رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
ذكرت صحيفة(يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية(الإثنين 28 نوفمبر الماضي): أن ما وصفته بـــ(الكابوس الأكبر) هو الشعور السائد لدى المسؤولين الإسرائيليين وفي أروقة الأجهزة الاستخباراتية،وأن في إسرائيل مثلما أيضاً في دول أخرى،يعيشون حالة تأهب. استقبالاً لتسريب المعلومات الأكبر في التاريخ عن موقع ويكيليكس.وأضافت الصحيفة أن تحذيرات كبيرة نقلتها الولايات المتحدة إلى جهات إسرائيلية تتعلق بوجهات نظر وزارة الخارجية الأمريكية عن مسؤولين إسرائيليين كبار. بمن فيهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو. وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان، ووزير الحرب إيهود باراك، وزعيمة المعارضة تسيبي ليفني ووزير الدفاع يتسحاق هيرتسوغ.
القلق الإسرائيلي يرافقه تخوف أمريكي من استمرار الموقع في نشر الوثائق المحرجة للولايات المتحدة وحليفاتها وبالأخص إسرائيل... ذلك ما ذكرته صحيفة نيويورك تايمز في عددها(28 نوفمبر).القلق الأمريكي اتضح في الحديث الصحافي الذي قدمته وزيرة الخارجي هيلاري كلينتون وأوضحت فيه نية الحكومة الأمريكية مقاضاة الموقع. والدروس المستفادة من النشر بمنع تكراره مرة أخرى.
إن مجرد القلق. لا يدع مجالاً للشك في صحة هذه الوثائق. التي حاولت التشكيك في صدقيتها: الولايات المتحدة وإسرائيل وأعوانهما،وكذلك ما يسببه نشرها من إحراج كبير لهذه الدول،التي تحاول جاهدة الإيحاء بأنها تقوم بحروبها(اعتداءاتها) على البلدان(التي تشكل خطراً على الأمن الدولي والسلام العالمي). تحاول جاهدة الإيحاء بتمسكها(محافظتها) بحقوق الإنسان. ليتبين كذب هذه التبريرات والتي هي بمثابة افتراءات.
ذلك ما كشفته الصور الملتقطة في سجن أبو غريب،والذي أكدته وثائق موقع ويكيليكس. الذي تعرض مديره لاتهام بالاغتصاب الجنسي.والمرشح لاتخاذ خطوات أخرى ضده بما في ذلك إمكانية تصفيته جسديا. وما زال الموقع يتعرض لأعنف حملة هجومية تقوم بها الولايات المتحدة وحليفاتها عليه. إضافة إلى تخريبه حيث أصبح من المتعذر زيارته من قبل المستخدمين.
ما تثبته الوثائق التي نشرها الموقع حتى اللحظة:أن الولايات المتحدة وحليفاتها في اقتراف العدوان على العراق. لم يجر شنه لا من أجل تخليص العالم من الخطر الذي يشكله البلد العربي بامتلاكه لأسلحة الدمار الشامل،وإنما لأهداف إستراتيجية أمريكية-إسرائيلية-غربية تتعلق بمستقبله وثرواته والمنطقة بشكل عام.
القلق الأمريكي-الإسرائيلي من النشر قائم على انزعاج البلدين من الوثائق التي تثبت درجة التنسيق العالي جداً بينهما،فوفقاً لمصدر إسرائيلي اعترف الأمريكان بأن معلومات استخباراتية جداً سلمتها إسرائيل إلى الولايات المتحدة تتعلق بإيران،كانت شعبة الاستخبارات والموساد الإسرائيلي قد حصلت عليها.والوثائق تتضمن تنسيقات مختلفة تتعلق بوسائل إدانة إيران وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها.
من جانب ثانٍ،قال مسؤول إسرائيلي لوسائل إعلام محلية(أن أمريكا أشارت إلى أنه إذا تضمن الكشف برقيات صادرة عن سفارة الولايات المتحدة في تل أبيب،فإن الأمر سيؤدي إلى إحراج كبير لأن البرقيات تتعلق بالعلاقات الإسرائيلية –الأمريكية والمعلومات غالباً تطغى عليها درجة السرية الشديدة).بمعنى آخر فإن الوثائق تفضح ما لا تريد الولايات المتحدة كشفه،خوفاً من إحراجها في العالم العربي،الأمر الذي يشي بأن السياسة الأمريكية تجاه العالم العربي تخضع للبصمات الإسرائيلية،وأن وعود أوباما في خطابه في جامعة القاهرة الموجه للعرب المسلمين،والهادف إلى الانفتاح على العالمين العربي والإسلامي ما هو إلاّ خطاب لفظي للاستهلاك الإعلامي فقط.وبالفعل أثبتت الفترة(والتي تتعدى ما ينوف عن السنة) الماضية منذ إلقاء الخطاب. استمرار ذات السياسة الأمريكية تجاه العرب والمسلمين. وبالأخص من القضية الفلسطينية. جوهر الصراع العربي الصهيوني. على حالها. فهي مستمرة في انحيازها الواضح والكامل إلى جانب إسرائيل،كما أن معظم التحليلات السياسية تذهب إلى القول بأن سياسة أوباما الدولية(بما في ذلك تجاه الشرق الأوسط) تعيد إنتاج نفس السياسة الصقورية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية السابقة. إبّان عهد الرئيس جورج بوش الابن.
من جانبه،قال مؤسس موقع ويكيليكس جوليان أسانج:إن نشر الآلاف من الوثائق السرية التي كشفت العديد من الحقائق. بدءاً من الاغتيالات في تيمور الشرقية،مروراً وانتهاء بالوثائق الصادرة عن السفارات الأمريكية في جميع أنحاء العالم والمتعلقة بالحرب على العراق. أحدثت صدى جيداً حيث بدأت أطراف في الأمم المتحدة التحرك من أجل محاكمة المتورطين بقضايا تخالف القانون الدولي،كما أن الحكومة الدنمركية طلبت من الموقع تزويدها بالنسخ الأصلية لأكثر من أربعة آلاف وثيقة،تتحدث عن خروقات لجنود دنمركيين في العراق. قاموا بتسليم سجناء عراقيين إلى الأجهزة الأمنية العراقية من أجل تعذيبهم،مشيراً إلى أن واشنطن رفضت تزويد وزارة الدفاع الدنمركية بهذه الوثائق. ما أجبر الأخيرة على الاتصال بالموقع من أجل الحصول على الوثائق المعنية.
حتى الآن. اكتفى المنزعجون بتدبير تهمة بذيئة لإلصاقها بأسانج،ولو استطاعوا قصف الموقع بالدبابات والطائرات الحربية لفعلوا. ومن غير المستبعد شن المزيد من الحملات التكنولوجية التخريبية الأخرى لتدمير الموقع نهائيا،ونعتقد أن القائمين عليه يحسبون مثل هذا الاحتمال ويعدون العدة لتدبير موقع جديد،وخوفاً من تثبيت التهمة على القلقين. لقاموا باختطاف مديره وتعذيبه عقابا له على ما فعل،غير أنهم سيحاولون جاهدين تدبير اتهامات جديدة لأسانج حتى يبدو شخصاً فاسداً ولا أخلاقياً وكذاباً،ولكن سبق السيف العذل،فلو لم يتمكن الموقع من نشر المزيد من الوثائق فيكفي ما تم نشره من وثائق لإلحاق الفضيحة بالولايات المتحدة وإسرائيل وأعوانهما. على ما ارتكبته هذه الدول من جرائم. بعيدة كل البعد عن حقوق الإنسان والمواثيق والأعراف الدولية!!
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
مساحة إعلانية
هي ليست عربية ولا حتى مسلمة، ولا تربطها بغزة رابطة دم أو دين أو لغة، ومع ذلك استطاعت في مباراة كرة قدم واحدة أن ترسل رسالة أخلاقية دوّى صداها أبعد بكثير من حدود المستطيل الأخضر. في مباراة منتخب إيرلندا أمام دولة الكيان، لم يتعامل اللاعبون الإيرلنديون مع الأمر وكأنه تسعون دقيقة من كرة القدم تنتهي بصافرة الحكم ثم يعود الجميع إلى منازلهم. ارتدى اللاعبون الشارات السوداء تضامنًا مع الفلسطينيين، وخفضوا رؤوسهم أثناء عزف نشيد المحتل، وغابت المصافحة المعتادة قبل المباراة. وقبلها أعلن حارس المنتخب غافين بازونو انسحابه ورفض المشاركة، مؤكدًا أن قراره جاء انطلاقًا من موقف ومبدأ. حتى مدرب المنتخب الإيرلندي تحدث بوضوح عن رفض ما يجري في غزة، في وقت أصبحت فيه الكلمات الواضحة نفسها تحتاج إلى شجاعة. لم تكن القضية إذن تسجيل هدف في مرمى إسرائيل، مع أن المباراة انتهت بثلاثية إيرلندية نظيفة، وإنما كانت في كيفية استخدام الرياضة لإيصال موقف إلى العالم من دون أن يتحول الملعب إلى فوضى، ومن دون شعارات جوفاء أو استعراض مؤقت ومن غير خجل كثير من المنتخبات العربية للأسف. والشارع الإيرلندي كان حاضرًا قبل المباراة كذلك. احتجاجات وأعلام فلسطينية، ومطالبات بمقاطعة المباريات، ورسالة مفتوحة وقّعها أكثر من 160 رياضيًا إيرلنديًا تطالب لاعبي المنتخب بعدم مواجهة إسرائيل. حتى الاتحاد الإيرلندي لكرة القدم سبق أن طالب بوقف مشاركة إسرائيل دوليًا، وسط جدل واسع داخل البلاد بشأن استمرار المباريات. هؤلاء فعلوا ذلك من أجل غزة. وهنا يأتي السؤال المؤلم: ونحن ؟؟ أين نحن من غزة؟ أين الشارع العربي؟ أين الجماهير؟ أين الرياضيون؟ أين المشاهير؟ أين أصحاب الملايين من المتابعين؟ وأين ذلك الصوت الذي كان يملأ الدنيا عندما كانت القضية في بدايتها؟ أخشى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لغزة ليس فقط استمرار القتل والدمار والتجويع، وإنما أن يصبح كل ذلك بالنسبة إلينا خبرًا عاديًا. أن نرى الصورة ثم نتجاوزها. أن نقرأ عدد الضحايا ثم ننتقل إلى خبر آخر. أن تصبح غزة فقرة ثابتة في نشرات الأخبار بعدما كانت جرحًا مفتوحًا في وجدان الأمة. لقد طال الزمن، وكثرت الصور، وتكررت المشاهد، وربما أصاب البعض شيء من الاعتياد. وهنا تكمن الكارثة. لأن المأساة عندما تطول لا تصبح أقل مأساوية، والطفل الذي يجوع اليوم ليس أقل قيمة من الطفل الذي أبكانا قبل عام أو عامين، والأم التي تفقد أبناءها اليوم لا يخفف من مصابها أن العالم شاهد آلاف القصص المشابهة قبلها. في غزة شعب يعيش تحت دمار هائل وحصار ومعاناة إنسانية ممتدة، وسط اتهامات دولية بالغة الخطورة لإسرائيل بشأن ما ارتُكب بحق المدنيين الفلسطينيين. ومع ذلك، نجد أن صوت التضامن يأتي أحيانًا من دبلن أقوى من أصوات كثيرة في عواصم أقرب إلى غزة جغرافيا ودينًا ولغةً وتاريخًا. وهذه ليست مقارنة هدفها جلد الذات، وإنما إيقاظها. الإيرلندي الذي يرفع علم فلسطين لا يقول لنا: انظروا إليّ. بل ربما يسألنا من حيث لا يدري: إذا كانت غزة حرّكت ضميري وأنا على بعد آلاف الكيلومترات، فكيف أصبحت بعيدة عن ضمائركم وأنتم أهلها وإخوتها؟ لسنا مطالبين بأن نتحول جميعًا إلى سياسيين، ولا أن تتوقف الحياة، ولا أن يصبح كل إنسان خطيبًا أو ناشطًا. لكننا مطالبون بأبسط شيء: ألا ننسى. ألا تصبح صور الأطفال أرقامًا. ألا يصبح الجوع خبرًا. ألا يصبح الموت مشهدًا مألوفًا. وألا تتحول فلسطين من قضية حاضرة في الوجدان العربي والإسلامي إلى ذكرى موسمية نستحضرها فقط عندما يقع حدث كبير. ما فعلته إيرلندا يثبت أن الموقف لا يحتاج دائمًا إلى منصة سياسية ولا إلى خطاب طويل. أحيانًا تكفي شارة سوداء. أحيانًا يكفي رأس ينحني رفضًا. أحيانًا يكفي لاعب يقول: لن أشارك. وأحيانًا يكفي جمهور يرفع علمًا ليذكّر العالم بأن هناك شعبًا لم يُنسَ. لكن السؤال الذي يجب أن يؤلمنا قليلًا بل كثيرًا: إذا كانت إيرلندا ما زالت تتذكر غزة بهذا الوضوح، فبأي عذر نسمح نحن لأنفسنا أن ننساها؟ غزة ليست خبرًا قديمًا. غزة ليست «ترندًا» انتهى. وغزة، قبل كل شيء، ليست بعيدة عنا. هي منا.. ونحن أولى الناس بألا نتركها وحدها. وإلا بذلك تكون إيرلندا هي المسلمة ونحن …..
4668
| 29 سبتمبر 2026
لا يوجد إعلام رياضي خليجي واحد، وإنما إعلام خاص بكل دولة من دول مجلس التعاون. ورغم أهمية القضية وتأثيراتها السلبية على مستقبل الرياضة في خليجنا العربي، إلا أنها لم تنل ما تستحقه من البحث والدراسة، وسأناقشها من أربع زوايا. الزاوية الأولى: إن الإعلام في دولنا خال من الروح الخليجية، فهو يُعنى بالفعاليات والإنجازات الرياضية المحلية، ويركز عليها بشكل مطلق، وإذا ورد خبر رياضي خليجي فإنه يرد ضمن الأخبار غير المحلية ودون عناية به أو تمييز له. الزاوية الثانية: إنه إعلام خبري يهتم بنقل الخبر، ويفتقر إلى المقالات التحليلية العلمية. فمعظم المقالات تدور حول موضوعات تتعلق بجوانب شخصية لكتابها، ولا تقدم رؤى وأفكاراً تساعد في نشر الوعي الرياضي، أو تسهم في تخليق قاعدة جماهيرية مثقفة رياضياً تتيح إعداد جيل يبرز فيه إعلاميون وصحفيون رياضيون مستقبلاً. الزاوية الثالثة: إنه إعلام لا يُعنى بالدور التنموي الكبير للرياضة كأداة تغيير مجتمعي فعالة. فلا نجد اهتماماً بغير الجانب التنافسي لها كنشاطات بدنية، وقلما عثرنا باهتمامات بجوانبها الاجتماعية كالتوعية بالمسؤولية الاجتماعية أو التنشئة الأخلاقية للناشئة والشباب، وتنمية المشاعر الوطنية المرتكزة إلى الإسلام الحنيف والعروبة. الزاوية الرابعة: إنه إعلامُ اللعبة الواحدة، فمعظمُ موادهِ وتغطياتِـهِ تدور حول كرةِ القدمِ، وهذا أمر يعوقُ السعي لتأسيسِ قواعد شعبية للعبات الأخرى، ويؤثِّـرُ سلباً على إنجاح الفعاليات والبطولات الدولية جماهيرياً عندما تُقامُ في إحدى دولِـنا الستِّ. نبضةٌ خليجيةٌ: خليجنا واحد، عبارة تعني أننا شعب واحد في ست دول، وأن تنمية إنساننا هي مهمة خليجية نعمل جميعاً لإنجاحها، وحبذا لو انطلقنا في ذلك من الرياضة وإعلامها.
3318
| 02 أكتوبر 2026
التوظيف بين وزارات الدولة وشركات الوساطة بات اليوم سؤالًا مشروعًا يحتاج إلى إجابة واضحة. فدولة صغيرة بعدد سكانها مثل قطر لا يمكن أن تكتفي بالكوادر الوطنية وحدها لتغطية كل التخصصات والمهن، ومن الطبيعي أن تستعين بالمقيمين والوافدين لسد النقص، خصوصًا في الوظائف التي قد لا يقبل عليها المواطن لاعتبارات مهنية أو ثقافية. لكن ما يحدث في الواقع أن بعض الوزارات والجهات الحكومية، بحكم القوانين والإجراءات التنظيمية، لا تستطيع التعاقد المباشر مع المقيمين رغم وجود حاجة فعلية لهم، فتضطر إلى اللجوء لشركات توظيف خاصة تقوم بدور الوسيط؛ فتوقّع العقود مع الموظفين ثم تعيرهم للوزارات، لكنها تقتطع من رواتبهم أحيانًا ما يقارب النصف تحت مسمى “عمولة” أو “رسوم إدارية”. وهنا يبرز الخلل: الوزارة تدفع ميزانيتها كاملة، والشركة تستحوذ على النصيب الأكبر، والموظف، الذي يقوم بالعمل فعليًا، لا يحصل إلا على النصف أو أقل، في بلد ترتفع فيه تكاليف المعيشة. فيبقى السؤال: كيف يعيش؟ وكيف يعيل أسرته؟ وكيف يدرّس أبناءه؟ والمفارقة أن كل جهاز حكومي لديه أصلًا إدارة متكاملة للتوظيف والموارد البشرية، تضم موظفين مختصين ومؤهلين للقيام بمهام الاستقطاب والاختيار والتعيين. فما الحكمة إذن من وضع التحكم في يد طرف ثالث، بينما الجهة الحكومية مؤهلة وقادرة على القيام بمهامها؟ ولماذا يُترك الموظف والمجتمع ليتحملا الكلفة، بينما المستفيد الأكبر هم أصحاب هذه الشركات؟ والأكثر إثارة للتساؤل أن شركات التوظيف التي تدور في هذا المجال محدودة ومعروفة، وهنا يحق للناس أن يسألوا: من أصحاب هذه الشركات؟ ومن المستفيد من بقاء هذا الباب مفتوحًا؟ وهل نحن أمام تنظيم إداري يخدم المصلحة العامة، أم أمام منفذ ربحي يستفيد منه قلة على حساب حاجة الدولة وجهد الموظف؟ وهذه العقود لا تظلم الموظف في الراتب فقط، بل تمتد إلى حقوقه الأساسية؛ فقد يُخصم من راتبه إذا مرض رغم تقديم شهادة طبية معتمدة، لأنه لا يتمتع بإجازات مرضية أو سنوية مدفوعة، ولا بضمانات وظيفية واضحة، ولا زيادات سنوية، ولا مكافأة نهاية خدمة، بل قد يتأخر راتبه أحيانًا إلى ما بعد بداية الشهر. والأخطر أن بعض الجهات الحكومية تستفيد من خبرات وكفاءات تعمل داخل مؤسساتها وتتحمل مسؤوليات كبيرة، لكنها تتركها تحت رحمة مكاتب وشركات وسيطة، تحقق أرباحًا عالية من جهد الموظف وخبرته، بينما يتحمل هو وحده مخاطر الخصم وعدم الاستقرار والاستبدال. ومن الناحية الشرعية والأخلاقية، فإن هذا النوع من العقود يثير تساؤلات جدية؛ فالوسيط من حقه أن يأخذ أجرًا معلومًا ومحددًا مقابل خدمته، لكن أن يتحول الأمر إلى اقتطاع مستمر من راتب الموظف طوال سنوات خدمته، فهذا يقترب من شبهة أكل أموال الناس بغير وجه حق، ويفتح بابًا واسعًا للاستغلال. والمسؤولية هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل تشمل أيضًا الجهة الرسمية التي سمحت بهذا النموذج أو تغاضت عنه. أما من ناحية التخطيط، فالمنطق يقول إن الهدف من هذه الإجراءات هو إعطاء الأولوية للمواطن، وهذا هدف مفهوم ومشروع، لكن لا يجوز أن يتحول الأمر إلى التفاف إداري يرهق المقيم، ويضر بصورة العدالة، ويكلف الدولة أحيانًا أكثر مما لو تم التعاقد المباشر بشفافية ووضوح. نحن لسنا ضد التعاقدات، ولا ضد القطاع الخاص، ولا ضد ربح الشركات، لكننا ضد أن يكون الربح على حساب كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. فالكفاءة والخبرة ليست سلعة في مناقصة، والإنسان ليس رقمًا في فاتورة شهرية، يتم الاستغناء عنه أو استبداله متى انتهت الحاجة إليه. الحل ليس معقدًا: التعاقد المباشر مع المقيمين في الوظائف التي لا يتوافر لها مواطنون، ضمن عقود واضحة تحفظ الحقوق، مع تقييد دور شركات الوساطة بحيث تكتفي بأجر مقطوع ومعلوم لمرة واحدة، بدلًا من الاقتطاع الدائم من رواتب الناس. وهذا المقال موجّه إلى وزارة العمل، وديوان الخدمة المدنية والتطوير الحكومي، ووزارة المالية، وديوان المحاسبة، ومجلس الشورى، وكل جهة معنية بمراجعة عقود التوظيف، وحماية المال العام، وصون حقوق العاملين. فالمسألة في جوهرها تحتاج إلى مراجعة قانونية وشرعية وإدارية، حتى يكون التوظيف في قطر قائمًا على العدل لا على الالتفاف، وعلى الاستقرار لا على الاستغلال، وبما يحفظ حق الدولة، وحق الشركة، وحق الموظف، لأن الاستثمار الحقيقي لأي مؤسسة يبدأ من احترام الإنسان وخبرته واستقراره.
1185
| 01 أكتوبر 2026