رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عادل الحامدي

مساحة إعلانية

مقالات

186

عادل الحامدي

ثلاث سنوات من حرب غزة.. انقلبت الرواية وبقيت المأساة

12 أكتوبر 2026 , 12:00ص

ثمة شعوب تُهزم في الميدان، لكنها تنتصر في المعنى، وثمة حروب تنتهي قبل أن تتوقف المدافع، لأن صورتها تستقر في ذاكرة العالم بوصفها امتحانا أخلاقيا لا يمكن الفرار من أسئلته. وفلسطين، بعد ثلاثة أعوام من الحرب المدمرة على غزة، تقف عند واحدة من هذه اللحظات التاريخية القاسية: شعب يدفع ثمنا هائلا من دمه وأرضه وبيوته، فيما تتغير، على نحو غير مسبوق، صورة قضيته في عيون ملايين البشر، وتجد إسرائيل نفسها أمام عزلة متنامية في قطاعات واسعة من الرأي العام الدولي.

في العاشر من أكتوبر/تشرين الأول 2026، خرج أكثر من ربع مليون متظاهر، وفق تقديرات متداولة، إلى شوارع لندن، في مشهد أعاد فلسطين إلى قلب العاصمة التي ارتبط اسمها بوعد بلفور، ذلك الوعد الذي منح الحركة الصهيونية عام 1917 دعما بريطانيا لإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، من دون أن يمنح الشعب الذي يعيش فيها حقا مماثلا في تقرير مصيره. وهنا تكمن المفارقة التاريخية التي تستحق التأمل: بريطانيا التي أسهمت سياساتها في صناعة المأساة الفلسطينية، أصبحت شوارعها اليوم تحتضن حشودا تطالب بإنهاء الاحتلال ووقف تسليح إسرائيل ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

لم تكن مسيرة لندن مجرد مناسبة لإحياء ذكرى حرب طويلة، بل كانت تعبيرا عن تحوّل في الوعي العام. فالمشاركون الذين جابوا الشوارع من إمبانكمنت وصولا إلى وايتهول، ورفعوا الأعلام الفلسطينية ورددوا هتافات الحرية ووقف التسليح، لم يكونوا جميعا أبناء الجاليات العربية والإسلامية، ولا أصحاب انتماء سياسي واحد. لقد اتسعت دوائر التضامن لتضم نقابيين وطلابا وفنانين وأطباء وناشطين ومواطنين رأوا في ما يجري في غزة قضية تتجاوز الحدود والهويات، وتمس السؤال البسيط الذي يسبق كل الأيديولوجيات: هل يجوز أن يصبح الإنسان، لمجرد أنه فلسطيني، أقل استحقاقا للحياة والأمان والكرامة؟

هذه هي إحدى أهم نتائج السنوات الثلاث: لم تعد الرواية الفلسطينية محصورة في مساحة التعاطف التقليدي، ولم يعد ممكنا احتكار تعريف الصراع أو إسكات الأسئلة بشأن كلفة الحرب على المدنيين، بمجرد استدعاء الأمن الإسرائيلي أو وصم كل احتجاج بالعداء للسامية. لقد كشفت صور الأطفال والبيوت المدمرة والمستشفيات الخارجة عن الخدمة، وما رافق الحرب من معاناة ونزوح وحرمان، الهوة بين الخطاب الذي يتحدث عن حقوق الإنسان والممارسة التي تتردد في تطبيقها حين يكون الضحايا فلسطينيين.

ولم يكن هذا التحول مجرد انفعال عابر أمام الصور. فقد انتقل جزء من الضغط الشعبي إلى الجامعات والنقابات والبرلمانات، وإلى نقاشات بشأن صادرات السلاح والعلاقات التجارية والمسؤولية القانونية. ومع ذلك، لا ينبغي الخلط بين اتساع التضامن الشعبي وبين انقلاب كامل في سياسات الدول؛ فالحكومات تتحرك أيضا تحت ضغط المصالح والتحالفات والحسابات الإستراتيجية، وقد تتقدم خطوة وتتراجع أخرى.

لكن المؤكد أن فلسطين لم تعد القضية التي يسهل على العواصم الغربية تجاوزها من دون كلفة سياسية وأخلاقية.

وفي بريطانيا تحديدا، اتخذ هذا التحول أبعادا تتجاوز مشاهد الشوارع. فقد اعترفت الحكومة البريطانية رسميا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، وفرضت إجراءات عقابية على جهات وأفراد مرتبطين بعنف المستوطنين، ثم وسعت في سبتمبر/أيلول 2026 القيود على صادرات يمكن أن تسهم في ترسيخ الاحتلال. ومع ذلك، لا يزال مطلب الحظر الكامل لتصدير السلاح قائما، لأن الناشطين يرون أن الاعتراف السياسي لا يكفي ما دامت أدوات الحرب أو مكوناتها قد تظل متاحة. وهكذا، فإن المسافة بين وعد بلفور والاعتراف بالدولة الفلسطينية لا تختصرها مائة سنة من التاريخ فحسب، بل تختصر أيضا صراعا طويلا بين منطق القوة وحق شعب في أن يكون له وطن.

وعلى المستوى القضائي، لم تعد المساءلة الدولية مجرد مطلب ترفعه المظاهرات. فقد أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر/تشرين الثاني 2024 مذكرتي توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم تدخل ضمن اختصاص المحكمة. والمذكرات ليست أحكاما بالإدانة، لكنها تعني أن مسؤولين في أعلى هرم السلطة الإسرائيلية باتوا يواجهون مسارا قضائيا دوليا لا يجوز اختزاله في سجال سياسي. كما أن إجراءات المحاكم الدولية لا تعني أن العدالة تحققت؛ فالاختبار الحقيقي هو تنفيذ الالتزامات القانونية، وضمان حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من العقاب.

غير أن أكثر ما يلفت في هذه السنوات أن الفلسطينيين، رغم المأساة، لم يعودوا مجرد موضوع تتحدث عنه نشرات الأخبار. لقد أصبحوا حاضرين في ضمير جيل جديد، يسأل عن الاستعمار والاستيطان والتمييز، وعن معنى أن تظل قضية شعب معلقة عبر الأجيال، فيما تتغير خرائط العالم وتتبدل تحالفاته.

ومع ذلك، ينبغي ألا تتحول هذه المكاسب المعنوية إلى عزاء رخيص عن الخسائر البشرية. فالتعاطف لا يعيد طفلا إلى أمه، والمظاهرات لا تبني وحدها بيتا مدمرا، والاعتراف بالدولة لا ينهي الاحتلال تلقائيا. بل إن الفجوة بين اتساع التضامن واستمرار المعاناة تضع العالم أمام مسؤولية أكبر، لا أمام فرصة للاحتفال بإنجاز أخلاقي مكتمل.

بعد ثلاثة أعوام، لا يكفي أن نسأل ماذا فعلت الحرب بغزة؛ علينا أن نسأل أيضا ماذا فعلت بصورة العالم عن نفسه. لقد كشفت فلسطين أن الضمير الإنساني لا يزال قادرا على مقاومة الدعاية، وأن الشعوب تستطيع أن ترى في معاناة شعب بعيد مرآة لكرامتها هي. لكنها كشفت كذلك أن الوعي، مهما اتسع، يظل ناقصا ما لم يتحول إلى فعل سياسي وقانوني يوقف الظلم.

في شوارع لندن، لم يكن العلم الفلسطيني مجرد قطعة قماش ترفرف فوق الحشود؛ كان تذكيرا بأن التاريخ ليس ملكا للقوى التي تكتب وعوده ومعاهداته وحدها، بل للشعوب التي ترفض أن يكون مصيرها قدرا أبديا. وربما كانت المفارقة الأعمق أن فلسطين، التي سعى كثيرون إلى اختزالها في حدود الجغرافيا أو في ملف أمني، أعادت طرح السؤال الذي يختبر إنسانية العالم كله: هل يمكن بناء سلام دائم فوق إنكار حقوق شعب، وهل تستطيع القوة أن تنتصر إلى الأبد على العدالة؟

إن فلسطين لا تحتاج إلى أن ينتصر العالم لها بالكلمات وحدها. تحتاج إلى أن تصبح كرامة الفلسطيني حقيقة سياسية وقانونية، وأن تتوقف الحرب، وينتهي الاحتلال، ويجد الشعب الذي طال انتظاره طريقه إلى الحرية وتقرير المصير. عندها فقط يمكن القول إن صحوة الضمير تجاوزت الشوارع إلى التاريخ.

اقرأ المزيد

بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه! بريطانيا تعاقب المستوطنات.. التاريخ يحاسب نفسه!

أحياناً لا يصنع التاريخ مفارقاته الكبرى في ساحات المعارك، بل في جملة قصيرة تصدر من عاصمة كانت، قبل... اقرأ المزيد

333

| 11 سبتمبر 2026

الكبار.. كنز في كل دار الكبار.. كنز في كل دار

لفتني حديث للدكتور إدريس الأزمي الإدريسي، نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية المغربي، خلال مروره ضيفا على إحدى... اقرأ المزيد

213

| 04 سبتمبر 2026

من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء من شتات الفلسطينيين إلى خيمة الغرباء

لليُتم الفلسطيني وجوه كثيرة، وربما كان أقساها أن يهرب الإنسان من الموت في وطنه، فلا يجد في الغربة... اقرأ المزيد

267

| 26 أغسطس 2026

مساحة إعلانية