رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
تقف قطر، في عهد صانع المجد، حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير البلاد المفدى، على أبواب مرحلة وطنية جديدة، في تاريخها السياسي المعاصر، وهي تتأهب بكل شعبها وشعابها، لموعد تاريخي، يوم الثلاثاء، مع الاستفتاء، لإقرار التعديلات الدستورية، في خطوة حضارية، تساهم في تأكيد الوحدة الوطنية، وتعزيز اللحمة القطرية.
وهذه المبادرة الأميرية، المتمثلة في توسيع المشاركة الشعبية، لإدارة شؤون البلاد، على مبدأ «الشورى»، تشمل كل من يحمل الجنسية القطرية، دون استثناء أو إقصاء، لأي مكون قطري، يتنفس هواء قطر، وينبض قلبه بحب قطر، ويلهج لسانه باسم قطر، وهو يردد كلمات النشيد الوطني:
قسماً بمن رفع السماء
قسماً بمن نشر الضياء
قطر ستبقى حرة
تسمو بروح الأوفياء.
وها هي قطر، على موعد بكل أطيافها، مع الوفاء، يوم الثلاثاء، لإنجاز الاستفتاء، وفاء للوطن، والقائد، والدستور، والنظام، والقانون، والعدالة، والمساواة في الحقوق والواجبات.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، فهناك في التعديلات الدستورية، تفاصيل مهمة، ينبغي أن يدركها، كل مواطن قطري، ليعرف ما له وما عليه، سأوضحها في السطور التالية.
وما من شك، في أن هذه الخطوة الوطنية، التي تأتي تنفيذاً لتوجيهات أمير البلاد، أسعدت جميع العباد، لأنها جاءت تجسيداً لتوجهات قائد الوطن، الحريص على وحدة الوطن، وتحقيق مصلحة الوطن والمواطن.
ولعل ما يميز هذه المبادرة الأميرية، أنها خلقت مناخاً إيجابياً، في الداخل القطري، يتمثل في حرص حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، على تطوير (3) مسارات مهمة في نظام الحكم، أولها توسيع المسار التشريعي، ممثلاً في مجلس الشورى.
وتفعيل المسار التنفيذي، ممثلاً في مجلس الوزراء.
وترسيخ المسار القانوني في البلاد، عبر تأكيد إنفاذ القانون، على الجميع.
ويمكن ملاحظة، أن المادة الأولى، من الدستور، أضيفت لها عبارة «سيادة القانون».
ولا يحتاج المرء، أن يكون خبيراً قانونياً، ليدرك أهمية هذه العبارة، التي تحمل دلالات قانونية، في غاية الأهمية، من خلال تجسيد مبدأ أنه لا أحد في قطر فوق القانون، بما في ذلك الحكومة وأفرادها.
فالكل سواسية، أمام القانون، الذي يطبق على الجميع، لا فرق بين الكبير والصغير، أو الغني والفقير، حيث يتم إخضاع الجميع، للمساءلة القانونية، بموجب القانون والدستور.
والمعروف، أن «سيادة القانون»، تضمن تحقيق العدالة، لجميع المواطنين، وهي تتضمن مجموعة من المواد والمبادئ والقيم، والمثل العليا، التي تكفل إنفاذ القانون، على قدم المساواة، على جميع مكونات المجتمع، وجميع الجموع، والمجاميع التي تستنشق أوكسجين قطر، وتعيش في ظلال قطر.
ولتوضيح هذا الأمر الواضح، ليكون أكثر وضوحاً، هناك (14) مادة، في الدستور، مطروحة للاستفتاء، يوم الثلاثاء، وتشمل جميع القطريين، بلا استثناء.
لكن أكثرها أهمية، على صعيد توسيع المشاركة الشعبية، تتمثل في المادة (80) التي تنص في صيغتها السابقة، على أنه يجب أن تتوفر في عضو مجلس الشورى الشروط التالية:
(أن تكون جنسيته الأصلية قطرية).
ليأتي النص المقترح، شاملاً لجميع القطريين دون تمييز، حيث يعزز التعديل المقترح، ويوسع، ويرسخ، مبدأ المواطنة المتساوية من خلال التأكيد، في أحد شروط عضوية المجلس، أن يكون العضو قطري الجنسية، بمعنى أن يكون حاصلاً على الجنسية القطرية، وحاملاً الجواز القطري.
ونأتي إلى المادة (117)، التي يعتبر تعديلها في غاية الأهمية، بالنسبة لكل قطري، حيث تنص هذه المادة، قبل طرحها للتعديل من خلال الاستفتاء، يوم الثلاثاء، على أنه لا يلي الوزارة، إلا من كانت جنسيته الأصلية قطرية، لتصبح بعد تعديلها:
(لا يلي الوزارة، إلا من كانت جنسيته قطرية).
وهذا يعني، أن التمثيل الوزاري، متاح لكل صاحب كفاءة قطري، بدون اشتراط «أصالة الجنسية».
ولا أنسى، إلغاء (3) مواد من الدستور هي (78) و(79) و(82)، وكلها تتعلق بآلية النظام الانتخابي، المعمول به سابقاً، والتي أصبحت بلا قيمة، بعد العودة إلى نظام «التعيين»، لاختيار أعضاء مجلس الشورى، وهو المبدأ المعتمد، منذ تأسيس «المجلس الموقر»، عام 1972.
ولعل الأمر، الأكثر وضوحاً، في هذا السياق، أن «مجلس الشورى»، ليس برلماناً تمثيلياً، يتشكل من رحم نظام يدار وفقاً للنموذج الغربي.
ولكن «المجلس الموقر» يجسد مبدأ «التشاور»، الذي يعتبر من ركائز الحكم في الإسلام، تحت مظلة الحاكم الرشيد.
وما من شك، في أن «الشورى»، هي التي أوجدت العدالة، في المجتمع الإسلامي، من خلال التشاور، بين الحاكم والمحكوم.
وهي التي رسخت مبادئ «حقوق الإنسان» في المجتمع المسلم، قبل أن تعرفها المجتمعات الغربية.
وهي التي عززت، مبدأ «الحوار الوطني»، لحل جميع المسائل،وتسوية الملفات، ذات الصلة بمصلحة الوطن، وإدارة شؤون الدولة، عن طريق التشاور، مع «ولي الأمر».
ويكفي أن القرآن الكريم، خصص سورة كاملة، باسم «الشورى»، وتحديداً الآية (38)، المتجسدة، في قوله تعالى:
«وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ».
فهذه الآية الكريمة، تحث المسلمين، على التشاور، مع ولي الأمر، قبل اتخاذ أي قرارات، ولم تحدد شروطاً للمشاركين، في المشورة، لكنها أمرت بها، كطريقة لصنع القرار، وفيها يكمن ملخص الممارسة الديمقراطية، في الإسلام.
وليس جديداً القول، أن دولتنا، من الدول العربية الرائدة، في مجال إرساء سلطتها التشريعية، على أساس نظام الشورى، المستمد من شريعتنا الإسلامية.
وقبل تجربة النظام الانتخابي في انتخابات عام 2021، كان أعضاء مجلس الشورى «المعين»، يمارسون دورهم التشريعي، من خلال الموافقة، أو رفض مشروعات بعض القوانين.
بالإضافة إلى دعوة الوزراء، لمناقشتهم في القضايا، والملفات، التي تهم الوطن، وتلقي بظلالها الإيجابية أو السلبية على المواطن.
وهكذا، في إطار «الحوار التشاوري» الوطني، تصنع قطر قراراتها، ولعل المادة (75 مكرر) المضافة إلى الدستور، وتشكل الفقرة الأخيرة في التعديلات، تنص على هذه الحقيقة.
وهي تدخل في صميم اختصاصات صاحب السمو بشأن دعوة مجلس العائلة الحاكمة، وأهل الحل والعقد، ومجلس الشورى، أو أياً منهم، لمناقشة ما يراه من الأمور.
أما المادة (125)، المضافة أيضاً إلى الدستور، ضمن التعديلات الدستورية، فهي تدخل في سياق، صلاحيات رئيس مجلس الوزراء، حيث تجيز له، تفويض بعض صلاحياته، إلى نوابه والوزراء.
وخارج الإطار الوزاري، لو توقفنا عند أهداف الديمقراطية، كما تشير إليها الأمم المتحدة، سنجد أنها تتمثل في الأهداف التالية:
- الحفاظ على كرامة الفرد، وحقوقه الأساسية، وتعزيزها، وهذا متوفر في قطر، أكثر من غيرها.
- تحقيق العدالة الاجتماعية، وهذا موجود في قطر، ويشمل جميع المكونات المجتمعية.
- تعزيز تماسك المجتمع، ومن المؤكد أن الدستور القطري، بجميع المواد الموثقة فيه، يحرص، على ترسيخ التماسك الاجتماعي، والتلاحم المجتمعي، والترابط الجماعي.
- تشجيع التنمية الاقتصادية، داخل المجتمع، ولعل أرقام النمو الاقتصادي، المتصاعد، والمتسارع، والمتواصل والمتنامي في قطر تشهد على ذلك.
وما من شك، في أن التعديلات الدستورية، المطروحة للاستفتاء، يوم الثلاثاء، تعكس التزام «قائد الوطن»، بتطوير النظام الداخلي للدولة، وتفعيل الإطار الدستوري، في البلاد، بما يساهم في تحقيق المزيد من التماسك، في النسيج الاجتماعي، والمزيد من التلاحم المجتمعي، والترابط الجماعي.
وهذا كله، يدخل في صميم ركائز المجتمع القطري، الذي يتشكل في إطاره الوطني، من جميع الحاصلين على الجنسية القطرية، دون أي إجراء تمييزي، ضد أي أحد.
ومن ملفات الداخل، إلى قضايا الخارج القطري، حيث حرصت التعديلات الدستورية، على إجراء تعديل مهم، في صياغة المادة السابعة، المتعلقة بمحددات السياسة الخارجية القطرية.
ولأن من ثوابت قطر، وركائز دبلوماسيتها، حرص الدولة، على مبدأ السلم والأمن الدوليين، عن طريق، تشجيع فض المنازعات بالطرق السلمية.
ولهذا أضيفت للمادة (7) ذات الصلة، عبارة «من خلال الوساطة والحوار».
وهذا ما يميز الدبلوماسية القطرية النشطة، ويشكل ضلعاً من أضلاع «القوة الناعمة»، التي تمتاز بها، وتشتهر بها على الساحة الدولية، ومن خلالها نجحت في تقريب وجهات النظر، بين مختلف الفرقاء، وتسوية العديد من المنازعات المعقدة.
ولتأكيد هذه الحقيقة، يكفي التوقف عند جهود قطر الصادقة والمخلصة، لوقف إطلاق النار في قطاع غزة، وإنهاء العدوان الإسرائيلي، على الشعب الفلسطيني.
ولكل هذا، أقف بكل إجلال، وتقدير، وتأكيد، وتأييد، لكل ما ورد في خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، في افتتاح دور الانعقاد العادي الرابع، من الفصل التشريعي الأول، الموافق لدور الانعقاد السنوي، الـ(53) لمجلس الشورى، بشأن التعديلات الدستورية، المطروحة للاستفتاء يوم الثلاثاء.
وأقولها «نعم»، للعودة إلى نظام «التعيين»، بدلاً من انتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشورى.
وأكتبها «نعم»، لتوجيهات، وتوجهات «صاحب السمو» في هذا الخصوص، وفي جميع الخصائص والاختصاصات المتعلقة بمصلحة الوطن.
وأدونها «نعم» تقديراً لحرص سموه، على تعزيز المواطنة المتساوية، لجميع أفراد ومكونات شعبنا القطري.
وأعلنها «نعم»، للتعديلات الوطنية، التي تحقق المساواة، بين المواطنين، في الحقوق والواجبات.
.. ويبقى موعدنا جميعاً، مع الاستفتاء، المقرر يوم الثلاثاء الخامس من نوفمبر الجاري، لنقول «نعم» للتعديلات الدستورية.
«نعم» للتوجيهات الأميرية.
«نعم» للمصلحة الوطنية.
«نعم» نقولها بملء الفم، ونوثقها شعبياً، ووطنياً، ورسمياً، ودستورياً.
«نعم» بحجم شبه جزيرة قطر، الممتدة من اليابسة، حتى البحر، على مساحة (11.521 كم مربع).
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية



مساحة إعلانية
في زمنٍ كانت فيه قطر ترسم ملامح مستقبلها بثقة الرجال الكبار، برز اسم عبدالله بن حمد العطية كأحد أهم العقول الوطنية التي لعبت دوراً محورياً في صناعة نهضة الدولة الحديثة، وتحويل قطاع الطاقة إلى قصة نجاحٍ عالمية تُروى باحترام وإعجاب. لم يكن الراحل مجرد وزير أو مسؤول تنفيذي في قطاع النفط والغاز، بل كان رجل دولة من الطراز الرفيع، جمع بين الرؤية الإستراتيجية والحنكة السياسية والقدرة الفائقة على إدارة الملفات المعقدة في واحدة من أكثر الصناعات حساسية وتأثيراً في العالم. وعلى مدى أكثر من ثلاثين عاماً من متابعتي الصحفية لقطاع الطاقة في جريدة الشرق، عرفت عبدالله بن حمد العطية عن قرب، فوجدت فيه نموذجاً فريداً للمسؤول الذي يعمل بصمت، ويتحدث بلغة الإنجاز لا الشعارات. كان يؤمن بأن بناء قوة قطر الحقيقية يبدأ من حسن استثمار مواردها، ولذلك كرَّس جهده وعلاقاته وخبراته لترسيخ مكانة الدولة في الأسواق العالمية للطاقة. في عهده، شهدت قطر التحول الأكبر في صناعة الغاز الطبيعي المسال، حتى أصبحت واحدة من أهم الدول المصدّرة للطاقة في العالم، وصار اسمها حاضراً بقوة في القرارات الاقتصادية الدولية. كما لعب دوراً بارزاً في تعزيز حضور قطر داخل منظمة أوبك والمحافل العالمية، حيث كان يحظى باحترام واسع بين كبار المسؤولين وصناع القرار في قطاع الطاقة الدولي. تميَّز رحمه الله بشخصية قيادية تجمع بين الحزم والهدوء، وبين الدبلوماسية والقدرة على اتخاذ القرار في الأوقات الصعبة. وكان قريباً من الجميع، يقدّر الكفاءات، ويحترم العمل المهني، ويؤمن بأن نجاح الوطن مسؤولية مشتركة. لقد كان عبدالله بن حمد العطية واحداً من رجالات مرحلة التأسيس الكبرى، والذين ساهموا بإخلاص في نقل قطر من دولةٍ ناشئة في قطاع الطاقة إلى قوة اقتصادية عالمية ذات تأثير وثقل دولي. واليوم، وبرحيله، تفقد قطر اسماً كبيراً من أسماء جيل البناء، لكن سيرته ستبقى حاضرة في ذاكرة الوطن، وفي كل إنجاز تحقق على أرض هذه البلاد. رحم الله عبدالله بن حمد العطية رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه عن قطر وأهلها خير الجزاء.
5400
| 30 مايو 2026
أعادت أزمة مضيق هرمز الأخيرة التذكير بحقيقة اقتصادية مهمة، وهي أن تكلفة البناء لا تتحدد فقط بأسعار المواد الخام، بل تتأثر أيضاً بأمن الممرات البحرية وكفاءة سلاسل الإمداد العالمية. فعندما يتعطل أحد أهم طرق التجارة في العالم، لا يقتصر التأثير على قطاع النقل والطاقة، بل يمتد تدريجياً إلى قطاعات اقتصادية عديدة، وفي مقدمتها قطاع البناء والتشييد. وخلال الأزمة ارتفعت تكاليف الشحن والتأمين البحري بصورة ملحوظة، وقفزت علاوات مخاطر الحرب إلى مستويات غير معتادة، كما ارتفعت أجور النقل نتيجة زيادة المخاطر وتقلص عدد السفن العاملة على بعض المسارات البحرية. ومثل هذه الزيادات لا تبقى محصورة في قطاع النقل، بل تنتقل تدريجياً إلى أسعار السلع والمواد المستوردة، بما في ذلك العديد من مواد البناء والمعدات المستخدمة في المشاريع الإنشائية. وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل استمرار النهضة العمرانية التي تشهدها دولة قطر. فالمشاريع السكنية والتجارية ومشاريع البنية التحتية تعتمد على الكيابل الكهربائية وأنظمة التكييف والتبريد والمصاعد والمعدات الميكانيكية والكهربائية ومواد التشطيب وغيرها من المنتجات المرتبطة بسلاسل توريد عالمية. وأي ارتفاع في تكلفة هذه المنتجات ينعكس بصورة مباشرة على ميزانيات المشاريع وتكاليف التنفيذ، الأمر الذي يجعل استقرار سوق مواد البناء جزءاً أساسياً من استدامة التنمية الاقتصادية والعمرانية. وتجدر الإشارة إلى أن دولة قطر تمتلك بنية لوجستية متطورة وموانئ حديثة وشبكات نقل متقدمة، وقد أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة عالية على التكيف مع التحديات الخارجية والحفاظ على انسيابية الإمدادات وتلبية احتياجات السوق المحلية. إلا أن المتغيرات العالمية المتسارعة تؤكد أهمية مواصلة تطوير أدوات إدارة المخاطر وتعزيز مرونة سلاسل التوريد استعداداً لأي مستجدات مستقبلية. ورغم الجهود الكبيرة التي تبذلها الجهات المعنية لضمان استقرار الأسواق وتأمين احتياجات المشاريع، فإن المرحلة الحالية تمثل فرصة لتعزيز عدد من الإجراءات الاستباقية التي تزيد من مرونة السوق وتحد من تأثره بالأزمات الخارجية. ويأتي في مقدمة هذه الإجراءات تعزيز المخزون الاستراتيجي لبعض مواد البناء والمستلزمات الإنشائية ذات الطلب المرتفع، بما يضمن استمرار توافرها عند حدوث اضطرابات مؤقتة في الإمدادات العالمية ويحد من التقلبات الحادة في الأسعار. كما يمكن دراسة منح مرونة مؤقتة لبعض رسوم مكافحة الإغراق المفروضة على منتجات محددة لا يتوافر لها إنتاج محلي كافٍ، وذلك خلال الظروف الاستثنائية فقط. فحماية الصناعة الوطنية هدف مهم، إلا أن الأزمات تتطلب أحياناً حلولاً متوازنة تضمن استمرار المشاريع التنموية وتخفف الضغوط السعرية على السوق. ومن أهم الدروس التي أفرزتها الأزمة أهمية التنويع الجغرافي لمصادر التوريد وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد مع الشركات والمصانع الموثوقة في مختلف الأسواق العالمية. فهذه الشراكات لا تسهم فقط في تقليل مخاطر تعطل الإمدادات، بل تساعد أيضاً على المحافظة على جودة المنتجات واستقرار الأسعار من خلال عقود تضمن استمرارية التوريد وفق مواصفات واضحة وشروط تجارية مستقرة. كذلك فإن تسريع إجراءات اعتماد الموردين الجدد والمواد البديلة يمنح المقاولين والمطورين خيارات أوسع عند حدوث أي نقص أو تأخير في الإمدادات، ويعزز قدرة السوق على التكيف مع المتغيرات دون تعطيل المشاريع. ومن المبادرات الجديرة بالدراسة إنشاء منصة وطنية لأسعار مواد البناء يتم تحديثها بشكل دوري، بما يوفر معلومات دقيقة وشفافة عن أسعار المواد الرئيسية في السوق، ويساعد المستثمرين والمقاولين على اتخاذ قرارات أفضل، ويحد من المبالغات السعرية، ويوفر مؤشرات مهمة لصناع القرار لمتابعة تطورات السوق. أما على المدى البعيد، فإن مشروع السكك الحديدية الخليجية ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مشروع أمن اقتصادي بقدر ما هو مشروع نقل. فربط دول الخليج بموانئ تقع على بحر العرب أو البحر الأحمر عبر شبكة حديثة لنقل البضائع سيوفر مسارات بديلة للإمدادات عند تعطل الملاحة أو ارتفاع تكلفتها، ويمنح اقتصادات المنطقة مرونة أكبر في مواجهة الأزمات المستقبلية. لقد كشفت أزمة مضيق هرمز أن استقرار الأسواق لا يعتمد فقط على توافر المواد، بل على قدرة سلاسل الإمداد على التكيف مع المتغيرات. ومن هنا فإن الاستثمار في التنويع، والشراكات الاستراتيجية، والشفافية، والبنية اللوجستية المتقدمة، لم يعد خياراً إضافياً، بل ضرورة لضمان استدامة التنمية واستقرار قطاع البناء في المستقبل.
2742
| 31 مايو 2026
قبل سنوات، كان الادخار عادة راسخة لدى كثير من الأسر، وكان الاحتفاظ بجزء من الدخل للمستقبل أمرًا بديهيًا. أما اليوم، فقد أصبح من المألوف أن نسمع عن أحدث سيارة، أو أغلى ساعة، أو وجهة السفر القادمة، بينما يتراجع الحديث عن الادخار والاستثمار والتخطيط المالي طويل الأجل. وفي الوقت الذي ارتفعت فيه مستويات الدخل وتحسنت فيه مستويات المعيشة، برزت ظاهرة تستحق التأمل؛ فالكثير من الناس أصبحوا ينفقون أكثر مما كانوا يفعلون في السابق، ليس فقط على احتياجاتهم الأساسية، بل على المظاهر وأنماط الحياة التي يشاهدونها من حولهم يوميًا. وهنا يبرز سؤال مهم: لماذا أصبحنا ندخر أقل وننفق أكثر على المظاهر؟ وهل المشكلة في حجم الدخل أم في طريقة إدارة المال وتحديد الأولويات؟ لقد غيرت وسائل التواصل الاجتماعي كثيرًا من السلوكيات المالية. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن حوله فقط، بل أصبح يقارن نفسه يوميًا بآلاف الأشخاص الذين يشاهد تفاصيل حياتهم وسفرهم وسياراتهم ومقتنياتهم الفاخرة على مدار الساعة. ومع صعود المؤثرين وصناع المحتوى، أصبح التركيز على المظاهر والعلامات التجارية والسفر والمقتنيات باهظة الثمن أكثر حضورًا من أي وقت مضى. ولا تكمن المشكلة في وسائل التواصل الاجتماعي أو في نجاح المؤثرين، بل في غياب الوعي لدى بعض المتابعين بأن ما يُعرض على الشاشات هو جزء محدود ومنتقى من الواقع. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت المقارنة أسهل من أي وقت مضى، لكنها لم تجعل بناء الثروة أسهل. ومن المهم هنا التفريق بين الثروة والاستهلاك. فهناك من يمتلك ثروات كبيرة أو استثمارات ناجحة أو أصولًا متراكمة عبر سنوات طويلة من العمل والاجتهاد، ومن الطبيعي أن ينفق على ما يرغب فيه من ساعات فاخرة أو سيارات مميزة أو مقتنيات ثمينة دون أن يشكل ذلك عبئًا على أوضاعه المالية. فهذه الفئة بنت ثروتها أولًا ثم استمتعت بثمارها لاحقًا. أما القضية التي تستحق النقاش فهي سعي بعض أصحاب الدخول المتوسطة أو المحدودة إلى تقليد أنماط إنفاق لا تتناسب مع أوضاعهم المالية الحقيقية. فقد ينفق البعض جزءًا كبيرًا من دخله أو مدخراته على ساعة فاخرة أو سيارة أو حقيبة من علامة تجارية عالمية أو رحلات متكررة، بينما كان بالإمكان توجيه جزء من تلك الأموال إلى الادخار أو الاستثمار أو بناء أصل يدر دخلًا مستقبليًا. إن المشكلة ليست في اقتناء السلع الكمالية بحد ذاتها، بل في أن تتحول إلى معيار للنجاح أو المكانة الاجتماعية. ولعل من أبرز مظاهر هذا التغير ما نشاهده من سباق نحو اقتناء العلامات التجارية العالمية، سواء في الساعات أو الحقائب الفاخرة أو السيارات أو غيرها من السلع الكمالية. فبعض الأشخاص يقضون سنوات طويلة في ملاحقة المظاهر الاستهلاكية، بينما يقضي آخرون السنوات نفسها في بناء محافظ استثمارية أو أصول عقارية أو مشاريع منتجة. وبعد عشر أو عشرين سنة تظهر النتائج بوضوح؛ فالأول قد يمتلك ذكريات مشتريات كثيرة، بينما يمتلك الثاني أصولًا تدر عليه دخلًا وأمانًا ماليًا واستقلالًا اقتصاديًا. وفي عالم ترتفع فيه تكاليف المعيشة وتتآكل فيه قيمة الأموال بفعل التضخم، لم يعد الادخار وحده كافيًا. ولهذا أصبحت الثقافة المالية الحديثة تقوم على ركيزتين أساسيتين: الادخار والاستثمار. فالادخار هو الخطوة الأولى نحو بناء الثروة، أما الاستثمار فهو الجسر الذي ينقل المدخرات إلى أصول منتجة. ومن الوسائل الفعالة لتعزيز ثقافة الادخار والاستثمار أن يضع الإنسان لنفسه أهدافًا مالية واضحة ومحددة، مثل شراء منزل، أو تأمين تعليم الأبناء، أو تكوين محفظة استثمارية، أو تحقيق الاستقلال المالي في مرحلة لاحقة من العمر. فوجود هدف واضح يجعل الإنسان أكثر قدرة على مقاومة الإنفاق غير الضروري، ويمنح الادخار معنى وغاية. ولا يقل أهمية عن ذلك تنمية الثقافة الاستثمارية وفهم الأدوات المالية المتاحة. وليس المقصود أن يتحول كل شخص إلى خبير في الأسواق، وإنما أن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة التي تساعده على اتخاذ قرارات مالية أكثر وعيًا. ففي عصر تتوفر فيه المعرفة بضغطة زر، لم يعد التعلم المالي رفاهية، بل أصبح ضرورة. ليس المهم كم تكسب، بل ماذا تفعل بما تكسبه. ومن الأخطاء الشائعة أيضًا تمويل الرفاهية بالديون؛ فبعض الأشخاص يلجؤون إلى الاقتراض لشراء كماليات أو لمجاراة أنماط حياة تفوق قدراتهم المالية، فيتحول ما يبدو رفاهًا مؤقتًا إلى عبء مالي طويل الأمد. إن ترسيخ ثقافة الادخار والاستثمار يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها الاستقلالية المالية والاستقرار الاقتصادي، كما يسهم في بناء أجيال أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق أهدافها بثقة ووعي. فالرفاه الحقيقي لا يقاس بما نظهره للناس، بل بما نملكه من أمان واستقرار وقدرة على مواجهة المستقبل بثقة واطمئنان. وليس الخطأ أن نشتري ساعة فاخرة أو سيارة مميزة أو أن نستمتع بثمار نجاحنا، وإنما الخطأ أن نجعل المظاهر أولوية قبل بناء الأساس المالي الذي يضمن لنا ولأبنائنا مستقبلًا أكثر استقرارًا وأمانًا. فالثروة لا تُبنى بالراتب وحده، بل بالانضباط المالي، والادخار المنتظم، والاستثمار الواعي والصبر.
2388
| 02 يونيو 2026