رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
من المتوقع أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة اليوم بنسبة 0.75 %، ليكون هذا الرفع الرابع من نوعه بهذا الحجم على التوالي، والسادس خلال هذا العام، ليصبح سعر الفائدة الأساسي في نطاق 3.75 - 4% ومن المتوقع أن يواصل ذلك في بقية العام، في محاولاته الحثيثة لكبح جماح التضخم الذي أوشك أن ينفلت من عقاله، عند 8.2 % سبتمبر الماضي.
هدف البنوك المركزية ضبط التضخم
وتتفق معظم البنوك المركزية العالمية على استهداف التضخم، لما لذلك من دور كبير في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وبالتالي النمو الاقتصادي، والاستقرار والرفاة الاجتماعي. أما الاحتياطي الفيدرالي فهو يحاول الموازنة بين استهداف التضخم والتوظيف. وبما أن معدلات البطالة منخفضة عند 3.6 % في سبتمر الماضي، فإن ذلك يتيح له التركيز على هدف استقرار الأسعار. وقد ارتفعت معدلات التصخم كذلك في منطقة اليورو لأعلى مستوى منذ إطلاق اليورو عند 10.7 % في شهر أكتوبر، و8.8 %، في بريطانيا في سبتمبر على أساس سنوي، مدفوعا بشكل أساسي بتضخم أسعار الطاقة والغذاء، وقد رفع المركزي الأوروبي والبريطاني أسعار الفائدة بأعلى معدلات هي الأخرى منذ فترة طويلة، وستواصل ذلك مستقبلا. أما في أمريكا فقد وصل معدل التضخم لأعلى مستوى له في أربعة عقود عند 8.2 %. وقد تضافرت عدة عوامل في ذلك، نتيجة صدمة إيجابية على جانب الطلب (رفع)، قابلتها صدمة سلبية على جانب العرض (خفض) أدت إلى ارتفاع معدلات تضخم، قد يصحبها انكماش لاحقاً، فيصبح ركودا تضخميا، أي انكماشا أو ركودا مصحوبا بتضخم، وهو من الحالات النادرة، إذ عادة ما يصاحب التضخم النمو الاقتصادي القوي، وليس العكس، كما حدث في قطر خلال الطفرة التي سبقت انفحار الأزمة المالية العالمية، فقد كانت قطر الأسرع نموا في العالم خلال تلك الفترة، ولكن كان مصحوبا بمعدل تضخم مرتفع.
مصادر التضخم
أما مصادر التضخم من جانب العرض فهي نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة، والغذاء، والأسمدة (بسبب الحرب الروسية الأوكرانية)، وعودة الإغلاق في الصين، وقبلها تبعات فيروس كورونا الذي دمر جزءا كبيرا من سلاسل الإمداد وقوة العمل وأدى إلى خفض العرض العالمي. أما ارتفاع الطلب فيأتي نتيجة للتعافي من جائحة كورونا، بعد سياسات مالية ونقدية توسعية جداً، وارتفاع الادخار. ولأن هناك طلبا قويا أسرع من استجابة العرض، فإنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وأتت الحرب الروسية الأوكرانية، بتبعاتها على نقص الطاقة والغذاء لتصب الزيت على النار، ولأن جزءا كبيرا من هذا التضخم بسبب صدمة من جانب العرض، بسبب نقص الطاقة والغذاء، فإن البنوك المركزية لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك، ولكنها تحاول معالجته بإحداث صدمة سلبية على جانب الطلب لتثبيطه، والإبطاء من عجلة الاقتصاد، وذلك برفع تكلفة الائتمان من خلال رفع أسعار الفائدة، لكبح التضخم.
إن عدم ضبط التضخم المرتفع، يؤدي إلى انفلات التوقعات التضخمية، ويدخل الاقتصاد في دوامة سباق متسارعة بين الأسعار والأجور، تدخل الاقتصاد في انكماش قد يطول على أية حال كما حدث في السبعينيات، والمركزي الأمريكي والبنوك المركزية الأوروبية، تريد تجنب ذلك، هذا بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية والسياسية للتضخم.
تكلفة ضبط التضخم
ولكن الإشكالية هي في حجم ووتيرة الرفع المتسارعة، والتي لم يحدث لها مثيل منذ عدة عقود، وتأثيرها على القطاعين الحقيقي والمالي في الاقتصاد. بمعنى آخر هل يتسبب ذلك في إدخال الاقتصاد في انكماش، بالإضافة إلى الآثار السلبية الأخرى على أسواق المال والدين والعقار؟ فبأي تكلفة سيتم ضبط التضخم، وهل ستكون مبررة؟ كانت التوقعات بانكماش معتدل مع منتصف العام القادم نحو منطقة السالب، وارتفاع في معدل البطالة من 3.7 % هذا العام إلى 4.4 %، العام المقبل في أمريكا، ولكن يبدو أن هذا السيناريو كان متفائلا.
فلسوء الحظ أن هذه الأزمة أتت بعد فترة طويلة من السياسات المالية والنقدية التوسعية جداً، وتراكم الدين لمستويات عالية، على أثر أزمة كورونا وما قبلها، ولذلك سيكون لمحاولة الخروج منها بهذه الطريقة القوية والمفاجئة، باقتصاد مثقل بالدين، ثمن باهظ، وهو وضع مشابه للأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة ديون أوروبا السيادية عام 2010، إذ ابتدأتا من مستويات عالية للدين. ولن يكون خفض التضخم سلساً وبآثار سلبية محدودة في الأجل القصير، كما كان متوقعا، بل على الأرجح أن تكون على شكل صدمة عميقة وليست بقصيرة الأجل. ويجب ألا ننسى أن هذا الرفع قد ابتدأ من أسعار فائدة مقاربة للصفر، بسبب السياسات النقدية التوسعية لمواجهة أزمة كورونا، بالإضافة إلى ما تم ضخه من سيولة ورؤوس أموال هائلة، وديون مرتفعة في النظام المالي، فلم يكَد الاحتياطي الفيدرالي الخروج من سياسة أسعار الفائدة شبه الصفرية والتيسير الكمي لضخ كميات عاملة من رؤوس الأموال، خلال فترة الأزمة المالية العالمية من 2016-2008، حتى عاودها خلال أزمة كورونا عام 2019.
أزمة مالية جديدة
فمع حجم الدين الكبير، وفي جميع القطاعات الاقتصادية - القطاعين العام والخاص؛ العائلي، والشركات والمؤسسات المالية وغير المالية؛ والحكومات والدول، فإن رفع سعر الفائدة بهذا القدر والوتيرة، سيخلق أزمة ديون وضغوطات مالية كبيرة، ويرفع من حالات الإجهاد في النظام المالي. وهذا سيؤثر سلبا على أسواق العقار والمال، وعلى مقدرة القطاع العائلي وقطاع الأعمال المالية، وسيخفض الاستهلاك والإنفاق ويطمس الاستثمار من جهة، ومن جهة أخرى سيرفع تكلفة خدمة الدين. وبالتالي هذا سيقود إلى نفس النتيجة وسيجعل الانكماش أسوأ، ولذلك المركزي الأمريكي والبنوك المركزية في مأزق. فهدفها الأساسي هو ضبط التضخم، وإن لم تفعل فسيخرج التضخم عن السيطرة، بآثارة الاقتصادية والاجتماعية المدمرة، وإن فعلت فسيحدث ذلك أزمة مالية ثم اقتصادية، ثم انكماش عميق، والسبب هو حجم الدين الهائل في النظام المالي. فالدين يكاد يكون هو في قلب كل أزمة مالية، فمعظم الأزمات المالية تاريخيا، سبقها عاملان، هما توسع مفرط في منح الائتمان، وتضخم في أسعار الأصول. وبالتالي فإن محاولة ضبط التضخم الآن، بحسب هذا السيناريو، ليس فقط سيحدث صدمة اقتصادية كبيرة، بل إنكماش عميق، وانهيار في أسواق الأصول – العقار والمال بجميع أنواعها. وفي هذه الحالة سيغذي انهيار القطاع المالي، القطاع الحقيقي، وسيكون هناك أثر متبادل بين الاثنين يقود إلى انهيار مالي اقتصادي. فما كاد الاقتصاد العالمي أن يتعافى من أزمة جائحة كورونا، حتى أصيب بأزمة اجتياح روسيا لأوكرانيا.
قطر ودول الخليج
ولأن البنوك المركزية الخليجية تثبت عملاتها أمام الدولار الأمريكي، فلا يوجد لديها خيار سوى اتباع سياسة الاحتياطي الفيدرالي النقدية.
وحاليا يوجد توافق في التوجهات التضخمية بين دول الخليج وأمريكا، جزئياً، بسبب ارتفاع، مداخيل النفط في الأولى، وأسعاره في الثانية، فالرفع عموما في الاتجاة المناسب الآن، عكس التفارق الذي حدث في الدورة التضخمية التي سبقت الأزمة المالية العالمية 2008، وجزء من التضخم الخليجي محلي والآخر مستورد بسبب ارتفاع الأسعار الدولية، وبالتالي هو متسق مع التضخم العالمي. ولكن حجم ووتيرة الرفع المتسارع في أسعار الفائدة الأمريكية، سيكون له آثار سلبية على أسواق المال والعقار والدين الذي سترتفع تكلفته على المقترضين، وأسواق المال أيضا ستتأثر سلبا بهبوط أسواق المال العالمي، لكن ذلك لن يقود إلى انكماش، خصوصا في قطر.
الدول العربية والاقتصادات النامية والمتحولة
أما الدول العربية الأخرى فستصاب بصدمة ثلاثية: ارتفاع أسعارالغذاء، وارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أسعارالفائدة وتكلفة الائتمان وخدمة الدين، وسيؤدي ذلك إلى خروج في رؤوس الأموال من هذه الدول، وإلى انخفاض قيم عملاتها، وبالتالي أيضا المزيد من ارتفاع معدلات التصخم وارتفاع تكاليف خدمات الديون المقومة بالدولار، وستحد هذه العوامل من التعافي من أزمة كورونا وربما يدخل بعضها في انكماش عميق أو ركود تضخمي اعتمادا على حدة هذه العوامل، وكذلك الحال بالنسبة للاقتصادات النامية والمتحولة، فبالإضافة إلى معدلات التضخم المرتفعة بسبب نقص الطاقة والغذاء، فإنها أيضا ستواجه حركة عكسية بخروج رؤوس الأموال وهبوط أسعار صرفها، وبالتالي المزيد من ارتفاع معدلات التضخم مع ارتفاع تكلفة الديون الدولارية، وقد يدخلها في انكماش، أو ركود تضخمي.
متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي
آفة التسويف..
كما أن أخطر عدو للإنسان هو ذلك العدو الذي يلبس ثوب الصديق، فإن أخطر الأفكار عليه تلك التي... اقرأ المزيد
81
| 11 أبريل 2026
فاتورة مرتفعة
لم يعد ارتفاع الأسعار في دول الخليج مجرد أرقام تُنشر في التقارير الاقتصادية، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض... اقرأ المزيد
57
| 11 أبريل 2026
قطر قدها بإذن الله
برنامج وحلقة نارية سُميت بـ "على خط النار" وبُثت على قناة الجزيرة مساء الجمعة أظهرت دهاليز الهجمات الإيرانية... اقرأ المزيد
90
| 11 أبريل 2026
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
في صباح أحد أيام أكتوبر 1973 توقفت إشارات المرور في شوارع لندن، وأُطفِئت المصابيح في مكاتب نيويورك، وهرع سكان طوكيو إلى محطات الوقود بدراجاتهم، لم يكن ذلك مشهدًا من فيلم خيال علمي بل كان أول درس حقيقي للعالم في جغرافيا الطاقة، تزايد المخاطر المحيطة بالبنية التحتية للطاقة يدفع نحو التفكير في إنشاء مشروع عربي- خليجي- دولي تكون مهمته حفظ أمن المضائق المائية وخطوط الإمداد وسلاسل التوريد، لا عبر التركيز على الأمن الميداني فحسب من تأمين السفن والأنابيب، بل عبر إدارة عقلانية للعرض والطلب وبناء منظومة توازن جديدة تمنع الأزمات، فوجود كيان أممي مفتوح يشارك فيه المصدرون والموردون على حد سواء، بحيث يضم المنتجين للنفط والغاز والمستهلكين من أمثال الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وأوروبا والولايات المتحدة لتشكيل إطار مؤسسي لا يقتصر على المنطقة فحسب بل يتسع للعالم. أهمية الطاقة للحضارة الانسانية من الصناعات الحديثة والدقيقة إلى الذكاء الآلي، تعتمد على الصادرات الخليجية، وهذا يحتم وجود اطر لادارة الشأن الخليجي، فالفراغ يدفع الدول والآخرين لتعبئته خاصة لاهمية منطقة الخليج التي هي مصدر الكثير من لقيم المصانع الحديثة والآلات والأجهزة الحديثة فمن النفط ومنتجاته الى الغاز والطاقة النظيفة ومنتجاتها مثل البتروكيماويات واهميتها للصناعات الحديثة والاسمدة واهميتها للزراعة والمنتجات الاخرى مثل الهيليوم والنافتا والالومنيوم والصناعات الاخرى، كل هذه المواد تنتج في الخليج وتخرج من مضيق هرمز، هناك اكثر من ٢٠٪ من الطاقة العالمية تخرج من مضيق هرمز واكثر من ١٣٪ من حاجة البشرية للزراعة في شكل اسمدة من المنطقة والنيتروجين والامونيا والهيليوم الذي تحتاجه صناعات الشرائح، كل هذه المنتجات ومع اهميتها وهذا الغنى والتنوع في المنتجات وحاجة اسواق العالم لها لكنها تقع في منطقة لا تتمتع بهياكل تنظيمية قادرة على ضبط امن هذه الصناعات ولا ضبط ايقاعها للاسواق ولا ضبط موازين العرض والطلب وهذه امور ضرورية لحيوية الاقتصاد العالمي ولاستقراره، دون وجود منظمة لحماية الطاقة ما بين ضفتي الخليج تظل الامور ارتجالية ولا تخضع لقواعد تنظيمية تمنح المصدرين والمستوردين ودول المنطقة مستوى من الامان لضمان استقرار سلاسل التوريد. ومثل هذه الاحداث الاخيرة في المنطقة والحرب على ايران هي ناقوس خطر اذا لم تأخذ دول المنطقة المبادرة لانشاء منظمة لحماية الطاقة تقوم بحفظ التوازنات وضبط القواعد وانشاء الكيانات القادرة على توفير الامن وتوفير القدرة على ادارة مختلف القطاعات فبامكانها تأمين المضائق المائية وبامكانها انشاء منظمات او مؤسسات لتأمين ناقلات النفط والشحن من السلع المغادرة من المنطقة والمتجهة لمختلف دول العالم مع غنى منطقة الخليج ولكنها ايضا تقع في وسط القارات مما يجعلها حلقة وصل اما لحركة السفر او لحركة البضائع ومصدر الطاقة، تحتاج المنطقة لمؤسسات للتأمين وللتمويل ولدراسة الجدارة الائتمانية ووضع منظومة لتحسين المناخ الاستثماري لتحتوي على كل ما يمكنه ان يوفر الامان للاسواق العالمية والاقتصاد العالمي. هذا الكيان يمكن أن يبدأ بخطوة عملية عبر الدعوة إلى قمة تأسيسية في الدوحة يتم فيها التوافق على اتفاقية إطار مؤسسي تحدد المهام والصلاحيات، ويقوم بنيته على مجلس أعلى يتكون من خمس عشرة دولة، خمس منها أعضاء كبار بخدمة ثابتة لخمسة أعوام وعشرة أعضاء يتم تداولهم سنويًا، إلى جانب مجلس استشاري يضم خبراء في الطاقة والجيوسياسة والاقتصاد، ومراكز بحوث وبيوت خبرة تعنى بتجميع البيانات وتحليلها وصناعة التصورات المستقبلية التي تساعد صناع القرار على إدارة المخاطر. وسيكون من صلاحيات هذا الكيان الدعوة إلى المؤتمرات والورش ووضع الاستراتيجيات والرؤى التي تجمع الحكومات بقطاع الاعمال والمستثمرين من أجل صياغة سياسات شاملة لأمن الطاقة. ولا يقتصر دوره على الجانب الأمني وإنما يمتد إلى وظائف اقتصادية ومؤسساتية، مثل تأسيس شركات تأمين لتغطية المخاطر التي تواجه ناقلات النفط والغاز وخطوط الأنابيب والبنى التحتية، وإنشاء مصارف متخصصة لتمويل مشاريع الطاقة التقليدية والمتجددة، بالإضافة إلى وكالات ائتمان للطاقة تقوم بجمع المعلومات وتحديد المخاطر وتوفير قاعدة بيانات موحدة دولية، فضلًا عن منصات استثمارية يمكنها جذب رؤوس الأموال نحو البحث والتطوير وتشجيع التكنولوجيا النظيفة. إن أمن الطاقة يرتبط بشكل مباشر بأمن الملاحة البحرية في مضائق حيوية مثل هرمز وباب المندب وقناة السويس وجبل طارق، وأي اضطراب في هذه النقاط التاريخية قد يشعل أزمة اقتصادية أو صراعًا عسكريًا، ولذلك فإن مشاركة جميع اللاعبين الإقليميين بما في ذلك إيران ستكون ضرورية لتأمين شراكة شاملة تضمن أن يكون أمن الطاقة مصلحة جماعية شاملة لكل الأطراف بشكل مغاير لاوبك وأوبك بلس. الغاية من هذا المشروع هو تأمين الطاقة عالميًا ومنع التجاوزات والصدامات التي تؤدي إلى حروب، وتمكين العالم من دخول حقبة نمو اقتصادي آمن ومستدام قائمة على إدارة عقلانية بعيدًا عن محاولات الهيمنة أو الاستغلال، وهو ما يمكن أن يجنب المنطقة والعالم مخاطر الصدام الكبرى مثلما شهدنا في المواجهة بين إيران وأمريكا وما تحمله من تهديد نووي. هذا الطرح يمثل ورقة إطار عام تصلح للانطلاق نحو بناء هيكل تفصيلي أكثر وضوحًا للحوكمة والتمويل والتمثيل السياسي، لكنه في صورته الراهنة يقدم تصورًا عمليًا لعقد جديد للطاقة يعتبر أن أمن الطاقة هو أمن جماعي وعالمي وليس شأنًا محصورًا بالمنتجين أو المستهلكين، بل مسؤولية مشتركة تؤسس لمرحلة جديدة من الاستقرار والتنمية.
11622
| 06 أبريل 2026
في ظل الإيقاع السريع المحموم لهذا العصر، تلاشت معضلة الوصول إلى المعلومة كما كان الحال في السابق، فلم تعد المشكلة في ندرة المعلومات، بل ربما أصبح الإفراط في توفرها هو التحدي الحقيقي. وبيان ذلك، أنه يمكن للمرء بضغطة زر أن يمثل أمام بصره آلاف المقالات والبحوث، ويشاهد مئات المقاطع المرئية، ويستمع خلال دقائق معدودة إلى حشد من الآراء في مسألة واحدة، إذ أسهمت البيئة الرقمية الحديثة والمحتوى السريع في تشجيع استهلاك المعرفة في شكلها الأسهل. بيْد أن هذا التدفق الهائل للمعلومات لم ينتج وعيًا أعمق، بل أفرز ما يمكن أن نسميه بوهم المعرفة السطحية، حيث يظن مستخدم الشبكة العنكبوتية أنه أوغل في الثقافة والمعرفة، بينما هو في حقيقة الأمر لا يمتلك سوى قشرة رقيقة من الفهم، قشرة لامعة. خطورة هذا الوهم أنه لا يقوم على الجهل الصريح الذي يمكن معالجته، وإنما على فكرة الإحساس الزائف بالمعرفة، فهو يتحدث بثقة كمن ألمَّ بأطراف الموضوع أو القضية، ويصدر حولها أحكامًا، مستندًا في ذلك إلى سياق مبتور أو فهم غير مكتمل أو آراء شاذة، فيحدث لديه الخلط بين الاطلاع والفهم، وبين المعرفة والاستيعاب، فتتكون قناعاته الهشة التي تبدو صلبة في ظاهرها لكنها تتهاوى أمام أول اختبار حقيقي. ولئن كان الجاهل يمكن أن يزيل جهله بالتعلم عندما يعترف بجهله، فإن هذا المتعالم مدعي الثقافة على يقين من أنه يعلم، فمن ثم لا حاجة به إلى التعلم. يبرز هذا الوهم بوضوح في النقاشات العامة التي تتناول قضايا حيوية بثقة مفرطة وتستخدم خلالها مصطلحات قد لا يدرك قائلها أو كاتبها معناها الكامل ولا مغزاها ولا مدلولها لدى أهل الاختصاص، ومع تكرار الاستخدام، يتعزز الإحساس بالمعرفة، رغم غياب الفهم الحقيقي. الإعلام يسهم أحيانا في تعزيز هذا النمط وتكريس السطحية، عبر تقديم تحليلات مختزلة خاطفة تفتقر إلى العمق، وبدورها تميل المنصات الثقافية إلى تفضيل المحتوى الخفيف الذي يركز على اجتذاب أكبر عدد من المتابعين ولو أتى الطرح على حساب الجودة. ينتج عن هذا الوهم، ضعف القدرة على التفكير النقدي، فصاحب القشرة اللامعة الذي يتوهم الإحاطة والمعرفة والثقافة يكون أقل استعدادا للنقد الذاتي والمراجعة، بل يميل دائما لتعزيز قناعاته دون الاستماع إلى الآراء المختلفة، فيتحول الحوار إلى تبادل مواقف جاهزة وينأى عن كونه عملية بحث مشتركة تهدف إلى الوصول إلى الحقيقة. كما تكمن خطورة وهم المعرفة السطحية في أنها تسهم في انتشار المعلومات المغلوطة، فحين يتشارك أسارى المعلومة السريعة أي محتوى دون التحقق منه، والذي قد يكون مغلوطا أو مجتزءًا من سياقه، فحينئذ يسهمون في تضليل الآخرين، ومع سرعة انتشار المعلومات يصبح تصحيح الخطأ أكثر صعوبة، خاصة إذا كان مرتبطا بقناعات راسخة. لكن الحل ليس في رفض ونبذ المعلومة السريعة أو الانسحاب من الفضاء الرقمي، فهذا الفضاء يتيح فرصا هائلة للتعلم والانفتاح والارتقاء، لكن المطلوب هو الانتقال من الاستهلاك السريع للمعلومات، إلى التفاعل الواعي والفهم العميق. ويبدأ هذا التوجه من إدراك المرء لحقيقة معرفته، والإيمان بأهمية التخصص واللجوء إلى المتخصصين في الميادين المختلفة، ولا يعني هذا على الإطلاق التخلي عن التفكير وإعمال العقل، بل يعني ممارسة النشاط الثقافي والمعرفي بشكل أكثر نضجا. كما ينبغي للمحاضن العلمية والثقافية تعزيز مهارات التفكير النقدي القائم على طرح الأسئلة وتحليل المعلومات والتمييز بين المصادر، والانتقال من التلقين إلى تنمية القدرة على الفهم والتحليل. إضافة إلى ذلك، يجدر تشجيع القراءات المتأنية الطويلة التي تتيح للإنسان فرصة التفاعل مع الأفكار وفهم سياقاتها، والربط بينها، ويساعد على ذلك إعادة الارتباط بالكتاب، والذي تراجعت أهميته بشكل نسبي أمام الوسائط الرقمية. وفي هذا السياق، ينبغي الحذر من الاستهلاك العشوائي، والاتجاه إلى اختيار مصادر موثوقة للحصول على المعلومة، وعدم التسرع في إبداء الرأي خاصة في القضايا الحساسة التي تتطلب فهما أعمق.
3204
| 05 أبريل 2026
إن تعيين الموظف بجهة إدارية أو حكومية يستلزم تسخير مجهوده العملي في خدمة تلك الإدارة وتفادي ممارسة أي عمل آخر من شأنه يتعارض مع مصلحتها أو يضر بها لحساب ذلك الموظف، لذلك فقد وضع قانون الموارد البشرية المدنية مجموعة من الضوابط اعتبرها محظورات على كل موظف يعمل بجهة حكومية تحت طائلة المساءلة التأديبية. وقد أوضح هذه الممارسات المحظورة على الموظفين على سبيل المثال في المادة 80 من القانون المذكور ثم جاءت المادة 81 منه بمقتضى شامل يحظر على الموظف أي عمل يمكن اعتباره متعارضا مع مصلحة الإدارة. أما الأفعال المعتبرة محظورة قطعا فهي إتيان أي فعل يتعارض مع أي قانون أو لائحة معمول بهما وإهمال المهام الموكولة للموظف، وإفشاء الأسرار المهنية والمعلومات الداخلية حتى بعد ترك الخدمة باستثناء حالة الحصول على إذن كتابي من الرئيس، والاحتفاظ بوثائق ومستندات تخص الخدمة. كما تعتبر من الأفعال المحظورة على الموظف الإساءة إلى الدولة بواسطة توقيع عرائض أو الانتماء لجهات محظور التعامل معها، ويمنع عليه كذلك وهو على رأس وظيفته أن يقدم خدماته لجهة عمل أخرى إلا إذا حصل على إذن مسبق من الرئيس التنفيذي إذا كانت الجهة غير حكومية، أما بالنسبة للعمل بجهة حكومية أخرى بالتزامن مع العمل بوظيفته فيتطلب الإذن له بهذا الاستثناء الحصول على موافقة من رئيس مجلس الوزراء. أما بالنسبة لممارسة الموظف أعمال التجارة والحصول على الأرباح من التعاقدات فإنه محظور عليه هذا الأمر إذا كان في ذلك تعارض أو مساس بمصلحة الجهة التي تم توظيفه فيها، أو التي تكون تلك الجهة طرفا فيها حتى لو لم تكن في هذه الحالة مصالح الموظف متعارضة معها. ومن جهة أخرى فالموظف ملتزم بعدم إتيان الأعمال التي تدخل في مخالفة مبادئ الشرف والأمانة مثل استغلال النفوذ والتأثير على الموظفين وتحريضهم على تجاوز النصوص القانونية واللوائح المعمول بها، وكذلك ممارسة الأعمال التي تعتبر من قبيل الرشوة بسبب استغلال المنصب الوظيفي لتحقيق أغراض للغير مخالفة للقوانين واللوائح. وعلى العموم ففي حال ثبوت ارتكاب الموظف للأمور المحظورة عليه بحكم القانون فإنه يترتب على ذلك قيام مسؤوليته التأديبية، وفي بعض المحظورات فإن المساءلة تكون تأديبية وجنائية في نفس الوقت، لأن المحظورات المنافية لمبادئ الشرف والأخلاق مثل استغلال النفوذ والرشوة تعتبر جرائم يعاقب عليها القانون بعقوبات قد تكون حبسية.
1557
| 06 أبريل 2026