رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
في ظل تداعيات أزمة جائحة كورونا وما فرضته من عقبات وتحديات لمرافق القضاء وقطاع العدالة في دول العالم، حرصت محكمة قطر الدولية ومنذ بدء الجائحة على الاستمرار في متابعة العمل القضائي في المحكمة وعلى نفس الوتيرة، حرصاً على حقوق المتقاضين وحفظا على جميع الحقوق والمصالح، وذلك من خلال تعزيز تفعيل نظام التقاضي الإلكتروني الخاص بالمحكمة، والذي يعرف اصطلاحاً بمسمى "المحكمة الإلكترونية" أو الـ "eCourt" باللغة الإنجليزية، حيث يسمح هذا النظام للمتقاضين أو من يمثلهم رسمياً برفع الدعوى وقيد صحيفتها إلكترونيا في قلم المحكمة، وإيداع المذكرات وتبادل الردود بين المتقاضين عن بُعد وبشكل إلكتروني كامل دون الحاجة لمراجعة المحكمة، حيث يجري إخطار الأطراف إلكترونيا عند إيداع المذكرات الجديدة من قبل الطرف المقابل مع تمكينهم من الرد عليها إلكترونيا أيضا، وإرفاق أي أوراق أو مستندات مرتبطة بالدعوى.
وقد يثور التساؤل لدى البعض حول مدى مشروعية القيد الإلكتروني للدعاوى والمذكرات وتبادلها إلكترونيا بين الخصوم، ولابد من الإشارة هنا إلى أن استخدام الوسائط الإلكترونية في الإجراءات القضائية لاسيما فيما يتعلق بقيد الدعوى وتبادل المذكرات، وعقد جلسات الترافع الإلكتروني، والمرافعة عن بُعد، وحضور الجلسات عبر الاتصال المرئي، والنطق بالحكم عن بُعد، واستلام نسخة الحكم عبر النظام الإلكتروني قد جاء متوافقا مع القواعد الإجرائية المعمول بها في محكمة قطر الدولية، والتي تجيز استخدام الوسائط الإلكترونية في جميع الإجراءات القضائية وفي جميع الدعاوى بناءً على قرار رئيس المحكمة وفقا لسلطته التقديرية.
وقد أدى استخدام نظام التقاضي الإلكتروني (المحكمة الإلكترونية) من قبل الخصوم إبان جائحة كورونا إلى تفادي عرقلة سير الدعاوى المنظورة أمام المحكمة أو بطء إجراءاتها. وتمارس محكمة قطر الدولية صلاحياتها المخولة إليها بموجب قانون مركز قطر للمال رقم 7 لسنة 2005 وتعديلاته، حيث تختص بالنظر في الدعاوى المنصوص عليها في البنود (ج) و(د) من الفقرة 3 من المادة 8 من هذا القانون، وفي الأحوال العادية، ترفع الدعوى بقيد صحيفتها في قلم كتّاب المحكمة في سجل الدعاوى المخصص، ويتم إعطاؤها رقما متسلسلا، بعد أن يتحقق رئيس قلم الكتّاب من الاختصاص الولائي للمحكمة بنظر الدعوى، واستيفاء صحيفة الدعوى كافة البيانات الإلزامية المنصوص عليها مرفقا بها كافة مستندات الدعوى، وبعد أن ينتهي الخصوم من تبادل المذكرات والردود، يُحدد موعد للمحاكمة، ويتم إعلانه إلى الخصوم لحضور الجلسة وفقا للأصول المتبعة في القواعد الإجرائية للمرافعات المدنية والتجارية لمحكمة قطر الدولية.
ويسمح نظام التقاضي الإلكتروني المستخدم حاليا بالمحكمة باتخاذ كافة الإجراءات السابقة إلكترونيا باستخدام الحاسب الآلي والإنترنت، حيث يستطيع المدعي إيداع صحيفة دعواه وتقديمها إلى قلم المحكمة إلكترونيا، حيث يقوم قلم الكتّاب بعد استلام طلب قيد الصحيفة بالتحقق من اختصاص المحكمة ابتداءً، وفيما إذا كانت الصحيفة مستوفية لكافة البيانات والمستندات المطلوبة والتي يجب إرفاقها معها قبل تسجيلها، وفي حال خلو صحيفة الدعوى من بعض البيانات الإلزامية أو الأوراق أو المستندات الداعمة لها، يقوم قلم المحكمة بالتواصل إلكترونيا مع المدعي مقدم الصحيفة لاستكمال النواقص أو إجراء التصحيحات اللازمة، أما إذا كانت الصحيفة مستوفية لكافة المطلوبات، فيقوم قلم المحكمة عندئذٍ بقيد صحيفة الدعوى وإعطائها رقما متسلسلا في سجل خاص ضمن قاعدة بيانات الدعاوى وإخطار المدعي بذلك إلكترونياً لتمكينه من إعلانها إلى المدعي عليه، وتعتبر الدعوى مرفوعة ومنتجة لآثارها من تاريخ هذا القيد الإلكتروني.
ويقع بعد ذلك عبء إعلان صحيفة الدعوى على المدعي وفقا للقواعد الإجرائية للمرافعات في المحكمة، ويستطيع المدعي إعلان صحيفة الدعوى باستخدام إحدى وسائل الإعلان المنصوص عليها في قواعد المحكمة الإجرائية، التي تشمل تسليم إعلان الدعوى إلى المدعى عليه في موطنه، أو من خلال البريد المسجل، أو من خلال الوسائل الاتفاقية بين الخصوم، بالإضافة إلى إمكانية إعلان صحيفة الدعوى إلى المدعى عليه إلكترونيا إلى جانب وسائل الإعلان الأخرى المشار إلها، حتى يكون الإعلان صحيحا ومنتجا لآثاره القانونية، إذا لا يجوز الاكتفاء بالإعلان الإلكتروني وحده إلى المدعى عليه، إذ لابد أن يكون الإعلان الإلكتروني مصاحبا لإحدى الوسائل الأخرى للإعلان تحقيقاُ لمبدأ مواجهة الخصوم، إلا أذا رأت المحكمة وفي حدود سلطتها التقديرية إمكانية الإعلان بطريق البريد الإلكتروني فقط وفقاً لظروف الدعوى.
وبعد أن يتحقق قلم المحكمة من صحة الإعلان الذي قام به المدعي، تبدأ عملية تبادل المذكرات إلكترونياً بين الخصوم، بحيث يستطيع كل من المدعي والمدعى عليه أو من يمثلهما رسميا الاطلاع على كافة المذكرات المودعة من قبل الطرف الآخر "عن بُعد" وبشكل إلكتروني كامل دون الحاجة لمراجعة المحكمة، حيث يجري إخطار الخصوم عند إيداع أي مذكرات جديدة من قبل الخصم مع تمكينهم من الرد عليها وإرفاق أي أوراق أو تقارير خبرة أو مستندات مرتبطة بالدعوى إلى أن ينتهي الأطراف من تبادل الردود.
وبعد ذلك، يقوم قلم كتّاب المحكمة بتحديد موعد جلسة المرافعات الأولى عن بعد وإعلانها للخصوم إلكترونياً لحضور الجلسة باستخدام وسائل الاتصال المرئية والمشفرة والخاصة بالمحكمة، كما يقوم بنفس الوقت بإحالة ملف الدعوى إلى هيئة المحكمة المختصة بنظر الموضوع تمهيداً للفصل بها، لتبدأ بعد ذلك إجراءات التقاضي والترافع الإلكتروني أمام المحكم في الجلسة المحددة. وفي يوم موعد الجلسة الأولى، يقدم الخصوم مرافعاتهم الشفوية من خلال وسائل الاتصال المرئية، والتي قد تحتاج إلى عدة جلسات، إلى أن ينتهي الأطراف من تقديم مرافعاتهم وتقرر المحكمة قفل باب المرافعة وحجز الدعوى للحكم، وتقوم المحكمة بإصدار الحكم عن بُعد في الجلسة المحددة لذلك، ويستطيع الأطراف حضور تلك الجلسة باستخدام وسائل الاتصال المرئية، كما يستطيع الخصوم الحصول على نسخة من الحكم عبر النظام الإلكتروني ودون الحاجة إلى الحضور شخصيا إلى مقر المحكمة.
وتجدر الإشارة إلى أن جميع جلسات المحاكمة التي تتم باستخدام وسائل الاتصال المرئية علنية، أي بمعنى أنه يسمح فيها بالحضور لأي شخص ولو لم تكن له صلة بالدعوى، احتراماً لمبدأ علانية المحاكمة، التي ترتبط بالمحافظة على حقوق الدفاع، وتضمن حياد القضاة ونزاهتهم بفضل خضوعهم لرقابة الرأي العام. حيث يستطيع أي شخص حضور جلسات المحاكمة بالضغط على الرابط الموجود على الموقع الإلكتروني للمحكمة.
وقد ساهم استخدام نظام التقاضي الإلكتروني بالمحكمة، والتكنولوجيا الحديثة في جلسات المحكمة لاسيما خلال جائحة كورونا، وبما توفره من شفافية واختصار للوقت والجهد وتسريع إجراءات التقاضي في تعزيز تحقيق العدالة الناجزة والارتقاء بالخدمات العدلية.
أهمية وعي المُستثمر بالتشريعات الناظمة للتداول
يُعدّ وعي المُستثمر بالقواعد والأحكام المنصوص عليها في تشريعات هيئة قطر للأسواق المالية أمراً بالغ الأهمية لضمان سلامة... اقرأ المزيد
1182
| 21 سبتمبر 2025
نحو عدالة متخصصة ومرنة
أصدر سعادة وزير التجارة والصناعة القرار رقم (39) لسنة 2025 بشأن القواعد والإجراءات المتبعة أمام المحكمة المدنية والتجارية... اقرأ المزيد
981
| 16 يونيو 2025
ستون عاماً على إنشاء مركز تسوية منازعات الاستثمار
جاءت فكرة إنشاء المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار بمبادرة من البنك الدولي إدراكا منه لأهمية إيجاد آلية قانونية... اقرأ المزيد
1317
| 03 يونيو 2025
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
كنا نخاف على أبنائنا من الغريب والبعيد فأتين لهم بالغريب والبعيد داخل منزلهم وغرف نومهم.. في بعض بيوتنا الخادمة تعرف أبناءنا أكثر منا والسائق يقضي معهم وقتا أكثر من آبائهم، والخادمة تعرف متى يستيقظ الطفل وماذا يحب أن يأكل ومتى يغضب وكيف يرضى وماذا يخيفه وأين ملابسه وماذا يريد …. ويعرف السائق مدرسته وأصدقاءه ومواعيده وأحاديثه ومزاجه ومشكلاته والأخطر أسراره التي يخفيها عن الجميع وربما يعينه عليها الخدم، أما الأب والأم فقد يحصلان في نهاية اليوم على تقرير مختصر مضمونه: أكل؟ نعم رجع من المدرسة؟ نعم نام؟ نعم وبكل بساطة تتحول الأبوة والأمومة من معايشة وتربية إلى مجرد متابعة وتمويل، وهذه ليست مبالغة عاطفية هذا واقع يعيشه المجتمع وإليكم بعض الأرقام اللي تنبه على خطورة هالشي ومنها: معهد البحوث الاجتماعية والاقتصادية المسحية بجامعة قطر اجرى مسحا وشمل 607 أسر قطرية كان نحو ثلثي الأسر التي شملها المسح لديها عاملان منزليان أو أكثر !!! وفي تقرير منفصل ذُكر فيه أن العمالة المنزلية في قطر بلغ 170 ألف تقريبا وأغلبهم من العنصر النسائي … إذن الموضوع ليس حالات فردية، الموضوع متغلغل في كل المجتمع نحن أمام ظاهرة اجتماعية تستحق أن نتحدث عنها بصراحة. وسؤال صريح: ما حجم المساحة التي أعطيناها للخدم داخل حياة أبنائنا وبيوتنا؟ فالخادمة ليست المشكلة، والسائق ليس المشكلة.. المشكلة تبدأ عندما نطلب منهما من حيث ندري أو لا ندري أن يؤديا وظائفنا بدلاً عنا.. الخادمة جاءت لتساعد الأسرة لا لتصنع شخصية الطفل وتكون المسؤولة عن اكل ولبس وغرفة الزوج، والسائق جاء ليقود السيارة لا ليصبح الرفيق اليومي للابن والعائلة وسأقف هنا ولن أتعمق اكثر لانني خصصت هذا المقال عن الابناء. دعونا نرتبها بشكل أبسط: الخادمة توقظه الخادمة تطعمه الخادمة تلبسه السائق يوصله السائق يعيده الخادمة تستقبله الهاتف يسليه الألعاب الإلكترونية تبعده ثم يأتي الأب والأم في آخر المساء ويسألان: ليش عيالنا ما يجلسون معنا؟ والسؤال الحقيقي ربما يجب أن يكون: متى جلسنا نحن معهم أصلًا؟ نحن أمام جيل يتوفر له كل شيء ماديًا، لكنه يعاني فقرًا في الاحتكاك الأسري والاجتماعي غرفة مستقلة هاتف حديث ألعاب مدارس ممتازة خادمة سائق ملابس مصروف كل شيء موجود إلا شيء واحد: الأب والأم في التفاصيل اليومية وهنا لا أتحدث فقط عن العاطفة، بل عن الهوية فالطفل القطري أو الخليجي أو العربي لا يولد وهو يعرف تلقائيًا كيف يسلم على الكبير، وكيف يستقبل الضيف، وكيف يجلس في المجلس، وكيف يحترم كبار السن، وكيف يصل رحمه، وكيف يعرف أبناء عمه وخاله، وكيف يتحدث مع الناس، وكيف يؤدي واجبه في الأفراح والأتراح. هذه ليست معلومات تُحمّل في رأسه كما نحمل تطبيقًا على الهاتف. هذه ثقافة تُعاش يرى أباه فيقلد يرى أمه فيتعلم منها يجلس مع جده يسمع حديث أقربائه يستقبل الضيوف يسلم يسمع يخطئ فيُصحح له وهكذا تتشكل الشخصية لكن إذا أخرجنا الطفل من هذه الدائرة، ثم وضعناه سنوات طويلة بين غرفة مغلقة وهاتف وخادمة وسائق، فلا ينبغي أن نتفاجأ عندما يصبح غريبًا عن التفاصيل التي صنعت مجتمعنا نحن ربما لا نخسر بعض العادات فقط، بل نخسر طريقة انتقالها من جيل إلى جيل البحوث في الخليج ناقشت بالفعل تأثير الاعتماد على الخادمات بوصفهن مقدمات رعاية للأطفال. دراسة منشورة في Journal of Early Childhood Research تناولت هذا النمط في الخليج وأشارت إلى مخاوف وآثار على النمو الاجتماعي والعاطفي عندما تحل الخادمة محل مقدم الرعاية المؤهل أو الأسرة لفترات واسعة. ودراسات أحدث في الإمارات تبحث اليوم حتى أثر وجود الخادمات والمربيات في البيئة اللغوية المبكرة للطفل، لأن من يقضي مع الطفل ساعات طويلة يصبح، طبيعيًا، جزءًا من البيئة التي يكتسب منها لغته وسلوكه وثقافته وهنا يجب أن نكون منصفين ليس كل طفل لديه خادمة سيعاني مشكلة وليس وجود السائق سببًا في فساد التربية وليس كل رعاية غير أبوية سيئة المشكلة في الإفراط في التفويض أن يتحول المساعد إلى بديل نشتكي: عيالنا ما يعرفون الناس ولا الناس تعرفهم طيب هل أخذناهم معنا؟ أبناؤنا انعزاليون ولكن من الذي صنع لهم حياة يستطيعون فيها قضاء يوم كامل داخل غرفة دون حاجة إلى أحد؟ نحن السبب وهناك سؤال أكثر إحراجًا: هل أصبحنا نستخدم الخادمة والسائق أحيانًا كي نتخلص من مشقة الأبوة والأمومة، ثم نشتكي لاحقًا من نتائج غيابنا؟ الأبوة ليست دفع الفواتير والأمومة ليست متابعة كاميرا المنزل عن بُعد لا توجد خادمة، مهما بلغت أمانتها وحبها للأطفال، تستطيع أن تؤدي الدور الثقافي والعاطفي والاجتماعي للأم فلا نظلم الخادمة ونحمّلها مسؤولية تربية لم نمارسها نحن ولا نلوم السائق لأنه أصبح قريبًا من أبنائنا، إذا كنا نحن الذين منحناه ساعات لم نمنحها لهم الحل أن نعيدهما إلى مكانهما الطبيعي في المنزل: مساعدين للأسرة، لا بديلين عنها الطفل الذي لا نعطيه هويته في البيت، سيبحث عن هوية في مكان آخر والطفل الذي لا نعطه وقتنا، سيعطي وقته لمن يمنحه الاهتمام والطفل الذي لا نملأ ذاكرته بنا، سيملؤها غيرنا وربما بعد سنوات نجلس في مجلس ونشتكي: (( عيال اليوم تغيّروا )) الحقيقة الأكثر إيلامًا قد تكون: ليسوا هم فقط الذين تغيّروا.. نحن أيضًا تغيّرنا في طريقة تربيتهم. شكراً ميري.. شكراً كومار
9351
| 06 أكتوبر 2026
نهج.. وبقيمنا نلتزم. توقفت عند هذا الشعار وسألت نفسي: هل نحن فعلًا من يختار ما نراه على هواتفنا؟ نفتح التطبيق لنشاهد مقطعًا واحدًا. وبعد نصف ساعة نجد أنفسنا نشاهد مقاطع لم نبحث عنها ونقرأ آراء لم نطلبها وربما نقتنع بفكرة فقط لأنها ظهرت أمامنا مرات عديدة ثم نعتقد بكل ثقة:أنا اخترت. لكن هل اخترنا فعلًا؟ أطلقت المؤسسة القطرية للإعلام مبادرة نهج بالتعاون مع جامعة قطر وجهات أخرى، لتعزيز الوعي بالمحتوى الرقمي ومسؤولية الكلمة. وجاءت المبادرة في وقت لم تعد فيه المنصات تعرض لنا ما ينشره الآخرون بالترتيب الذي نشروا فيه. فالخوارزميات تتعلم ما يجذبنا والذكاء الاصطناعي يساعدها على فهم اهتماماتنا أكثر. وكلما توقفنا عند مقطع وصلتنا مقاطع تشبهه. ونجد أنفسنا محاطين بأفكار نحبها من دون أن ننتبه إلى ما غاب عنا. لهذا التدريب على الذكاء الاصطناعي يجب ألا يتوقف عند تعلم استخدامه في العمل والدراسة. نحتاج أيضًا أن نفهم أثره في ما نشاهده كل يوم. لماذا وصلني هذا الخبر؟ هل مصدره موثوق؟ وهل أعطيته وقتي لأنه مهم أم لأنه عرف كيف يجذب انتباهي؟. يمكن أن نبدأ التدريب بموقف نعيشه جميعًا. نأخذ خبرًا انتشر على المنصات ونسأل المشاركين كيف وصل إليهم ولماذا صدقوه، وأين وجدوا مصدره. قد نختلف في الإجابات لكننا على الأقل سنتوقف قليلًا قبل المشاركة. الذكاء الاصطناعي يتطور بسرعة. أما قدرتنا على التوقف والسؤال فتحتاج منا بعض التدريب. وهذا أجمل ما تذكرنا به نهج أن يكون لنا نهج واضح ونحن نمسك الهاتف قبل أن يختار لنا الهاتف نهجنا.
1326
| 09 أكتوبر 2026
في بعض المؤسسات، يستطيع مسؤول أن يتخذ قراراً كبيراً من دون الرجوع إلى أحد، لكنه عندما يفشل القرار يقول إن الظروف لم تساعده، أو إن المعلومات التي وصلته كانت ناقصة، أو إن الموظفين لم يحسنوا التنفيذ. وفي المقابل، قد يُحاسب مدير إدارة على نتائج لم يُمنح الصلاحيات اللازمة لتحقيقها. هنا تظهر إحدى صور ضعف الحوكمة: صلاحية تتمدد عند اتخاذ القرار، ومسؤولية تنكمش عند ظهور النتائج. تبدو كلمة الحوكمة، أو Governance باللغة الإنجليزية، وكأنها مصطلح جامعي معقد، لكنها في حقيقتها تجيب عن أسئلة بسيطة: من يملك القرار؟ وإلى أي حد؟ ومن يراقب تنفيذه؟ ومن يتحمل نتيجته؟ أما ضعف الحوكمة (Weak Governance) فلا يعني غياب اللوائح، بل غياب العلاقة الواضحة بين من يملك القرار ومن يتحمل نتيجته. وقد يظهر هذا الضعف في مؤسسة تملك عشرات السياسات واللجان؛ فيتخذ شخص القرار، وينفذه شخص آخر، ويُحاسب شخص ثالث. وفي قلب هذه المشكلة يأتي مفهوم حدود الصلاحيات (Limits of Authority)، أي أن يعرف كل مستوى إداري ما يستطيع أن يقرره، وما يتجاوز سلطته، ومتى يحتاج إلى موافقة جهة أعلى أو مستقلة. هذه الحدود لا توضع لتعطيل العمل أو للتعبير عن عدم الثقة بالمسؤول، بل لحمايته وحماية المؤسسة. فالإنسان، مهما بلغت خبرته، قد يخطئ في التقدير، أو يتأثر بعلاقاته، أو يندفع نحو قرار يبدو جذاباً في لحظته. وحين تخضع القرارات الكبيرة لمراجعة مستقلة ومحددة، تقل احتمالات الخطأ والانفراد وإساءة استخدام السلطة. لكن المشكلة تبدأ عندما تكون الحدود غامضة أو مرنة بحسب الأشخاص. فقد تُطبّق الإجراءات بدقة على مدير، بينما يتجاوزها آخر بسبب قربه من القيادة. وقد يحتاج قرار صغير إلى سلسلة طويلة من التوقيعات، في حين يمر قرار أكثر خطورة بموافقة مسؤول واحد. عندها لا تصبح الصلاحيات نظاماً مؤسسياً، بل امتيازات شخصية. وليست كل الصلاحيات مكتوبة في قرار إداري. ففي بعض المؤسسات يظهر أشخاص لا يملكون منصباً يبرر نفوذهم، لكنهم يؤثرون في التعيينات والعقود والقرارات بحكم قربهم من صاحب القرار. وهذه السلطة غير المكتوبة أخطر من الصلاحية الرسمية؛ لأنها تمارس النفوذ من دون أن تترك وراءها مسؤولاً يمكن مساءلته. تبدأ المسؤولية من مجلس الإدارة. فالمجلس لا يدير العمل اليومي، لكنه يحدد المساحة التي تتحرك داخلها الإدارة التنفيذية. وعليه أن يحدد بوضوح القرارات التي يستطيع الرئيس التنفيذي اعتمادها منفرداً، وتلك التي لا تصبح نافذة إلا بموافقة المجلس، مثل الاستثمارات الكبرى، والاقتراض، وبيع الأصول، والعقود المهمة، والتغييرات الجوهرية في الهيكل والقيادات. إذا ترك المجلس هذه الحدود غامضة، فقد يكتشف بعد وقوع الخسارة أن الإدارة تجاوزت ما كان يتوقعه منها، بينما تقول الإدارة إنه لم يسبق أن مُنعت من ذلك. وهنا تتحول المساءلة إلى جدل حول النيات بدلاً من الرجوع إلى قواعد واضحة. وحتى عضو مجلس الإدارة له حدود. فعضويته لا تمنحه حق إصدار التعليمات المباشرة للموظفين، أو التدخل منفرداً في التعيينات والمشتريات. المجلس يمارس سلطته مجتمعاً، أما تحول بعض أعضائه إلى مديرين من خلف الستار فيربك الإدارة، ويجعل الموظف أمام أكثر من رئيس، ويمنح العضو تأثيراً لا تقابله مسؤولية تنفيذية واضحة. أما الرئيس التنفيذي، فصلاحياته الواسعة لا تعني أنها مطلقة. المؤسسة ليست امتداداً لشخصه، والقرار الكبير لا يصبح آمناً لمجرد أن من اتخذه يتمتع بالخبرة. مسؤوليته أن يعمل داخل الحدود التي وضعها المجلس، وأن يوزع جزءاً من صلاحياته على القيادات تحته بوضوح. وهذا ما يسمى تفويض الصلاحيات (Delegation of Authority). فالرئيس الذي يحتفظ بكل القرارات على مكتبه يعطل المؤسسة ويجعل المديرين ينتظرون توقيعه. وفي المقابل، فإن التفويض الشفهي أو الغامض يفتح باباً للفوضى والإنكار. والتفويض السليم لا يقول للمدير فقط: «أنت مفوض»، بل يحدد ما الذي يستطيع اعتماده، وإلى أي حد، ولمدة كم، ومتى يجب أن يعود إلى مستوى أعلى. ولا يكفي الالتزام بشكل الصلاحية مع التحايل على غرضها. فقد يُقسَّم عقد كبير إلى عقود أصغر حتى لا يحتاج إلى موافقة المستوى الأعلى. يبدو كل عقد سليماً منفرداً، لكن الصورة الكاملة تكشف أن الحدود وُجدت ثم جرى الالتفاف عليها. أما الإدارة الوسطى، فهي غالباً أكثر المستويات تأثراً باختلال هذا التوازن. فقد يُطلب من مدير الإدارة خفض التكاليف وتحسين الأداء، لكنه لا يستطيع اختيار فريقه، أو إعادة توزيع موارده، أو معالجة ضعف أحد موظفيه. ثم يُسأل في نهاية العام: لماذا لم تحقق النتائج؟ لا توجد مساءلة عادلة من دون صلاحية مناسبة. فمن تطلب منه المؤسسة النتيجة، يجب أن تمنحه الأدوات والقرار اللازمين لتحقيقها. أما المسؤولية من دون صلاحية، فهي طريقة للبحث مبكراً عن شخص يتحمل اللوم. ويأتي المدير المباشر، الذي يمارس الحوكمة في تفاصيل تبدو صغيرة لكنها تمس حياة الموظف يومياً: توزيع المهام، واعتماد الإجازات، وتقييم الأداء، والترشيح للترقية والتدريب. ولهذا يجب ألا تُترك هذه الصلاحيات للمزاج أو العلاقات، بل تخضع لمعايير معروفة وإمكانية عادلة للمراجعة. ويمتد وضوح الصلاحيات إلى الموظف أيضاً. متى يستطيع معالجة طلب العميل بنفسه؟ ومتى يجب أن يرفعه إلى مديره؟ وما المعلومات التي يحق له الاطلاع عليها؟ وما الالتزام الذي يستطيع تقديمه باسم المؤسسة؟ الموظف الذي لا يعرف ذلك قد يتردد في كل شيء، أو يتجاوز صلاحياته من دون أن يدرك، ثم لا يتعرف إلى حدودها إلا بعد وقوع المشكلة. أما الإدارات القانونية والرقابية، فدورها التأكد من سلامة المسار والتنبيه إلى المخاطر، لا اتخاذ القرار بدلاً من صاحبه. فمراجعة الإدارة القانونية للعقد لا تعني أنها اتخذت القرار التجاري، وعدم اعتراض إدارة المخاطر لا ينقل إليها مسؤوليته. الاستشارة تساعد صاحب القرار، لكنها لا تحل محله. ومن أبرز علامات ضعف الحوكمة أن نسأل بعد فشل مشروع: من اتخذ القرار؟ فنجد عدداً كبيراً من التوقيعات، ولا نجد مسؤولاً واحداً. هذا وافق فنياً، وذاك راجع قانونياً، وثالث وفر الميزانية، ورابع يقول إنه نفذ فقط. وهكذا تتحول كثرة التوقيعات من وسيلة للرقابة إلى وسيلة لتذويب المسؤولية حتى تختفي. الحوكمة الجيدة لا تُقاس بعدد السياسات والتوقيعات، بل بقدرة المؤسسة على معرفة من اتخذ القرار، وبأي صلاحية، ومن سيجيب عن نتيجته. فحين تتمدد الصلاحية عند النجاح وتنكمش المسؤولية عند الفشل، لا يكون الخلل في قرار واحد، بل في مؤسسة يتعدد فيها المشاركون في القرار، ويختفي المسؤول عند المساءلة.
1116
| 06 أكتوبر 2026