رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ثمة شعوب تُهزم في الميدان، لكنها تنتصر في المعنى، وثمة حروب تنتهي قبل أن تتوقف المدافع، لأن صورتها تستقر في ذاكرة العالم بوصفها امتحانا أخلاقيا لا يمكن الفرار من أسئلته. وفلسطين، بعد ثلاثة أعوام من الحرب المدمرة على غزة، تقف عند واحدة من هذه اللحظات التاريخية القاسية: شعب يدفع ثمنا هائلا من دمه وأرضه وبيوته، فيما تتغير، على نحو غير مسبوق، صورة قضيته في عيون ملايين البشر، وتجد إسرائيل نفسها أمام عزلة متنامية في قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.
في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، خرج أكثر من ربع مليون متظاهر، وفق تقديرات متداولة، إلى شوارع لندن، في مشهد أعاد فلسطين إلى قلب العاصمة التي ارتبط اسمها بوعد بلفور، ذلك الوعد الذي منح الحركة الصهيونية عام 1917 دعما بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، من دون أن يمنح الشعب الذي يعيش فيها حقا مماثلا في تقرير مصيره. وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي تستحق التأمل: بريطانيا التي أسهمت سياساتها في صناعة المأساة الفلسطينية، أصبحت شوارعها اليوم تحتضن حشودا تطالب بإنهاء الاحتلال ووقف تسليح إسرائيل ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.
لم تكن مسيرة لندن مجرد مناسبة لإحياء ذكرى حرب طويلة، بل كانت تعبيرا عن تحوّل في الوعي العام. فالمشاركون الذين جابوا الشوارع من إمبانكمنت وصولا إلى وايتهول، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا هتافات الحرية ووقف التسليح، لم يكونوا جميعا أبناء الجاليات العربية والإسلامية، ولا أصحاب انتماء سياسي واحد. لقد اتسعت دوائر التضامن لتضم نقابيين وطلابا وفنانين وأطباء وناشطين ومواطنين رأوا في ما يجري في غزة قضية تتجاوز الحدود والهويات، وتمس السؤال البسيط الذي يسبق كل الأيديولوجيات: هل يجوز أن يصبح الإنسان، لمجرد أنه فلسطيني، أقل استحقاقا للحياة والأمان والكرامة؟
هذه هي إحدى أهم نتائج السنوات الثلاث: لم تعد الرواية الفلسطينية محصورة في مساحة التعاطف التقليدي، ولم يعد ممكنا احتكار تعريف الصراع أو إسكات الأسئلة بشأن كلفة الحرب على المدنيين، بمجرد استدعاء الأمن الإسرائيلي أو وصم كل احتجاج بالعداء للسامية. لقد كشفت صور الأطفال والبيوت المدمرة والمستشفيات الخارجة عن الخدمة، وما رافق الحرب من معاناة ونزوح وحرمان، الهوة بين الخطاب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والممارسة التي تتردد في تطبيقها حين يكون الضحايا فلسطينيين.
ولم يكن هذا التحول مجرد انفعال عابر أمام الصور. فقد انتقل جزء من الضغط الشعبي إلى الجامعات والنقابات والبرلمانات، وإلى نقاشات بشأن صادرات السلاح والعلاقات التجارية والمسؤولية القانونية. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين اتساع التضامن الشعبي وبين انقلاب كامل في سياسات الدول؛ فالحكومات تتحرك أيضا تحت ضغط المصالح والتحالفات والحسابات الإستراتيجية، وقد تتقدم خطوة وتتراجع أخرى.
لكن المؤكد أن فلسطين لم تعد القضية التي يسهل على العواصم الغربية تجاوزها من دون كلفة سياسية وأخلاقية.
وفي بريطانيا تحديدا، اتخذ هذا التحول أبعادا تتجاوز مشاهد الشوارع. فقد اعترفت الحكومة البريطانية رسميا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، وفرضت إجراءات عقابية على جهات وأفراد مرتبطين بعنف المستوطنين، ثم وسعت في سبتمبر/أيلول 2026 القيود على صادرات يمكن أن تسهم في ترسيخ الاحتلال. ومع ذلك، لا يزال مطلب الحظر الكامل لتصدير السلاح قائما، لأن الناشطين يرون أن الاعتراف السياسي لا يكفي ما دامت أدوات الحرب أو مكوناتها قد تظل متاحة. وهكذا، فإن المسافة بين وعد بلفور والاعتراف بالدولة الفلسطينية لا تختصرها مائة سنة من التاريخ فحسب، بل تختصر أيضا صراعا طويلا بين منطق القوة وحق شعب في أن يكون له وطن.
وعلى المستوى القضائي، لم تعد المساءلة الدولية مجرد مطلب ترفعه المظاهرات. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة. والمذكرات ليست أحكاما بالإدانة، لكنها تعني أن مسؤولين في أعلى هرم السلطة الإسرائيلية باتوا يواجهون مسارا قضائيا دوليا لا يجوز اختزاله في سجال سياسي. كما أن إجراءات المحاكم الدولية لا تعني أن العدالة تحققت؛ فالاختبار الحقيقي هو تنفيذ الالتزامات القانونية، وضمان حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.
غير أن أكثر ما يلفت في هذه السنوات أن الفلسطينيين، رغم المأساة، لم يعودوا مجرد موضوع تتحدث عنه نشرات الأخبار. لقد أصبحوا حاضرين في ضمير جيل جديد، يسأل عن الاستعمار والاستيطان والتمييز، وعن معنى أن تظل قضية شعب معلقة عبر الأجيال، فيما تتغير خرائط العالم وتتبدل تحالفاته.
ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول هذه المكاسب المعنوية إلى عزاء رخيص عن الخسائر البشرية. فالتعاطف لا يعيد طفلا إلى أمه، والمظاهرات لا تبني وحدها بيتا مدمرا، والاعتراف بالدولة لا ينهي الاحتلال تلقائيا. بل إن الفجوة بين اتساع التضامن واستمرار المعاناة تضع العالم أمام مسؤولية أكبر، لا أمام فرصة للاحتفال بإنجاز أخلاقي مكتمل.
بعد ثلاثة أعوام، لا يكفي أن نسأل ماذا فعلت الحرب بغزة؛ علينا أن نسأل أيضا ماذا فعلت بصورة العالم عن نفسه. لقد كشفت فلسطين أن الضمير الإنساني لا يزال قادرا على مقاومة الدعاية، وأن الشعوب تستطيع أن ترى في معاناة شعب بعيد مرآة لكرامتها هي. لكنها كشفت كذلك أن الوعي، مهما اتسع، يظل ناقصا ما لم يتحول إلى فعل سياسي وقانوني يوقف الظلم.
في شوارع لندن، لم يكن العلم الفلسطيني مجرد قطعة قماش ترفرف فوق الحشود؛ كان تذكيرا بأن التاريخ ليس ملكا للقوى التي تكتب وعوده ومعاهداته وحدها، بل للشعوب التي ترفض أن يكون مصيرها قدرا أبديا. وربما كانت المفارقة الأعمق أن فلسطين، التي سعى كثيرون إلى اختزالها في حدود الجغرافيا أو في ملف أمني، أعادت طرح السؤال الذي يختبر إنسانية العالم كله: هل يمكن بناء سلام دائم فوق إنكار حقوق شعب، وهل تستطيع القوة أن تنتصر إلى الأبد على العدالة؟
إن فلسطين لا تحتاج إلى أن ينتصر العالم لها بالكلمات وحدها. تحتاج إلى أن تصبح كرامة الفلسطيني حقيقة سياسية وقانونية، وأن تتوقف الحرب، وينتهي الاحتلال، ويجد الشعب الذي طال انتظاره طريقه إلى الحرية وتقرير المصير. عندها فقط يمكن القول إن صحوة الضمير تجاوزت الشوارع إلى التاريخ.
بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه!
أحياناً لا يصنع التاريخ مفارقاته الكبرى في ساحات المعارك، بل في جملة قصيرة تصدر من عاصمة كانت، قبل... اقرأ المزيد
333
| 11 سبتمبر 2026
الكبار.. كنز في كل دار
لفتني حديث للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، خلال مروره ضيفا على إحدى... اقرأ المزيد
213
| 04 سبتمبر 2026
من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء
لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة... اقرأ المزيد
267
| 26 أغسطس 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
خطاب ليس ككل الخِطابات، بل كان مصارحة وطنية صريحة من حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى ورسالة حازمة تستوجب من كل مواطن ومقيم أن يتوقف عندها طويلًا، وأن يدرك أن المرحلة التي نعيشها ليست كسابقاتها، وأن ما ينتظر العالم من تحديات وتقلبات لا يترك مجالًا للاستهانة أو التراخي أو الاتكال على المكتسبات. لقد خاطب سموه شعبه بوضوح القائد الذي لا يجامل في الحقائق، ولا يخفي التحديات، بل يراهن على وعي شعبه ونضجه وحسه بالمسؤولية. وهذا ما عهدناه من قيادتنا، صراحة في الخطاب، وشفافية في الموقف، ومصارحة مباشرة للمواطن، إيمانًا بأن الشعوب الواعية شريكة في حماية أوطانها. إننا أمام عالم مضطرب، تتبدل فيه الموازين، وتتصاعد فيه الأزمات، وتضيق معه مساحة المنطق والعقل. ولم يعد أحد يستطيع الجزم بمآلات الأحداث، أو كيف ستأتي الأزمات وتنتهي. وحتى الدول التي عاشت عقودًا من الرخاء والاستقرار لم تعد بعيدة عن هذه التحولات. وقطر، رغم ما تنعم به من أمن وازدهار، ليست جزيرة معزولة عن العالم، ولا استقرارها مبررًا للغفلة عما يدور حولها. والحقيقة أن الدولة منذ سنوات لم تتوقف عن التنبيه إلى التحديات والاستعداد للمستقبل، والتأكيد على أن قطر تستحق الأفضل من أبنائها. فقد استثمرت في الإنسان القطري، ووفرت له من الأمن والتعليم والصحة والرفاه والخدمات ما وضعه في مصاف أكثر شعوب العالم رفاهية في وقت قصير جداً. ولم يكن ذلك امتيازًا بلا مسؤولية، بل رهانًا على مواطن يكون عند الشدائد بحجم وطنه، وعند المسؤولية بمستوى ما أُودع فيه من ثقة وإمكانات. وهنا يجب أن نواجه أنفسنا بسؤال لا يحتمل المجاملة: ماذا قدمنا نحن لقطر مقابل كل ما قدمته لنا؟ وهل أدينا واجباتنا بالقدر نفسه الذي نطالب فيه بحقوقنا؟ وهل نحن مستعدون حقاً لكل ما يجري حولنا؟ انتهت مرحلة مواطن يكتفي بالانتفاع من مكتسبات وطنه دون صيانته، ولا بموظف يرى في وظيفته راتبًا وساعات حضور وانصراف، ولا بمسؤول يؤجل القرارات ويتنصل من المسؤوليات. فالتقصير اليوم ليس مجرد خلل إداري، بل ثغرة في جدار امن الوطن وامانه. ولا تقتصر المسؤولية على المواطن وحده، بل تشمل كل مقيم يعيش على أرض قطر وينعم بأمنها واستقرارها. فالمقيم شريك في البناء والإنتاج، والإخلاص في العمل واحترام القانون وصيانة الممتلكات العامة واجبات لا تستثني أحدًا. وإذا كان المواطن يحمل مسؤولية الانتماء والمصير، فإن المقيم يحمل أمانة تجاه بلد فتح له أبواب العيش والعمل والاستقرار. فنهضة قطر مسؤولية كل يد تعمل على أرضها. وليعلم الجميع أن الدفاع عن الوطن لا يكون بالبندقية وحدها؛ فكل موقع عمل ثغر، وكل أمانة مسؤولية، وكل تقصير خسارة. المعلم يدافع بعلمه، والطبيب بإخلاصه، والموظف بإتقانه، والمسؤول بنزاهته، والإعلامي بكلمته. فالكلمة الصادقة سلاح، والموقف المسؤول سلاح، وحماية المال العام سلاح، والإنتاج والانضباط والإخلاص أسلحة تحمي مستقبل الوطن. لقد مرت على الأمم عصور رخاء وشدة، وهذه سنة الحياة، لكن التاريخ لا يخلد من استمتعوا بالنعم فحسب، بل يسجل من حافظوا عليها حين اشتدت الظروف، ومن سهروا وتعبوا وضحوا براحتهم ليبقى وطنهم قويًا عزيزًا. إن قطر اليوم لا تحتاج منا مزيدًا من عبارات الحب والولاء بقدر ما تحتاج ترجمتها إلى وقفة صادقة وعمل وإنجاز ومسؤولية. فالولاء الذي لا يظهر في إتقان العمل، والانتماء الذي لا يترجم إلى عطاء، كلمات لا تحمي المكتسبات. لقد أعطتنا قطر الكثير، وحان الوقت الذي لا نسأل فيه ماذا نريد منها، بل ماذا تستحق منا. فالأوطان لا تضعف حين تقل مواردها فقط، بل حين يتراجع شعور أبنائها بالمسؤولية. والمرحلة لا تحتمل متفرجين، والتاريخ لن ينتظر المتقاعسين.
5523
| 20 أكتوبر 2026
حين نتحدث عن قوة الوطن نفكر في اقتصاده ومؤسساته ومكانته بين الدول. لكن ما مسؤوليتنا تجاه كل هذا؟ وما الذي نقدمه نحن الذين نعيش في هذا الوطن ونستفيد من أمنه وفرصه وما تحقق فيه؟ هذا ما فكرت فيه وأنا أقرأ خطاب سمو الأمير الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمام مجلس الشورى. توقفت عند العلاقة بين صمود الدولة وكفاءة مؤسساتها ومسؤولية أفرادها. فكل واحد منا يتخذ قرارات تؤثر في غيره. ومن مجموع هذه الأدوار يتشكل جانب من قوة الوطن. نستيقظ كل صباح ونذهب إلى أعمالنا. يذهب أبناؤنا إلى مدارسهم ونجد احتياجاتنا متاحة ونكمل يومنا. ومع الوقت نعتاد هذا الانتظام حتى ننسى ما يتطلبه من جهد وتخطيط. لكن وقت التحديات تظهر قيمة الاستعداد وتنكشف أهمية ما بنيناه قبلها. وهنا أسأل نفسي عن علاقتنا بالاستقرار الذي نعيشه. هل ندرك مسؤوليتنا في المحافظة عليه؟ أعتقد أن الإجابة تظهر في تعاملنا مع واجباتنا ومع الموارد التي بين أيدينا ومع مصالح الناس التي ترتبط بقراراتنا. وحين دعا الخطاب إلى مراجعة البرامج وفق أثرها في المجتمع والاقتصاد استوقفني سؤال. ماذا تحقق للناس بسبب ما نفعله؟ قد ننشغل بإثبات أننا أنجزنا المطلوب. لكن هل عالجنا حاجة؟ وهل أحسنا استخدام ما لدينا؟ وهل نقبل تغيير ما لم يحقق الغرض منه؟ هذه المراجعة تحتاج إلى صدق مع أنفسنا. فقد نستمر في أمر لأننا اعتدناه. لكن المسؤولية تقتضي أن نسأل عن جدواه وأن نقدم المصلحة العامة على راحة الاستمرار. وتظهر أمانة المسؤولية أيضا في تقييم الأداء. حين نعطي الجهد حقه ونربط الفرص بالكفاءة نعزز ثقة الإنسان بمؤسسته. فالإنصاف يؤثر في شعوره بقيمة عمله وفي استعداده لتقديم المزيد. أما التعليم فأراه سؤالا عن الإنسان الذي نريد أن يشارك في بناء قطر. هل نمنح أبناءنا مساحة للسؤال والتجربة وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وهل نساعدهم على فهم احتياجات وطنهم واستخدام معرفتهم لخدمته مع الحفاظ على لغتهم وهويتهم. ويمتد هذا الاهتمام بالإنسان إلى دور مجلس الشورى في مناقشة قضايا المجتمع. فالتشريعات تمس حياتنا اليوم وتؤثر في فرص أبنائنا غدا. كما أن تمسك قطر بالحوار والحلول السلمية يتصل بأمن الناس وقدرتهم على بناء مستقبلهم. بعد خطاب سمو الأمير بقي معي سؤال واحد. نحن نعرف ما نتمناه لقطر. لكن ما الذي نقدمه من أجلها؟ الإجابة تبدأ من موقع كل منا ومن مسؤوليته التي يؤديها وهو يعرف أن أثرها يصل إلى غيره.
2598
| 16 أكتوبر 2026
في دوري نجوم بنك الدوحة، لم تعد المشكلة في حجم الإنفاق على المحترفين بقدر ما أصبحت في نوعية الاختيارات. أسماء تصل بسير ذاتية لامعة وتجارب سابقة تمنح الجماهير الأمل، ثم يبدأ الموسم لنكتشف أن الفارق بين ما كنا ننتظره وما نشاهده داخل الملعب أكبر بكثير مما ينبغي. السؤال هنا ليس: كم دفع النادي؟ بل: ماذا أخذ مقابل ما دفعه؟ لسنا ضد التعاقد مع أسماء كبيرة، ولا نقلل من قيمة الخبرة، لكننا ضد تحويل السيرة الذاتية إلى شهادة ضمان، وأن يصبح الاسم أهم من الحاجة الفنية. فالمحترف جاء ليصنع الفارق، لا ليكون مجرد اسم في قائمة الفريق أو مادة للترويج عند الإعلان عن الصفقة. المشكلة أن بعض التعاقدات لا تبدو مقنعة منذ البداية، سواء من حيث ملاءمة اللاعب لاحتياجات الفريق أو قدرته على تقديم الإضافة الفنية المنتظرة. والأكثر إثارة للاستغراب أن الأخطاء تتكرر، وكأن بعض الأندية لم تستفد من تجاربها السابقة، ولم تراجع آليات الاختيار والتقييم بالشكل المطلوب. وتكشف المفارقة بين محترفي السد والغرافة، بما تحمله بعض التعاقدات من أسماء كبيرة وتكاليف مرتفعة، ومحترفي الشحانية ولوسيل الذين يقدمون مردودًا فنيًا مقنعًا بإمكانات أكثر واقعية، عن خلل يستحق التوقف أمامه في آليات الاختيار والاستقطاب. فكيف تنفق بعض الأندية مبالغ كبيرة على أسماء لامعة، ثم لا تجد منها العائد الفني المنتظر، في حين تنجح أندية بإمكانات أقل في الحصول على مردود أفضل؟ هنا لا تكون المشكلة في المال، بل في القرار الذي يسبق التعاقد، وفيمن يتحمل مسؤولية الاختيار. وهنا لا يمكن تحميل اللاعب وحده المسؤولية؛ فهناك إدارة تتولى التفاوض، وجهاز فني يحدد الاحتياجات، ومنظومة يفترض أن تقيّم وتختار وفق معايير فنية واضحة. ونجاح الصفقة أو فشلها يجب ألا يُقاس باسم اللاعب أو تاريخه فقط، بل بمدى الحاجة إليه، وانسجامه مع الفريق، وحجم الإضافة التي يقدمها داخل الملعب. وعندما يفشل التعاقد في تحقيق أهدافه، فمن حق الجماهير أن تعرف أين كان الخلل، ومن المسؤول عن القرار. لسنا بحاجة إلى محترفين أكثر شهرة بقدر حاجتنا إلى محترفين أكثر تأثيرًا. وهذه ليست رفاهية، بل مسؤولية تجاه الأندية والجماهير والبطولة نفسها. فإلى متى تبقى بعض التعاقدات أكبر من مردودها، وتبقى المحاسبة أصغر من حجم الخطأ؟
2361
| 15 أكتوبر 2026