رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
- شـهـــداء قطــر.. شرفــاً.. ومجــداً.. وفخــراً
- صاحب السمو.. قائد بحكمته.. زعيم بحنكته.. أمير بإنسانيته
- سقوط المروحية.. جعلنا ننصهر في بوتقة وطنية.. لا فرق فيها بين الكبير والصغير
- عشنا «الولعة» حباً في الوطن.. و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن
- حفظ الله قطر.. من كل شر.. وكل ضر.. وكل خطر
عاشت قطر، حالة غير مسبوقة، من الحزن الوطني، والشجن الاستثنائي، الذي كان يتدحرج في النفوس، مثل دحرجة أمواج الخليج العربي، التي تأتي من بعيد، وترتطم بالشاطئ!
ولم تختلف هذه الحالة، الحافلة بالعواطف، عن العواصف، التي شهدتها البلاد، خلال الأيام الماضية، وتخللها برق كثير ورعد مثير!
ومثل هطول سحابة من المطر الغزير، عشنا كمداً، استقر في نفوسنا كالغدير، اختلطت فيه «الولعة»، حباً في الوطن، و«اللوعة» حزناً على شهداء الوطن.
وتأثراً بهذه النازلة، كانت الحالة الوطنية، متنامية في النفس، متصاعدة، في الأنفاس، أحدثت في دواخلنا، شيئاً من كل شيء، من ذلك الإحساس، الذي يسمونه الأسى، المخلوط بالحسرة والممزوج بالحرقة، والمعجون باللوعة، التي جعلت قلوبنا، تخفق شجناً، وتنبض وجعاً، طوال الوقت.
وهي حالة من الحزن الشديد، التي شعرنا بها جميعاً، دون أن يكون لها سقف محدد، أو وصف محدود.
لكن مهما كان وصفها، فقد كانت، من ذلك الشعور الصعب، الذي لا يوصف، لأنه يعبر السدود، ويتجاوز الحدود.
وفي سياق ذلك التوصيف، انصهرنا جميعاً في بوتقة واحدة، ضمن مشهد وطني جامع، لا فرق فيه، بين المواطن والمقيم، الكبير والصغير.
وكان في صدارة المشهد «صاحب السمو» الأمير، الذي أثبت في مواقفه ـ كعادته ـ أنه أمير بإنسانيته، مثلما هو قائد بحكمته، وزعيم بحنكته، وإنسان بعاطفته الجياشة، تجاه أبناء شعبه، في السراء والضراء، وفي مواكب الأفراح، ومراسم العزاء.
وفي سياق هذا الوفاء للشعب، والوطن والدولة، كان سموه حريصاً على أداء صلاة الجنازة، على الشهداء، في جامع الإمام محمد بن عبدالوهاب بالدوحة.
كما شارك سموه، في مراسم تشييع جثامين شهداء الوطن، بمشاركة أسرهم، وقدم واجب العزاء لذويهم.
ولم يغب عن هذا المشهد العظيم- الذي سيظل محفورا في ذاكرتنا- سمو الشيخ جاسم بن حمد آل ثاني الممثل الشخصي للأمير، وسمو الشيخ عبدالله بن خليفة آل ثاني، وسمو الشيخ محمد بن خليفة آل ثاني، وسعادة الشيخ جاسم بن خليفة آل ثاني، ومعالي الشيخ محمد بن عبدالرحمن بن جاسم آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية.
وكذلك سعادة السيد حسن بن عبدالله الغانم رئيس مجلس الشورى، والعديد من أصحاب السعادة الشيوخ والوزراء وسعادة الدكتور مصطفى كوكصو سفير الجمهورية التركية الشقيقة لدى الدولة وكبار الضباط ومنتسبي القوات المسلحة القطرية والقوات المشتركة القطرية التركية، وجموع المواطنين والمقيمين، في مشهد يؤكد عمق الروابط الأخوية والاتحاد أمام الشدائد والتوحد عند المصاعب، والراحة الجماعية، والطمأنينة المجتمعية، التي تجمع بين منتسبي القوات المسلحة وجميع المواطنين والمقيمين على هذه الأرض الطيبة.
وبصراحة نستطيع القول إنه لا شرف، يضاهي هذا الشرف الوطني، فهم شهداء قطر، الذين طرزوا بتضحياتهم، قائمة الفخر، مثلما تزين نجوم الليل اللامعة، السماء الحالكة، وقت السحر، وتنشر أضواءها البراقة، حتى بزوغ الفجر.
وتضم قائمة العز والفخر:
النقيب طيار مبارك سالم دواي المري.
والنقيب طيار سعيد ناصر صميخ.
والرقيب فهد هادي غانم الخيارين.
والوكيل عريف محمد ماهر محمد.
وهؤلاء الشهداء، لم يسيروا لأداء مهمتهم الروتينية، بحثاً عن مكسب شخصي، أو مجد فردي، أو بطولة خاصة، لكنهم استجابوا لنداء الواجب الوطني.
وكانوا يدركون، أن حماية الوطن مسؤولية عظيمة، وصون السيادة الوطنية واجب دفاعي، والدفاع عن قطر، خيار لا يقبل التردد، ولا يحتمل التأخر.
وما من شك، في أن قصة استشهادهم، ستبقى تسطع في سماء الوطن، وتلمع في أجواء قطر، وتشكل قدوة لنا، وللأجيال القادمة، وتدفع شبابنا، لبذل المزيد من العطاء، تلبية لنداء الواجب الوطني.
لقد دخل هؤلاء الشهداء، تاريخ الوطن، من أوسع أبوابه، وباتوا يمثلون تاريخا لن يهمله التاريخ، بعد استشهادهم في لحظة قطرية فارقة، لها دلالاتها الوطنية، ومدلولاتها المجتمعية، ولها أيضاً أبعادها الإنسانية.
والحمد لله، الذي جعل الإنسانية، بجلالها وجمالها، وكمالها، وخصالها، وعظمتها حاضرة في دولتنا، وتحديداً في ذلك المشهد، الشاهد، على أولئك الشهداء.
علماً بأنه، ليس كل من ينتمي، إلى البشر، تجده بالضرورة، إنساناً، مشهوداً له في سلوكه، وبارزا في تصرفاته، ومعروفا بمواقفه ومعترفا له بتعامله الإنساني مع الناس.
ولأن الإنسانية في قطر، ليست مجرد كلمات تقال، أو عبارات تكتب، أو مفردات تسجل، ولكنها تتشكل، في المواقف النبيلة، والأفعال الجليلة.
ولأنها سلوك حضاري، وأسلوب حياة في التعامل مع الآخرين.
ولأنها أصل وفصل، متأصل في الإنسان الأصيل، فقد اكتمل الموقف الإنساني القطري النبيل، وكمُل نبلاً، وتكامل جلالاً، وزاد وفاء، بقيام «صاحب السمو» بتقديم واجب العزاء في شهداء القوات المشتركة القطرية ـ التركية.
وكان العزاء الأميري، موجهاً للشعب التركي الشقيق، رئيساً وحكومة وشعباً، وإلى أهالي الشهداء الأتراك الثلاثة، الذين كانوا على متن الطائرة المروحية العسكرية القطرية، قبل سقوطها في مياهنا الإقليمية.
وهم الرائد في الدفاع الجوي «سنان تاشكين»، بالإضافة إلى اثنين من الفنيين وهما:
سليمان جمرة كهرمان، وإسماعيل أنس جان.
و الحقيقة المؤكدة، أن «صاحب السمو»، من خلال موقفه الإنساني، في التعامل مع فاجعة استشهاد منسوبي قواتنا المسلحة، أكد قولاً وفعلاً وتفاعلاً، أنه «تميم» الزعيم الذي يتمم صالح الأعمال في دولته، ويواصل صادق الأفعال في وطنه.
وهذه كلها، من فضائل الأخلاق، التي تعكس أخلاق الرجال، وتصل بصاحبها، إلى أعلى مراحل الجمال، وأثمن درجات الكمال.
ويعكس موقفه، في التعامل الإنساني، مع حادثة استشهاد أبناء الوطن، قيمة الإنسان في قطر.
كما يؤكد، أن الإنسانية، لها الأولوية في السياسة القطرية، وأن الإمارة مسؤولية، والوطن أمانة، والحكم موقف، وأن التعامل الإنساني مع الناس شرف، وليس تشريفا.
وهذا الموقف المشرف، يؤكد، أننا شعب يعرف قيمة الوطن ويقدر المواطن، ويحرص على تطبيق واجبات الوطنية، ولسنا نعيش في عوالم الرفاهية.
ومثلما للدولة حمائمها وقت السلام، فإن لها حُماتها وجنودها ورجالها وأبطالها، الذين يدافعون عنها، ويثبتون وجودهم في أصعب المواقف.
ولها أيضاً شواهدها وشهداؤها، الذين يضحون بأرواحهم دفاعاً عن الوطن.
وهم أولئك الرجال الأبطال، الذين نذروا أنفسهم للواجب الوطني، الذي كلفوا به، وانتدبوا إليه.
وهكذا هي قطر، كانت هكذا في الماضي، وستظل هكذا في الحاضر، وستبقى كذلك في المستقبل، حيث الدفاع عن سيادتها، ضرورة وطنية، كالماء والهواء.
وحيث الفداء يتواصل، دفاعاً عنها، في الأرض والسماء.
وحيث تأمين حدودها، يتعزز في البحر والصحراء.
وحيث صيانة ترابها الوطني، أولوية أساسية، في سائر الأرجاء وكافة الأجواء.
وحيث مواقف الوفاء لا تنقطع، افتخاراً بتضحيات الشهداء.
ولعل ما يميز، سيرة أولئك الرجال الأوفياء، ومسيرة الأبطال الشرفاء، الذين استشهدوا، في سبيل الذود عن الوطن، أنهم أدوا واجبهم الوطني بإخلاص، بعدما نذروا أنفسهم فداء ودفاعاً عن تراب قطر.
وما من شك في أن المنزلة العالية، والمكانة الرفيعة، التي يبلغها كل واحد فيهم، عند ربه، وفي مجتمعه، ووسط عائلته، ستبقى قائمة وحاضرة، مهما انقضت الأيام، وتوالت السنوات، وتواصلت التحديات.
وبطبيعة الحال، وفي جميع الأحوال، لا جدال، في أن الاستشهاد، دفاعاً عن الوطن، يعطي الشهيد حياة أبدية، عوضاً عن حياته الفانية، حيث يكرمه الله بحياة أخرى، فيها من الرزق، ما لا يكون مثله في الدنيا، تجسيداً لقوله تعالى، في الآية (169) من سورة آل عمران، التي يقول فيها عز وجل:
«ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون».
وهكذا يظل شهداء الوطن، أحياء في الذاكرة الوطنية، وإن كانت أجسادهم في التراب، يرزقون من ثمار الجنة، ونعيمها، لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وسيبقى شهداء قطر، نموذجاً في الشجاعة، وقدوة في التضحية والفداء، وهذا يستوجب منا أن نقف جميعاً بكل اعتزاز واحترام، أمام تلك الأرواح الطاهرة، التي انتقلت إلى بارئها، وأن نحافظ جيلاً بعد جيل على عطائهم الكريم، وتاريخهم العظيم.
رحم الله، شهداء الطائرة «المروحية»، وأسكنهم فسيح جناته، مع الشهداء، والصديقين والصالحين.
وستبقى تضحياتهم مصدراً للعز، ومنبعاً لا ينضب للفخر.
وحفظ الله دولتنا الغالية قطر.
وحفظ أميرنا، وحكومتنا وشعبنا، من كل ضر، وكل شر وكل خطر.
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية




مساحة إعلانية
لم يعد السؤال في الخليج اليوم متعلقًا بما تحقق من منجزات، بل بكيفية تقديم هذه المنجزات للعقل العام بصيغة واحدة، قادرة على تثبيت المعنى قبل الصورة، والهوية قبل التفاصيل. فالتكامل الذي يتقدم اقتصاديًا وتنمويًا، يحتاج في المقابل إلى إعلام يوازيه في القوة والاتساق، ويمنع تشتت الرواية بين المنصات وتعدد الزوايا. في هذا الإطار، استضافت العاصمة السعودية الرياض “ملتقى المكتسبات الخليجية”، بوصفه مساحة لإعادة التفكير في دور الإعلام داخل مشروع التكامل الخليجي، لا كمجرد ناقل للحدث، بل كعنصر يصنع الوعي المشترك ويعيد ترتيب العلاقة بين المواطن الخليجي ومنجزاته. فالملتقى الذي نظمته الأمانة العامة لمجلس التعاون بالتعاون مع جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج، ينطلق من سؤال مركزي: كيف يمكن للإعلام أن يعكس واقع المكتسبات الخليجية بوضوح واتساق، ويحوّلها إلى خطاب موحد يعزز الهوية المشتركة، ويوحّد الرسائل الإعلامية، ويدعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يواكب تطلعات المرحلة ويستشرف مستقبلها. منذ بدايات التجربة الإعلامية الخليجية المشتركة، كان الرهان على بناء مساحة إعلامية تتجاوز الحدود إلى معنى الوحدة، وهو ما عمل عليه جهاز إذاعة وتلفزيون الخليج عبر مسار طويل من التقريب بين الخطابات الإعلامية وصياغة مشترك مهني وثقافي يعكس وحدة الاتجاه الخليجي. ويظل مهرجان الخليج للإذاعة والتلفزيون أحد أبرز تجليات هذا المسار؛ فمنذ انطلاقه لأول مرة في الكويت عام 1980، لم يكن مجرد فعالية للاحتفاء بالإنتاج الإعلامي، بل منصة لتبادل الخبرات ورفع جودة المحتوى وتعزيز التقارب بين المؤسسات الإعلامية الخليجية. كما أسهم في تكريم نخبة من نجوم الفن والدراما في الخليج، باعتبارهم جزءًا من صناعة الوعي البصري والثقافي، وعنصرًا فاعلًا في تشكيل الذاكرة الجماعية للمجتمع. كما امتد الدور إلى البعد التوثيقي والمعرفي، عبر إصدار “نشرة المعلومات” في يوليو 1980، التي رصدت النشاط الإعلامي التلفزيوني خليجيًا وعربيًا وعالميًا من خلال التقارير الفنية والإخبارية والبرامجية والهندسية والإدارية. واستمر صدورها حتى تحولت لاحقًا إلى مجلة فصلية تعنى بتوثيق تطور العمل الإعلامي ومواكبة تحولات المشهد الإذاعي والتلفزيوني. ومع اتساع الإعلام الرقمي اليوم، لم يعد التحدي في إنتاج الرسالة، بل في قدرتها على البقاء متماسكة داخل فضاء سريع، تتعدد فيه المنصات وتتصادم فيه الروايات. وهنا تصبح قضية توحيد الرسائل الإعلامية الخليجية جزءًا من حماية الوعي العام، لا مجرد خيار مهني، في بيئة تعيد تشكيل الرأي العام لحظة بلحظة. على هذا الأساس، يبرز الملتقى كفرصة لإعادة ضبط البوصلة الإعلامية الخليجية نحو مزيد من الاتساق، وتعزيز الهوية المشتركة، ودعم مسيرة التكامل بين دول المجلس، بما يجعل الإعلام شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد ناقل له. وبرأيي أنه لا تُقاس قوة الإعلام بما يعرضه من أحداث، بل بما يثبته من معنى في الوعي، وبقدرته على تحويل المنجز إلى هوية، والهوية إلى إدراك مشترك.
5673
| 13 مايو 2026
ثقافةُ الترند ليست موجةَ ترفيهٍ عابرة، بل عاصفة أعادت ترتيب القيم، حتى صار التافهُ مشهوراً، والمشهورُ التافه مؤثراً، والمؤثرُ التافه مرجعاً يُسمَع له ويُقتدى به. قبل 10 سنواتٍ فقط كان الإنسان يستحي أن يُرى في مواضع كثيرة مما نرى اليوم، وكانت بعض الأفعال تُخفى خجلاً وخوفاً، أما اليوم فقد أصبح كثيرٌ منها يُعرض على الملأ طلباً للتصفيق، وكأن الحياء صار ضعفاً، والوقار صار تخلّفاً، والصخب صار موهبةً ورسالة. لقد حوّلت ثقافة الترند الشهرةَ من ثمرةِ جهدٍ إلى ضربةِ حظ، ومن مكافأةٍ للكفاءة إلى جائزةٍ للإثارة. في الماضي كان العالِم يبني اسمه بسنواتٍ من التعب، والأديب ينضج ببطء، والفنان يتقن قبل أن يظهر، أمّا اليوم فيكفي أن يصرخ أحدهم أمام الكاميرا، أو يفتعل موقفاً سخيفاً، أو ينطق ببذاءةٍ بثقة، حتى تُفتح له أبواب الشهرة، وتتهافت عليه الشركات، وتُسلّط عليه الأضواء. وهكذا انفصلت الشهرة عن الاستحقاق، فصار البريق يسبق العمق، والصوت يعلو على المعنى. والترند في جوهره لا يعرف خيراً ولا شراً، بل يعرف شيئاً واحداً: الانتباه. فالخوارزميات لا تفرّق بين احترامٍ وازدراء، ولا بين حكمةٍ وسخرية، فكل تفاعلٍ وقود، وكل ضجةٍ رصيد. لذلك ازدهر “اقتصاد التفاهة”، حيث ينتصر المحتوى الأسرع لا الأعمق، والأكثر إثارة لا الأكثر قيمة. ومع التكرار يبدأ التطبيع؛ فما كان صادماً بالأمس يصبح مضحكاً اليوم، ومألوفاً غداً، ثم يتحوّل إلى سلوكٍ يُقلَّد بلا تردد. وهنا تكمن الخطورة، فالانحدار لا يأتي دفعةً واحدة، بل يتسلّل خطوةً خطوة، حتى يعتاد الناس ما كانوا يستعظمونه. ولأن الإنسان ابنُ بيئته، خائفٌ من العزلة، صار كثيرون ينساقون خلف الترند لا اقتناعاً بل خوفاً من أن يكونوا خارج القطيع. حتى أصبح بعض الناس يذهب إلى مطعمٍ يعلم في داخله أنه عادي أو رديء، لكنه مزدحم لأن "الترند قال ذلك"، ويشتري سلعةً أو سلةً يدرك أنها لا تستحق، لكنه يخشى أن يبدو مختلفاً عن الآخرين. بل قد يفعل الإنسان أموراً لا يقتنع بها أصلاً، ويضحك على ما لا يراه مضحكاً، ويُصفّق لما لا يحترمه، فقط لأن التيار يمضي في ذلك الاتجاه. وهنا يتحول الفرد من صاحب رأي إلى صدى، ومن إنسانٍ يختار إلى إنسانٍ يُقاد. والأسوأ أن الكبار قبل الصغار دخلوا هذا السباق؛ فترى الأب والأم بل وحتى الجدّ يلهثون خلف الرقصة الرائجة والعبارة السطحية، وكأن الوقار عبءٌ يجب التخلص منه. وحين يفقد الكبير هيبته، يفقد الصغير بوصلته، وتسقط منظومة التربية من داخلها. هذه الترندات تسرق الحياء الذي كان سوراً يحفظ للإنسان كرامته وللمجتمع تماسكه. ثم تأتي الكارثة الكبرى: تهميش أهل العلم والأدب والأخلاق، لا لأنهم غائبون، بل لأن الضجيج أعلى من الحكمة، ولأن السوق يطلب الإثارة لا البصيرة. نحن بحاجة إلى تربيةٍ تُعلّم الطفل منذ صغره أن القيمة ليست في عدد المتابعين بل في مقدار الأثر، وأن الشهرة ليست مجداً إذا خلت من الخُلُق والمعنى. وبحاجةٍ أيضاً إلى أسرةٍ لا تُسلّم أبناءها للشاشة ثم تشتكي من ضياعهم، بل تُشاركهم الحوار، وتغرس فيهم شخصيةً تعرف كيف تقول "لا" حين يركض الجميع نحو العبث. كما أن أهل العلم والأدب مدعوون إلى دخول المنصات لا الهروب منها؛ فالساحة التي يتركها العقل يملؤها الضجيج. وليس المطلوب أن يتحولوا إلى مهرّجين، بل أن يُحسنوا عرض الفكرة بلغة العصر دون أن يتنازلوا عن جوهرها. فالكلمة العميقة لا يعني أن تكون معقدة، والرسالة الراقية لا يشترط أن تكون مملّة. إن المعركة الحقيقية ليست ضد تطبيقٍ أو منصة، بل ضد فراغٍ داخلي يجعل الإنسان يبحث عن قيمته في تصفيق الغرباء. وحين يمتلئ الإنسان بالمعنى، يقلّ افتتانه بالضجيج. فالحضارات لا يحفظها المال وحده، بل يحفظها وعيٌ يعرف الفرق بين من يبني العقول ومن يسرقها، بين من يصنع الإنسان ومن يصنع الترند.
5232
| 12 مايو 2026
كتبت مرة قصة قصيرة عن مؤلف وجد نفسه على جبل الأوليمب، وحوله كل شخصيات قصصه ورواياته من النساء. حين أنظر حولي هذه الأيام أفكر، هل يمكن حقا الصعود إلى جبل الأوليمب، وأرى حولي كل من كتبت عنهم رجالا ونساء، ونعيش بعيدا عن هذا الصخب والعبث الذي لا ينتهي؟ وهل لن يندهش زيوس من وجودي، ويعطيني صندوق باندورا هدية، فأفتحه غير مدرك أنه ستنطلق منه كل الشرور، فهو الزعيم الأوحد! رغم ذلك تخايلني هذه الرغبة وأنا أرى المعارك العابرة، حولي تشغل مساحة أكبر من المعارك الحقيقية. نرى ما تفعله إسرائيل وأمريكا بمنطقتنا العربية، والمقاومة التي بها سيتغير حال البلاد، ولا أبتعد عن الكتابة عنها، لكنها تضيع بين المعارك الصغيرة. يريحني يقيني أن معاركنا مع العدو الصهيوني على صعوبتها، سيأتي اليوم الذي يتبخر فيه هذا العدو. ويشتتني ما أراه على السوشيال ميديا من معارك وألفاظ، لا تليق أبدا بكتابها، فقفز خيالي بصعود جبل الأوليمب. آخرها والذي شغل مساحة كبيرة جدا، الخلاف الذي وقع بين الشاعرة المصرية الرائعة نجاة علي، والكاتب والفنان خالد سليمان الناصري، صاحب دار المتوسط للنشر. تحدثت نجاة علي عن حقوقها المالية الضائعة مع الدار. أصدر خالد الناصري بيانا أوليا خانه التوفيق في ألفاظه، وهو يوضح خطأ الشاعرة، ثم عاد في بيان تالٍ يعتذر عن ألفاظ البيان الأول، ويوضح عدد النسخ التي طبعت، وما وصل الشاعرة من مال، لكن لم ينتهِ الأمر. تتالت الاتهامات والشتائم له، وبدت المسألة كأن مصر كلها ضده. ولأني أعتز جدا بالاثنين، الشاعرة نجاة علي وخالد الناصري، لم أساهم في النقاش. لم أقل حتى حقيقة علاقتي بدار المتوسط، التي هي مختلفة تماما. نشرت بدار المتوسط أربع روايات حتى الآن، لم تتأخر قط في دفع ما اتفقنا عليه، من مال أو نسخ لي من الكتاب. أقول هذا ليس دفاعا عن خالد الناصري، لكن نصيحتي لكل كاتب، أنه حين تختلف مع ناشر ما، قم بتغييره في صمت، والأهم أنه حين تنشر في دار نشر خارجية، اتفق على مبلغ نهائي تحصل عليه عند النشر، ولا تنتظر حسابا سنويا وتشغل نفسك بذلك. هكذا فعلت في السنوات الأخيرة مع دار المتوسط، ودار ماسكيلياني التونسية، وأخيرا دار جداول اللبنانية. في مصر مثلا لا تحاسبني سنويا على مبيعات أعمالي غير دارين للنشر، هما الشروق المصرية، والدار المصرية اللبنانية، فلديهما نظام دقيق لذلك، ثم إنهما ليستا بعيدتين عني. هذه المعركة بين الكتّاب وخالد الناصري، جاءت بعد معركة أخرى بين المصريين ولا تزال، حول مسألة "نظام الطيبات" في الغذاء والعلاج، الذي اخترعه الدكتور ضياء العوضي، والذي توفي رحمه الله. كم تتالت فيها من ألفاظ لا تليق بكتابها، رغم أن الرد العلمي أجمل. يغطي هذا كله على الحقائق الأولى بالحديث كما ذكرت، لكن الحمد لله أتذكر رواية "بعيدا عن الزحام المجنون" التي كتبها توماس هاردي، وصارت فيلما عظيما لجولي كريستي وتيرانس ستامب شاهدته سنوات الستينات. رغم موضوع الفيلم البعيد عن أحوالنا، يطاردني عنوان هذه الرواية دائما، حين تزدحم الدنيا من حولي بالبشر، والقضايا الفكرية العابرة. وأعرف يائسا أنه لن ينتهي بالابتعاد، حتى لو فعلت ما قاله سورين كيركجارد، الفيلسوف الوجودي، وبنيت سلما لا ينتهي إلى السماء. للأسف الصعود على جبل الأوليمب ليس متاحا لنا، رغم أن زيوس قد يكون أرحم، من هواة الشتائم والقذف على السوشيال ميديا.
1722
| 13 مايو 2026