رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
أعتقد ونحن نكتب عن الانتخابات الأمريكية وتحديدا ما يتعلق منها بالشرق الأوسط وقضاياه المتشعبة، أن نستعين بما ذكره المفكر الأمريكي "ألبرت هانت" وهو يعلق على جولة المناظرات الثالثة الأخيرة، بين الرئيس الأمريكي الديمقراطي باراك أوباما ومنافسه الجمهوري ميت رومني. فما ذكره هانت يؤكد لنا حجم الشرق الأوسط لدي الإدارة الأميركية. ووفقا لتعليق المفكر الأمريكي، فإن المناظرة فشلت في الكشف عن الرؤية والتوجهات الخاصة بكل من أوباما ورومنى، حول السياسات الأميركية الخارجية المستقبلية، ودور واشنطن من آخر التطورات في منطقة الشرق الأوسط.
نعود إلى الانتخابات والمناظرة الثالثة، أولا نشير إلى أن الناخب الأمريكي لا يهتم بالقضايا الدولية ومنها العربية بالطبع، وكل ما يهمه هو الشأن الداخلي والتأمين الصحي والتعليم وتقليل الضرائب التي يتكبدها، وظهر هذا جليا في عدد المشاهدين للمناظرة حيث كانوا الأقل مقارنة بالمناظرتين الأولى والثانية. ومن ناحية أخرى، فشل المرشحان في إقناع الرأي العام الأمريكي برؤيتهما للمشكلات الدولية المتداخلة مع أمريكا وهي قضايا تتعلق بإيران وطبعا برنامجها النووي، ومستقبل العلاقات التجارية مع الصين ثم العدو اللدود وهو روسيا والتي يعتبرها الأمريكيون حتى العدو الاستراتيجي الأول. وجاء الربيع العربي في المرتبة الأخيرة في اهتمامات المرشحين الأمريكيين باستثناء مقتل القنصل الأمريكي في الهجوم الصاروخي على القنصلية الأمريكية في مدينة بنغازي الليبية. واستغل رومني تلك الواقعة التي تألم لها الأمريكيون كثيرا ليقلل من أهمية ما يردده معسكر منافسه أوباما بأنه يدرك تماما ملف العلاقات الخارجية. نقطة أخرى استغلها رومني واعتبرها ضعفا في إدارة أوباما الخارجية وهي الملف السوري وعدم قرار الإدارة الأمريكية تسليح المعارضة السورية للإسراع في القضاء على نظام بشار الأسد.
نعلم أن السياسة الخارجية لا تعتبر عاملا حاسما في خيار الناخب الأمريكي باستثناء بعض الحالات الخطيرة، منها ما حدث مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر في1980 حين خسر الانتخابات جراء أزمة الرهائن في إيران، أو مع الرئيس جورج بوش في2004 حين ربحها بعدما استفاد من شعور الوحدة الوطنية بسبب الحرب في العراق ونجاحه في اعتقال صدام حسين.
ورغم أن الاقتصاد الأمريكي يحتل المرتبة الأولى في اهتمامات الرأي العام الأمريكي، إلا أنه بإمكان أوباما أن يعتمد في السياسة الخارجية على إنجازات وعد بها خلال الحملة الانتخابية وتمكن من تحقيقها وفي مقدمتها الانسحاب من العراق وبدء الانسحاب التدريجي من أفغانستان والحرب على تنظيم القاعدة. ويكتب له نجاح القوات الأمريكية في اغتيال أسامة بن لادن في باكستان في مايو2011 وهو ما يعد ضربة ديمقراطية قاضية للاتهامات التي كثيرا ما كالها الجمهوريون لخصومهم متهمين إياهم بالتراخي في كل ما يتعلق بالأمن القومي.
وكما أسلفنا فإن الناخب الأمريكي لا يقترب من القضايا الخارجية إلا عندما يشعر بخطر تجاه تلك القضية أو أخرى، فمثلا يعتقد الأمريكيون أن الصين تتلاعب بهم تجاريا وترفض المطلب الأمريكي برفع قيمة عملتها حتى لا تتسبب في غلاء بضائعها في الخارج ومن ثم تكون أقل سعرا من مثيلاتها الأميركية بما يضر المنتج والمواطن الأميركيين.. ولهذا نرى الأمريكيين في هذه الحالة يتدخلون برأيهم خاصة وأنهم يشعرون بخطر الصين القادم نحوهم. ولهذا أيضا، ركز المرشحان أوباما ورومني على تبني موقف أكثر حزما من بكين وسلوكها التجاري، رغم أن الرئيس الأمريكي الحالي دعا بعد تسلمه منصبه عام 2009 إلى تعزيز العلاقات مع الصين. أما رومني فحاول التفوق في مجال السياسة التجارية التي يجب تبنيها لمواجهة الصين، وبالفعل نجح في جذب49 % من المشاركين في أحد استطلاعات الرأي عندما شدد اللهجة حيال الصين، وقال إن هذا يظل أفضل من تعزيز العلاقات معها، وهو ما يشكل انقلابا في التوجه مقارنة برأي سابق له في مارس الماضي.
وفي نفس الاستطلاع تفوق أوباما في المسألة الإيرانية واعتبره الأمريكيون أكثر حنكة في التعامل مع هذا الملف الخطير بالنسبة إليهم إذ نال 47 % من الأصوات في مقابل 43 % لرومني. ويعود تفوق الرئيس الديمقراطي خصوصا في مسألة البرنامج النووي الإيراني، لما أبداه من موقف حازم تجاه هذا البرنامج حتى الآن رغم عدم تجاوبه في أحيان كثيرة مع الرغبة الإسرائيلية بتوجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
كما اعتبر الأمريكيون أوباما أفضل عموما في السياسة الخارجية، بفضل سحبه قواته من العراق وإرساله وحدة كوماندوز لقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن في باكستان العام الماضي. وهنا حاول المعسكر الجمهوري توجيه السهام إلى المعسكر المنافس ووجهوا انتقادا لطريقة تعامل الرئيس أوباما مع ملف الشرق الأوسط، واتهموه بإهمال إسرائيل الحليفة والاستخفاف بتهديد ما أسموه بـ"الطموحات المتطرفة" التي أطلقتها ثورات العالم العربي ضد إسرائيل.
ويبدو بعد القضاء على اسامة بن لادن، تراجعت حدة مخاوف الأميركيين من الإرهاب حتى إن المناظرة الثالثة بين أوباما ورومني لم تقف عند هذا الملف كثيرا، مما رجح كفة أوباما الذي نجحت إدارته ولو صدفة في القضاء على بن لادن وإراحة العالم من شروره كما يصفه الأمريكيون والأوروبيون.
أيام قليلة وتحديدا يوم الثلاثاء المقبل وتبدأ الانتخابات الأمريكية ليتعرف الأمريكيون والعالم على رئيس الولايات المتحدة القادم، وهل سيكون أوباما لتستمر إدارته في الكلام المعسول من دون فعل خصوصا لقضايا الشرق الأوسط، أم يحقق رومني المفاجأة ويكتسح منافسه ويحتل مكانه في البيت الأبيض..النتيجة غير محسومة حتى الآن، وإن كان كل مرشح دخل في دوامة النيل من الآخر والتقليل من شأنه، فرأينا قبل أيام أن المرشح الجمهوري وصف منافسه بأوصاف عرقية مذكرا إياه بلون بشرته السوداء وتنوع جذوره للتشكيك في أصوله الأمريكية. ورأينا أوباما يتهم المرشح المنافس بأنه فاقد الذاكرة في واقعة وصفه الأمريكيون بأن رئيسهم أضاف عبارة جديدة إلى القاموس السياسي بوصفه حال خصمه بـ " رومنيزيا" نسبة إلى "أمنيزيا" التي تعني فقدان الذاكرة.
ومن سوء حظ المرشحين الديمقراطي والجمهوري، ما تعرضت له ولاية أوهايو من الإعصار ساندي المدمر والذي جاء قبل أيام من الانتخابات الرئاسية، رغم أن المأساة مثلت ملفا مهما لكليهما في كيفية إظهار القيادة وقت الأزمات الوطنية. غير أن الأمريكيين يكرهون استغلال معاناتهم لتحقيق أغراض سياسية، حتى لو كانت الانتخابات التي ستسفر عن فوز أحد المرشحين سواء أوباما أو رومني، ولكن ما يهمنا نحن العرب هو كيف سيتعامل الرئيس الديمقراطي مع قضايانا في ولايته الثانية وهل سيسقط من حساباته الصوت اليهودي؟. أو ما إذا فاز المرشح الجمهوري رومني فهل سيعيد ملفاتنا إلى نقطة البداية والمربع الأول لتبدأ مشكلتنا القديمة الجديدة مع أي إدارة أمريكية جديدة؟!
أيام قلائل وسنعرف النتيجة، وبعدها سندرك العواقب.
السلام والحب في عامنا الجديد
في عامنا الجديد، نتمنى أن يحمل الجميع زهورا ليتبادلوها في الأفراح والأعياد والمناسبات الجميلة، وليس أن يحملوها إلى... اقرأ المزيد
974
| 04 يناير 2013
قمة المواطنة الخليجية
عكست قرارات وتوصيات قمة المنامة استعدادا خليجيا للتعاطي مع المخاطر التي يمكن أن تواجهها دول التعاون، سيما الداخلية... اقرأ المزيد
674
| 27 ديسمبر 2012
أيها الغرب لا نريد حقوقكم
يعجب المواطن العربي من تكرار الغرب تعبير" حقوق الإنسان " كثيرا خصوصا في هذه الآونة التي تشهد دعوات... اقرأ المزيد
2591
| 15 ديسمبر 2012
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هل الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة نقطعها كل صباح، أم أنه وقت يمكن أن نستثمره مع أبنائنا؟ سؤال يستحق أن نتوقف عنده ونحن نشاهد المبادرة الجميلة «وصل عيالك» التي أطلقتها مشكورة وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة، لتشجيع أولياء الأمور على توصيل أبنائهم إلى المدارس. وأرى أن هذه المبادرة تؤكد وعي الجهات الاجتماعية بأهمية التفاصيل الصغيرة في حياة الأسرة، فقيمتها الحقيقية تتجاوز بكثير مسألة إيصال الطالب من باب المنزل إلى باب المدرسة، إلى معنى أعمق بكثير؛ وهو استثمار هذا الوقت في الاقتراب من أبنائنا، والاستماع إليهم، والحديث معهم، واستعادة شيء أصبح نادرًا في حياتنا المعاصرة: الحضور الحقيقي مع أبنائنا. نعيش اليوم حياة سريعة ومزدحمة، الأب والأم لديهما أعمال والتزامات ومواعيد، والهاتف لا يتوقف، ورسائل العمل تلاحقنا حتى خارج أوقات الدوام، وأصبحت الأسرة أحيانًا تجتمع في مكان واحد، لكنها لا تجتمع فعلًا؛ كل شخص حاضر بجسده وغائب بذهنه. لذلك قد تكون عشر دقائق أو ربع ساعة في السيارة مع ابنك، وأنت حاضر معه فعلًا، أهم من ساعات طويلة تقضيها بجانبه وأنت منشغل بهاتفك أو عملك أو عالم آخر بعيد عنه. وهنا تكمن روعة الطريق إلى المدرسة. في الصباح الباكر يكون ذهن الطفل هادئًا بعد قضاء راحة ونوم، وأنت بجواره في مساحة صغيرة لا تلفاز فيها ولا مجلس مزدحم ولا مقاطعات كثيرة. تحدثه، وتسأله: ماذا لديك اليوم؟ ما المادة التي تحبها؟ ما الذي يزعجك في المدرسة؟ ماذا تتمنى أن تصبح؟ من أقرب أصدقائك؟ ولماذا تحب هذا المعلم ولا ترتاح لذاك؟ لا تجعل المشوار تحقيقًا يوميًا معه، بل اترك الحديث يأتي بعفويته. فقد تبدأ القصة بجملة بسيطة جدًا يقولها طفلك في السيارة، ثم تكتشف خلفها عالمًا كاملًا لم تكن تعرف عنه شيئًا. وربما تسمع من ابنك في السيارة شيئًا لن يقوله لك وهو جالس أمامك في البيت. فالطفل أحيانًا لا يحتاج إلى جلسة رسمية عنوانها «تعال أريد أن أتحدث معك»، بل يحتاج إلى لحظة آمنة وعفوية يشعر فيها أنك قريب منه وتسمعه دون محاكمة أو استعجال. وبين إشارة مرور وأخرى قد يخبرك عن صديق يضايقه، أو معلم يحبه، أو موقف أخافه، أو فكرة تشغله، أو حلم يريد الوصول إليه.أما رحلة العودة من المدرسة فلها حكاية أخرى. يركب ابنك السيارة وقد عاش عدة ساعات بعيدًا عنك، محملًا بالمواقف والأسئلة والضحكات وربما الغضب والحزن أيضًا. يريد أن يخبر أحدًا بما حدث: «اليوم المعلم قال لنا…»، «فلان فعل كذا…»، «تعرف ماذا حدث في الفصل؟»، «اليوم حصلت على درجة…». قد تبدو لنا هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة إليه حياته التي يعيشها الآن.وكلما اعتاد أن يجد أذنك في الأشياء الصغيرة، زادت احتمالية أن يبحث عنك عندما تأتي الأشياء الكبيرة. وهذه في رأيي إحدى أجمل رسائل مبادرة «وصل عيالك»؛ أن تذكرنا بأن التربية ليست دائمًا محاضرات طويلة ولا جلسات مخططًا لها، وأن بناء العلاقة مع الأبناء قد يحدث في تفاصيل صغيرة جدًا كنا نظن أنها مجرد وقت ضائع في الطريق. لكن من المهم جدًا ألا نحول جمال هذه الفكرة إلى لوم للآباء والأمهات الذين لا يستطيعون توصيل أبنائهم. فالبيوت تختلف، وظروف العمل تختلف، وأوقات الدوام تختلف، وهناك من يعتمد على الحافلة المدرسية أو السائق، وهناك أم أو أب يبدأ عمله قبل بداية المدرسة أو يعمل في مكان بعيد، وعدم توصيل الأبناء لا يعني أبدًا التقصير في حقهم فهم يكدحون من اجل هذه العائلة ومستقبل الابناء.المبادرات الجميلة يفترض أن تفتح لنا أبوابًا لا أن تصدر علينا أحكامًا. الرسالة الأوسع والأهم هنا: ابحث عن وقت تكون فيه حاضرًا فعلًا في حياة ابنك.إن استطعت أن يكون ذلك في الطريق إلى المدرسة، فلا تهدر هذه الدقائق. أغلق إشعارات الهاتف واترك الهاتف جانبًا لانه من أسباب دمار العائلة وإشغالها، واسمعه اكثر من ان تكلمه لأن أبناءنا، خصوصًا في سنوات النشأة، لا يحتاجون منا إلى عدد كبير من الساعات بقدر حاجتهم إلى لحظات يشعرون فيها أن آباءهم وأمهاتهم موجودون من أجلهم فعلًا. وقد تكون عشر دقائق في طريق المدرسة قصيرة جدًا في حساب الزمن، لكنها في ذاكرة ابنك، وفي علاقتك به، طريق طويل يستحق أن نسلكه.
33486
| 01 سبتمبر 2026
في بداية أي موسم، يذهب الحديث عادةً إلى الفرق المرشحة والأسماء الكبيرة، لكنني أفضل أن أقرأ أول جولتين من زاوية مختلفة: ماذا فعل كل مدرب بفريقه؟ النتائج في هذه المرحلة قد تخدع، أما شكل الفريق داخل الملعب فيكشف الكثير. ومن خلال ما ظهر حتى الآن، أرى أن الفارق الحقيقي لا يكمن دائمًا في جودة اللاعبين، بل في قدرة المدرب على تحويل هذه الجودة إلى فريق واضح في أدواره؛ يعرف كيف يبني الهجمة، ومتى يضغط، وكيف يتحول بعد فقدان الكرة، وماذا يفعل عندما لا تسير المباراة وفق خطته. السد، مثلًا، أظهر قوة هجومية لافتة، لكنني لا أرى أن عدد الأهداف وحده يكفي للحكم على جاهزية الفريق. الأهم هو قدرته على فرض أفضلية واضحة أمام منافس يغلق المساحات ويجبره على تغيير أسلوبه. هنا تحديدًا تبدأ قيمة المدرب في الظهور: هل يملك الفريق الحلول عندما لا تسير المباراة وفق السيناريو الذي يفضله؟ أما بقية الفرق، فالصورة ما زالت بحاجة إلى قراءة أعمق، ليس لأن الإمكانات غائبة، وإنما لأن المسافة بين ما تملكه هذه الفرق وما تقدمه داخل الملعب ما زالت موجودة بدرجات مختلفة. الدحيل والغرافة والريان والوكرة تملك من الخبرة والجودة ما يجعل سقف التوقعات أعلى، ولذلك سيكون المطلوب من مدربيها ترجمة هذه القدرات إلى أداء أكثر وضوحًا واستمرارية طوال الموسم. وفي المقابل، تبدو المهمة مختلفة عند العربي والأهلي ولوسيل والسيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بالنتائج، وإنما ببناء ملامح فريق يمكن أن تتطور هويته مع الجولات. أما قطر، فأراه الحالة الأكثر إثارة للتساؤلات. الخسارة أمام السد ليست مفاجئة، لكن طريقة فقدان الفريق لتوازنه تضع ماركيز لوبيز أمام مسؤولية واضحة: ماذا فعل عندما بدأت المباراة تخرج من يده؟ وأين كانت الحلول التي تعيد للفريق توازنه؟ لا أعتقد أن الإمكانات وحدها يمكن أن تكون عذرًا دائمًا، خصوصًا عندما تكون المشكلة في كيفية إدارة المباراة والتعامل مع تحولاتها. وفي المقابل، كان الشحانية بقيادة المدرب الوطني يونس علي، والشمال بقيادة المدرب الإسباني ديفيد براتس، من أكثر الفرق التي لفتت انتباهي في أول جولتين، من خلال تنظيم واضح وجرأة في التعامل مع المباراة، مع قدرة جيدة على قراءة مجرياتها والتفاعل معها، وهو ما منح الفريقين حضورًا وملامح واضحة داخل الملعب. وهنا تظهر قيمة العمل التدريبي؛ فليس المطلوب أن يمتلك كل فريق لاعبين بنفس الجودة أو الإمكانات، وإنما أن يعرف المدرب ما يملكه فريقه جيدًا، ويضع له أسلوب لعب واضحًا يتناسب مع هذه الإمكانات، ويستطيع من خلاله استخراج أفضل ما لدى لاعبيه. لذلك، فإن الجولة الثالثة بالنسبة لي ليست مجرد جولة جديدة في حسابات النقاط، وإنما فرصة لمعرفة أي الفرق تستطيع تثبيت ما قدمته في أول جولتين. هل سيحافظ الفريق الذي ظهر بشخصية واضحة على مستواه؟ وهل تستطيع الفرق التي ما زالت تبحث عن شكلها أن تجد حلولًا أكثر وضوحًا؟ كلمة أخيرة: الجولات المقبلة ستكشف أي المدربين نجح فعلًا في تحويل ما يملكه فريقه إلى شخصية وأسلوب يمكن الاعتماد عليهما.
5502
| 03 سبتمبر 2026
-أخطر دروس المأساة السودانية أن الدولة لا تحتمل جيشين -كانت بيني وبين البشير مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية - قطر لها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والعمل الإنساني والثقافي - السودان أكبر من محنته وأبقى من مليشيا وأغنى من أن تختصره حرب - مليشيا الدعم السريع وجدت خارج السودان من راهن عليها ومدّها بأسباب القوة - السودان جمع عناصر التاريخ والجغرافيا والثروة ولم يستطع تحويلها لاستقرار يليق به - بعض الأشقاء تقاطعت مصالحهم مع إسرائيل ووقفوا ضد مصالح أمتهم - أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي – السوداني وأراه خطوة تستحق الدعم للسودان في نفسي مكانة لا تصنعها السياسة وحدها، ولا تفسرها الجغرافيا، وإنما صنعتها علاقة طويلة بدأت منذ سنوات شبابي الأولى، وعززتها معرفة برجاله وثقافته، وزيارات متكررة إلى أرضه، حتى أصبح السودان بالنسبة إليّ أكثر من بلد عربي شقيق؛ أصبح جزءاً من ذاكرة شخصية ومهنية امتدت أكثر من نصف قرن. عندما تأسست وزارة الخارجية القطرية عام 1972، وأُلقي على عاتق شباب قطريين، كنت واحداً منهم، أن يحملوا مسؤولية تأسيس بعثات دولة حديثة العهد بالدبلوماسية، كان السودان حاضراً معنا منذ البدايات. فقد كان محجوب مكاوي، وكيل وزارة الخارجية السودانية السابق، أول خبير في وزارة خارجيتنا، وكان من الطبيعي أن يكون عدد من الخبراء الذين استعانت بهم سفاراتنا الناشئة من السودانيين. ثم عرفت السودان من زاوية أخرى وأنا سفير شاب في باريس، قليل الخبرة كثير الرغبة في التعلم. رشح لي صديقي سفير السودان في باريس بشير البكري الشاعر السوداني صلاح إبراهيم ليعمل معي. وكان نعم السند، وتعلمت منه الكثير. وهكذا دخل السودان تجربتي الدبلوماسية من باب الثقافة أيضاً، وهو باب لم يغلق بعد ذلك. ومن اللمسات السودانية التي لا تُنسى وجود الطيب صالح وفترته في الدوحة؛ فقد كان من أوائل من عملوا في مسيرة الإعلام والثقافة في بلدنا، وارتبط اسمه بتجربة مجلة «الدوحة» وبمرحلة مهمة من الحضور الثقافي السوداني في قطر. ونحن في قطر نعتز بأن بلادنا احتضنت رجالاً بمكانة الطيب صالح، ونقدر ما أسهموا به، مع غيرهم من الكفاءات العربية، في مسيرة نهضتها وبناء مؤسساتها. وزرت السودان مرات عدة عندما كنت وزيراً للثقافة، لكن بعض الزيارات لا تغادر الذاكرة. حضرت مرة مهرجاناً كبيراً لثقافات قبائل السودان، وهناك رأيت بعيني ما لا تستطيع الكتب أن تنقله: تنوعاً مذهلاً في العادات والتقاليد، واللغات واللهجات، والموسيقى والأزياء، وفي طرق التعبير عن الحياة والإنسان. وأدركت أن السودان يملك ثراءً ثقافياً هائلاً، وأن ما وقف بين هذا الثراء وبين المكانة العالمية التي يستحقها لم يكن نقصاً فيه، بل قسوة الظروف التي عاشها السودان. وفي مناسبة أخرى حضرت تكريماً للطيب صالح، وكانت فرصة للتعرف إلى عدد من أبرز مثقفي السودان. وعلى امتداد تلك السنوات نشأت لي صداقات مع شخصيات سودانية كثيرة، بعضها استمر حتى رحيل أصحابها، ومنهم الرئيس عبد الرحمن سوار الذهب، ذلك الرجل الذي بقي اسمه في الذاكرة العربية مثالاً نادراً لمن امتلك السلطة ثم تخلى عنها طواعية. كنا نتبادل الزيارات في بيوتنا في الدوحة والخرطوم. وكذلك كانت لي صلة قوية بالدكتور حسن الترابي، الذي طالما التقينا وتناقشنا اتفقنا واختلفنا ولكن بقي الود حتى توفاه الله. وعرفت الرئيس عمر البشير، وكانت بيننا مساحة من الصراحة تجاوزت أحياناً حدود اللغة الدبلوماسية، وكان يتقبلها مني. وعندما ترشحت لمنصب المدير العام لليونسكو، حرص على أن يكون السودان عضواً في المجلس التنفيذي ليساند ترشيحي، ووقف السودان معي وصوّت لي في الجولات الأربع التي تصدرتها على بقية المرشحين. ثم جاءت اللحظة التي لا أنساها، حين أبلغني السفير السوداني قبيل الجولة الأخيرة بتغير الموقف. كانت صدمة شخصية وسياسية، وانتهت المعركة بفارق صوت واحد. ومع ذلك لم تغير تلك اللحظة نظرتي إلى السودان ولا محبتي لشعبه؛ فالدول والشعوب أبقى من المواقف العابرة. ولعل هذه العلاقة الطويلة هي التي تجعلني اليوم أنظر بألم مضاعف إلى ما أصاب السودان. فهذا ليس بلداً فقيراً في التاريخ حتى يبحث لنفسه عن جذور. على أرضه قامت حضارات وممالك عريقة، من كوش ونبتة ومروي إلى الممالك النوبية، وتعاقبت عليه حضارات وأديان وثقافات صنعت واحداً من أغنى التكوينات الإنسانية في منطقتنا. وليس السودان هامشاً جغرافياً أيضاً. إنه ملتقى العالم العربي بأفريقيا، وامتداد لوادي النيل، وصاحب ساحل مهم على البحر الأحمر، وجار لدول تتصل مصالحها مباشرة بأمنه واستقراره. وهنا تكمن إحدى مفارقات السودان الكبرى: بلد جمع التاريخ والجغرافيا والثروة، ثم لم يستطع أن يحول هذه العناصر مجتمعة إلى استقرار يليق بها. فالسودان يملك مساحات زراعية هائلة، وموارد مائية، وثروة حيوانية، وتنوعاً مناخياً يسمح بإنتاج زراعي واسع. ولو اجتمع الاستقرار مع الإدارة والتقنية والاستثمار، لما كان الحديث عن السودان بوصفه إحدى سلال الغذاء للعالم العربي مبالغة، وإنما احتمالاً اقتصادياً حقيقياً. لكن الأرض الخصبة لا تحمي نفسها، والمياه لا تبني الدولة، والموقع الاستراتيجي قد يتحول من نعمة إلى عبء إذا ضعفت الدولة وتكاثرت الأطماع حولها. وهنا أصل إلى واحد من أخطر دروس المأساة السودانية: الدولة لا تحتمل جيشين. قد تنشئ السلطة في ظرف معين قوة مسلحة خارج المؤسسة العسكرية، وتظن أنها أداة تستعين بها على مشكلة عابرة، لكنها تزرع بذلك داخل جسد الدولة قوة لها قيادتها ومصالحها وسلاحها. وما يبدأ أداة في يد الدولة ينتهي قوة تنازع الدولة نفسها. وهذا ما يجعل تجربة الدعم السريع درساً يتجاوز السودان. فقد نشأت هذه القوة في ظل النظام، ثم تضخمت قدراتها ومصالحها حتى انتهت إلى مواجهة الجيش السوداني، وتحولت البلاد إلى ساحة حرب دفع الشعب السوداني ثمنها من دمه وأمنه ومستقبله. لكن اختزال ما يجري في السودان في صراع بين قوتين سودانيتين وحدهما لا يفسر المشهد كله. فحين تضعف الدولة لا تبقى أبوابها مفتوحة لأبنائها وحدهم؛ تدخل المصالح الإقليمية والدولية، ويصبح السلاح والمال والمقاتلون وشبكات الإمداد جزءاً من الحرب. ولم تكن المليشيا لتبلغ ما بلغته بقوتها الذاتية وحدها؛ فقد وجدت خارج السودان من راهن عليها، ومدّها بأسباب القوة، وربط مصالحه بما تسيطر عليه من موارد وثروات، وفي مقدمتها الذهب، حتى بدا أن بعض الأشقاء اختاروا المليشيا على الدولة، وتقاطعت مصالحهم ورهاناتهم مع إسرائيل، وتعاونوا معها ضمن حسابات أوسع في السودان والبحر الأحمر. وهكذا أصبح السوداني يدفع ثمن تحالف مصالح لا يقيم وزناً لوحدة بلاده ولا لثرواتها ولا لدم أبنائها. وإسرائيل لا تنظر إلى السودان أو القرن الأفريقي باعتبارهما ملفات منفصلة، وإنما تنظر إلى فضاء استراتيجي أوسع يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وأمن الملاحة وموازين القوى في المنطقة. ولذلك فالسؤال الأهم ليس دائماً: مع من تقف إسرائيل؟ بل: أين تكمن مصلحتها؟ ومن وقف مع إسرائيل فقد وقف ضد مصالح أمته ولا يُعفى الحكم في السودان من اللوم؛ فقد فتح الباب للذئب واستدعاه إلى عرينه، ظناً منه أنه بذلك يتفادى شره أو يستعين به لتحقيق مصلحة عابرة. لكن من يستدعِ الذئب إلى حقله قد يستعين به على خصمه، لكنه لا يملك أن يضمن أين يقف الذئب، ولا أن يحدد له فريسته. ولذلك تتحمل السلطة مغازلة اسرائيل. والسودان، بحكم موقعه على البحر الأحمر، ليس بعيداً عن أمن العرب. فمن ضفته الأخرى تقع المملكة العربية السعودية، بثقلها العربي والإسلامي والاقتصادي والسياسي. ولذلك أنظر بتفاؤل إلى مجلس التنسيق السعودي–السوداني، وأرى أنه خطوة تستحق الإشادة والدعم، وأرجو أن يتطور إلى شراكة استراتيجية تسهم في استقرار السودان وإعماره واستثمار موارده؛ لأن استقرار السودان مصلحة سعودية كما هو مصلحة سودانية، وأمن ضفتي البحر الأحمر لا يمكن فصل بعضه عن بعض. وكذلك مصر. فالعلاقة بين مصر والسودان ليست علاقة جوار عادية؛ إنها علاقة نيل وتاريخ وأمن ومصير. وقد عرف البلدان في مراحل من تاريخهما الحديث ارتباطاً سياسياً وثيقاً، وحمل الملك فاروق في مرحلة من المراحل لقب «ملك مصر والسودان». ومهما اختلفت الظروف السياسية منذ ذلك الزمن، فإن الجغرافيا لم تتغير: أمن السودان من أمن مصر، واستقرار وادي النيل لا يمكن تجزئته. ومن هنا كنت أتمنى أن يكون الدور المصري في دعم الدولة السودانية وجيشها أكثر قوة بما يتناسب مع حجم المصالح المصرية المرتبطة باستقرار السودان. أما قطر، فلها مع السودان قصة طويلة من العلاقات والدعم والعمل الإنساني والثقافي. ومن المشاريع التي أعتز بها المشروع القطري–السوداني للآثار، وهو مشروع ارتبط بمبادرة صاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، رحمه الله، الذي عُرف بمحبة السودان والحرص على دعم شعبه. ولم يكن المشروع بعثة أثرية محدودة، بل عمل واسع لحماية ذاكرة السودان الحضارية. موّل أربعين بعثة أثرية، منها اثنتا عشرة بعثة سودانية وطنية، وامتدت أعماله نحو ثمانمائة كيلومتر بين الخرطوم والحدود المصرية، وشملت المسح والتنقيب والحماية والترميم والصيانة، وتأهيل المواقع وتدريب الكوادر وإشراك المجتمعات المحلية. وأسهمت أعمال المسح في اكتشاف آلاف المواقع الأثرية الجديدة، ووصل العمل إلى عدد من أهم مواقع أهرامات السودان. ثم جاءت الحرب. انهارت المؤسسات، وتعطلت الإدارة، وتوقف كثير من العمل الأثري، وتعرضت مواقع ومتاحف ومجموعات أثرية للنهب والتدمير والتدهور. وهكذا أصبح المشروع الذي جاء ليساعد السودان على إنقاذ ماضيه هو نفسه أحد ضحايا الحرب التي دمرت حاضره. وما أشد المفارقة: أن تمد يدك لإنقاذ ذاكرة بلد، ثم ترى الحرب تهدد الذاكرة واليد التي تحميها معاً. لكنني لا أريد أن أكتب عن السودان مرثية. فالسودان أكبر من محنته، وأبقى من مليشيا، وأغنى من أن تختصره حرب، وأعمق من أن تختزله سنوات الفوضى. إن ما يحتاجه السودان ليس اختراع مقومات جديدة للنهوض؛ فهي موجودة فيه منذ زمن. يحتاج أولاً إلى دولة: دولة تحتكر السلاح، وجيش وطني واحد، ومؤسسات تعلو على الأشخاص والقبائل والمليشيات، وقرار وطني لا يرتهن للخارج أياً كان. ويحتاج إلى أشقائه العرب، ولكن ليس إلى تدخل يزيد انقسامه، بل إلى احتضان يساعده على استعادة وحدته وسيادته. يحتاج إلى مصر التي يربطها به النيل والتاريخ، وإلى السعودية التي يجمعها به البحر الأحمر والمصير، وإلى قطر التي ربطتها به علاقات ومشاريع ومواقف، وإلى كل عربي يدرك أن السودان المستقر إضافة إلى الأمن العربي، وأن السودان المنهك فراغ تتسابق القوى الأخرى لملئه. لقد عرفت السودانيين عن قرب، وعرفت فيهم العلم والأدب والكرم والذكاء والاعتزاز بالنفس. ورأيت بعيني ثراء ثقافتهم وتنوع مجتمعهم. ولهذا يصعب عليّ أن أصدق أن ما نراه اليوم هو قدر السودان. ليس قدره أن يبقى ساحة حرب، ولا أن تتحول أرضه الخصبة إلى أرض نزوح، ولا أن يصبح البحر الذي كان يمكن أن يكون جسراً للتجارة والتعاون باباً تتسلل منه الأطماع، ولا أن تصبح حضارات عمرها آلاف السنين رهينة بندقية لا تعرف قيمة حجر أثري ولا مخطوطة ولا متحف. السودان يستطيع أن يعود، لكن عودته تبدأ حين يستعيد السودانيون السودان نفسه: دولةً فوق المليشيا، ووطنًا فوق القبيلة، ومصلحةً وطنية فوق مصالح الخارج. وعندها فقط يمكن للأرض أن تعطي خيرها، وللنيل أن يمنح الحياة لا النزاع، وللبحر الأحمر أن يصبح جسراً لا ساحة تنافس، ولثقافة السودان أن تخرج إلى العالم كما تستحق. لقد عرفت السودان قبل هذه المحنة، ولذلك أعرف أن السودان الذي نراه اليوم ليس كل السودان. وتلك ربما هي الحقيقة التي ينبغي ألا ننساها ونحن نشاهد هذه المأساة: السودان لم يفقد أسباب النهوض؛ لقد فقد، لبعض الوقت، القدرة على جمعها في دولة. وحين تعود الدولة، سيكتشف العالم أن بلداً ظنه البعض ضحية دائمة كان يملك طوال الوقت أسباب عودته.
4500
| 30 أغسطس 2026