رئيس مجلس الإدارة : د. خالد بن ثاني آل ثاني

Al-sharq

رئيس التحرير: جابر سالم الحرمي

الشرق

مساحة إعلانية

مساحة إعلانية

عيسى الشيخ حسن

eassash2@hotmail.com

مساحة إعلانية

مقالات

517

عيسى الشيخ حسن

روشميا

02 ديسمبر 2015 , 12:46ص

لفت الأنظار في مهرجان الجزيرة الدولي للأفلام التسجيلية الفيلم الفلسطيني "روشميا" بطرافة موضوعه، وتمثّله الحقيقي لمفهوم "الديكودراما" التي تنزع السينما التسجيلية من خلالها إلى أن تكون حال الناس وحكاياتهم المليئة بغصص الواقع.

يذهب المخرج سليم أبو جبل ابن الجولان السوري إلى وادي روشميا حيث يقيم الثمانيني العجوز أبو العبد أسفل الوادي مع زوجته في كوخ مسقوف بالزنك، في مكان شبه مهجور؛ فلا ماء ولا كهرباء ولا رعاية صحية، بعد أن هجرته عائلته وبقي متشبّثاً بالأرض، تساعده زوجته العجوز في تلك الوحدة القاسية.

عجوزان يقاومان العزلة بالتدخين والثرثرة، في "ديالوج" ممتد طيلة الفيلم، يكسر من رتابته غير توالي الليل والنهار، تدخل الآخرين المارّين بهم، من صحفيين فضوليين، والصغار في الحيّ المجاور، وسائق الشاحنة، وصديق العائلة الذي يقدّم لهم الخدمات، إضافة إلى مزاج العجوزين المتقلّب طيلة الفيلم بين "خصام ورضا".

حواريّة تذكر بفلاديمير وستراجون في "في انتظار غودو" ولكنّ العجوزين لاينتظران الخلاص، بل ينتظران الجرّافة، حيث استصدر قرار بهدم البيت لمصلحة إنشاء نفق جديد، مع تعويض العجوزين بثمانين ألف دولار. ومع إقرارهما بضعف الحيلة في مواجهة هذا القرار، فلا يمتلك أبو العبد إلاّ التحسّر على ذكرياته، وتقليب الراديو على المحطات الناطقة بالعربية، فيما تلوذ العجوز بذكرياتها أيام كانت هذه المنطقة قبل سنين جنّة حقيقية.

ينسى المشاهدة للحظة أنه أمام عجوزين بائسين، ويكاد يميل أنهما ممثلان عظيمان، يختصمان ويتشاكيان ويتراضيان في حواريّة ممتعة "في انتظار الجرّافة"، عجوز حقيقية تستحضر في صلابتها وصبرها أم مكسيم غوركي، وأمّ غسان كنفاني، وعجوز صامد لم يجد في مواجهة الأمر الواقع إلاّ اختناق العتابا على شفتيه حزناً على فراق الكوخ السعيد.

تحضر الجرّافة مع قوة مؤازرة للشرطة الإسرائيلية، ودون أي مقاومة تنشب الجرّافة اسنانها بالمكان، هكذا يقول المخرج في تركيز "الزوم" على أسنان الجرّافة، ومركّزا في الوقت ذاته على تعبير وجه العجوز، وهو يصرخ ويدعو على الظالمين لحظة الهدم المفجعة، ويستطيع أن يحبس أنفاس المشاهدين عند هذه اللحظة.

أخبرني سليم أبو جبل مخرج العمل أنّ العجوزين انتقلا إلى شقّة مريحة، ولكنّهما لم يستطيعا التأقلم مع المكان الجديد، فتوفيّا تباعاً. وكان هذا الفيلم إهداء إلى روحيهما. ولا عجب أن يفوز مثل هذا العمل المؤثّر بجائزة الجزيرة الوثائقية.

مساحة إعلانية