رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ظلت دول الخليج لفترات طويلة عرضة لمخاطر إعاقة الملاحة عبر مضيق هرمز الحيوي الذي تعبر منه معظم وارداتها من العالم، ومعظم صادراتها له من الطاقة، ونحو ربع إمدادات العالم من الوقود الأحفوري (النفط والغاز). ظلت كذلك، إما تحت رحمة خصومها، أو ابتزاز من يفترض أنه حليفها، حتى وقع ما وقع ونفذت إيران وعيدها وتهديدها بإغلاق المضيق في تصعيد لحربها مع أمريكا وإسرائيل باستخدام إمدادات الطاقة من المنطقة كسلاح لرفع تكلفة الحرب على المنطقة، وتوسعتها لتشمل أمريكا نفسها والعالم أجمع في محاولة للضغط على من شنها لإيقافها، ولكن رب ضارة نافعة. فلعل محاولة خنق دول مجلس التعاون عبر هذا المضيق الآن، تدفعها لإنجاز ما كان يفترض إنجازه من مشاريع تكامل اقتصادي واستراتيجي طال انتظارها بينها، خاصة بعد الحروب والأزمات السابقة التي شهدتها المنطقة خلال العقود الماضية. فلعل تبعات هذه الحرب، وتكاليفها الباهظة، تبرر الآن التكاليف الاقتصادية والسياسية التي عادةً ما تشكل عائقا أمام دخول الدول في مثل هذه التكاملات الاقتصادية والدفاعية والاستراتيجية. فما من شك أن هذه الحرب، كسابقاتها من الحروب والأزمات السابقة في المنطقة، تثبت أن مصير هذه الدول، مهما اختلفت، واحد، وأن تحدياتها المستقبلية واحدة، وأن عدوها الحقيقي مشترك. لقد قطعت دول الخليج الغنية أشواطاً متقدمة في تطوير البنى التحتية والتنمية والخدمات العامة، ولكن ذلك لا يكتمل وغير قابل للاستدامة دون التكامل الاقتصادي والإستراتيجي فيما بينها، الذي دون شك لو كان قائماً اليوم لخفض كثيراً من تكلفة هذه الحرب عليها، ولكن رب ضارة نافعة. فلعل هذه الأزمة تدفع دول المجلس بالضرورة إلى التكامل في مجالات الطاقة وتصديرها، والإنتاج وتنويعه، والأسواق، والنقل والموصلات وغير ذلك، ومنها فتح منافذ لتصدير النفط الخليجي الذي كنا نقول سابقا عبر البحر الأحمر وبحر العرب، والآن نقول عبر البحار الثلاثة، بإضافة البحر المتوسط بعد تحرير سوريا من نظام عائلة الأسد، والربط بشبكة إمداد للغاز القطري بين دول المجلس، وعبرها إلى أوروبا وغيرها من مناطق العالم، والربط بشبكات الكهرباء، وسكك الحديد لنقل الركاب والبضائع بين دول المجلس، والعمل على تنويع اقتصاداتها وتكامل أسواقها وعوامل الإنتاج فيها، وغير ذلك من تكاملات في البنى التحتية الإستراتيجية. لعل دروس الماضي وتجارب الحاضر من حروب وأزمات، تدفع دول المجلس بالضرورة نحو إنجاز هذه الأهداف الإستراتيجية بعيدة المدى، فالأزمات، كما يقال، تقود إلى إصلاحات، كما أن التنويع الاقتصادي، الذي ظل حبيس تجاذبات دورات الرواج والانكماش النفطية لعقود، لا يأتي إلا بالضرورة حسب قناعتي من تجارب الدول السابقة diversification by necessity، والتنويع والتكامل الاقتصاديان توءمان لا غنى لأحدهما عن الآخر، ولا غنى لدول الخليج عنهما معاً. فنموذج النمو الريعي الخليجي القائم منذ عقود، غير قابل للاستدامة على أية حال في أوقات السلم، فما بالك بأوقات الحرب؟! ويكمل التنويع والتكامل الاقتصاديين، التكامل الدفاعي بين دول المجلس، وبناء قدراتها الدفاعية الذاتية المشتركة، وإعادة النظر في تحالفاتها السابقة، وبناء شراكات وتحالفات مبنية على الثقة والاحترام المتبادل، ومصالح إستراتيجية بعيدة المدى، تسهم في تحقيق أمنها واستقرارها، ورفاه شعوبها في الآجل الطويل.
633
| 25 مارس 2026
نواصل الحديث عن أسباب هلاك الأمم ولماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟ .4 وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ – فصلت (51) وهنا تأكيد للشرح السابق، فالإنسان عندما ينعم الله عليه ويستغني ينسى ويصيبه الغرور والكبر. والكبر، بطر وإنكار، نتيجته الإعراض عن المنعم، أي إنكار فضله والابتعاد عنه ظنا منه لم يعد بحاجة إليه. .5 وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ – النحل 112 * وهنا تفسير آخر وأوضح لما نقول، وهو هذه القرية التي كانت تنعم بالأمن والاستقرار والرفاه الاقتصادي، متعدد المصادر، ولكنها كفرت بتلك النعم، ولم يقل إنها كفرت بالله مباشرة، وذلك بعدم شكر النعم، أي عدم الاعتراف بها للمنعم أو بالنسيان، الذي يترتب عليهما عدم طاعته فيما أنعم. فتبدل الحال، فانقطعت مصادر الإمداد، وذهب الأمن والاستقرار. والطمأنينة هي السكينة والاستقرار، وهو أمر مرتبط إلى حد كبير بالارتياح للتوقعات المستقبلية وعدم القلق، أو حالة اليقين عن المستقبل، وهو شرط للاستثمار والتجارة، والرواج والازدهار. * ولاحظ هنا أن الأمن والاستقرار يأتيان أولا، في أول الآية، وهما شرطان لضمان الإمداد والإنتاج، ورواج التجارة والازدهار؛ وفي آخر الآية، ونتيجة للكفر، يأتي الجوع قبل الأمن، والجوع أشد بطبيعة الحال لأنه يمثل تهديدا مباشرا لحياة الإنسان، وهذا يتفق مع مثلث مازلو الشهير للاحتياجات البشرية، الذي يضع الجوع أو الحاجة إلى الطعام قبل الأمن. كما أن المجاعة، ويمكن تصنيفها كمرحلة متقدمة جداً من مراحل الركود أو الانكماش الاقتصادي الحاد، وندرة الإنتاج وتعطل الإمداد، وتمثل تهديدا مباشرا للأمن والاستقرار الداخلي، فلا أمن ولا استقرار ببطون خاوية. وقد رأينا اندلاع كثير من الاحتجاجات والمظاهرات والثورات وحالات عدم الاستقرار، وارتفاع معدلات الجريمة وزعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي، بسبب غلاء الأسعار ونقص المواد الأساسية، وتدهور مستويات المعيشة. وأسباب المجاعة قد تكون متعددة وأشمل وأكثر تعقيداً من فقدان الأمن أو زعزعة الاستقرار. فقد تكون بسبب كساد، أو فساد مستشرٍ، أو خلل أو أزمات اقتصادية، أو أوبئة أو كوارث طبيعية، أو جدب وقحط، أو حصار أو حرب، أو غير ذلك. * والخلاصة أن الأمن والاستقرار شرطان للرفاه الاقتصادي، ولكنهما غير كافيين لضمان استدامته. كما أن الرفاه الاقتصادي لازم ولكنه غير كافٍ لضمان الأمن والاستقرار. الملفت في هذه الآية، أيضا هو أن الرزق يأتي لهذه القرية من كل مكان، ومن غير المعلوم إن كان المقصود أنها لا تنتجه، ولكنه يجلب إليها عن طريق وسائط الإمداد، كما يبدو من ظاهر الآية، وكما هو حال مكة كما يشير بعض المفسرين إلى أنها القرية المقصودة في الآية، أو أنه يأتي إليها سواء كان إنتاجا محليا أو مستوردا، وهو أعم وأشمل، فهو رزق أتى إليها بقدرة الله ومشيئته. وعلى الأرجح أن القرية لا تنتج، ولكن تأتيها احتياجاتها ورزقها إلى عندها وكأنها هدية مهداة، وهذه ذروة النعمة وأوجب للشكر، وإن كان المقصود بالقرية هو مكة، فهذا لا يمنع من تعميم التجربة لأخذ العبر والدروس، بل لذلك ضربها الله مثلا يبقى على مر العصور، كقريةٍ أيا كانت. * ولكن إن كان مصدر الرزق خارجيا بالمعنى الحرفي، أي إمدادا من خارج دائرة الإنتاج المحلي، فهذه هي صفة الدولة الريعية بالمصطلح الاقتصادي الحديث، إذ تُّعرف بتلك التي تحصل على دخلها من مصدر خارجي، أي ذلك الذي يتخطى دائرة الإنتاج المحلي، كأن تكون مداخيل بيع في الخارج لموارد طبيعية استخرجت محليا، أو إعانات أو تحويلات من الخارج، أو نحو ذلك. ويبدو أن هذا هو أقصى درجات النعم، إذا كنت لا تنتج أو ليس لديك القدرة ولا إمكانية الإنتاج، لأية أسباب كانت، كشح الموارد الطبيعية، من مياه أو أراضٍ خصبة أو طبيعة قاسية، أو غير ذلك، ولكن يهيئ لك الله أن يأتي إليك رزقك رغداً دون عناء ومشقة، فهذه من أجلّ وأتم النعم التي تستوجب الشكر، وهذه من سمات الاقتصادات الريعية، كما هو حال مكة قبل الإسلام، وكما هو حال الدول الريعية اليوم، وهذا أوجب لشكر النعم، ومكة كانت لا تنتج غذاءها ولا تنتج شيئا، ولكن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء (أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا)، وهنا الأمن أتى قبل، والرزق بعده خاص من عند الله، وهو حال مشابه لحال الدول التي لا تكاد نتنج شيئا، ولكنها تستخرج النفط والثروات المعدنية وتبيعها في الخارج، وتستورد في المقابل كل ما تحتاج إليه (من سلع استهلاكية، ورأسمالية، وعمالة من الخارج)، ويأتيها كل شيء من شتى بقاع الأرض، وهي لا شك أنها تنعم قبل ذلك بالأمن والاستقرار في بحر متلاطم حولها بعدم الاستقرار، ولو تغير شيء من ذلك، لربما تغيرت الأحوال، فهذه قمم من النعم تستوجب الحمد والشكر، والعمل الجاد على المحافظة عليها. .6 وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ – القصص (58) * البطر هو التكبر، والتكبر طغيان، والطغيان هو تجاوز الحد. والبطر بالشيء هو الطغيان به، والبطر بالمعيشة أو بالنعمة هو التكبر والطغيان بها، أي تجاوز الحد المسموح به من المنعم بها، وهذا في حد ذاته يستوجب زوالها، لأن فيه إنكارا للنعمة والمنعم، نتيجته وضع النعمة في غير ما جعلت له، وهذا قد يحتمل عدة أوجه ودرجات، من الاستخفاف بها (ويدخل فيه الهدر والتبذير)، إلى استخدامها في معصية المنعم، إلى محاربته بها، وهذا قمة الجحود والطغيان، وهذه جميعا مؤداها إلى زوال النعمة، وقد ينتهي الأمر بالهلاك، والسبب المبدأي في ذلك كله هو الجحود، أي «كفر» النعمة. والكفر هو الإنكار أو عدم الاعتراف الذي يترتب عليه المعصية وعدم الطاعة، وهو عكس شكر النعمة الذي يستوجب أولا، الاعتراف بها للمنعم، ثم طاعته فيما أنعم، أي اتباع الوصفة أو التعليمات أو الإرشادات المصاحبة التي وضعها المنعم لكيفية التعامل مع نعمته، إن صح القول، ومقابلتها بالشكر والعرفان. وبطر المعيشة استخفافاً بها، غروراً وكبراً وطغياناً، هو جحود وكفر للنعمة يستوجب زوالها. والمعيشة قد تحتمل الحد الأدنى لما يبقي على الحياة، فكيف يكون بطرانها؟ والكبر يعني بالضرورة الإنكار، فالمتكبر إنما ينسب ما أوتي لنفسه ولفضله، قصداً أو نسياً، ولا يعترف به لمن أنعم به عليه، قولاً أو عملاً، وهذا يعني العصيان والتمرد على المنعم، وهو لو تواضع وتذكر لما تكبر، بما لا يرضي المنعم، ولكن المال والغنى يعميانه وينسيانه، كما قال قارون إنما أوتيته على علم عندي، فنسب الفضل لنفسه وأنكره على المتفضل، وكان ذلك سبباً في هلاكه. إذن فبطر المعيشة أو النعمة هو كفرها. فالمسألة مرة أخرى ودائما تدور حول الكفر. * من هم المترفون؟ 7. فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ- هود (116) وهنا الترف مرة أخرى، هو السبب المسيطر والعامل المهيمن في الهلاك عبر العصور والأمم السابقة، فقط أقلية كانوا هم المصلحون الذين ينهون عن الفساد في الأرض، أما الأغلبية الساحقة عبر القرون السابقة، فقد أغوتهم حياة الترف والدعة، وانغمسوا في الشهوات، والملذات، واتهمهم القرآن بالظلم، والإجرام. 8. وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ – الأنعام (123) وهنا الوصف أشمل، فلم يصفهم بالكفر، ولكنهم مجرمون، وهؤلاء عادةً هم الطبقة المتمكنة التي تتحكم في المجتمع وتقوده، وهي التي تحارب الأنبياء والمصلحين، ككفار قريش وغيرها من الأمم السابقة. وهي الطبقة التي تتصدى لمحاولات التغير والإصلاح في المجتمع، كالتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية الكبرى، كالثورات التي تؤدي إلى تحولات كبرى، لأنها تؤدي إلى تغيير الأوضاع السائدة لغير صالح هذه الطبقة المتمكنة، وبالتالي هي ترى فيها تهديدا لوضعها الاقتصادي والسياسي، وستحاربها بكل ما أوتيت من قوة من أجل تعزيز الأوضاع السائدة وتثبيتها لأطول أمد ممكن لأنها مستفيدة منها. هذه الفئة موجودة اليوم في كل مجتمع، وهي تقاوم الإصلاح والتغيير، وتحاول تثبيت الأوضاع القائمة خشية فقدان وضعها ومكانتها الاقتصادية والسياسية، وتقود الثورات المضادة للإصلاح والتغيير في المجتمع بعد إزاحتها، وفي هذه الحالة لا تستقر أمور الإصلاح في المجتمع إلا بالتخلص من قادتها وقطع رؤوس الأفاعي التي تقودها، وهي تتقاطع بطبيعة الحال مع المترفين، كما رأينا من الآيات السابقة.
456
| 26 مارس 2025
لماذا كثرة المترفين لا تبعث على التفاؤل؟ قانون التدمير القرآني 1. وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا – الإسراء (16) لطالما تفكرت وتعجبت من أمر هذه الآية! عندما يكثر المترفون، يكثر المفسدون، وعندما يكثر المفسدون يكثر الفساد، وعندما يكثر الفساد، تنهار الدول. «أمرنا» تحتمل عدة قراءات، ومن وجهة نظري أنها جميعا تؤدي نفس المعنى أو النتيجة في نهاية المطاف. وقد ذهب بعض المفسرين إلى القول، «أمَرْنا مترفيها» بالطاعة، ولكنهم عصوا الأمر وفسقوا. وذهب آخرون إلى قراءة «أمّرْنا مترفيها» أي جعلنا لهم الإمارة، أو سلطة اتخاذ القرار، وذهب غيرهم إلى القول « آمرَنْا مترفيها» أي أكثرناهم، والتكثير قد يقود إلى عظم الأمر والظهور والغلبة. وقد يكون ذلك فعليا (عدداً) أو معنويا (تأثيراً، بفعل سلطة المال والسياسة)، بمعنى عظم شأنهم وظهور أمرهم وتفشي نهجهم على نطاق واسع، وكلاهما يؤدي نفس المعنى أو النتيجة، فالغلبة تؤدي إلى التسلط. * فتأمير المترفين أو تآميرهم (تكثيرهم)، يعني ظهور أمرهم وانتشاره، وهو يؤدي بالنتيجة إلى ظهور الفساد وتفشيه على نطاق واسع نظرا لطبيعة المترفين، كما سنرى. وفي الحديث، سُئل النبي ﷺ، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال نعم إذا كثر الخبث. وسياق الحديث هنا يدل على أن وجود الصالحين لم يكن له تأثير أو لم يحل دون كثرة الخبث. وبالتالي هو غير كاف لدرء الهلاك، لأن وجودهم لم يكن له تأثير إيجابي في الحد من تفشي الخبث والانحراف الذي استوجب الهلاك. فهم صالحون، ولكن لأنفسهم فحسب، فليس لهم تأثير إيجابي على صلاح المجتمع. *وفي المقابل «وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون». فلا يكفي أن تكون صالحا، فغلبة الخبث تؤدي إلى الهلاك، هلاك الطالح والصالح معاً. والأكثر لفتا للانتباه هنا هو ليس كيف تقرأ «أمرنا» بقدر ما هو بعدها وهم «المترفين». فهو لم يقل وإذا اردنا أن نهلك قرية أمرنا أهلها ففسقوا فيها، بل خص المترفين. فكأن الفسق هو من اختصاصهم وسماتهم. فالمترفون إن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا. فهم من يتحقق فيهم شرط الهلاك أو التدمير. فأمرنا هنا شاملة ومتعددة الأغراض، ولكن النتيجة واحدة، وهي الهلاك، وهذا من الإعجاز البلاغي في القرآن. فالعلة هي في المترفين وطبيعتهم، المتمثلة في الغرور والكبر، ومن ثم التمرد والعصيان، وهو سلوك شيطاني قديم. والأمر على أية حال لا يوجه عادةً للأمم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار والنمو والازدهار، والوصول إلى مستوى عال من الرفاهية (إسباغ النعم أو الترف)، التي يأتي بعدها الامتحان بإرسال الرسل ليشكر أهل القرى أم يكفروا. * ولم نسمع بقرى أو بأمم أهلكت وهي فقيرة، بل غنية مترفة متكبرة، كعاد التي قالت من أشد منا قوة، وثمود التي نحتت الجبال بيوتاً، وفرعون ذي الأوتاد. ولكن المشكلة هي في الوصول إلى مرحلة الترف، التي يصل معها الإنسان إلى مرحلة الغرور والكبر، والتمرد والعصيان، الذي يقود بالنتيجة إلى الجحود وكفر النعمة. ويبدو أن في الأمر متلازمة. فالتكليف أو الأمر لا يتم إلا بعد استتباب الأمن والاستقرار، والرخاء والازدهار، ولكن المعضلة هنا هي أنه مع الوصول لهذه المرحلة، يكون المجتمع قد وصل إلى مرحلة الترف أيضا، أو أنتج طبقة لا يستهان بها من المترفين، يكون لها تأثير أو شأن في المجتمع وفي قيادته وتوجيهه، وعلى الأرجح أنها ستقود في الاتجاه الخاطئ، وسترفض التكليف وتعصى التوجيه الإلهي، وهذه طبيعة بشرية، فمع الغنى والترف، يأتي الكبر والغرور، والتمرد، والعصيان والجحود، كما سيتضح من آيات أخرى، وهذا هو أصل المشكلة، وهي «الجحود»، أي «الكفر». * والخلاصة، أن الترف أدى إلى الفسق، الذي استوجب التدمير. والفسق هو الخروج عن الطاعة (أو التمرد والعصيان) للإفساد على وجه الخصوص، وبطبيعة الحال لابد أن يكون الأمر بالطاعة بالمعروف. وهنا نقطتان، أو خطآن جسيمان يقع فيهما المترفون. الأول، وهو العصيان أو التمرد بسبب الترف، وهو كفر للنعمة والمنعم، عوضا عن الطاعة والشكر، والثاني هو الإفساد، وكلاهما يؤديان إلى الهلاك والتدمير، ولكن الفساد قد يكون هو السبب المباشر أو الأداة المباشرة للتدمير. * 2. وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة وأترفناهم في الحياة الدنيا ما هذا إلا بشر مثلكم يأكل مما تأكلون منه ويشرب مما تشربون – المؤمنون (33) نحن نعلم أن المصير في الحياة الآخرة، مرتبط بالحياة الدنيا، فالذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، كانوا من المترفين في الحياة الدنيا، ولو لم يكن ذلك سبباً مهما في كفرهم، لما ذكر في سياق الآية القرآنية، فكأن هناك استدراكا أو إضافة مهمة في الآية تقول ان الترف كان هو سبب كفرهم. والسياق هنا يشير إلى أن الكفر المقصود، هو أحد احتمالين، إما كفر مباشر بالله سبحانه وتعالى، وبالتالي يتبعه التكذيب باليوم الآخر، أو تكذيب بالبعث واليوم الآخر دون الكفر بالله (ككفار قريش)، وكلاهما كفر. ولكن العامل المشترك في الآيتين هو الترف. فالمترفون، إن كانوا كفارا فهم لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وفي كلتا الحالتين هذا جحود للنعمة وخروج على المنعم وعدم اعتراف له، والجحود كفر، وفي كلتا الحالتين المترفون هم من سيقودون التمرد والمقاومة ضد الإصلاح والتغيير. والكفر هو أيضا عامل مشترك في الحالتين، ففي الآية الثانية هو كفر واضح، وفي الأولى، فسق سببه الترف. ففي الآية الثانية الترف أدى إلى كفر صريح، وفي الآية الأولى أدى إلى الفسق، والفسق هو الخروج عن الطاعة، للإفساد على وجه الخصوص (كما فسق إبليس عن أمر ربه ثم ما تبعه من إمعان واستمرار في المعصية إلى يوم البعث). وهذا السبب أشمل من الكفر المباشر بالله أو باليوم الآخر أو بكليهما، أي أنه ليس بالضرورة أن تكون القرية أو الأمة كافرة بالله أو باليوم الآخر لتدمر، بل قد تكون مؤمنة بهما، ولكن إذا توفرت فيها شروط التدمير، وهي الفسق، دمرت، لقوله تعالى «ففسقوا فيها، فحق عليها القول» أي توفرت أو تحققت فيها الشروط، «فدمرناها تدميرا». * وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة، وإنا على آثارهم مقتدون – الزخرف (23) وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنّا بما أرسلتم به كافرون – سبأ (34) وهنا حسم أمر المترفين بشكل واضح ودون استثناءات، فهم لا يؤمنون، وهم من سيتصدون للمنذرين إن كانوا كفارا، وللمصلحين إن كانوا غير كفار، بالتكذيب والمقاومة، بكل الحجج والأساليب. فالخلاصة، أن المترفين إن كانوا كفارا، لن يؤمنوا، وإن كانوا مؤمنين فسيفسقون، وإن أمروا عصوا، وإن أمّروا عصوا، وإن آمروا (كثروا) عصوا. فهم من يتحقق فيه شرط الهلاك والتدمير، وسيؤدون إلى هلاك غيرهم معهم. * ما هي مشكلة المترفين؟ الكبر والجحود 3. كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى – العلق (6) الغنى أدى إلى الطغيان، والطغيان هو تجاوز الحد، في كل شيء. هنا الغنى يؤدي إلى الغرور والكبر الذي يقود للتمرد على (أمر) المنعم، وهو طغيان، لأنه ما كان ينبغي له تجاوز ذلك الحد مع من أوجده، وأنعم عليه وأغناه. وهو لم يقل ان الإنسان كان طاغية عندما كان فقيراً، بل فقط بعد أن استغنى. وهو جحود، عوضا عن شكر النعمة والمنعم، والجحود هو الإنكار، أي الكفر، ويبدو أن هذه هي طبيعة الإنسان. وهي مشكلة إبليس أيضا، فالغرور قاده إلى التكبر على أمر الله ومعصيته، وعدم السجود لآدم لأنه كان يرى نفسه أفضل منه، ولكن الله هو الذي خلقه وخلق آدم، فلا فضل له. فالمشكلة في نهاية المطاف هي الغرور والكبر، والترف أو الغنى مجرد سبب. * وهذه مشكلة أزلية مع الإنسان، فالمال والسلطة، كلاهما أو أحدهما، يقودانه إلى الغرور والكبر. ومن أبرز الأمثلة على ذلك فرعون، الذي أوتي السلطة، وقارون الذي أوتي المال. ففرعون أوتي الملك والسلطة ولكنه أنكر فضل، بل ووجود من خلقه، فكفر، ولكنه لم يكتف بذلك، بل ادعى الألوهية لنفسه من دون من أوجده، وهو بهذا تجاوز كل الحدود «طغيان مطلق» ولذلك كان التوجيه لموسى «اذهب إلى فرعون إنه طغى». أما قارون الذي أوتي المال والثروة، فقد قال بوضوح، إنما أوتيته على علم عندي، أي جحد فضل المنعم عليه، واغتر بنفسه، وهو كفر، وغيرهم من أمثله الطغاة والمفسدين كثير على مر العصور، ولكن لا يتعظ بعضهم بالآخر. * فمن لم يؤتِ النعمة حقها من الشكر (وهو الاعتراف بها للمنعم، ومن ثم طاعته فيها)، فهو جحود بها، والجحود هو الكفر، والكفر كما يقول الشاعر الجاهلي مخبثة لنفس المنعم. فنعود لنفس المشكلة، وفي نفس الدائرة مع الإنسان، وهي الكفر، بالله أو بنعمه، وقليل من عبادي الشكور. لاحظ في الآية الثانية أن الذين تمردوا هم المترفون، وغالبا هم الطبقة الرأسمالية السياسية (صاحبة المال والسلطة) المتمكنة في كل مجتمع عبر العصور، والسبب هو الكبر والغرور، بسبب المال والسلطة، وخشيتها من فقدان وضعها أو منافستها فيه أو حتى مشاركتها فيه، وفي النهاية هذا نوع من الكبر والغرور والعنصرية، لأن هؤلاء يرون أنفسهم فوق غيرهم وأفضل منهم، وأن لهم الأحقية في احتكار ذلك الوضع دون غيرهم من خلق الله، ويستكثرون مشاركة أحد فيه حتى وإن كانوا أهلاً لذلك، وهذا الصراع هو الوضع السائد عبر العصور، وهو وضع طبيعي مع كل دين أو ثورة أو محاولة إصلاح أو تغير جذري في النظام الاجتماعي أو الاقتصادي لأي مجتمع.
735
| 25 مارس 2025
من كان يظن أن الربيع العربي قد انتهى، فهو مخطئ وعليه مراجعة حساباته، والدليل ما جرى في سوريا، وأسباب الربيع لا تزال قائمة، ونحن بانتظار المحطة القادمة، فلا أعتقد أن فرعون يبصر ويعتبر بنفسه أو بغيره، فيستبق الأحداث، ويقوم بما هو مطلوب من إصلاح، ويجنب نفسه ومن معه ومن خلفه أولا، مصير فرعون الأول والقذافي وبشار، وغيرهم من آل فرعون كثير، ثم ثانياً، يحفظ العباد والبلاد من عدم الاستقرار والدمار. والربيع قادم، ما زالت أسبابه قائمة، ومتى ما تحققت شروطه، وتهيئة ظروفه، وما رأيناه منه لم يكن نهايته، بل بدايته، وموجة أولى منه، قد تتبعها موجات لا تكون كسابقاتها، وسيقوي بعضها الآخر، كالمطر إذا تتابع كان نبته أقوى وربيعه أفضل وأزهى. فمن يظن أنه قد تم وأد الربيع العربي بقهر العسكر، أو تآمر المتآمرين غرباً وشرقاً فهو مخطئ، بل إن القمع تمحيص وإعداد، وثمن لابد من دفعه ومرحلة لابد من اجتيازها لما بعدها، لإنضاج التجربة، وإعداد الأمة لما بعدها من توافق مجتمعي مطلوب وسلم أهلي مرغوب، وقبول بالآخر وإن اختلفت معه، واستقرار لا تتم التنمية والازدهار إلا به، فثمن الحرية غال، والانتقال إليها من الدكتاتورية لا يأتي فجاءة، بين عشية وضحاها، أو بدون ثمن، فلا بد من تضحيات ولا بد من تدرج، فهل تأتي التكلفة عالية والتحول عنيفاً، أم يكون في التجربة السورية عبرة ودرس، وتأتي أقل عنفاً وأكثر سلاسةً، أم لا هذا ولا ذاك وتظل أمة في ذيل الأمم وعلى هامش التاريخ؟ متلازمة فرعون إن في ما حدث في سوريا لعبرة لمن يعتبر من الطغاة، ولكن هيهات هيهات، فعقلية فرعون هي هي لا تتغير، فظل يطارد موسى حتى عندما فتح موسى البحر له ولمن معه، بأمر ربه، تبعه فرعون بغيا وغرورا، ولا أعلم لماذا أقدم فرعون على ذلك؟ فالبحر لم يُفتح له، وهو ليس من فتحه، بل فتحه عدوه له، وفي فتحه أمر خارق غير طبيعي، فكان يجب على فرعون التوجس والحذر، والتوقف عند ذلك القدر، وقد رأى قبل ذلك من الآيات المفصلات المتتاليات ما فيه معتبر، ويُوجب الحذر، ولكن أعمى بصيرته الكبر، كما أعمى بصيرة إبليس قبله عندما رفض أمر السجود لآدم وهو أعلم من فرعون، وكما أعمى بصيرة بشار، الذي جاءته الدعوات والمبادرات من الحلفاء قبل الخصوم، لإجراء ولو بعض الإصلاحات، ولكنه أصر واستكبر وفجر. ويبدو أن في الأمر متلازمة، يصاب بها آل فرعون، «متلازمة فرعون» أو «عمى البصيرة» أو كما يطلق عليها أيضا «الانفصال عن الواقع» يصاب بها الطغاة سابقاً ولاحقاً، كفرعون ونمرود والقذافي وبشار وغيرهم كثير، ممن يلتصقون بالكرسي، التصاقاً لا يفكه إلا الموت، ويعمي بصائرهم الكبر والغرور، ويظنون أنهم يمتلكون البلاد والعباد، وما فوق الأرض وما تحتها، وأنهم يفلتون من الحساب والعقاب، فالغرور والكبر يعميان البصيرة وإن كانوا مبصرين، فسار فرعون لحتفه بنفسه وهو يرى بعينين مبصرتين، وأضلّ فرعون من معه، وقادهم للهلاك، وقبلها كان يقول لهم «ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد»، وهم صدقوه واتبعوه. رؤية فرعون وهنا تتبين أهمية ثنائية الرؤية والقيادة، في من يتولى أمر الأمة، فكما أن الرؤية السليمة هي أهم شرط للقيادة الرشيدة، فإن الرؤية الضالة (إن جاز التعبير) تورد الهلاك، كما أن الـقيادة بلا رؤية كالأعمى الذي يتخبط ولا يصل إلى هدف، وقد يؤذي نفسه، والرؤية تستوجب وضع الخطط للوصول إلى الأهداف، فهي إما أن تأخذ إلى طريق النجاح (في الدنيا)، والنجاة (في الآخرة)، أو الدمار والهلاك في الاثنتين. ولكن بئس الرؤية وبئس القيادة لفرعون، «وأضل فرعون قومه وما هدى»، «فاتبعوا أمر فرعون، وما أمر فرعون برشيد» فكما أن فرعون قد أضلّ قومه وانقادوا هم له، وقادهم هو للهلاك في الدنيا، فهو أيضا يقودهم للعذاب وللتعاسة الأبدية في الآخرة، فهو «يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود». فلابد أن ينالوا نصيبهم من العقاب والعذاب بما صنعت أيديهم باتباع فرعون والانصياع له، وقد رأوا من الآيات المفصلات ما يكفي «وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها…» ولكنهم آثروا اتباع فرعون، فأطاعوه وقبلوا قيادته، فهم ليسوا أبرياء ولا معذورين، فعليهم تحمل نتائج اختيارهم وإلى أين يقودهم، أما الذين يثبتون أركان نظام فرعون من جند وعساكر، ودعاة ضلال وتضليل، وتطبيل وإعلام فاسد فهم شركاء، وإن ادعوا أنهم عبيد مأمورين، فهم شركاء متكسبون مستفيدون من نظام فرعون، وقد حصلوا على ما يريدون، ولو هم لما تفرعن فرعون ولما بقي على كرسيه ولما أفسد وطغى، فبئس العذر وما أقبحه. وقد وصف الله قوم فرعون بالفسق لسذاجتهم وخفة عقولهم بطاعة فرعون «فاستخف قومه وأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين» والفسق هو الخروج عن الطاعة للإفساد، وهي صفة قد نعت الله بها ابليس وطرده بسببها من رحمته عندما تكبر على أمره ورفض السجود لآدم، وقد ذكرها الله أيضا كشرط لتدمير من تحققت فيهم من القرى والأمم، «وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها، ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا» فما بالك إذا كانوا منافقين ومضللين، وهم كثيرون، ممن يثبتون أركان أنظمة الطغاة الظالمين، ويتكسبون من وراء ذلك، فهم شركاء معهم ومستفيدون منهم. «ونادى فرعون في قومه، قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون» وكان قد بنى بعض القصور على نهر النيل، حتى قال تعالى، «فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوماً فاسقين». وعلى النقيض من هؤلاء، هناك فئة أخرى ثبتت ولم يستطع فرعون إغواءها وإغراءها أو استخفافها ولم تنصع لأمره، متمثلة في امرأة فرعون وسحرته، وقد نأت هذه الفئة بنفسها عن فرعون بعدما رأت الآيات وتبين لها حقيقة أمره، رغم ما أصابها من العذاب. آل فرعون ما أكثرهم آل فرعون من بعده كثير، وما أكثرهم في يومنا هذا. «وحاق بآل فرعون سوء العذاب، النار يعرضون عليها غدوا وعشيا، ويوم القيامة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب» ولاحظ التعبير الشامل بآل فرعون وليس قوم فرعون، ولم يقل أدخلوا فرعون وقومه أشد العذاب. فليس من المنطق أن يقتصر الأمر على فرعون موسى فحسب، فمن هم على شاكلته من الفراعنة والطواغيت كثير، وربما منهم من سفكوا من الدماء أكثر منه، وعاثوا في البلاد فساداً وفي العباد استبداداً، ولكن فرعون يمثلهم وهو إمامهم وقائدهم، وقد تجاوز في طغيانه كل الحدود بأن ادعى الألوهية لنفسه علناً من دون الله، وقد رأى من الآيات المتتاليات المفصلات ما فيه معتبر، وأبى واستكبر وأصر على كفره. فكل طاغية مستبد مفسد في الأرض على شاكلة فرعون، هو من آل فرعون. سنن الله ويده الخفية فتجد من المحللين المعللين، المحبطين الذين يقللون من شأن ثورات الشعوب التواقة للحرية، وأسباب اندلاعها وعوامل نجاحها، ممن يتلمسون الأعذار خلف الأعذار، فيقول أنه لولا حلف الناتو لما سقط نظام القذافي، ولولا انشغال روسيا بأوكرانيا وحزب الله بإسرائيل لما سقط الأسد، وكأنه يريد أن يقلل من مساوئ هؤلاء ومن مسببات سقوط أمثالهم، بسوء أعمالهم وظلمهم، وما كسبت أيديهم، ويبطل آلة عمل الله، ويعطل يده الخفية، وسننه الكونية، إن كانت بتحقيق التوازن أو العدل أو غير ذلك، وإن كانت بالتضاد أو التدافع أو الاستدراج أو غير ذلك. فالأمر ليس محض صدفة ولا عشوائية، وأقول لهؤلاء، فلو لم تتعلق امرأة فرعون بموسى الطفل، لقتله فرعون ولما كبر وكان سببا في زوال ملك فرعون، ولكن الله يقول لموسى «وألقيت عليك محبة مني»، ولو لم تهب الريح (بأمر ربها) وتقتلع جيش الأحزاب، لما ولوا الأدبار خائبين مدحورين ولربما لم يصلنا الإسلام اليوم، ولو لم يمت إمبراطور المغول مونكو خان (بأجل الله) لما اضطر أخوه هولاكو للعودة بجزء كبير من جيشه لعاصمته بسبب الصراع على السلطة، وترك من ينوب عنه ليتوسع ليضم مصر وهي آخر ما بقي من قلاع الإسلام في الشرق بعد أن دمر التتار العراق والشام، ولربما لم يكن للمماليك بقيادة السلطان قطز إلحاق الهزيمة الساحقة بالتتار في عين جالوت التي كانت سببا في انفراط عقدهم بشكل سريع ومفاجئ وتوالي الهزائم الساحقة عليهم وإجلائهم من الشام وانحسار نفوذهم إلى أعالي خرسان. ومن المفارقات في هذه القصة، أن قطز هو ابن اخت آخر سلاطين الدولة الخوارزمية قبل أن يقضي عليها المغول ويخطفوا قطز الطفل ليبيعوه في سوق النخاسة بالشام لينتهي به الأمر في ملك السلطان المملوكي عز الدين أيبك بمصر، ليكون بعد ذلك سبباً في هزيمتهم وزوال دولتهم في الشام وغيرها من أرض الإسلام، وكانت فترة حكمه أقل من سنة، فكأن الله قد أراده وأتى به لهذه المهمة، كما أراد لأهل أدلب المدينة الصغيرة أن يكونوا سببا في تحرير سوريا من عقود من قبضة نظام الأسد الدموي. فلكل سبب محسوس وملموس، ولكن الله هو مسبب الأسباب، وهازم الأحزاب، ويده فوق كل يد، تعمل في الخفاء، وتجري الأسباب، بمشيئته وبموجب قانونه وسنته، «ولن تجد لسنة الله تبديلا» فهي آيات يراها المؤمن، ويصد الله عنها الظالمين «ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء». لم يمت الربيع فالربيع العربي لم يمت ولا ينبغي له ذلك، لأن أسبابه لا تزال قائمة، بل وتعمقت، وازدادت أنظمة الفساد فساداً والطغيان استبدادًا، وأحوال الشعوب سوءاً على سوئها، ولكنها في المقابل ازدادت وعيا ويقيناً ومعرفةً بطريق خلاصها، فمن يراهن على وقفها دون ذلك، متى ما ارادت حقا ذلك، كمن يريد أن يقف عبثا في وجه طوفان جارف، سيجرفه عاجلاً أم آجلاً إلى مخلفات التاريخ، فلا رجعة إلى الوراء، ولا بديل أمام هؤلاء، فإما الإصلاح أو الرحيل، فهل يحدث المستحيل، ويتواضع فرعون ويُصلح أو يستقيل، دون دفع ثمن ثقيل، فلم تزدد أنظمة الطغيان بعد الربيع الأول إلا غيا وطغياناً، وفشلاً وضلالاً، فلا رؤى تواكب تطلعات الشعوب التواقة للحرية والعدالة والعيش الكريم، ولا إصلاحات ولا حلول لتراكمات عقود من الاستبداد والفساد، أدت فيما أدت إلى الارتداد، وإخلال هذه الأنظمة بجانبها من عقد اجتماعي يتآكل شيئا فشيئا، وقد كان يفترض أن توفر بمقتضاه لشعوبها سبل العيش الكريم مقابل عدم المساءلة السياسية، ولكن حلف الثورات المضادة يريدها جبراً طغاةً مستبدين، على شعوب سئمت الاستبداد والفساد، دون أدنى إصلاح، فأفق الطغاة المستبدين، عسكراً كانوا أو مدنيين، ضيق لا يتسع لذلك، وعمى البصيرة مستفحل ويحول دون ذلك، فغرور القوة يعمي البصيرة وإن كانوا مبصرين، والخشية من قادماتٍ لربيعٍ عربيٍ عنيفة لا كسابقاتها، كردة فعلٍ طبيعيةٍ على عنف الثروات المضادة، وقمع أنظمتها الوحشي لموجتها الأولى، وغياب الحلول وفقدان الأمل والرجاء، وازدياد الأوضاع السياسية سوءاً، والأحوال الاقتصادية والمعيشية تردياً، وتحميل البلاد من الديون فوق طاقتها، حتى كبلت سيادتها بذراع اقتصادية طويلة لاستعمار غربي قديم، وبسياسات تدّعي في ظاهرها الإصلاح، وهي في باطنها كمن يصب الزيت على النار، فلا تزيد السيئ إلا سوءا، وقد علمتنا أدبيات الاقتصاد السياسي أن الشعوب تثور عندما ترى أن مكاسب الثورة أكبر من عدمها، فكلما ازدادت أوضاع الشعوب سوءاً وبؤساً، كلما كانت دوافع الثورة أشد وأقوى، ومكاسبها المتوقعة أكبر وأرجى، وعلى أية حال فلن تعود عجلة الزمان أدارجها، فقد يكون هناك تأخر أو تعثر، وقد تلعب الأموال دوراً في ذلك هنا وهناك ولكنها لن توقفها، طالما تحققت شروطها، وتهيأت ظروفها، «فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة، ثم يغلبون» وهو ما نراه شيئاً منه رأي العين، وما نؤمن به إيمان اليقين، «ولكل أجل كتاب» فهذه أمة القرآن، لا تموت، نعم تتعثر وتتأخر ولكنها تنهض من جديد «والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون».
684
| 02 مارس 2025
التوسع الاقتصادي والعمراني على حساب البيئة أواصل في هذا الجزء الثالث من المقال حول حماية البيئة البرية، حديثي عن المخاطر التي تتهدد البيئة البرية والتحديات المترتبة على ذلك لمواجهتها من قبل الجهات المسؤولة عن حماية البيئة والمحافظة عليها وتنميتها، وسأتناول هنا نوعا اخر من التحديات الأخطر على البيئة من وجهة نظري، وهي التوسع الاقتصادي على حساب البيئة. بداية أُّذكر أن تفشي الظواهر السلبية يعود لعوامل، منها: (ا) دوافع لتحقيق مكاسب، أو (ب) الجهل وقلة الوعي والتثقيف أو (ت) نظرا لضعف أو خلل على الجانب التنظيمي، يؤجج من ذلك كله ويفاقم من تفشي الظواهر السلبية، على الأخص: (1) ضعف القوانين، أو (2) ضعف تطبيقها أو (3) ضعف الرقابة، وأعتقد أن كل هذه العوامل متحقق في هذه الحالة. ولذلك الظواهر السلبية تتطلب سياسات استثنائية لمواجهتها؛ سياسات رادعة، وشاملة، ومستديمة، مع زخم تثقيفي كبير، لكسر تسلسل نقلها من جيل إلى اخر، للقضاء عليها أو لابقائها عند مستوى معقول. ولذلك تكون معالجة هذه الظواهر من خلال معالجة الأسباب التي أوجدتها. التوسع الاقتصادي إن أكبر خطر يتهدد البيئة البرية من وجهة نظري هو التوسع التجاري والاقتصادي، إن كان مدفوعا بتحقيق الأرباح الخاصة أو العامة، أو التوسع العمراني، أو تقديم الخدمات العامة، أو استخراج الموارد الطبيعية، أو الاستملاكات الخاصة، ونحو ذلك، والأطراف النشطة في هذا المجال، هي كيانات وشركات قطاع عام وخاص ومختلط، وجهات حكومية. والاشكالية هي ليس في التوسع في حد ذاته طالما ظل مبررا ويخضع لتقييم الجدوى والتكلفة الاجتماعية، وليس مفرطا، خصوصا عندما يكون مدفوعا بالوفرة الاقتصادية في فترات الطفرات كما شهدنا في السنوات الأخيرة، أو غير مدروس الجدوى، والتبعات على الآجل الطويل، فيكون على حساب البيئة، ويخل بتوازن المصالح، ليس فقط خلال هذا الجيل، بل عبر الأجيال القادمة، وهذا يتطلب إخضاع عمليات التوسع هذه ومشروعاتها لمعايير لا يجب تجاوزها، يستعان في وضعها بنوعين من الناس: أهل الخبرة العملية والتجربة من المشهود لهم بذلك من أهل قطر، وأهل الخبرة العلمية والاختصاص، وممكن أن يكون ذلك على شكل هيئة أو مجلس استشاري، وقد اقترحت ذلك قبل عدة عدة سنوات. ويجب أن تأخذ هذه المعايير في الاعتبار جميع التكاليف المترتبة على مشاريع التوسع هذه، ممثلة بالتكلفة الاجتماعية social cost، التي تشمل الأضرار غير المحسوبة اقتصاديا على البيئة والمجتمع، من تدمير وتلويث واستقطاع، ونحو ذلك، وهي أشمل من التكلفة الاقتصادية التقليدية الخاصة التي عادة يتحملها صاحب المشروع، ويمكن أن نطلق عليها هنا تكلفة خاصة، أما التكلفة الاجتماعية فهي تكلفة عامة وتشمل جميع الأضرار، على جميع الأطراف، بما فيها الأطراف غير المستفيدة من المشروع، ممثلة بالمجتمع ككل، بما فيها الأجيال القادمة، أي يدفعها المجتمع حاضرا ومستقبلا، ولذلك يجب أيضا ضمان حقوق الأجيال القادمة في بيئة نظيفة صحية ومنتجة، وهذا احدى ركائز رؤية قطر الوطنية على أية حال. التجريف والتدمير البنيوي للبيئة وهو من أسوأ أنواع التدمير والاعتداء على البيئة، لأنه يحدث ضررا وخللا بنيويا للبيئة، ويعطل وظيفتها الطبيعية أو يخل بالهدف الذي أوجدها الله من أجله، وقد يصعب إن لم يستحل إصلاحه (ولا ضير في ذلك طلما بقي مبررا بما تقتضيه المصلحة العامة دون إفراط ويخضع لمعايير الجدوى والتكلفة الاجتماعية). ومن أكبر الأمثله على ذلك الكسارات والمحاجر، فهي تحدث تدميرا بنيويا مستديما وعلى مساحات شاسعة من الأرض، إذ يلاحظ عليها التوسع إفقيا وليس رأسيا، كما في كثير من دول العالم، وهذا يؤدي إلى اقتلاع وجهة التربة وتدمير الغطاء النباتي بشكل مستديم على مساحات شاسعة، والسبب وراء التوسع الافقي المفرط معلوم، وهو تقليص التكلفة بهدف تعظيم الأرباح، لكن هذا يتم هنا على حساب البيئة والمصلحة العامة، فالأرباح هنا خاصة، بينما التكلفة عامة، يتحملها المجتمع، بما فيه الأجيال القادمة، وهذا ليس بعدل وفيه نوع من الأنانية وسوء استغلال للموارد. أما التأثير الاخر الذي لا يقل ضرار عن الأول، وهو تطايرالغبار الأبيض وتغطيته لمساحات شاسعة من الأرض، وقتل ما يستقرعليه من نباتات وأشجار وتلويث الهواء، وتأثيره السلبي على الحياة الفطرية. فهنا التدمير والضرر الذي تحدث هذه المحاجر بتوسعها الأفقي مضاعف، وعليه حان الوقت لازامها أولا بالتوسع الرأسي في رقعة محددة من الأرض، أي الترخيص بمساحات أصغر على أن يتم الحفر أعمق، وهو استغلال أفضل للأرض وأقل ضررا على البيئة والمجتمع، ثم الإلزام، بإصلاح ما تم تدميره وإعادة التأهيل قدر الإمكان بعد الانتهاء، وإن كان من خلال رسوم أو ضرائب تستقطع من أصحاب هذه المشاريع، ولكن بحيث تكون لإعادة تأهيل البيئة أو للحد من تدميرها، وبطبيعة الحال قبل هذا كله، يجب اختيار المكان المناسب، بعيدا عن مناطق الرياض والمراعي والمناطق المؤهلة والتي يستفيد منها الناس. مشاريع التوسع العمراني والصناعي هناك مشاريع تقوم بها بعض كيانات القطاع العام والجهات الحكومية وتفتقر لتقييم شامل لآثارها على البيئة والمجتمع حاضرا ومستقبلا، وهي عرضةً لملاحظتين: (1) توسعها في استقطاع الأراضي بشكل مفرط (وكأن هناك تنافسا بينها للحصول أكبر قدر ممكن من الأراضي لها)، و (2) وضعها في مناطق قد لا تكون مناسبة، كمناطق الرياض والأراضي المنبتة وذات الطبيعة البرية، وتشكل موارد طبيعية في حد ذاتها، في حين يمكن تجنب ذلك ووضعها في مناطق أقل فائدة، كالمناطق الأقرب للسواحل، التي تقل بها الرياض، وأقل فائدة للرعي أو الزراعة أو غير ذلك من استصلاحات، مقارنة بمناطق أواسط قطر. كما أنه مطلوب الحد من التوسع غير الضروري في مد الطرق في البيئة البرية إلى أقل قدر ممكن، وذلك لتعظيم المحافظة على بيئتها الطبيعية بشكل عام، ولتقليص الأثر التدميري المباشر وغير المباشر لهذه الطرق على البيئة البرية بشكل خاص، على سبيل المثال من خلال إسهام هذه الطرق في إضعاف بيئتها البرية الطبيعية بتسهيل الوصول إليها، وغير ذلك. وتبقى المسؤولية الأكبر على عاتق جهات الحماية البيئية، للقيام بدورها في ذلك، وتحمل مسؤولياتها في الدفاع عن البيئة ضد توسع الجهات الأخرى واخضاعها لمعايير لحمايتها، وتنميتها، والمحافظة على بيئتها الطبيعية، والحد من الإسراف أو سوء استخدامها، وإخضاعها لمعايير التكلفة الاجتماعية، ولا يجب أن تكون هي الحلقة الأضعف في ذلك كله.
1884
| 11 مايو 2023
أهمية التثقيف وتعزيز القوانين والرقابة البيئية سأتناول في هذا الجزء من مقالي حول حماية وتنمية البيئة البرية، ثلاثة عوامل، من وجهة نظري أنها تسهم بشكل أساسي في تفشي بعض الظواهر والسلوكيات السلبية نحو البيئة البرية القطرية، وهي: قلة الوعي والتثقيف، وضعف القوانين، والرقابة. أهمية التثقيف والهدف منه إن الهدف من حملات التثقيف ليس فقط نشر الوعي والتثقيف في حد ذاته، بل الإعلام بالقوانين وإظهار الجدية والاهتمام من قبل السلطة المنظمة، وإقامة الحجة على من يتعللون بعدم معرفته القوانين وهم كثير، وإرسال رسائل واضحة بعدم تحمل التعديات على البيئة والقوانين المنظمة لها، وأن من يقوم بذلك سيضع نفسه تحت طائلة قوانين صارمة، حتى تمثل عامل ردع للتعديات على البيئة قبل وقوعها وبالتالي تحد من تفشي هذه الظاهرة السلبية. فالعبرة ليست بكثرة إصدار المخالفات بعد وقوع الضرر، خصوصا اذا كانت القوانين والعقوبات غير رادعة، ولكن بمحاولة منع الضرر قبل وقوعه. وفي الحالات التي تكون فيها تكلفة الرقابة مرتفعة، كما هو الحال في الرقابة على البيئة البرية التي تتطلب نشر عدد كبير من المفتشين على مساحات شاسعة أو غير ذلك من وسائل الرقابة، فيمكن أن ترفع أيضا تكلفة المخالفات، وذلك بتغليظها، بحيث يصبح ثمن المجازفة بمخالفة القانون مرتفعا، وإن كانت الرقابة غير مكثفة، وبالتالي يشكل ذلك عامل ردع ذاتي، ويوفر من تكلفة الرقابة، أي تصبح الحاجة أقل لتكثيف الرقابة والتفتيش، مقابل رفع عقوبة المخالفة، ويعمل بهذه الطريقة في الرقابة البيئية والمرورية في بعض الدول المتقدمة. فهناك حاجة لتصميم وتنفيذ سياسات استباقية فعالة لذلك الهدف. فالتعديات إنما تقع بسبب الجهل، أو الاستهتار وعدم الاهتمام أو لتحقيق مكاسب معينة. ويجب أن تستهدف السياسات، من قوانين رادعة ورقابة وتثقيف، جميع هذه الفئات حتى تكون مجدية وفعالة، ولا تتسرب روح اللامبالاة وتتفشى الظواهر السلبية، خصوصا بعد أن كثر مرتادو البيئة البرية من ثقافات مختلفة غير ملمة بالأعراف والتقاليد القطرية في التعامل مع البيئة البرية القطرية على وجه الخصوص، إذ يلاحظ أن مستوى الإلمام والالتزام بالأعراف وقوانين الحماية البيئية والمحافظة عليها أكبر بين المواطنين القطريين من الوافدين، وهذا يشير إلى زيادة الوعي والاهتمام لدى الفئة الأولى ونقصهما لدى الثانية، وبالتالي تقع المسؤولية هنا على الجهة المنظمة لسد هذه الثغرة، وإلا فإن الفئة الثانية ستؤثر سلبا على الفئة الأولى، والإنسان بطبيعته لا يحب القيود والقوانين، وحتى في أكثر الدول وعيا وتحضرا، لا تلتزم الناس بدون قوانين رادعة، وسيكون الضرر هنا مضاعفا، في حين يفترض أن يحدث العكس، وهو تأثيرنا نحن في هذه الثقافات واحتواء السيئ من تصرفات وسلوكيات سلبية منها على البيئة والمجتمع، وتطبيعها للأعراف والقوانين القطرية، ليس في المجال البيئي فحسب بل في كل المجالات، وهذه مهمتنا نحن وليس مهمة هذه الجاليات، وهذا الأمر متوقع مع دخول ثقافات وعادات مختلفة مع التحول الهائل والسريع في التركيبة الثقافية والسكانية للمجتمع، مع النمو السكاني القوي خلال السنوات الماضية، وهذا يتطلب من الجهات المنظمة مواكبة هذه التحولات الثقافية والسكانية. وسائل التثقيف والإعلام بالقانون هناك قصور واضح في هذا الجانب إن لم يكن غياب شبه تام، لا من وسائل الإعلام المرئية ولا المقروءة، ولا بالشكل المباشر على أرض الواقع. فتتجول في قطر كلها وفي الأماكن البرية التي يرتادها الناس للتنزه والتخييم والقنص ولا تكاد ترى لوحة إرشادية واحدة لكيفية التعامل مع البيئة والتحذير من التعدي عليها، على سبيل المثال عند مخارج الطرق الرئيسية الى البر، كطريق الشمال، والطرق البرية والأماكن التي يرتادها الجمهور وحول الرياض الكبيرة والمعروفة، اللهم بعض الأماكن المحدودة مؤخرا داخل بعض المناطق المصنفة كمحميات، وهذا لا يكفي، وكأن باقي قطر مباح، حتى إن بعض القنوات التي تقوم بما يشبه الترويج لبعض الأنشطة التي لها علاقة وتأثير مباشران على البيئة كالقنص وغيره، لا تقوم بدور مواز في الإسهام في نشر الوعي وكيفية التعامل مع البيئة والتوجيه بالمحافظة عليها والالتزام بالقوانين المنظمة والأعراف والعادات القطرية. فمثل هذه القنوات يقع عليها مسؤولية أخلاقية ومجتمعية. فعلى سبيل المثال عندما تقوم هذه القنوات بنشر مواقع سقوط الأمطار، وبصور متكررة، بما يشبه الترويج، ولا أعلم ما هو الهدف من ذلك، وغيره من أنشطة قد يكون لها تأثير سلبي على البيئة، وحتى دون الحث على الالتزام بقوانين البيئة والتحذير من مخالفتها، فتندفع مجموعات الشباب بسيارات الدفع الرباعي إلى أماكن سقوط الأمطار فيما يشبه برحلة سفاري، وتقوم بتجريفها وتشويه وجه الأرض المنبتة الذي يبقى لفترات طويلة، وهو ما يفترض أن يتعارض مع قوانين البيئة بعدم دخول السيارات إلى المناطق والأراضي الممطورة، إلا للضرورة لأهالي تلك المناطق، ويضع ذلك عبئا مضاعفا على الجهات المختصة بحماية البيئة، فعلى من تقع مسؤولية ذلك؟ وأين دور جهات الحماية البيئية المختصة منه، ومن حث الجهات الأخرى على التعاون معها فيما يحقق قوانين حماية البيئة والمحافظة عليها والالتزام بها، لا ما يتعارض معها. ضعف التثقيف والقوانين والرقابة ومن الأدلة على ضعف التثقيف، وضعف القوانين وتطبيقها، هو قيام بعض المحلات التجارية والأفراد بنشر صور وفيديوهات ترويجية فيها مخالفات صريحة لقوانين البيئة، علنا في وسائل التواصل الاجتماعي، بالإضافة إلى مخالفات الجمهور علنا جهارا نهارا على جوانب الطرق العامة، من دهس وتجريف للرياض والمسطحات الخضراء بالسيارات والدراجات أو المركبات النارية، والتخييم ووضع دورات المياه بها، وإشعال النار على العشب وغير ذلك من مخالفات، دون حسيب ولا رقيب، وعلى حد سواء يجب أيضا أن يخضع مفتشو حماية البيئة لبرامج تدريب لتأهيلهم لمهام عملهم، وللتعامل مع الجمهور، فهذه ليست مهمة سهلة. لذلك يجب أولا سن قوانين واضحة و رادعة، تُعرّف فيها المخالفات وتحدد عقوباتها (بقدر الأضرار التي تقع على البيئة منها والتي يجب أن تكون رادعة، ومغلظة في حالة التكرار، للسيطرة على هذه الظاهرة، ويمكن الاستعانة بأهل الخبرة من أهل قطر في هذا المجال)، ثم يتم الإعلام بتلك القوانين من خلال برامج تثقيف وإعلام شاملة، خصوصا مع بداية وأثناء مواسم التخييم والأمطار، تُعرّف بالمخالفات البيئية والعقوبات القانونية المترتبة عليها، وتستهدف كافة الفئات المتعاملة مع البيئة القطرية، قبل الاندافع شبه العشوائي في كل مرة، بردة فعل مؤقتة، سرعان ما ينتهي مفعولها، وقد تأتي بنتائج سلبية. التعليمات الإرشادية على أرض الواقع إن من أهم طرق الإعلام ولإقامة الحجة القانونية، هو وضع التعليمات والتحذيرات الإرشادية على أرض الواقع (وتكثيفها على المخارج الرئيسية إلى البر وعلى الطرق البرية وفي الاماكن التي يرتادها الناس، وحول الرياض قدر الإمكان) وهو نظام معمول به في الدول المتقدمة في أنظمة حماية البيئة وشاهدته في أمريكا، ولكن يجب أن تطبق تلك القوانين لتكون ذات مصداقية، وإلا فالأفضل عدم وضعها، حتى لا تكسر هيبة القانون وتأتي بنتائج عكسية، بحيث تشتمل التعليمات الإرشادية على: عدم دهس أو تجريف الرياض والمسطحات الخضراء، والأراضي المنبتة بالسيارات والمركبات النارية أو بما يؤدي الى تجريفها أو إحداث أضرار للتربة المنبتة والأعشاب والنباتات والأشجار، وعدم التخييم، وضع دورات المياه بها، وعدم رمي المخلفات وفضلات الطعام وتلويثها، وإشعال النار على العشب والاحتطاب وقطع النباتات والأعشاب، والاعتداء على الأحياء البرية أو إزعاجها، وعدم الرمي والتنور أو الصيد المخالف للقوانين، واحترام أملاك وخصوصية الآخرين والعادات والأعراف القطرية، والالتزام بالقوانين المحلية. وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التثقيف والإعلام من خلال وسائل الإعلام (من تلفزة وصحف محلية) وتواصل اجتماعي، ورسائل نصية، وإعلام لدى محلات بيع مستلزمات التخييم، واشتراط رخصة لمحلات استئجار مستلزمات التخييم بشروط لحماية البيئة وكيفية التعامل معها، تنشر بشكل واضح أو يزود بها الزبائن والجمهور من مرتادي البيئة البرية. التثقيف والتعليمات من خلال رخص القيادة يا حبذا لو أدخلت وزارة الداخلية التعليمات بكيفية التعامل مع البيئة وقوانين حمايتها ضمن متطلبات الحصول على رخص القيادة، كعدم دهس وتجريف المسطحات الخضراء، وعدم تجريف التربة أو رمي المخلفات والتخلص من النفايات في البيئة البرية، لأن كثيرا من الناس يدعي عدم معرفته بتلك القوانين، كما يلاحظ كثرة التخلص من مخلفات البناء حول المزارع، بالإضافة إلى عدم دخول الجرافات البر إلا بتراخيص، وأرجو أن نصل يوما ما لهذه المرحلة. تثقيف النشء وطلاب المدارس أرجو أن نصل لمرحلة تقوم فيها وزارة التربية والتعليم بإدخال التثقيف بكيفية التعامل مع البيئة وحمايتها والمحافظة عليها، في منهاجها بشكل إلزامي لطلبة المدارس، وبهذا يتم نشر الوعي مبكرا ليتربى عليه النشء، وهو سلوك حضاري، ينم عن وعي وشعور بالمسؤولية، ويخفض تكلفة الرقابة وتطبيق القانون، والآثار السلبية المترتبة على البيئة، وينفي الادعاء بعدم معرفة القوانين لاحقا. ولكن زمام المبادرة مع الوزارتين المذكورتين أعلاه يقع على عاتق جهات حماية البيئة لطلب التعاون والتنسيق. الرقابة غير التقليدية في حال تكون الرقابة مكلفة، وتتطلب تغطية مساحات شاسعة بعدد كبير من المفتشين، فإنه يمكن في هذه الحالة استخدام طائرات الدرون، كما يمكن الاستعانة بالاهالي من سكان المناطق والتعاون معهم، فهم المتضررون الأوائل من التعديات البيئية، وتجدر الاستعانة بهم على حمايتها، وهو نظام وجدته يعمل به في أمريكا. رعي الإبل وتنظيم القنص من الواضح أن لمنع رعي الأبل آثار إيجابية على الغطاء النباتي والبيئة وتنميتها بشكل عام، ولذلك من المفيد الاستمرار في ذلك، كما أرجو أن يكون الوقت قد حان للنظر في تنظيم القنص بضوابط أو إرشادات تحد من آثاره الجانبية السلبية على البيئة، كدخول الرياض ودهس المناطق الممطورة وغير ذلك من ضوابط حماية البيئة والحياة الفطرية وتنميتها بشكل عام، ومنع صيد الطيور المواطنة، ومنع صيد الأرانب، لعدة سنوات لأنها منقرضة، حتى تتكاثر، وإنزال عقوبات مغلظة بمن يقوم بصيدها ليلا، ثم يمكن بعد ذلك النظر في تقنين صيدها بناء على تقييم نتائج منع صيدها.
1128
| 10 مايو 2023
رياض قطر.. مرابع الأجداد والارتباط الوجداني مع نهاية موسم التخييم والربيع لهذا العام، أعد هذه المراجعة التي أتناول فيها المخاطر التي تواجه البيئة البرية القطرية، والتحديات المترتبة على ذلك لمواجهتها من قبل الجهات المسؤولة عن حماية البيئة والمحافظة عليها وتنميتها. التعديات على رياض قطر والبيئة البرية لقد منَّ الله علينا هذا العام بأمطار خير وبركة عمت البلاد وفرح بها العباد ولله الحمد، لولا بعض المنغصات التي تكدر فرح أهالي المناطق البرية ومحبي البيئة القطرية، فهناك إشكالية متكررة مع كل موسم أمطار، تتمثل في التعدي على الرياض والمناطق المنبتة، من دهس وتجريف وعبث وسوء استخدام وتعامل يضر بها وببيئتها الطبيعية، وهذا يدل على إشكالية مستدامة في التعامل مع هذه الظاهرة. فتفشي الظواهر السلبية يعود لعوامل، منها: (أ) الجهل وقلة الوعي والتثقيف أو (ب) بدوافع تحقيق مكاسب، أو (ت) نظرا لضعف أو خلل على الجانب التنظيمي، يؤجج من ذلك كله ويفاقم من تفشي الظواهر السلبية، على الأخص: (1) ضعف القوانين، أو (2) ضعف تطبيقها أو (3) ضعف الرقابة، وأعتقد أن كل هذه العوامل متحقق في هذه الحالة. ولذلك الظواهر السلبية تتطلب سياسات استثنائية لمواجهتها؛ سياسات رادعة، وشاملة، ومستدامة، مع زخم تثقيفي كبير، لكسر تسلسل نقلها من جيل إلى آخر، للقضاء عليها أو إبقائها عند مستوى معقول. سياسات ردود أفعال ويلاحظ على الوزارات المتعاقبة، الميل إلى سياسات ردود الأفعال. فلا تتحرك إلا عندما تثار بعض التعديات على البيئة أثناء مواسم الأمطار والربيع من قبل بعض المواطنين في وسائل التواصل الاجتماعي أو غيرها، وإن لم يثر شيء فلا ضير، وكأن ما يهم هو ما يقوله الناس أوما يثار في الرأي العام، أما أصل المشكلة، وهو التعديات والمخالفات البيئية، فهو يبدو في حد ذاته كأنه أمر ثانوي، لذلك سرعان ما ينتهي مفعول ردة الفعل وتعود التعديات والممارسات السلبية إلى سابق عهدها، وكأن شيئا لم يكن، وهو ما شهدناه بالفعل مؤخرا في هذا الموسم، فقد كانت هناك ردة فعل قوية ومؤقتة من وزارة البيئة والتغير المناخي لما أُثير في وسائل التواصل الاجتماعي من مخالفات بعد سقوط الأمطار وأتت بنتائج جيدة ولكنها كانت مؤقتة وسرعان ما تبخر مفعولها، وعادت الناس للمخافات جهارا نهارا، فلا تكاد ترى روضة غنَّاء ولا رقعة خضراء إلا والمركبات في قلبها، تُجرف الأرض وتدهس العشب، وهناك من يشعل النار ويلوث ويشوه الطبيعة، ومناظر تستفز الغيورين، وتسوء الناظرين ولا تسرهم، وأقول ما هكذا ترسم ولا تمارس السياسات. ألا توجد سياسات واضحة ومستدامة، ويتم الإعلام بها، للتعامل مع هذه الظاهرة المتجددة القديمة؟ حتى يترسخ احترام القانون، والرقابة الذاتية في أذهان الناس، ويتعودوا عليها. إن التذبذب وعدم الوضوح والاستمرارية يفقد السياسات الجدية والمصداقية في نظر الجمهور، ويُفقِد القانون هيبته، ويأتي بنتائج عكسية. فكسر الظواهر السلبية يتطلب سياسات وقوانين استثنائية صارمة، وشاملة ومستدامة، حتى تفرض هيبة القانون. ارتباط وجداني رياض قطر ومرابع الاجداد ارتباط وجداني. والرياض، أو الروضات كما جاء في القرآن الكريم، هي جمع روضة، وهي أراضٍ منخفضة نسبياً، تراكمت بها ترسبات طينية بفعل سيول الأمطار عبر آلاف السنين وأصبحت كالأحواض الطينية الخصبة، ينمو بها السدر البري القطري، والسمر وغير ذلك من أشجار ونباتات، ومعظم أنواع الأعشاب في مواسم الأمطار والربيع، فتصبح مسطحات خضراء تسر الناظرين في محيط شبه صحراوي، وتشكل مراعي وموارد ومياهها عذبة. وقبل ذلك كانت هي مرابع الأجداد وشكلت موارد ومراعي وملاذا لهم ولحلالهم في أوقات الشتاء والصيف، عندما كانت ظروف الحياة قاسية، وارتبطت بوجدانهم وتاريخهم وتراثهم، ومسمياتها لها دلالات وتراث بحد ذاته، وبعضها ارتبط بأحداث تاريخية. وقد كان أهل قطر يخرجون إليها ويمكثون فيها في أوقات الشتاء والربيع، ويمارسون فيها حياتهم الطبيعية، فيقيمون فيها أفراحهم، ويولد فيها أبناؤهم، ويدفنون فيها موتاهم، ويحفرون فيها آبار المياه العذبة، ولكن كانوا أيضا شديدي الحرص على المحافظة عليها وحمايتها من العبث والاستهلاك الجائر، والدهس، والتجريف والتدمير والاحتطاب، وغير ذلك من سوء استخدام، وتكونت لديهم عادات وتقاليد متعارف عليها على ذلك، ولا يستطيع أحد مخالفتها، وورثها أبناؤهم وأجيالهم اللاحقة بعدهم، في محاولة للتمسك بها واتباعها كإرث ومورد يجب المحافظة عليه، وعلى ذلك أيضا بنيت قوانين حمايتها، وخرجت منها قوانين حماية البيئة البرية وتنميتها التي لا شك أنها بحاجة للتطوير والتطبيق، وهو تصرف منطقي حكيم، فهي إرث وتراث قطري أصيل، والاعتداء عليها يعد اعتداء على ذلك كله، وينم عن جهل أو عدم اهتمام أو ارتباط بها من المعتدي، وقصور من الجهة الرقابية المنظمة. فكيف لعاقل، ومن لديه ارتباط بالأرض، أن يدمر موردا يستفيد منه، ويفسد مكانا يحب ارتياده؟ ولا يوجد لرياض قطر مثيل في الجزيرة العربية، لا من حيث أحجامها ولا جمالها، فهي من الموارد الطبيعية النادرة التي تكونت عبر آلاف السنين وتجريفها وتدمير طبيعتها وبيئتها الجغرافية قد يلحق بها أضرارا بالغة لا يمكن تعويضها، لذلك يجب المحافظة عليها وتنميتها وإنزال عقوبات رادعة في سبيل تحقيق ذلك. ولمواجهة هذه المشكلة، سأتناول في الجزء الثاني من مقالي هذا، ما أعتقد أنه مسبباتها، من ضعف التثقيف والقوانين والرقابة.
2127
| 08 مايو 2023
ذكرت لأحد مقدمي برامج القنوات الاجنبية قبل انطلاق مونديال قطر، وهو يحاورني حول الانتقادات الغربية لقطر، سترى أفضل البطولات تنظيما في تاريخ كأس العالم، فقال لا يمكننا الحكم بذلك الآن، فلننتظر ونر. وقد ذكرت مع اشتداد حملات التشويه والهجمات العنصرية ضد قطر مع اقتراب البطولة أنه لا يجب أن يزعجنا ذلك كثيراً، فهي ستأتي بنتائج عكسية، فستجذب الانتباه والاهتمام أكثر بالبطولة وبقطر، وذلك ما كنا نبغي، وسيكشف ذلك زيف تلك الادعاءات، والصورة النمطية المشوهة التي يراد إلصاقها بالعرب والمسلمين، وستجذب أكثر نحو قيمنا وثقافتنا وحضارتنا وقضايانا، وهو ما حدث بالفعل. حرب ثقافية لم تكن هذه بطولة كسابقاتها، ولم تكن عادية أبداً، فقد حشد لإفشالها خصوم أقوياء، لإثبات أن قطر الصغيرة بحجمها، والفخورة بقيمها، والمستقلة بقرارها، غير مؤهلة لتنظيم هذه البطولة العالمية الكبيرة، حتى أن رئيس الفيفا السابق، نكص على عقبيه، نفاقاً، وحسناً فعل، فقد نجحت البطولة وخسر هو ومن راهن على فشلها، فما كان ينبغي لمنافق، نيل فضل ولا منة خلف نجاح بطولة قطر. كانت صراعا ثقافيا ولا أقول حضاريا، فلم أر في صراع الغرب حضارة. نعم كانت بطولة رياضية، ولكنها كانت أيضا حلبة صراع بين حق وباطل، بين الفضيلة والرذيلة، بين القيم والأخلاق، وبين البهيمية والإدمان والشذوذ، بين غرب مستعل يفرض انحرافه وانحلاله، وشرق يستذكر حضارته ويذود عن قيمه، ولكن الله غالب على أمره، فنظمت البطولة في قطر ونجحت بكل المقاييس، على المستوىين، التنظيمي، والقيمي. العالم يصوت لنموذج القيم والحضارة العربية الإسلامية في الدوحة فعلى المستوى التنظيمي، مكنت كفاءة البنى التحتية ووسائل الموصلات والأمن والنظام، الجماهير من حضور أكثر من مبارة في يوم واحد والتنقل بسلاسة وسلام ودون مشقة، وزاد حسن تعامل أهل قطر وقاطنيها مع زوارهم، حبا وتعلقا بها، وتقبلا لنموذجها القيمي والحضاري للبطولة. فكانت البطولة الأفضل تنظيما في تاريخ كأس العالم، بشهادة رئيس الفيفا وغيره من المنصفين. وحقيقة لم يفاجئني ذلك، فقد توقعته في ظل ما أنفقته قطر على تنظيم البطولة، وما تراكم لديها من خبرات سابقة، ولكن المثير للاهتمام، هو النموذج القيمي والحضاري الذي أصرت قطر على تقديم البطولة به، مع ما صاحبه من مخاطر بسحب البطولة، في ظل حملات التضليل والتحريض المغرضة ضد قطر، ولو لم تقدم البطولة بهذا النمط، لما تميزت على سابقاتها، ولربما أتى من ينظم مثل أو أفضل من قطر مستقبلا، فتبقى الميزة الحقيقية أن لهذه البطولة هدفا ورسالة أبعد من اللعب والمتعة، فهي تدعو إلى قيم وأخلاق أمة تحمل رسالة للبشرية، وكما أطلق عليها سمو الأمير مبكرا "بطولة العرب"، فكانت بالضرورة يجب أن تعكس أخلاقهم وقيمهم العربية، التي هي في الأساس إسلامية، فأصبحت بطولة للعرب وللمسلمين، بل ولشعوب الشرق والجنوب من دول العالم الثالث، والمنصفين من الغرب، وأصبحت كأنها تصويت عالمي على نموذج قطر، أو نموذج القيم والحضارة العربية الإسلامية مقابل نموذج الانحلال الغربي، وقد انتصر الأول بكل وضوح. وهنا أستذكر مقالاً نشر في مجلة The Nation الأمريكية الشهر الماضي للكاتبين كارون وليفي، يذكران فيه أن "الغرب قد فقد قيادته الكونية في الدوحة، أكثر من أي وقت مضى، فقد أعلن ذلك بوضوح بلايين البشر من سكان جنوب العالم في مونديال 2022، عندما حضروا وتابعوا وأعجبوا بالعرب، ولم يأبهوا بتحذيرات واتهامات الصحافة والساسة والمنظمات الحقوقية الغربية لقطر، التي أثبتت أنها قادرة على تحقيق أعظم نجاح تنظيمي للمونديال في التاريخ. وكذلك بدد رقي التعامل الرسمي والأمني، وكرم ولطف الشعوب العربية، وسماحة الدين الإسلامي، كل الصور النمطية لهذه المجتمعات والدول، وفضحت التغطيات الإعلامية الغربية تحيز وعنصرية وعجرفة الرجل الأبيض" وهذا ما ذكرناه مرارا وتكرارا قبل وأثناء البطولة. فعلى المستوى القيمي، لو لم يكن للبطولة من مكسب سوى التالي لكفى: دحر طوفان اللوطية، الذي يراد له اجتياح العالم، خصوصا الإسلامي الذي يشكل رأس حربة في مقاومتها وإظهار أن هناك من شعوب الأرض وعقلائها من لا يقبل بتطبيعها ونشرها، ويعيد نظر من أوشكوا من الغرب على التسليم بها بلا حول ولا قوة، وما من شك أن هذا الأمر مسيس، وخلفه من يخطط لهدم القيم، وإن بدا اندفاعاً عفوياً خلف الدفاع عن حقوق أقلية الشواذ كما يدعى. بر الوالدين والوفاء لهما، كما صوره المنتخب المغربي العربي المسلم، مقارنة بمن يحضر صديقته ويشرب المسكرات ووالداه في دور الرعاية. تعليم الأمم "المتحضرة" الطهارة، كما أطلق أحد مشاهير التواصل الاجتماعي الأوروبي على "الشطافة" أعظم اختراع بشري! فلم يخطر بخلد مخترعي الصواريخ العابرة للقارات والقنابل الهيدروجينية، أو بالأحرى لم تدفعهم الحاجة لهذه الفكرة البسيطة، ولكن ذات الأهمية البالغة لأداء إحدى أهم الوظائف الأساسية البشرية، وهي الطهارة أو النظافة الشخصية. وقد كان الفرنسيون يتنظفون بالأعشاب قبل اكتشاف المناديل الورقية، أما مكتشفها في أمريكا في أواسط القرن التاسع عشر، فقد نقش اسمه عليها من شدة فرحه. كشفت لمن لا يزال لديه شك من السذج، عنصرية الغرب ونفاقه ومعاييره المزدوجة، ومتاجرته بحقوق الإنسان، التي يبتز بها من لا يسير في تحقيق مصالحه ويغض الطرف عمن يحققها له، وإن كانوا مجرمي حرب، وأكثر الأمور استفزازاً، عندما تعطي العاهرة دروسا في العفة، فالغرب بسجله الاستعماري الذي نعلمه جيداً، وما بعد الاستعماري الذي نعايشه، إن كان في مستعمراته السابقة، أو في بلدانه، وما يمارسه من تفرقة عنصرية بين مواطنيه بناء على العرق والدين، وسوء معاملة المهاجرين واللاجئين، وخط أطفال المسلمين، غير مؤهل لإعطاء مواعظ في حقوق الإنسان. كشف زيف التطبيع مع الكيان الصهيوني ورفض الشعوب العربية له رغم مواقف حكوماتها، وأن فلسطين الجريحة لا تزال في وجدان الأمة، وهي أم قضاياها، فلا يكتمل فرح ولا نصر ولا تحرر دونها. كسر متلازمة المسكرات والبطولة، والتي هي مصدر معظم حالات الشغب والفوضى في الملاعب الأوروبية، لتصبح البطولة الأكثر أمنا وحضورا، والأفضل تنظيماً، وإزالة الاعتقاد المترسخ، بـ "لا بطولة بدون كحول"، كما ذكر لي أحد مقدمي برامج القنوات الأجنبية إنه لا يستطيع تخيل ذلك، فقلت تخيل البطولة بكحول، وقارن النتائج؟. اتهامنا بالتخلف والرجعية والإرهاب، لتخرج بطولتنا الأكثر أمنا وتحضرا، والأفضل قيما وأخلاقا. كسر احتكار الغرب وفرض هيمنته الثقافية لقد أثبتت قطر أنه بالإمكان تنظيم البطولة بنموذج مختلف عن النمط الغربي السائد، والمسلم بفرضه على بقية شعوب الأرض، حتى أتت بطولة قطر لتعيد النظر في ذلك، وتكسر احتكار الغرب، وفرض هيمنته الثقافية وانحلاله الأخلاقي من خلالها، وكأنها أصبحت أداة استعمارية، يتم من خلالها ابتزاز الدول واختراق سيادتها وسلخها من ثقافتها وقيمها وحضارتها، وإن سميت بطولة للعالم، فالمقصود بعالم، في قاموس الغرب هو "الغرب"، وللتخفيف قد يقال إن المقصود هو "العالم المتحضر، أو الديمقراطي". ونحن ندعو العالم للمقارنة وأخذ العبرة من تجربة قطر، وقد دعت بعض الصحف البريطانية وغيرها من المهتمين، لأخذ الدروس من تجربة قطر والاستعانة بها في تنظيم بطولات مماثلة، وأعتقد أنه بإمكان قطر تنظيم البطولة بعد فترة من الزمن لولا عنصرية الغرب.
1683
| 06 فبراير 2023
كثيرا ما تثار مسألة الجدوى أو المكاسب الاقتصادية التي ستجنيها قطر من تنظيم بطولة كأس العالم، وعن نجاح نموذجها الرياضي، وأرد بالقول إنه ليس نموذجا رياضيا بمعنى الكلمة، ولكنه نموذج قوة ناعمة. ففي تصوري أن هدف قطر لم يكن استثماريا بقدر ما هو التأثير من خلال القوة الناعمة، وهو إلى قدر كبير، امتداد لنموذج قناة الجزيرة، وبعضها مزدوج الهدف، قوة ناعمة واستثمار، وأعتقد أن ذلك ينطبق على استثمارات قطر الرياضية الخارجية، وغيرها من استثمارات في أوروبا وبعض أنحاء العالم، والخطوط الجوية القطرية إلى حد ما التي ظلت تحلق في السموات المفتوحة إبان فترة جائحة كورونا بينما كانت معظم أساطيل الخطوط الجوية العالمية رابضة على الأرض، فالهدف حينها لم يكن اقتصاديا بقدر ما هو جيو اقتصادي، أي استخدام الاقتصاد، لتحقيق مكاسب سياسية، ومنها إبقاء اسم قطر حاضراً على الساحة العالمية، وتقوية علاقاتها الجيوسياسية، والتأثير في دوائر صنع القرار من خلال هذه الاستثمارات، لتحقيق مصالح قطر الوطنية، وهو هدف مشروع جداً، وتمارسه كثير من دول العالم. وكذلك الهدف من تنظيم بطولة كأس العالم لم يكن اقتصاديا، وإلا لربما كان غير مجدٍ، مع تحييد ما تحقق من مكاسب ضمنية باكتمال بنية تحتية متطورة بسبب البطولة جانبا، فالهدف كان تعظيم القوة الناعمة لقطر، الذي أكاد أقول إنه قد بلغ ذروته بتنظيم بطولة كأس العالم، التي يفترض أنها عكست أوج صعود قطر حتى الآن. فهل نجحت قطر في ذلك؟ أقول نعم نجحت، على الاقل على المدى القصير إلى المتوسط، ونترك الأجل الطويل، وآثاره الأخرى، ومنها السياحية والاقتصادية للزمن، فلا يمكن الحكم عليها الآن. لقد نجحت البطولة في تثبيت قطر الصغيرة جغرافيا على خارطة العالم، وفي العمل على تفكيك الصورة النمطية المشوهة عن العرب والمسلمين إلى حد كبير، ولكن ذلك بحاجة للبناء عليه، وللاستمرارية، ليس بواسطة قطر وحدها، ولكن غيرها ممن يفترض أن يهمهم هذا الأمر من الدول العربية والإسلامية، فقطر قدمت نموذجا ناجحا حريا أن يحتذى به، وقد رمت بثقل تراثها وحضارتها العربية الإسلامية في سبيل تحقيق ذلك، ولو لبست ثوب غيره، كما ألبست ميسي البشت، لما تحقق لها ما تريد. انتصار نموذج القيم إن نجاح قطر الباهر ليس مجرد تنظيم فعالية عالمية كبرى، ولكنه في انتصار لمنظومة القيم والأخلاق ممثلة بالحضارة العربية الإسلامية على النموذج الغربي، الأشبه بالبهيمي الباحث عن المتعة بأية ثمن، من إدمان مسكرات ومخدرات، وشذوذ وانحلال، ولعل هذا سبب توتر الغرب واشتداد حملاته المحمومة مع اقتراب البطولة، وكأن هؤلاء قد أفاقوا من النوم فجأة واكتشفوا أن قطر هي من سينظم البطولة! وإن ألبست حقوق العمال، ثم المرأه، فالإنسان، فاللوطيين، فالقطط، فالكلاب، وغيرها، والحقيقة أن تنظيم قطر للبطولة معلوم سلفا لأكثر من عقد، ولكن المفاجئ كان ربما هو الطريقة التي ستنظم بها قطر البطولة، فكأن يؤُمل أن تُّجبر حملات الضغط هذه قطر على تغيير في موقفها والتخلي عن نموذجها القيمي الجديد للبطولة وذلك لعلمهم أن المنازلة ستسقط النموذج الغربي، بما لذلك من تبعات ودلالات على انحدار الحضارة الغربية وتحدي قيادتها للعالم. التحديات المستقبلية: الاتساق والاستدامة إن هذا الإنجاز يفرض على قطر تحديين، وهما الاتساق والاستدامة continuity and consistency. فالمحافظة على ما تحقق تتطلب الاستمرارية أو الصيانة، وإذا كان المستهدف الغرب، فإن التكلفة ستكون مرتفعة، وهنا تطرح مسألة الجدوى والاستدامة والأولويات، وفرصة التكلفة الضائعة، أي ماذا لو استثمرت تلك الأموال في مجال آخر، وليكن في القوة الصلبة مثلا؟ والقوة الناعمة قد تكون مكلفة بطبيعة الحال، وكذلك المحافظة على استدامتها وتأثيرها. ولذلك يجب التقييم والموازنة باستمرار بين المكاسب والتكاليف، بكل أنواعها. وقد عودنا الغرب على ضعف الذاكرة، في أحسن الأحوال، وإذا أضفنا لها العنصرية والاستعلاء، فهذا يعني جحود النصر، ونكران الهزيمة، وإن استيقنتها أنفسهم، فهذا الصنف لن يرضيه شيء وإن فرشت له الملاعب حريراً وطليت مقاعدها ذهباً، فقد أعمته الكراهية والاستعلاء والعنصرية، وكلما ازددنا نجاحاً، كلما استشاطوا غضباً، ولن يرضيهم إلا شيء واحد، وهو التخلي عن قيمنا وديننا، وتراثنا وحضارتنا، ونصبح توابع لهم، ولكن ما قيمة ذلك النصر حينها، وهل هو نصر لنا أم لهم؟ فأنصح بعدم الاكتراث كثيرا، وإضاعة الجهد والمال في محاولة تغيير نظرة هؤلاء إلينا، فهناك من شعوب الأرض الصاعدة وغير الصاعدة منهم أولى وأكثر إنصافا وتقبلا، وأقل عنصرية من الغرب، وقد ثبت ذلك في بطولة قطر، والتحولات العالمية تسير في تغير الأوضاع السائدة لغير صالح الغرب على أية حال. ولكن في ذات الوقت سيكون لهذا النصر ردود أفعال، وستحارب قطر وعليها توقع ذلك، وإن كان بأبناء جلدتها، من أذناب الغرب من المنافقين العرب وهم كثير، وإن كنا لا نعدهم في العير، ولا في النفير، فوضعهم يثير الشفقة، يغيظهم كل نجاح لقطر، ونصر للأمة، غير أن فائدتهم الوحيدة، أنهم كالتيرمومتر، فكلما اشتد عويلهم ولطمهم، أعلم أن ذلك مؤشر على النجاح. وللمحافظة على نجاح قطر والدفع به قدما ممثلا بنموذجها الأخلاقي والقيمي فيجب أيضا الاتساق، بحيث يشمل المجالات الأخرى، من سياحة واستثمار واقتصاد، وغيرها، حتى يعطي قوة ومصداقية، وانطباعاً موحداً، وليس صوراً مشوهة، أو رسائل متناقضة، تهدم ما تم إنجازه. لقد كسبت قطر من الجهتين، أمام خصومها بالخارج، والمتحفظين بالداخل، ممن كان لديهم بعض التخوفات، من تنازلات قد تخل بالقيم أو السيادة، أو نحو ذلك، وإن كان مؤقتا، ولم يسع الجميع بالخارج والداخل، إلا الإعجاب والاحترام، ورفع القبعة والعقال. فشكرا سمو الأمير على هذا الإنجاز.
2307
| 30 يناير 2023
إن ما تتعرض له قطر لم يعد انتقادات، بل هجمات مغرضة وممنهجة، وأصبح يتضح أكثر أنه لا أساس لها، وخلفها دوافع عنصرية بغيضة وأهداف أخرى، ولا يجب أن يزعجنا كثرتها مع اقتراب البطولة، فهذا يفقدها المصداقية، ويجذب الانتباه اكثر للبطولة، وهو ما نريد، وبالتالي سيكشف زيف هذه الحملات المضللة وصورها النمطية، ويأتي بعكس النتائج المرجوة منها، ويجذب أكثر نحو ثقافتنا وقيمنا. وهي لا تستهدف الاساءة لقطر فحسب، بل لكل العرب والمسلمين كأمة، وكثقافة، وكحضارة، وأراها تأتي في سياق سعي الغرب الدؤوب، بمساعدته أذنابه من المنافقين العرب الآن، لفرض هيمنته، ليس الاقتصادية والسياسية فحسب، بل والثقافية أيضا، وان كانت لا تتناسب مع خصوصية وثقافات الأمم الأخرى، فهذا غير مهم، وبما فيها من انحرافات وشذوذ، وانحلال أخلاقي، علينا وعلى غيرنا من شعوب وثقافات الأرض الأخرى. ويبدو أن الشعوب العربية والاسلامية هي الأكثر استهدافا، لأنها الأكثر محافظةً، وان كانت في مرحلة ضعف الآن، الا أنها لاتزال تشكل كتلة صلبة، ونموذجاً حضاريا آخر منافس للنموذج الغربي، خاوي القيم، الرافض للأخر، والساعي لالغائه، علواً في الأرض واستكباراً، وعنصرية تنم عن شعور بسمو العرق الأوروبي الأبيض على سائر خلق الله. فلماذا لم نسمع مثل ذلك، من الآسيويين، أو الأفارقة، أو شعوب أمريكا اللاتينية مثلا؟ وقد عبرعن شيء من ذلك مؤخراً أكبر مسؤول في السياسة الخارجية الأوروبية، بقوله ان أوروبا حديقة متحضرة، ومعظم بقية العالم أدغال، فقد عبرعن الذهنية الغربية، ونسى أن الحديقة الأوروبية المتحضرة قد بنيت من نهب ثروات تلك الأدغال واستعباد شعوبها. وهل هذا هو وجه أوروبا المتحضر الذي تطل علينا به بين حين واخر، بمثل تلك الرسوم القبيحة، المليئة بالكراهية والعنصرية، تسب وتشتم رموز الأمم الأخرى الدينية، وتهاجم وتحتقر ثقافتها وقيمها الحضارية، وتزدري الرسول الأعظم، ومعلم البشرية الأول، نفاقا وكذبا باسم حرية التعبير وحقوق الانسان، وهو واضع حقوق الانسان ومتمم الأخلاق، فتضلل وتحرض على التطرف والكراهية، وتعزز صورة نمطية كاذبة. فهل تُّجر بطولة رياضية الى حلبة صراع تاريخي أشمل بين غرب متوتر يخشى أفوله، وشرق عربي اسلامي يخشى قدومه، فتتحول الى منصة هجوم عنصري وحملات تضليل كاذبة، عوضا عن اختلاف وحوار متحضر تتم فيه مقارعة الحجة بالحجة والبرهان بالرهان، أم أن القارة العجوز عجزت عن ذلك وتعلم أنها خسرت معركة القيم والأخلاق منذ فترة، قتلجأ للتضليل والنمطية والتحريض على الكراهية والتخويف من الاسلام والمسلمين. فالخوف لو تأثر وأسلم أحد المشاهير، فكم سيكون لذلك من تأثير على الجماهير، والاسهام في كشف زيف ذلك التضليل والصور النمطية التي يراد اظهار الاسلام والمسلمين بها. وقد قرأت تعليقا لصحفي انجليزي يعرض فيديو لمنتخب بلاده وهو يتدرب في قطر والأذان يؤذن، ويقول انه مؤثر. حقوق الإنسان إن من يصدق أن الغرب يهتم بحقوق الانسان فهو ساذج. فلا يوجد منتهك لحقوق الانسان، أكبر من الغرب وأنظمة التي تتشدق بها الآن، سواء استذكرنا سجله الاستعماري غير البعيد، أو امتداده القريب، الذي أباد واستعبد شعوبا في أمريكا وأستراليا، وأفريقيا، وآسيا، ونهب ثروات معظم شعوب العالم الثالث اليوم، وفرض نظام فصل عنصري اسرائيلي محتل، وأنظمة ديكتاتورية تخدم مصالحة، وتبقي شعوبها في دائرة الفقر والتخلف والفساد والاستبداد، وفي حين هو يدعم حركات التحول الديمقراطي في أوروبا الشرقية، فهو يدعم الأنظمة الاستبدادية في العالم الاسلامي، وهو يعلم أنها الأكثر انتهاكاً لحقوق الانسان، طالما ظلت تحقق مصالحه، ومتى تمردت عليه، ابتزها بحقوق الانسان. فأي نفاق أكبر من المتاجرة بقضية مقدسة كحقوق الانسان. أما في بلدانها فلا يزال كثير منها يمارس التفرقة العنصرية والمعايير المزدوجة بين مواطنيها بناء على العرق والدين وتسيء معاملة المهاجرين واللاجئين، في فرنسا والسويد، والدنمارك وغيرها. فعلى الأوروبيين الكف عن محاولة اعطائنا مواعظ في حقوق الإنسان. وللأسف ان هناك من السذج من أبناء جلدتنا من يحرض علينا ولا يزال يحيك الدسائس ضدنا، ظناً منهم بأنهم بذلك يستهدفون قطر وحدها، ولا يعلمون أو قد يعلمون أنه لو نظمت بلدانهم هذه البطولة، لتعرضت لنفس الحملات العنصرية الابتزازبة المغرضة. ففي نظر الغرب المتطرف، الكل سيان ولا فرق عندهم بين هذا العربي أو ذاك، فكلهم في قارب واحد. حقوق العمال للأسف كثيرا ما تستخدم المنظمات الدولية (سواء في مجال حقوق الانسان أو الاقتصاد والمال أوغيرهما) كأدوات وأذرع خفية لتحقيق أهداف الاستعمار الغربي القديم، بحجج حقوق الانسان، والتنمية وحرية الأسواق، فهناك ازدواجية في هذا المجال. ولا تكاد تخلو دولة، بما فيها الدول الأوروبية التي تعد نفسها متقدمة، كفرنسا وغيرها، من الانتهاكات لحقوق العمال والمهاجرين، والانسان بل والعنصرية الممنهجة. كما لا يدعي أحد أن سوق العمل في قطر خالية من العيوب وأوجه القصور التي يتم تطوير سوق العمل لتداركها، فهي ليست استثناء، ولكن لا يمكن القول ان هناك نمطا، أو ظاهرة. ونستطيع القول ان العمالة الأجنبية في قطر تتمتع بحقوق، لا يتمتع معظمها بمثلها في أوطانها، ويظل ذلك جزءا من تعاليم ديننا وأخلاقنا، قبل القوانين الدولية. وقد قامت قطر باصلاحات لسوق العمل، أثنت عليها منظمة العمل الدولية والفيفا، فرفعت الحد الأدنى للأجور، ونظمت ساعات العمل والسكن وغيرها، وألغت نظام الكفالة مع الملاحظات على ذلك، ومع أنه مطبق في كثير من دول العالم وله مبرراته، التي لست بصدد تناولها الآن، ولكن منها أن هناك تكاليف ثابتة للاستقدام والتدريب يدفعها المستقدم الأول الذي يتضرر بسبب انتقال العامل لعمل اخر دون مراعاه لذلك، وقد يتم الاستحواذ على هؤلاء من أصحاب أعمال وشركات أكبر وأوفر حظا، وهذا قد يحدث ارتباكا في سوق العمل ويلحق أضرارا باصحاب الأعمال والحرف الأصغر. ان سوق العمل حرة في اصلها وفي أوطانها، ويمكن التسوق والاختيار هناك، ولكن حينما يتم الاستقدام، يجب الالتزام بالعقود، لأنه مطلوب للاستقرار، ولتعزيز تنافسية الأسواق وازدهارها. إن دول الخليج تعاني من خلل في التركيبة السكانية، وهي تتبنى نظام هجرة مفتوحة للعمالة الأجنبية، ليس له مثيل على مستوى العالم، وهذا نتيجة لنموذج النمو الريعي العقاري القائم على كثافة استخدام اليد العاملة، الذي تتبناه هذه الدول، وهذا يخلق فرص عمل ودخولا كبيرة لهذه العمالة ولعلائلاتها، ويسهم في خفض معدلات الفقر وفي رفع مستويات المعيشة في بلدانها، وفي تنمية أوطانها، ولكنه يأتي بثمن باهظ على دول الخليج، اجتماعيا، واقتصاديا، وسياسيا. فهو يؤدي الى تسربات كبيرة في رؤوس الأموال الوطنية الى الخارج من خلال تحويلات العاملين، ويؤدي الى تحورات في التركيبة السكانية للمجتمع، حتى أصبح المواطنون أقليات في أوطانهم، وهذا يقرع جرس انذار لدول الخليج، وقد تكون له تبعات سياسية مستقبلا، وهذه ظاهرة غير موجودة في الغرب، لذلك تجب مراعاة هذه الخصوصية لدول الخليج، ولكن لا أعتقد أن الدول الغربية تكترث لذلك، ان لم تكن تشجعه وتدفعه أساسا، ولنتذكر جيداً هذا الجانب في النموذج السنغافوري، الذي أدى الى فصل سنغافورة عن ماليزيا الأم لتوطين العمالة الصينية المهاجرة، لذلك لا يجب التعويل كثيراً على الغرب ومنظماته الدولية في تفهم ذلك، ولا يجب الرضوخ لكل ما يطلبون. حقوق المثليين هل يتسبب حضورهم البطولة في مواجهات مع السلطات أو أزمات دبلوماسية مع بلدانهم وهنا أتساءل وما هي حقوق المثليين المطلوبة من قطر؟ فليحضروا المباريات كغيرهم، ولكن ليس من حقهم مخالفة قوانين البلاد، ويجب عليهم أن يحترموها وان يلتزموا بها كغيرهم. ان اباحة الغرب للشذوذ، لا يعني أن نتبعهم، ولا يعني أنهم على حق. ولا أعلم لماذا، ولكن من الواضح أن لدى الكثير من هؤلاء مشكلة مع الأخلاق، فتجد حملاتهم المكثفة تصوب نحوها، وتحوم حول هدمها، وهذا لا علاقة له ببطولة رياضية!. وأتمنى أن يحترم هؤلاء قوانين البلاد وان يلتزموا بها، والا فليكونوا عرضة لتطبيق القانون، ولا ينبغي أن يتسبب ذلك في خلاف دبلوماسي مع أية دولة، لأن كل دولة تريد وتتوقع أن تُحترم قوانينها، انظر الى فرنسا مثلا مع ازدواجية معاييرها. فكما يحبون ويتوقعون أن يلتزم من يزورهم بقوانينهم، فنحن كذلك. ثم ما هي القضية التي يناضل من اجلها هؤلاء؟ ليست لديهم قضية! انهم لا يناضلون من أجل حقوق انسان، كالسود في أمريكا، أو الايغور في الصين، أو الروهينجا في ماينمار، أو المحجبات في فرنسا، أو سوء معاملة اللاجئين أو الأطفال، أو شيء من ذلك. في الحقيقة، ان ما يدعون اليه، هو ضد الفطرة البشرية وحتى البهيمية، ولو طبق العالم فكرتهم وممارساتهم، لتوقف النمو الاقتصادي، ولاختفى الجنس البشري في أجيال معدودة، ولتحول العالم الى خراب. فما الحكمة من محاولة تطبيع ذلك ونشره في المجتمع؟ وأنت هنا لحضور بطولة والاستمتاع بالمباريات، فما هي الرسالة التي تريد ايصالها باستعراض ميولك أو انحرافاتك الجنسية؟ لماذا لا تحتفظ بها لنفسك وكفى؟ ان الدعوة، وبأية طريقة، للشذوذ والرذيلة، ومحاولة تطبيعها، ونشرها في المجتمع، يجب أن تقاوم بشدة، خصوصا اذا كانت تستهدف الشباب، بمحاولة التأثير عليهم أو تضليلهم أو افسادهم، فيجب أن تحارب بكل بقوة. ثم ان التزام هؤلاء بالقانون، فهو حماية لهم، من أي ردود أفعال من الجمهور والعامة.ً رسالتنا للعالم من كأس العالم وأختم بالقول، لقد أنفقنا في الاعداد لهذه البطولة حتى الآن 220 مليار دولار، لتصبح الأغلى في تاريخ بطولات كأس العالم، وعدلنا الأنظمة والقوانين، وفعلنا كل ما هو ممكن لانجاحها، سعيا لتكون البطولة الأفضل تنظيمياً في تاريخ بطولات كأس العالم، وعوضا عن أن نشكر على ذلك، ها هي حملات التحريض العنصرية المغرضة تزداد وتتطور مع اقتراب البطولة. فبداية، تحججت بحقوق العمال، ثم النساء، ثم الانسان، ثم الشواذ، ثم القطط والكلاب، وغير ذلك، ثم في اخر صيحة، حتى كتابة هذا المقال اتهمت قطر بالتجسس على المشجعين من خلال تطبيقي هيّا، واحتراز، ولن تتوقف الهجمات والمؤامرات، ولن يرضى عنك من أعمى بصيرته الحقد والكراهية والعنصرية مهما فعلت. فاذا كنا نفتخر باقامة هذه البطولة لأول مرة في بلد عربي ومسلم، واذا كنا ندعي أنها بطولة لكل العرب، وأنها تمثلهم، فلتكن كذلك، فبالضرورة هي يجب أن تعكس مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم العربية الاسلامية، التي هي في المقام الأول قيمنا وأخلاقنا، ولنقدم نموذجا جديدا في تاريخ بطولات كأس العالم حري بالعالم أن يحتذى به، فلنثبت على ذلك ان كنا على الحق، ونلتزم بمبادئنا وأخلاقنا وقيمنا، ولنقدمها خير تقديم كنموذج حضاري اخر للعالم، الذي يقاتل الغرب مفلس القيم والأخلاق من أجل احتكاره، ولا نتنازل عن ذلك أوعن شيء من سيادتنا، ارضاء لغرور هذا أو عنصرية ذاك، فلن يرضيهم اي شيء، ولنقدم البطولة بطريقنا ونموذجنا الأخلاقي، ومن شاء فليحضر، ومن لم يعجبه ذلك فليبق في بلده. فلا يمكنك ابتزاز دولة ذات سيادة من أجل بطولة رياضية مدتها 28 يوما. وأسأل الله أن تخرج قطر بعد كأس العالم أكثر عزة وقوة وثباتا على الحق والمبادئ أكثر من ذي قبل.
2301
| 20 نوفمبر 2022
من المتوقع أن يواصل الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي رفع سعر الفائدة اليوم بنسبة 0.75 %، ليكون هذا الرفع الرابع من نوعه بهذا الحجم على التوالي، والسادس خلال هذا العام، ليصبح سعر الفائدة الأساسي في نطاق 3.75 - 4% ومن المتوقع أن يواصل ذلك في بقية العام، في محاولاته الحثيثة لكبح جماح التضخم الذي أوشك أن ينفلت من عقاله، عند 8.2 % سبتمبر الماضي. هدف البنوك المركزية ضبط التضخم وتتفق معظم البنوك المركزية العالمية على استهداف التضخم، لما لذلك من دور كبير في تعزيز الاستقرار الاقتصادي، وبالتالي النمو الاقتصادي، والاستقرار والرفاة الاجتماعي. أما الاحتياطي الفيدرالي فهو يحاول الموازنة بين استهداف التضخم والتوظيف. وبما أن معدلات البطالة منخفضة عند 3.6 % في سبتمر الماضي، فإن ذلك يتيح له التركيز على هدف استقرار الأسعار. وقد ارتفعت معدلات التصخم كذلك في منطقة اليورو لأعلى مستوى منذ إطلاق اليورو عند 10.7 % في شهر أكتوبر، و8.8 %، في بريطانيا في سبتمبر على أساس سنوي، مدفوعا بشكل أساسي بتضخم أسعار الطاقة والغذاء، وقد رفع المركزي الأوروبي والبريطاني أسعار الفائدة بأعلى معدلات هي الأخرى منذ فترة طويلة، وستواصل ذلك مستقبلا. أما في أمريكا فقد وصل معدل التضخم لأعلى مستوى له في أربعة عقود عند 8.2 %. وقد تضافرت عدة عوامل في ذلك، نتيجة صدمة إيجابية على جانب الطلب (رفع)، قابلتها صدمة سلبية على جانب العرض (خفض) أدت إلى ارتفاع معدلات تضخم، قد يصحبها انكماش لاحقاً، فيصبح ركودا تضخميا، أي انكماشا أو ركودا مصحوبا بتضخم، وهو من الحالات النادرة، إذ عادة ما يصاحب التضخم النمو الاقتصادي القوي، وليس العكس، كما حدث في قطر خلال الطفرة التي سبقت انفحار الأزمة المالية العالمية، فقد كانت قطر الأسرع نموا في العالم خلال تلك الفترة، ولكن كان مصحوبا بمعدل تضخم مرتفع. مصادر التضخم أما مصادر التضخم من جانب العرض فهي نتيجة لارتفاع أسعار الطاقة، والغذاء، والأسمدة (بسبب الحرب الروسية الأوكرانية)، وعودة الإغلاق في الصين، وقبلها تبعات فيروس كورونا الذي دمر جزءا كبيرا من سلاسل الإمداد وقوة العمل وأدى إلى خفض العرض العالمي. أما ارتفاع الطلب فيأتي نتيجة للتعافي من جائحة كورونا، بعد سياسات مالية ونقدية توسعية جداً، وارتفاع الادخار. ولأن هناك طلبا قويا أسرع من استجابة العرض، فإنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وأتت الحرب الروسية الأوكرانية، بتبعاتها على نقص الطاقة والغذاء لتصب الزيت على النار، ولأن جزءا كبيرا من هذا التضخم بسبب صدمة من جانب العرض، بسبب نقص الطاقة والغذاء، فإن البنوك المركزية لا تستطيع فعل شيء حيال ذلك، ولكنها تحاول معالجته بإحداث صدمة سلبية على جانب الطلب لتثبيطه، والإبطاء من عجلة الاقتصاد، وذلك برفع تكلفة الائتمان من خلال رفع أسعار الفائدة، لكبح التضخم. إن عدم ضبط التضخم المرتفع، يؤدي إلى انفلات التوقعات التضخمية، ويدخل الاقتصاد في دوامة سباق متسارعة بين الأسعار والأجور، تدخل الاقتصاد في انكماش قد يطول على أية حال كما حدث في السبعينيات، والمركزي الأمريكي والبنوك المركزية الأوروبية، تريد تجنب ذلك، هذا بالإضافة إلى الآثار الاجتماعية والسياسية للتضخم. تكلفة ضبط التضخم ولكن الإشكالية هي في حجم ووتيرة الرفع المتسارعة، والتي لم يحدث لها مثيل منذ عدة عقود، وتأثيرها على القطاعين الحقيقي والمالي في الاقتصاد. بمعنى آخر هل يتسبب ذلك في إدخال الاقتصاد في انكماش، بالإضافة إلى الآثار السلبية الأخرى على أسواق المال والدين والعقار؟ فبأي تكلفة سيتم ضبط التضخم، وهل ستكون مبررة؟ كانت التوقعات بانكماش معتدل مع منتصف العام القادم نحو منطقة السالب، وارتفاع في معدل البطالة من 3.7 % هذا العام إلى 4.4 %، العام المقبل في أمريكا، ولكن يبدو أن هذا السيناريو كان متفائلا. فلسوء الحظ أن هذه الأزمة أتت بعد فترة طويلة من السياسات المالية والنقدية التوسعية جداً، وتراكم الدين لمستويات عالية، على أثر أزمة كورونا وما قبلها، ولذلك سيكون لمحاولة الخروج منها بهذه الطريقة القوية والمفاجئة، باقتصاد مثقل بالدين، ثمن باهظ، وهو وضع مشابه للأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة ديون أوروبا السيادية عام 2010، إذ ابتدأتا من مستويات عالية للدين. ولن يكون خفض التضخم سلساً وبآثار سلبية محدودة في الأجل القصير، كما كان متوقعا، بل على الأرجح أن تكون على شكل صدمة عميقة وليست بقصيرة الأجل. ويجب ألا ننسى أن هذا الرفع قد ابتدأ من أسعار فائدة مقاربة للصفر، بسبب السياسات النقدية التوسعية لمواجهة أزمة كورونا، بالإضافة إلى ما تم ضخه من سيولة ورؤوس أموال هائلة، وديون مرتفعة في النظام المالي، فلم يكَد الاحتياطي الفيدرالي الخروج من سياسة أسعار الفائدة شبه الصفرية والتيسير الكمي لضخ كميات عاملة من رؤوس الأموال، خلال فترة الأزمة المالية العالمية من 2016-2008، حتى عاودها خلال أزمة كورونا عام 2019. أزمة مالية جديدة فمع حجم الدين الكبير، وفي جميع القطاعات الاقتصادية - القطاعين العام والخاص؛ العائلي، والشركات والمؤسسات المالية وغير المالية؛ والحكومات والدول، فإن رفع سعر الفائدة بهذا القدر والوتيرة، سيخلق أزمة ديون وضغوطات مالية كبيرة، ويرفع من حالات الإجهاد في النظام المالي. وهذا سيؤثر سلبا على أسواق العقار والمال، وعلى مقدرة القطاع العائلي وقطاع الأعمال المالية، وسيخفض الاستهلاك والإنفاق ويطمس الاستثمار من جهة، ومن جهة أخرى سيرفع تكلفة خدمة الدين. وبالتالي هذا سيقود إلى نفس النتيجة وسيجعل الانكماش أسوأ، ولذلك المركزي الأمريكي والبنوك المركزية في مأزق. فهدفها الأساسي هو ضبط التضخم، وإن لم تفعل فسيخرج التضخم عن السيطرة، بآثارة الاقتصادية والاجتماعية المدمرة، وإن فعلت فسيحدث ذلك أزمة مالية ثم اقتصادية، ثم انكماش عميق، والسبب هو حجم الدين الهائل في النظام المالي. فالدين يكاد يكون هو في قلب كل أزمة مالية، فمعظم الأزمات المالية تاريخيا، سبقها عاملان، هما توسع مفرط في منح الائتمان، وتضخم في أسعار الأصول. وبالتالي فإن محاولة ضبط التضخم الآن، بحسب هذا السيناريو، ليس فقط سيحدث صدمة اقتصادية كبيرة، بل إنكماش عميق، وانهيار في أسواق الأصول – العقار والمال بجميع أنواعها. وفي هذه الحالة سيغذي انهيار القطاع المالي، القطاع الحقيقي، وسيكون هناك أثر متبادل بين الاثنين يقود إلى انهيار مالي اقتصادي. فما كاد الاقتصاد العالمي أن يتعافى من أزمة جائحة كورونا، حتى أصيب بأزمة اجتياح روسيا لأوكرانيا. قطر ودول الخليج ولأن البنوك المركزية الخليجية تثبت عملاتها أمام الدولار الأمريكي، فلا يوجد لديها خيار سوى اتباع سياسة الاحتياطي الفيدرالي النقدية. وحاليا يوجد توافق في التوجهات التضخمية بين دول الخليج وأمريكا، جزئياً، بسبب ارتفاع، مداخيل النفط في الأولى، وأسعاره في الثانية، فالرفع عموما في الاتجاة المناسب الآن، عكس التفارق الذي حدث في الدورة التضخمية التي سبقت الأزمة المالية العالمية 2008، وجزء من التضخم الخليجي محلي والآخر مستورد بسبب ارتفاع الأسعار الدولية، وبالتالي هو متسق مع التضخم العالمي. ولكن حجم ووتيرة الرفع المتسارع في أسعار الفائدة الأمريكية، سيكون له آثار سلبية على أسواق المال والعقار والدين الذي سترتفع تكلفته على المقترضين، وأسواق المال أيضا ستتأثر سلبا بهبوط أسواق المال العالمي، لكن ذلك لن يقود إلى انكماش، خصوصا في قطر. الدول العربية والاقتصادات النامية والمتحولة أما الدول العربية الأخرى فستصاب بصدمة ثلاثية: ارتفاع أسعارالغذاء، وارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع أسعارالفائدة وتكلفة الائتمان وخدمة الدين، وسيؤدي ذلك إلى خروج في رؤوس الأموال من هذه الدول، وإلى انخفاض قيم عملاتها، وبالتالي أيضا المزيد من ارتفاع معدلات التصخم وارتفاع تكاليف خدمات الديون المقومة بالدولار، وستحد هذه العوامل من التعافي من أزمة كورونا وربما يدخل بعضها في انكماش عميق أو ركود تضخمي اعتمادا على حدة هذه العوامل، وكذلك الحال بالنسبة للاقتصادات النامية والمتحولة، فبالإضافة إلى معدلات التضخم المرتفعة بسبب نقص الطاقة والغذاء، فإنها أيضا ستواجه حركة عكسية بخروج رؤوس الأموال وهبوط أسعار صرفها، وبالتالي المزيد من ارتفاع معدلات التضخم مع ارتفاع تكلفة الديون الدولارية، وقد يدخلها في انكماش، أو ركود تضخمي. متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي
1806
| 02 نوفمبر 2022
أتناول التأثيرات المحتملة للحرب الروسية الأوكرانية على العالم العربي من محورين هما الأمن الغذائي والطاقة. فالدول العربية لا تنتج غذاءها وجميعها مستورد للغذاء، ولكن هناك مصدرين ومستوردين للطاقة، وهناك تأثيران متضادان للحرب على هاتين المجموعتين. ويمكن القول إن الدول المصدرة للطاقة ستستفيد من ارتفاع أسعارها، وهي في وضع نسبي أفضل من حيث مؤشرات أمنها الغذائي، وتنوع مصادر استيراد الغذاء ونظم تخزينه، بالإضافة إلى أوضاعها المالية الأفضل للإيفاء باحتياجات السكان، ما عدا العراق وليبيا اللتين تعانيان من عدم استقرار سياسي. أما المجموعة المستوردة للطاقة، فقد تصاب بصدمة مزدوجة، من حيث ارتفاع أسعارالغذاء والطاقة، وربما نقص الامدادات من الأول، وهي تعاني من قصور في أنظمة التخزين وأقل تصنيفاً على مؤشرات الأمن الغذائي، وبعضها يعاني أساسا من اضطرابات داخلية وعدم استقرار، مثل لبنان، وسوريا، وتونس، والسودان، واليمن، والصومال. هل تشكل الحرب الروسية الأوكرانية تهديدا للأمن الغذائي العربي؟ هناك فجوة غذائية وعجز غذائي عربي متنام منذ فترة طويلة يتم سداده بالاستيراد من الخارج، وهناك تركز في الاستيراد من روسيا وأوكرانيا. فتشير الإحصاءات إلى أن قيمة الصادرات الغذائية الرئيسية العربية تبلغ نحو 16 مليار دولار، مقابل 61 مليارا واردت، بفارق 45 مليار دولار، وتستورد الدول العربية من الخارج ما نسبته % 63 من احتياجاتها من القمح، و% 75 من الذرة، و %65 من السكر، و %55 من كل من الأرز والزيوت النباتية، و %30 من اللحوم، وتستحوذ على ربع صادرات القمح العالمية ولا تنتج سوى %2.5 من الحبوب على مستوى العالم، ومصر هي المستورد الأول للقمح عالمياً بنسبة %11، إذ تستهلك 18 مليون طن سنويا، تستورد منها 13 مليون طن، بعد أن كانت سلة غذاء العالم العربي، ومصدراً رئيسيا للقمح، وروسيا هي المصدر الأول للقمح، وأوكرانيا الخامسة عالميا، والبلدان يشكلان نحو ربع وثلث الإنتاج والصادرات العالمية منه على التوالي، و%80 من صادرات الزيوت العالمية. وتستورد الدول العربية نحو %40، و %42 من القمح الاوكراني والروسي على التوالي، وهناك قصور في أنظمة التخزين لديها. وبالتالي هي عرضة للأزمات وتقطع سلاسل الإمداد وارتفاعات الأسعار، خصوصاً منها دول المغرب العربي ومصر والسودان، وسوريا ولبنان، والضفة الغربية، واليمن. أما دول الخليج، فتستورد نحو %90 من مواردها الغذائية، ولكن مصادر استيرادها أكثر تنوعا، ولديها نظم تخزين أفضل، وبالتالي هي في وضع نسبي أفضل من بقية الدول العربية، وتأتي قطر الأولى عربيا على مؤشر الأمن الغذائي العالمي، ولا شك أن قطر استفادت من تجربة الحصار، فنوعت مصادر الامداد، ووسعت الطاقات الاستيعابية لأغراض الامن الغذائي والامداد اللوجستي، ودعمت الإنتاج الحيواني والزراعي المحلي، فآتى ذلك أكلة الآن، فرب ضارة نافعة. وفي الأجل القصير، يمكن تحويل خطوط الإمداد إلى مصادر بديلة، ولكن الأسعار سترتفع (وقد ارتفعت أسعار القمح بنسبة %50، وقس على غيره من الحبوب، والأسمدة بنسبة %300 حتى الآن)، فهناك توقف في الإنتاج وعقبات لوجستية بسبب الحرب، إضافة إلى اتخاذ دول أخرى منتجة تدابير بخفض صادراتها لمواجهة ارتفاع الأسعار) وسيخلق ذلك ضغوطات كبيرة على موازنات وموارد هذه الدول، بالإضافة إلى ضغوطات ارتفاع أسعار الطاقة على الدول المستورده لها، وسترتفع فواتير الاستيراد والدعوم عليها، ولو طال أمد الحرب، وحدث تقطع أو نقص في الإمدادات، أو ارتفاعات كبيرة في الأسعار فقد يخل ذلك بالتزامات هذه الدول بتوفير المواد الأساسية والأمن الغذاء لشعوبها، وقد يؤدي ذلك إلى زعزعة الاستقرار الاجتماعي والسياسي فيها. الفشل والفساد إنه لأمر معيب حقا ويدل على فشل ذريع في السياسات في هذه الدول، فإشكالية الأمن الغذائي العربي مزمنة، ويبدو أن الأنظمة لا تتعلم من تجارب الماضي، والأزمات السابقة، لا المتأخر منها، كالأزمة المالية العالمية عام 2008، وأزمة كورونا، وثورات الربيع العربي، ولا ثورات الخبز قبلها. فلا يوجد نقص لدى هذه الدول في مقومات الإنتاج الزراعي، وتحقيق الاكتفاء الذاتي، لا من حيث الأراضي الزراعية، ولا الأيدي العاملة، ولا رؤوس الأموال، ولكنها تعاني من سوء التخطيط والإدارة، والفساد، التي تبقيها عرضة في قوتها لتقلبات الأسواق العالمية، والابتزاز والأوضاع الجيوسياسية والحروب، وإن لم يكن لها فيها لا ناقة ولا جمل. إن أمة لا تزرع غذاءها، وهي تستطيع، هي أمة مفرطة، وعليها تحمل تكلفة ذلك باهظاً عاجلاً أو آجلاً، وإن أنظمة لا تؤمن غذاء ودواء شعوبها وهي تستطيع، هي أنظمة فاشلة فاسدة، لا تستحق البقاء على الكرسي ولا ليوم واحد. وتشير الإحصاءات إلى أن المساحة الصالحة للزراعة في الوطن تساوي مليوني كم مربع، أي نحو %15 من مساحة الوطن العربي البالغة 13.5 مليون كم مربع، وهي مساحات شاسعة، في السودان، وسوريا، والعراق، ومصر، والمغرب، والجزائر، وتقارب مساحة المملكة العربية السعودية، ولكن المستغل منها نحو الثلث فقط، ولا تساهم إلا بما نسبته %2.5 من انتاج الحبوب، و%4 من الإنتاج الزراعي العالمي. أين الخلل وما هو الحل؟ سيقال إنه: التصحر، والنمو السكاني، والزحف العمراني، وسوء التخطيط والتخزين، وانخفاض الدعوم، وارتفاع الضرائب والرسوم، وضعف البنى التحتية، والتعاون العربي، واستخدام التكنولوجيا... إلخ. وسأختصر كل ذلك في كلمتين: إنه الفساد والفشل. فساد الأنظمة وفشل السياسات. فهناك سوء تخطيط وسوء إدارة، وفساد. وإلا فما هو دور الحكومات؟ أليس التنبؤ، ووضع الخطط والحلول؟ مع أن الأشكالات التي نتحدث عنها حقائق وواقع يعاش، وليس بحاجة لتنبؤات! فمطلوب أولا مكافحة الفساد، وإصلاح الأراضي وتفكيك نظام الإقطاع المتنامي، والاحتكار، وتنمية البنى التحتية – من مواصلات، وكهرباء، ومياه، والاستغلال الأمثل للأراضي الزراعية والموارد المائية، وتوظيف التكنولوجيا، وتبني سياسات سليمة محفزة للإنتاج الزراعي، من تمويل، ودعم، وحماية، وشراء وتسويق، وليس سياسات ضريبية ورسوم طاردة ترهق كاهل المنتجين. على الحكومات تبني الإنتاج لأغراض الأمن الغذائي من ألفه إلى يائه حتى يقف على قدميه، هذا على المستوى الوطني، ولكن لابد أيضا من التعاون والتكامل على المستوى العربي. فالدول العربية متفرقة لديها اختصاصات متنوعة، فهناك المتخصص في الطاقة ولديه رؤوس الأموال، وهناك من لديه الأيدي العاملة والأراضي الزراعية الخصبة، والأسواق، وهكذا، ولكنها عندما تجتمع وتتعاون، يكمل بعضها بعضا بما لدى كل طرف من ميزات نسبية لا تتوفر لدى الآخر، ويتم استغلال أفضل للموارد. ويبدو أن هذا هو قدرها الذي لا مفر منه، وهي وحتميته الجغرافيا والتاريخ، ولكن الدول العربية لا يوجد لديها نظرة إستراتيجية، ولا هدف وحدوي تجتمع عليه ويحقق لها مكاسب إستراتيجية، أو يدفع عنها مخاطر مشتركة قد تزعزع استقرارها وتهدد أمنها الجماعي والفردي، وعوضا عن ذلك هي متنافسة، متناحرة، يطمع بعضها في الآخر، والثقة بينها ضعيفة أو مفقودة. ونحن هنا لا نطلب وحدة سياسية تلغي الأنظمة، ولا نطمع في ذلك، ولكن تنحية السياسة، بخلافاتها، جانبا، والتعاون على درء ما فيه تهديد مشترك للأمن الجماعي العربي، ومنها المجال الزراعي الأمن الغذائي والمائي، ويمكن تدعيم ذلك بعقود وضمانات قانونية دولية ملزمة. وهناك مثال في هذا السياق، وهو استمرار تمويل الغاز القطري للإمارات إبان ذروة الخلاف بينهما أثناء الأزمة الخليجية. وهناك مثال آخر، فقد خطت المملكة العربية السعودية خطوات واسعة في مجال الأمن الغذائي وحققت اكتفاء ذاتيا في إنتاج القمح في مرحلة من المراحل، وأصبحت المملكة الصحراوية تصدر لمصر النيل الزراعية، ثم أتى من أتى وقال إن ذلك غير مجد لأنه يمكن استيراد القمح بأسعار أرخص من خارج المملكة، فألغي المشروع، وهل شراء الحكومة الأمريكية للحبوب من المزارعين ورميها في البحر مجد اقتصادياً؟ إن هذه سلعة إستراتيجية، وهناك بعد أمني إستراتيجي يجب أخذه في الحسبان. ويذكر د. عبدالله النفسي أن وزير الخارجية الأمريكي الأسبق كسنجر، حاول إقناع الملك فيصل بالاستغناء عن زراعة القمح، ولكنه أخفق في ذلك. إدارة الطفرة واستثمار الفوائض وإذا كانت الدول المستوردة للطاقة قد تتعرض لضغوطات هائلة لاحتمال تقطع إمدادات الغذاء وارتفاع فواتير استيراد ودعم الغذاء والطاقة، فإن الدول المصدرة للطاقة ستكون في وضع أفضل. فلو استمر ارتفاع الأسعار لفترة كافية، ستتحول موازينها الداخلية والخارجية إلى فوائض، وسيمكنها ذلك من زيادة الإنفاق ودعم النشاط والنمو في اقتصاداتها الآخذة في التعافي من أزمة كورونا. ولكن هل تستغل الفوائض بالشكل الأمثل؟ هل تراكم وتستثمر العوائد للتحوط لانهيارات أسعار النفط المستقبلية، وإدارة الدورة الاقتصادية بسلاسة أكبر أثناء دورات الانكماش، وتجنب السياسات التقشفية الحادة، والضريبة غير الشعبية، والاقتراض الذي يزاحم القطاع الخاص، وجميعها يعمق ويطيل أمد الانكماش أثناء فترات انهيار أسعار النفط. هل تستثمر بنجاح في بناء رأس المال البشري، والتنمية الصناعية والتكنولوجية، وتنويع الاقتصادات، ورفاهية المواطن؟ أم تهدر هنا وهناك، وتنفق على شراء أسلحة لا طائل منها، وفساد، وتمويل ثورات مضادة وتثبيت أنظمة دكتاتورية فاسدة؟ وإذا كانت الأنظمة المصدرة للنفط، بقيادة الخليجية منها خصوصا، ترى في ثورات الربيع العربي تهديداً لاستقرارها، باحتمال انتقال العدوى إليها، مما دفعها إلى توظيف مواردها النفطية لتمويل ثورات مضادة لقمع ثورات التحرر العربي من أنظمة دكتاتورية فشلت عبر عقود في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والعيش الكريم لشعوبها، أليس الأحرى بها أن تسهم في تحقيق الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات الأخريات، من خلال الاستثمار في تعزيز أمنها الغذائي؟ وهي بذلك تحقق هدفين: تعزيز الاستقرار في أخواتها الدكتاتوريات (وبطريقة مشروعة) من خلال تعزيز أمنها الغذائي، وبالتالي تقليص احتمالات اندلاع ثورات خبز أو غلاء معيشة في تلك الدول، وانتقال العدوى إليها أو التأثر بها سلباً، ثم إنها تسهم في تحقيق أمنها الغذائي هي من خلال استثماراتها في محيطها الزراعي العربي، والتكامل معها في مجال الإنتاج الزراعي. فلم لا يكون للأمن الغذائي العربي نصيب من استثمارات العرب الخارجية؟ ولكن لو نظرنا إلى تجارب الماضي، نرى بعد كل طفرة نفطية كبرى تراكم فيها هذه الدول الاحتياطيات، أنها تستنزف على أزمات وحروب كثير منها مفتعل. حدث ذلك بعد صدمة النفط الأولى في بداية السبعينيات باندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي أحرقت الأخضر واليابس، ثم بعدها حروب الخليج، وإنفاق المليارات على تسليح العراق، ثم على نزع أسلحته، ثم أتت ثورات الربيع العربي، والثورات المضادة، وصفقات الأسلحة الكبرى بعد طفرة النفط العقد الماضي. وهكذا، كأن الغرب يريد استرداد أموال النفط بطريقة أو بأخرى. * متخصص في السياسة النقدية وعلم الاقتصاد السياسي مركز الاقتصاد الكلي ومعهد الفكر الاقتصادي المستجد بجامعة كامبردج البريطانية
1435
| 27 أبريل 2022
مساحة إعلانية
كلما ازداد الدمار وكلما اتسعت رقعة الدمار وطال...
9687
| 30 مارس 2026
مع تفاقم التوترات الإقليمية إلى صراع عسكري محتمل...
2718
| 26 مارس 2026
كانت الأسطورة والقصة الخيالية، ولا تزال، ركيزة أساسية...
2247
| 30 مارس 2026
-الصواريخ الإيرانية أحرقت البيانات الخليجية الرافضة للعدوان عليها...
1659
| 02 أبريل 2026
يجب أن أبدأ مقالي هذا بالتأكيد على أن...
1560
| 31 مارس 2026
حين تتحول المتابعة إلى غاية لا وسيلة: في...
1311
| 31 مارس 2026
«اسمعوها مني صريحةً أيها العرب: «بالإسلام أعزَّكم الله»...
1221
| 02 أبريل 2026
حين ننظر للأرقام بهدوء… تتضح الصورة أكثر. إجمالي...
1044
| 02 أبريل 2026
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً -صاحب السمو.....
996
| 30 مارس 2026
يا له من بؤس ذلك الذي يقتاته أولئك...
891
| 31 مارس 2026
«ما حكَّ جلدك مثلُ ظفرك.. فتولَّ أنت جميع...
813
| 29 مارس 2026
في زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتحتدم فيه الصراعات...
798
| 01 أبريل 2026
مساحة إعلانية