وإن كنتُ قد مِلتُ شخصيًا إلى هذا الرأي منذ بداية الأمر خوفًا من عواقب «طوفان الأقصى» بعكس جليسي ليلتها، والذي ردَّد مقولة «ما أُخِذَ بالقوة لا يُسترد إلّا بالقوة»، غير أن واقع الحال في غزة لم يعد يحتمل أكثر من خيار واحد، وهو المقاومة؛ فالغزاويون محاصرون منذ عقود حتى من بني جلدتهم، قبل الإسرائيليين، ولم يكونوا يعيشون طيلة هذه السنوات إلّا في سجن كبير، ثم تبين لهم بعد «الطوفان» بما لا يدع مجالًا للشك، أنه لم يعد لديهم ما يخسرونه واقعيًا، وقد تكالبتْ عليهم كل أحزاب الأرض وكلابها. لهذا.. فإنه كان عليهم التعايش مع قدرهم أخذًا بمقولة «ليس بعد القاع قاع»، وحمل لواء الجهاد دفاعًا عن الأرض والعرض.
لقد أثبتت تجارب التاريخ وتحليلات المفكرين أن الشعوب لا تتحرر إلّا بالمقاومة، ومزيد من المقاومة، وأن الاحتلال سيزول، طال الوقت أم قصر، ولن تكون إسرائيل استثناءً.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4260
| 29 سبتمبر 2026
جميل هذا التعاون الذي بدأته مؤسسة حمد الطبية في تحويل المواطنين للعلاج في مستشفيات القطاع الخاص، وهي خطوة تستحق الإشادة؛ لما تحققه من تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية، وتسهيل حصول المواطنين على الخدمات العلاجية، فضلًا عن دعم القطاع الصحي الخاص وتنشيط الحركة الاقتصادية. إنها منظومة يستفيد منها الجميع: الدولة والمواطن والمستشفى. منذ أيام، كانت لي تجربة شخصية بعد تحويلي من مؤسسة حمد الطبية إلى مستشفى «ذا فيو» لمتابعة حالتي مع أحد الأطباء. والحقيقة أن المستشفى يتمتع بمستوى راقٍ من حيث المبنى والتجهيزات والخدمات، لكنني خرجت بملاحظتين مهمتين أتمنى أن تأخذهما مؤسسة حمد الطبية بعين الاعتبار. الأولى: ربط الملفات الطبية. لا يُعقل أن يدخل المريض على الطبيب في المستشفى الخاص ليبدأ بسرد تاريخه المرضي من الصفر، وكأنه يروي قصة قصيرة! فقد ينسى بعض التفاصيل، أو يعجز عن شرح حالته بدقة، خصوصًا إذا كانت لديه أمراض مزمنة أو عمليات سابقة أو يتناول أدوية متعددة. المريض المحوَّل من مؤسسة حمد الطبية إلى القطاع الخاص يجب أن ينتقل بملفه الطبي وتاريخه العلاجي، لا أن يبدأ رحلته العلاجية من الصفر. لذلك، من الضروري أن تتضمن اتفاقيات التعاون ربطًا إلكترونيًا آمنًا يتيح للطبيب المعالج الاطلاع على الملف الصحي للمريض، بما يشمل تاريخه المرضي ونتائج فحوصاته وعملياته السابقة والأدوية التي يتناولها، وفق الضوابط المعتمدة لحماية خصوصية المرضى. فهذا الربط لا يضمن استمرارية الرعاية وسلامة المريض فحسب، بل يوفّر أيضًا وقت الطبيب، الذي قد تكون عيادته مزدحمة بالمراجعين، ويساعده على فهم الحالة بصورة أشمل وأدق، واتخاذ القرار العلاجي المناسب دون إضاعة الوقت في استعادة معلومات يفترض أن تكون متاحة أمامه منذ البداية. الثانية: توفير خدمة الترجمة الطبية ليس كل المواطنين يجيدون اللغة الإنجليزية، وليس كل من يتحدث بها قادرًا على فهم المصطلحات الطبية الدقيقة. ومع وجود أطباء لا يتحدثون العربية، تصبح الترجمة الطبية المتخصصة ضرورة لضمان فهم المريض لتشخيصه وخطته العلاجية وتعليمات الطبيب، لا مجرد خدمة إضافية. ومن المهم أن تتوافر هذه الخدمة عند الحاجة، من خلال مترجمين مؤهلين قادرين على نقل المعلومات الطبية بدقة، حتى لا يؤدي سوء الفهم إلى أخطاء في تناول الأدوية أو اتباع التعليمات العلاجية. إن نجاح هذه المبادرة لا يقتصر على تحويل المريض إلى مستشفى خاص، بل يتطلب ضمان استمرارية الرعاية الطبية وسهولة التواصل بين الطبيب والمريض. شكرًا لمؤسسة حمد الطبية على هذه الخطوة، وأتمنى أن تؤخذ هاتان الملاحظتان بعين الاعتبار لاستكمال منظومة التعاون وتحقيق الفائدة المرجوة منها للجميع.
3204
| 24 سبتمبر 2026
تُولي دولة قطر اهتمامًا بالعنصر البشري القطري، وتحرص على تأهيله وتمكينه وتطوير قدراته، غير أن بعض الجهات الحكومية لا تزال لا تستفيد بالصورة المطلوبة من أصحاب الخبرات الطويلة. فعندما يصل الموظف القطري إلى مسمى «خبير» أو «استشاري»، بعد سنوات من العمل والتدرج وتحمل المسؤوليات، يفاجأ أحيانًا بأنه أصبح بلا عمل واضح، ولا تُسند إليه مهام تتناسب مع خبراته ومسماه الوظيفي. وهنا يبرز السؤال: لماذا يتحول هذا المسمى في بعض الجهات إلى محطة انتظار بدلًا من أن يكون مرحلة جديدة للعطاء؟ ولماذا يُركن موظفون كانوا بالأمس القريب مديرين ورؤساء أقسام وأصحاب قرار، ثم يُتركون بعد ترقيتهم إلى مرتبة خبير أو استشاري بلا ملفات محددة، ولا مشاركة حقيقية في اللجان والدراسات وصناعة القرار؟ إن مسمى «خبير» أو «استشاري» ليس درجة شرفية تُمنح للموظف في نهاية مساره الوظيفي، بل وظيفة تخصصية لها غاية محددة. فالخبير يفترض أن يقدم الرأي الفني المبني على التجربة والمعرفة، وأن يراجع المشروعات والسياسات، ويحلل المشكلات، وينقل خبرته إلى الموظفين الجدد. أما الاستشاري، فينبغي أن يُسهم في إعداد الدراسات، وتقديم البدائل، وتقويم الأداء، ودعم القيادات في اتخاذ القرار وتطوير أساليب العمل. والمفارقة المؤلمة أن الخبير أو الاستشاري غير القطري غالبًا ما يُستفاد منه بصورة أفضل؛ فيشارك في إعداد الدراسات، ويسهم في صياغة التوصيات والقرارات، ويكون قريبًا من أصحاب القرار، بينما قد يُبعد الخبير القطري، وهو الأعرف ببيئة العمل وتاريخ المؤسسة واحتياجات المجتمع. وهذه ليست مطالبة بإقصاء الخبرات الوافدة التي نقدر دورها، بل دعوة إلى تحقيق التوازن وإعطاء الخبرة الوطنية المكانة والدور اللذين تستحقهما. وهذا الوضع لا يضر الموظف وحده، بل يضر الجهة والدولة؛ لأنه يهدر خبرة تراكمت على مدى عشرات السنين، ويضعف نقل المعرفة بين الأجيال، ثم يدفع بعض المؤسسات إلى الاستعانة بخبراء من الخارج للقيام بأعمال يستطيع أبناء الوطن إنجازها بكفاءة. فالخبرة الوطنية ليست عبئًا إداريًا، وإنما رأس مال مؤسسي يجب المحافظة عليه وحسن توظيفه. ولنضرب مثلاً في الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، لا تتوقف الاستفادة من أصحاب الخبرات عند عمر معين أو مغادرة المنصب القيادي؛ فنراهم في البرلمانات ومجالس الإدارات والمؤسسات والشركات ومراكز الأبحاث والجامعات والمعاهد. أما في دولنا، فكثيرًا ما يغادر المسؤول منصبه فتُطوى معه خبرته، ثم نعود إلى استقدام الخبرة من الخارج بتكاليف مرتفعة. لذلك، نأمل من الوزارات والمؤسسات الحكومية التي يسري عليها قانون الموارد البشرية تفعيل ما قرره هذا القانون من ارتباط الوظيفة بواجبات ومسؤوليات محددة، وإلزام كل جهة بإعداد بطاقة وصف وظيفي واضحة للخبير والاستشاري، ووضع خطة سنوية لمهامهما، وإشراكهما في اللجان والدراسات وبرامج التدريب ونقل المعرفة، وتقييم أدائهما على أساس مخرجات قابلة للقياس، مثل إعداد دراسة، أو مراجعة سياسة، أو تدريب مجموعة من الموظفين. فالتكريم الحقيقي للموظف القطري صاحب الخبرة أن يمنح دورًا يليق بعطائه، ويضمن استمرار خبرته في خدمة الدولة والأجيال القادمة.
1125
| 28 سبتمبر 2026